|
بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ
قوله: «حد المسكر» أي: عقوبة المسكر، وعلم من ذلك أن عقوبة السكران حدٌّ، لا يُتَجَاوز ولا يُنقص؛ لأن جميع الحدود التي رتبها الشارع على الجرائم لا تزاد ولا تنقص، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، بل المشهور من المذاهب الأربعة.
ودليل ذلك أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قدرها بثمانين، وأن أبا بكر ضرب في عهده أربعين[(146)]، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما لهما سُنَّة متبعةٌ، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» [(147)]، وهما في قمة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وعلى هذا فيكون لهما سنة واجبة الاتباع بنص الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولكن هل هي أربعون، أو ثمانون، أو أربعون وجوباً، وما بين الأربعين إلى الثمانين راجع إلى نظر الإمام، فإن أكْثَرَ الناسُ منها بلغ الثمانين، وإن أقلوا لم يتجاوز الأربعين؟ في هذا ـ أيضاً ـ خلاف.
والقول الثاني: أن عقوبة شارب المسكر من باب التعزير، الذي لا يُنْقص عن أربعين جلدة؛ لأن هذا أقل ما روي فيه، ولكن للحاكم أن يزيد عليه إذا رأى المصلحة في ذلك، واستدلوا بالتالي:
أولاً: أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يذكر حده في القرآن.
ثانياً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذكر حدَّه في السنة، بل قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه» [(148)] ولم يحدَّه.
ثالثاً: أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا إذا أُتِي بالشارب قاموا إليه يضربونه بالجريد، والنعال، وطرف الرداء، والأيدي[(149)]، وما أشبه ذلك، ولو كان هذا حدّاً لا يُتجاوز لوجب ضبطه، وألا يكون كل من جاء ضَرَبَ.
رابعاً: أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما تشاوروا في عهد عمر رضي الله عنه حين أكثر الناس من شربه، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أخف الحدود ثمانون، فوافق على ذلك الصحابة[(150)]؛ وجه الدلالة من هذا الحديث أنه قال: «أخف الحدود ثمانون» ، ونحن نعلم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ضُرِبَ الشارب في عهده نحو أربعين[(151)]، وفي عهد أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أربعين[(152)]، ولو كان حدّاً لكان أخف الحدود أربعين، ثم لو كان حدّاً ما استطاع عمر ولا غيره أن يتجاوزه، فالحد لا يمكن أن يزيده أحد، كما لا تزاد صلاة الظهر عن أربع، وصلاة المغرب عن ثلاث، وصلاة الفجر على اثنتين، أيضاً الحدود التي قدرها الله أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
وأيضاً قوله: أخف الحدود ثمانون، يدل على أنه يجوز أن نتجاوز ما كان الشارب يُجْلَد إيَّاه في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولو كان حدّاً ما جازت مجاوزته، ولا استشار عمر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في الزيادة، مع أنه كان ـ رضي الله عنه ـ معروفاً بالوقوف عند حدود الله سبحانه وتعالى.
خامساً: ما صح الحديث به عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ: «إذا شرب فاجلدوه» ، وذكر ذلك ثلاثاً، ثم قال: «فإن شرب الرابعة فاقتلوه» [(153)]، وهذا دليل على أنه عقوبة تتدرج حتى تصل إلى القتل، ولو كان حدّاً محدوداً لكان الحد فيه لا يتغير.
وهذا هو الراجح عندي، وهو ظاهر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين، وهو أنه تعزير لكن لا ينقص عن أقل تقدير وردت به السنة، وأما الزيادة فلا حرج في الزيادة إذا رأى الحاكم المصلحة في ذلك.
وقوله: «المسكر» اسم فاعل من أسكر، أي: غطى العقل على سبيل اللذة والطرب، وتغطية العقل لها وجوه متعددة، فإذا كان على وجه اللذة والطرب، والنشوة، والارتقاء، والتعالي، فذلك هو السَّكَرُ، فالمسكر هو الذي إذا تناوله الإنسان غطى عقله على سبيل اللذة والطرب، وهو حرام.
كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ. وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَلاَ يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ وَلاَ لِتَدَاوٍ وَلاَ عَطَشٍ وَلاَ غَيْرِهِ، إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ،......
قوله: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» هذه قاعدة مأخوذة من الحديث، قال صلّى الله عليه وسلّم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» [(154)]، وقال: «ما أسكر منه الفَرَقُ فملء الكفِّ منه حرام» [(155)]، والفَرَق يسع ستة عشر رطلاً.
فقوله: «كل شراب أسكر» هذا مبتدأ، خبره: الجملة المقرونة بالفاء «فقليله حرام» ، وقرن الخبر بالفاء؛ لأن المبتدأ يشبه الشرط في العموم؛ ووجه العموم الذي فيه «كل شراب».
وقوله: «كل شراب» هذا على سبيل الأغلبية، أن يكون الخمر مشروباً، وإلا فقد يكون مأكولاً، فيعجن، ويؤكل، وقد يكون معجوناً من جهة أخرى بحيث يبل به العجين، ويؤكل ـ أي: يُعْجَن العجين بماء خمر ـ فيأكله الإنسان لقيمات، فيحصل السكر، ولهذا الأحسن أن نقول: «كل ما أسكر كثيرُهُ» كما جاء في الحديث، سواء كان شراباً، أو معجوناً، أو مطحوناً، فكل ما أسكر فإنه حرام.
وإذا أسكر كثيره فظاهر أنه حرام؛ وأما القليل فحرام بدليل الحديث؛ ولأنه ذريعة إلى شُرب الكثير المسكر، فلهذا منع الشرع منه.
