المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
بَابُ حَدِّ القَذْفِ
 

 

بَابُ حَدِّ القَذْفِ

 

إِذَا قَذَفَ الْمُكَلَّفُ مُحْصَناً جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ حُرّاً، وَإِنْ كَانَ عَبْداً أَرْبَعِينَ.

قوله: «حد القذف» «حد» مضاف و «القذف» مضاف إليه، والإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني باب الحد الذي سببه القذف.

والقذف في الأصل: هو الرمي، والمراد به هنا رمي شخص بالزنا، أو اللواط، فيقول: يا زانٍ، يا لوطي، أو أنت زانٍ، أو أنت لوطي، وما أشبه ذلك.

وحكم القذف محرم، بل من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصناً، والحكمة من تحريمه صيانة أعراض الناس عن الانتهاك، وحماية سمعتهم عن التدنيس، وهذا من أحكم الحكم؛ لأن الناس لو سُلط بعضهم على بعض في التدنيس، والسب، والشتم حصلت عداوات، وبغضاء، وربما حروب طواحن من أجل هذه الأمور، لكن حفظاً لأعراض الناس، وحماية لها، ولسمعة المسلمين جاء الشرع محرماً للقذف، وموجباً للعقوبة الدنيوية فيه، يقول الله ـ عزّ وجل ـ: {{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *}} [النور:23] ، فرتب على ذلك أمرين عظيمين:

الأول: اللعنة في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله.

الثاني: العذاب العظيم.

ثم قال: {{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ}} [النور: 24، 25] ، وثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من الكبائر الموبقة قذفَ المحصنات المؤمنات الغافلات[(142)].

إذاً فهو من كبائر الذنوب بدلالة الكتاب والسنة، والحكمة فيه ما أشرنا إليه من قبل.

والقذف تختلف عقوبته باختلاف القاذف، وباختلاف المقذوف، ويعلم ذلك من الشروط.

قوله: «إِذَا قَذَفَ المُكَلَّفُ مُحْصَناً جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ حُرّاً وَإِنْ كَانَ عَبْداً أَرْبَعِينَ» «المكلف» البالغ العاقل، سواء كان هذا البالغ العاقل ذكراً أو أنثى، حتى المرأة لو أنها قذفت رجلاً يقام عليها حد القذف.

وكلمة: «المكلف» جاء بها ـ رحمه الله ـ من باب التبيين، وإلا فإنه قد سبق لنا في الشروط العامة في الحدود أنه يشترط أن يكون المحدود بالغاً عاقلاً.

وقوله: «محصناً» المحصن هنا غير المحصن في باب الزنا، فالمحصن هنا سيذكره المؤلف بقوله: «الحر المسلم العاقل العفيف الملتزم الذي يجامع مثله» بخلاف ما في باب الزنا.

وقوله: «محصناً» نكرة في سياق الشرط، فتعم ما إذا كان المحصن امرأة أو رجلاً، فتكون كلمة محصن بمعنى شخصاً محصناً، وقدَّرنا ذلك من أجل الشمول والعموم.

وقوله: «محصناً» ظاهره أن ذلك شامل لقذف الولد والده، فيجلد ثمانين جلدة، فإذا قذف والده فقال: يا زانٍ ـ والعياذ بالله ـ فإنه يجلد حد القذف؛ لأن قذف الولد الوالد شنيع جداً.

ويشمل كلام المؤلف: قذف الوالد ولده، فالوالد إذا قذف ولده، قال له: أنت لوطي، أنت زانٍ، أنت فاعل لشيء من هذه الخبائث، وما أشبه ذلك، فعلى كلام المؤلف يجلد الوالد؛ لأنه أطلق فقال: «محصناً» وهذا خلاف المذهب، فالمذهب أن الوالد إذا قذف ولده فإنه لا يجلد به، كما أنه لو قتله لا يقتص به، وقد سبق لنا أن هذه المسألة فيها خلاف.

والصواب أن قذف الوالد لولده يجب فيه الحد، سواء قلنا: إنه حق لله، أو للآدمي؛ لأننا إذا قلنا: إنه حق لله، فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه لا سُلْطَة للوالد على ولده فيه، وإذا قلنا: إنه حق للآدمي، فإننا نقول: إن الولد إذا لم يرضَ بإسقاط حقه فإن له المطالبة به، فكما أن له أن يطالب والده بالنفقة، فهذا مثله، فلمَّا أهدر كرامة ولده، وأهانه أمام الناس، فليقم عليه الحد، والآية عامة.

ويدخل في كلام المؤلف من قذف نبياً، وقد قيل: إن من قذف نبياً فليس عليه إلا الحد، ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أن من قذف نبياً فإنه يكفر ويقتل كفراً، فإن تاب فإنه يقتل حداً، وليس كفراً؟ والفرق بين القِتْلتين:

أننا إذا قتلناه كفراً فإنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا قتلناه حداً صار الأمر بالعكس.

وظاهره أيضاً ولو قذف أم نبي ـ نسأل الله العافية ـ مثل أن يقول: إن مريم ـ والعياذ بالله ـ بغي، فهل يقتل أو لا؟

الجواب: لا بد أن يقتل؛ لأنه حتى لو فرضنا أنه ليس من باب القذف، فهو من باب تكذيب القرآن؛ لأن الله تعالى قال في مريم: {{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ }} [الأنبياء: 91] وأما أم نبي غير مريم، فالصحيح أنه يقتل كفراً، لما في ذلك من الشناعة العظيمة؛ حيث يوهم أن الأنبياء ـ وحاشاهم من ذلك ـ أولاد بغايا.

وظاهر كلامه أيضاً حتى لو قذف زوجة نبي فإنه يحد ثمانين؛ لأنه داخل في عموم «محصناً» ، ولكن هذا فيه خلاف إلا في عائشة ـ رضي الله عنها ـ فإن من رماها بما برأها الله منه فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، لكن لو رماها بغيره، أو رمى إحدى زوجات النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو أي نبي كان، فالصحيح أنه يكفر ـ أيضاً ـ ويقتل، قال شيخ الإسلام: لأن في هذا من الغضاضة، وإذلال النبي شيئاً لا يتهاون به، وهو أعظم من تحريم نكاح زوجاته بعده، فإذا كان الله قد نهانا أن نتزوج نساء الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعده؛ إكراماً له، وحماية لفراشه، فكيف يدنس بهذا؟! وهل قذف زوجات الأنبياء إلا استهزاءٌ بالأنبياء، وسخرية بهم، ولهذا فالصحيح أنه لا يدخل في كلام المؤلف، والظاهر أن هذه العمومات غير مرادة للمؤلف.

وقوله: «جلد ثمانين جلدة إن كان حراً» «جُلد» فعل ماضٍ مبني للمجهول، فمن الجالد؟ سبق لنا أنه لا يقيم الحدود إلا الإمام أو نائبه، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو الحق.

وقال بعض أهل العلم: إن حد القذف يقيمه المقذوف على القاذف، إذا جعلناه حقاً للمقذوف، وإذا جعلناه حقّاً لله فالذي يقيمه هو الإمام وسيأتي الخلاف فيه.

وقوله: «جلد ثمانين جلدة إن كان حراً» أي: إن كان القاذف حراً فإنه يجلد ثمانين، وهذا هو القسم الأول من عقوبة القاذف، والدليل قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *}} [النور:4] ، فقوله تعالى: {{الْمُحْصَنَاتِ}} جمع مؤنث سالم، فهل هي خاصة بالنساء أو عامة؟ وهل العموم باللفظ أو بالمعنى؟ ظاهر الآية الكريمة أنها خاصة بالنساء، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن المحصنات صفة لموصوف محذوف، واختلفوا في تقديره، فقال بعضهم: الأنفس المحصنات، وقال آخرون: الفروج المحصنات، فيكون عاماً يشمل الرجال والنساء، واستدلوا بقول الله تعالى: {{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}} فالفرج إذاً محصن، لكن لا شك أن هذا تأويل مخالف لظاهر الآية، وأن الظاهر أن المراد بها النساء، ولكن الرجال في هذا مثل النساء بالإجماع، فيكون عمومها عموماً معنوياً؛ وذلك لعدم الفارق بين الرجال والنساء في هذا.

في هذه الآية رتب الله على القذف ثلاثة أمور:

الأول: الجلد.

الثاني: عدم قبول الشهادة.

الثالث: الفسق.

ثم قال: {{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا}} [النور: 5] ، فهل هذا الاستثناء يرفع الأحكام الثلاثة، أو يرفع الحكم الأخير، أو يرفع الحكم الأخير والذي قبله؟ أما الأخير فهو بلا شك، فإذا تابوا من القذف زال عنهم وصف الفسق إلى العدالة، وهذا لا شك فيه؛ لأن الاستثناء من أقرب مذكور وقد حصل.

وقال بعض العلماء: إنه عائد إلى الأخير، وما قبله، وأنه إذا تاب ورجع قبلت شهادته، أما الحكم الأول فإنه لا يعود إليه بالاتفاق، إلا أن بعضهم قال: إذا جعلناه حقاً لله وتاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط، فجعله عائداً للثلاثة.

وقوله: «وإن كان عبداً أربعين» يعني وإن كان عبداً جلد أربعين، وهذا هو القسم الثاني من عقوبة القاذف، قالوا: لأن العبد يتنصف الحد عليه، وقد سبق دليل ذلك، وهو قوله تعالى: {{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}} [النساء: 25] ، والقذف حَدٌّ، فيتنصف كما يتنصف حد الزنا، إذاً كون العبد يجلد أربعين، هذا من باب القياس.

وقال بعض العلماء: إنه إذا كان حراً أو عبداً فإنه يجلد ثمانين جلدة؛ لأن الآية عامة، والحق للمقذوف، والمقذوف بالزنا سيتدنس عِرضُه، سواء كان القاذف حراً أو عبداً فالأمر فيه ظاهر، وحد الزنا لله، وبشاعة الزنا وشناعته بالنسبة للحر والعبد تختلف، فاختلف جزاؤه، أما هنا فالمضرة على المقذوف، والمقذوف يقول: إن عرضي تدنس، سواء كان القاذف حراً أو عبداً.

فالصحيح عندي القول الثاني أنه يجلد ثمانين جلدة، سواء كان حراً أو عبداً، والدليل عموم قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}} [النور: 4] .

ولأنه لا معنى لتنصيف العقوبة على العبد، والحكم يتعلق بغيره، بخلاف الزنا، فالقياس إذاً لا يصح.

 

وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ بِحِسَابِهِ، وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ، وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ،.....

 قوله: «وَالمُعْتَقُ بَعْضُهُ بِحِسَابِهِ» أي: إذا وُجد إنسان بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه يجلد بحسابه من الأربعين، فإذا كان نصفه حراً جُلِدَ ـ على رأي المؤلف ـ أربعين على أنه حر، وعشرين على أنه رقيق، يعني ستين، فيزيد ما بين الحدَّين بنسبة حرِّيَّتِهِ.

لكن كيف يتصور أن يكون الإنسان نصفه حراً ونصفه رقيقاً؟ يتصور إذا كان عبدٌ بين شركاء، فَأعَتَقَ أحدُهم نصيبه، وكان الشركاء الآخرون فقراء، وكذلك المعتِق فقيراً، ففي هذه الحال يعتق منه ما عتق.

قوله: «وَقَذْفُ غَيْرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ» هذا هو القسم الثالث من عقوبة القاذف، فإذا قذف غير محصن فإن يعزر، والتعزير بمعنى التأديب، وليس له قدر معين، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ الخلاف هل يزاد على عشر جلدات، أو لا يزاد؟ وما هو الصحيح من ذلك؟

قوله: «وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ» «وهو» ـ أي حد القذف ـ «حق للمقذوف» وليس حقاً لله، وقال أبو حنيفة: إنه حق لله عزّ وجل.

وبناءً على أنه حق للمقذوف يسقط بعفوه، فلو عفا بعد أن قذفه بالزنا فإن حد القذف يسقط؛ لأنه حق له، كما لو كان عليه دراهم فعفا عنها فإنها تسقط عنه، ولا يُستوفى بدون طلبه، فما دام المقذوف ساكتاً فلا نقول للقاذف شيئاً، حتى لو بلغت الإمام فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه حق للمقذوف، وإذا كان حقّاً للمقذوف فإننا لا نتعرض له، حتى يأتي صاحبُ الحق ويطالب.

ويترتب على ذلك أنه إذا كان المقذوف ولداً للقاذف فإنه لا يُحد، بناءً على أن الولد لا يثبت له حقٌّ على أبيه، إلا ما أوجبه الله له من النفقة، فالوالد لو قذف ولده فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه حق للولد، والولد لا يثبت له حق على والده.

وهل يترتب على هذا الخلاف أنه يتنصف على العبد، أو يبقى كاملاً؟ بعضهم بناه على هذا، وقال: ينبني على هذا الخلاف أنه إذا كان حقاً للمقذوف فإن العبد يُحَدُّ حداً كاملاً، وإن كان حقاً لله فإن العبد يُحَدُّ على النصف كالزنا.

إذاً يترتب على كون حد القذف حقاً للمقذوف أربعة أمور:

أولاً: أنه يسقط بعفوه.

الثاني: أنه لا يقام حتى يُطَالَب به.

الثالث: أنه لا يقام للولد على والده.

الرابع: أن العبد يُحَدُّ كاملاً.

فإن قلنا: إنه حق لله انعكست الأحكام، فيقام عليه الحد بدون طلب، ولا يسقط بالعفو إذا بلغ الإمام، كحد السرقة، ويجب للولد على والده، ويتنصف كالزنا؛ لأنه حق لله.

لكن الغريب أن الفرع الرابع ثابت حتى على القول بأنه حق للمقذوف، كما هو المذهب.

وعلى هذا فيكون فيه شيء من التناقض؛ لأنك إذا جعلته حقاً للمقذوف، فإنه لا فرق بين أن يكون القاذف له حراً أو عبداً.

والراجح أنه حق للمقذوف، لكن مسألة التنصف هي المشكلة، وإن كان عليها جمهور أهل العلم، لكن ظاهر الآية العموم.

 

وَالْمُحْصَنُ هُنَا: الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ الْمُلْتَزِمُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ،..........

 قوله: «والمُحْصَنُ هُنَا» أي: في باب القذف، وقيده بقوله: «هنا» احترازاً من المحصن في باب الزنا، وسبق، وهو مَنْ وطئ امرأته في نكاح صحيح، وهما بالغان، عاقلان، حُرَّان.

قوله: «الحر» هل هو موافق لهناك؟

الجواب: نعم؛ لأنه يقول: وهما بالغان، عاقلان، حرَّان، فالحرية شرط هنا وهناك.

قوله: «المسلم» هذا شرط هنا، وهناك ليس بشرط، ولهذا رجم النبي صلّى الله عليه وسلّم اليهوديين[(143)].

قوله: «العاقل» هذا شرط هنا وهناك.

قوله: «العفيف» هذا هنا شرط، وهناك ليس بشرط، فهناك لو كان من أفجر الناس، بل هو في الواقع غير عفيف؛ لأنه زنا فإنه يكون محصناً.

قوله: «الملتزم» هذه في الحقيقة لا داعي لها، والظاهر ـ والله أعلم ـ أنها سهو من المؤلف؛ لأن قيد الإسلام يُغني عن قيد الالتزام؛ لأن الملتزم أعم من المسلم، فالملتزم يدخل فيه المسلم والذمي كما سبق، وهنا خرج الذمي بقوله: «المسلم» ، ولهذا ما ذكره في الإقناع، ولا في المنتهى، ولا في المقنع الذي هو أصل الكتاب.

قوله: «الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ» قال في الروض[(144)]: وهو ابن عشر سنين، وبنت تسع سنين، فلو قذف صغيراً لم يبلغ عشراً فإنه لا يُحَدُّ، ولو قذف صغيرة لم يتم لها تسع فلا حد؛ لأنه لا يجامع مثله، فلا يلحقه العار بذلك، وهذا يختلف عن هناك.

قوله: «وَلاَ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ» وهناك «وهما بالغان» فيشترط هناك البلوغ، وهنا لا يشترط.

وهناك يشترط أن يكون قد جامع زوجته في نكاح صحيح، وهنا لا يشترط، إذاً هناك شروط تعتبر، لا تعتبر هنا، وهنا شروط تعتبر، لا تعتبر هناك.

فالذي يتفقان فيه: الحرية، والعقل.

وينفرد المحصن هنا باشتراط الإسلام، والعفة، وينفرد هناك بأنه لا بد أن يكون بالغاً، وأن يكون قد جامع في نكاح صحيح.

إذاً هذا يمتاز باثنين، وهذا يمتاز باثنين.

قالوا: وقذف غير المحصن يوجب التعزير، فلو كان القاذف حراً والمقذوف عبداً يعزر.

ولو قذف كافراً ـ ولو ذمياً ـ يعزر، ولو قذف شخصاً متهماً بالزنا يعزر، فلا يقام عليه الحد؛ لأنه ليس بعفيف.

ولو قذف صغيراً لا يجامع مثلُهُ يعزر، فلو قال قائل: الآية عامة {{الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ}} قلنا: لكن العبد لا يسمى محصناً في عُرف الشرع، وعلى هذا فيكون خارجاً من القيد ليس داخلاً، فلا يحتاج إلى دليل على إخراجه.

وما الدليل على اشتراط أن يكون مسلماً؟

الجواب: قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }} [النور:23] ، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات» [(145)].

واشتراط أن يجامع مثلُه؛ لأن من لا يجامع مثله لا يلحقه العار أبداً، ولا يتصور الناس منه غالباً الزنا، ولأن من كان بهذه السن فإنه لا يدنسه القذف، حتى لو ثبت أنه زنا.

 

وَصَرِيحُ الْقَذْفِ: يَا زَانٍ، يَا لُوطِيُّ ونَحْوُهُ، وَكِنَايَتُهُ: يَا قَحْبَةُ، يَا فَاجِرَةُ، يَا خَبِيثَةُ، فَضَحْتِ زَوْجَكِ، أَوْ نَكَّسْتِ رَأْسَهُ، أَوْ جَعَلْتِ لَهُ قُرُوناً وَنَحْوُهُ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ قُبِلَ، وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلَدٍ، أَوْ جَمَاعَةً لاَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الزِّنَا عَادَةً عُزِّرَ، وَيَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ بِالْعَفْوِ، وَلاَ يُسْتَوْفَى بِدُونِ الطَّلَبِ.

قوله: «وَصَرِيحُ القَذْفِ» القذف له صريح وكناية، والطلاق له صريح وكناية، والوقف له صريح وكناية، فما هو الصريح من كل لفظ؟ يقولون: إن الصريح من كل لفظ ما لا يحتمل غير معناه الذي وضع له، وإذا كان يحتمل المعنى هذا وهذا فإنه كناية.

قوله: «يا زَانٍ، يَا لُوطِيُّ» فصريحه أن يناديه بهذا الوصف، أو يقول: أنت زانٍ، أنت لوطي.

فإن قال قائل: أليست كلمة «لوطي» يحتمل أن المعنى أنك من قوم لوط؟

الجواب: لا يحتمل؛ لأن قوم لوط أهلكهم الله.

قوله: «ونحوه» مثل: يا مَنْ جامعتَ جماعاً محرَّماً، يا من تطأ النساء بدون عقد، وما أشبه ذلك مما يدل على الزنا صريحاً.

قوله: «وكنايته: يا قَحْبَة» هذه كناية؛ لأن القحبة تطلق على المرأة العجوز، وتطلق على الكُحَّة ـ السعال ـ يقال: فيك قحبة، أي: كُحَّة، ومنه سميت الزانية قحبة؛ لأنها تكحكح تشير إلى نفسها ـ والعياذ بالله ـ فهذا سبب تسميتها قحبة، وهي عند الفقهاء كناية، لكن في عرفنا صريحة جداً.

قوله: «يَا فَاجِرَةُ» أو يقول للرجل: يا فاجر، أو: أنت فاجر، أو ما أشبه ذلك، فهذا كناية؛ لأن الفُجْرَ والفجور أصله الانبعاث، ومنه الفَجْر، ومنه تَفَجَّر الماء إذا انبعث، والفجور يطلق ـ أيضاً ـ على الكفر {{كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ }} [المطففين:7] .

قوله: «يَا خَبِيثَةُ» كناية أيضاً؛ لأن الخُبْثَ قد يراد به الرديء، أو خبيث الأفعال.

قوله: «فَضَحتِ زَوْجكِ» هذا كناية؛ لأن المتبادر من «فضحت زوجك» أي: أبديت أسراره عند الناس، إلا إذا أراد كنتِ بغياً، ودنست عِرْضَه.

قوله: «أو نَكَّسْتِ رَأْسَهُ» لأن الزوج ـ والعياذ بالله ـ إذا زنت زوجته يخجل، ويخفي نفسه عن الناس، ولا يحب أن يروه، والاحتمال الثاني حملته ونكست رأسه إلى الأرض.

قوله: «أو جَعَلْتِ لَهُ قُرُوناً» هذا ـ أيضاً ـ كناية؛ لأنه يحتمل أن المعنى ظفَّرتِ رأسه، وجعلت له قروناً وجدايل، لكنهم لا يريدون ذلك، فالقرون يقولون: إنها مأخوذة من القِرْن، يعني الأقران، فالمشارِك للإنسان يسمى قرناً، أو قروناً أي: شُعَباً، كأنه ـ والعياذ بالله ـ اشترك فيها غير الزوج.

قوله: «وَإِنْ فَسَّرَه» الضمير يعود للكناية.

قوله: «بغير القذف قُبِلَ» ظاهر كلام المؤلف أنه يقبل بدون يمين؛ لأنه لو نكل لم يقضَ عليه بالنكول، فإذا قال: أنا ما أردت الزنا، وإنما أردت بالقحبة العجوز أو كثيرة الكحة، أو قال: أردت بالخبيثة، أي: خبيثة العمل، أو الرديئة، أو ما أشبه ذلك، أو أردت: بـ «فضحت زوجَك» أي: أبحتِ سرَّه، أو بُحت بسِرِّه، وبـ «نكست رأسه» أي: نكساً حسياً، فجعلته لأسفل، أو «جعلت له قروناً» أي: جعلت له قروناً من الشَّعر، أو نحو ذلك ففي هذه الحال يقبل، وإذا قبل فإنه لا يقام عليه حد القذف، لكن يعزر لإساءته إلى المخاطب.

قوله: «وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلَدٍ أَوْ جَمَاعةً لا يُتَصَوَّرُ منهُمُ الزِّنَا عَادةً عُزِّرَ» كرجل وقف على باب القرية، وقال: كلكم يا أهل هذا البلد زناة فلا يحد للقذف؛ لأن هذا عار عليه هو؛ لأن الناس لا يتصور أن يتهموا أهل القرية بما رماهم به، فهو لم يدنس أعراضهم، ولا يهتمون بذلك، بل إنه لو فعل هذا لعدوه مجنوناً، ولكن يعزر، وكذلك لو قذف جماعة لا يتصور الزنا منهم عادة، مثل ما لو قذف مائة رجل فلا يحد؛ لأنهم لا يلحقهم العار، ولكن يعزر، أما إذا كان يتصور منهم الزنا أو اللواط عادة فإنه يحد حد القذف؛ لأن الغضاضة تلحق بهم.

فلو كان أهل البلد قليلين، كثلاثة رجال وزوجاتهم فقط؛ لأنهم رحلوا عنه فقذفهم، فهل يحد؟ نعم، يحد، فمراد الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في ذلك أهل البلد الذين هم كثرة لا يلحقهم العار بقذفهم.

قوله: «وَيَسْقُطُ حَدُّ القَذْفِ بِالْعَفْوِ، ولاَ يُسْتَوْفَى بِدُونِ الطَّلَبِ» لأنه حق للمقذوف، وإذا كان حقاً للمقذوف فلم يطالب به لم يحد القاذف، وهل يعزر؟ ظاهر كلامهم لا يعزر؛ لأنه حق للمقذوف، والمقذوف ما طالب، لكن إن رأى ولي الأمر أن يعزره فَعَلَ باعتبار إصلاح المجتمع على سبيل العموم، وعدم إلقاء مثل هذه العبارات عندهم.

وقوله: «ويسقط حد القذف بالعفو» ظاهر كلامه ولو كان بعد رفعه إلى الإمام أو الحاكم؛ لأنه حق محض للمقذوف، بخلاف السرقة فإن الرجل لو سُرق ماله فإن له أن لا يطالب السارق، والإمام لا يتعرض للسارق ما دام المسروق منه لم يطالبه، ولكن إذا رفع الأمر إلى وليّ الأمر فإنه لا يملك إسقاطه، والفرق بينهما ظاهر؛ لأن السرقة فيها شائبتان: شائبة حق الآدمي وهو ضمان المال، وشائبة قطع اليد وهو حق الله عزّ وجل، فلهذا صار بَيْنَ بَيْنَ، فإن رُفع إلى القاضي لم يملك المسروق منه إسقاطه، وإن لم يُرفع فله أن لا يطالب.

 

-----------------------

 

[142] أخرجه البخاري في الوصايا باب قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} ...} (2766)، ومسلم في الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها (89) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[143] سبق تخريجه ص(212).

[144] الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (7/333).

[145] سبق تخريجه ص(279).

 

تاريخ التحديث : Feb 5, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com