ويجب أن نعرف الفرق بين أن نقول: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وبين أن نقول: «ما كان مسكراً وخلط بغيره فهو حرام»، لأن ما أسكر كثيره بمعنى هذا الشراب بعينه، إن أكثرت منه سكرت، وإن أقللت لم تسكر، فيكون القليل حراماً؛ لأنه ذريعة.
وأما خلط الخمر بغيره على وجه لا يظهر فيه أثره، فإن هذا لا يؤثر، فهو كما لو وقعت نجاسة بماء فلم تغيره.
ففي هذه الحال لا يكون الماء نجساً؛ فإذا عَجَن عجيناً بخمر فإنه يكون حراماً، وهذا بشرط أن يسكر، ومعلوم أنك إذا عجنت العجين بخمر فإنه سوف يؤثر عليه بلا شك، أما إذا لم يؤثر، أي: يكون خلطاً قليلاً يتضاءل ويذهب أثره فلا عبرة به.
قوله: «وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ» «وهو» أي: المسكر، «خمر» لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل مسكر خمر» [(156)]؛ ووجه التسمية بيَّنها عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فقال: الخمر ما خامر العقل[(157)]، أي: غطاه، ومنه سمي خمار المرأة؛ لأنه يغطي رأسها، وعلى هذا فنقول: كل ما غطى العقل على سبيل اللذة والطرب فهو خمر من أي نوع كان، وإنما قال: «من أي نوع كان» رداً على من قال: إن الخمر لا يكون إلا من العنب، فإن هذا القول ضعيف جداً، ومردود على قائله؛ لأن أفصح من نطق بالضاد محمداً صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل مسكر خمر» [(158)]، وما قال: من العنب، فكل مسكر من العنب، أو الرُّطب، أو الشعير، أو الذرة، أو البرِّ، أو أي شيء كان فإنه خمر، وداخل في التحريم، وهو محرم بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
فدليله من الكتاب قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }} [المائدة:90] .
ووجه الدلالة من الآية قوله: {{فَاجْتَنِبُوهُ}}، والأصل في الأمر الوجوب، ولأنه أضافه إلى الشيطان، فقال: {{مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}}، وما كان من عمل الشيطان فإنه حرام لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}} [النور: 21] ، ولأن فيه إثماً زائداً على منفعته، والإثم محرم؛ لقوله تعالى: {{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}} [الأعراف: 33] .
وأما السنة فهي صريحة في أنه حرام، في عدة أحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأنَّ بيعه حرام أيضاً، كما في حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خطب في مكة عام الفتح، وقال: «إن الله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام» [(159)]، وقال لصاحب الراوية: «إن الله إذا حرَّم شيئاً حرم ثمنه» [(160)].
فما الحِكَمُ من تحريمه؟
الجواب: الحكم من تحريمه كثيرة، منها قوله تعالى: {{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}} وكل ذي فطرة سليمة فإنه لا يقبل الرجس من عمل الشيطان.
ومنها أنه يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، لقوله: {{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ}} [المائدة: 91] .
ومنها أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لأن السكران ـ والعياذ بالله ـ إذا سكر غفل، وبقي مدة لا يذكر الله، ولا يصلي إذا جاء وقت الصلاة؛ لأنه منهي عنها: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}} [النساء: 43] .
ومنها أنه جماع الإثم، أي: جامع للإثم كله، ومفتاح لكل شر.
وهذا ـ أيضاً ـ ظاهر؛ لأن الإنسان ـ والعياذ بالله ـ إذا سكر فقد وعيه، فقد يقتل نفسه، وقد يقتل ابنه، وقد يقتل أمه، وقد يزني ببنته ـ والعياذ بالله ـ، وكم من قضايا نسمع عنها، أن الرجل إذا سكر قرع بابه، وطلب من زوجته أن تمكنه من ابنته، وهذا شيء واقع.
وقد نشر في إحدى الصحف في البلاد التي ظهر فيها غضب الله، ونقمته، أن شاباً دخل على أمه في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وقال لها: إنه يريد أن يفعل بها، فنهته، ووبخته، فذهب وأتى بالسكين، وقال: إن لم تمكنيني فسأقتل نفسي، فأدركها حنان الأم ورحمتها، فمكنته من نفسها، فزنا بأمه، فلما أتى الصباح كأنه أحس أنه فعل هذه الجريمة العظيمة مع أمه، فدخل الحمام ومعه بنزين فصبه على نفسه، ثم أحرق نفسه والعياذ بالله، ومن تأمل ما حصل من الشرور والمفاسد في شرب الخمر عرف بذلك حكمة الله عزّ وجل، ورحمته بعباده، حيث حرم ذلك عليهم، فالحكمة تقتضي تحريمه، والإنسان العاقل يبعد عنه بعقله، دون أن يعرف شرع الله فيه.
قوله: «وَلاَ يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ» فلو قال إنسان: سأشرب الخمر من أجل أن يتلذذ به، يقول عن نفسه: أنا تعبان، وأرهقتني الهموم، ويريد أن يشرب هذا الكأس من الخمر حتى يرتاح، ويتلذذ، ويرى نفسه أنه ليس أمامه هم، ولا غم، ولا دنيا، ولا أهل، ولا ولد، وإنما هو ملك من ملوك الدنيا، ويقول: ارحموني قد مللت من حياتي، ولا يطيب لي الزمان حتى أشرب كأساً من الخمر، فهل يجوز أن يشربه لهذا الغرض؟
نقول: لا يجوز، ونرحمك بمنعك؛ لأنك إذا فعلت هذا فإنه يحصل لك النشوة، والطرب، والذهول، والنسيان في لحظات، ولكن يعقبها همٌّ وغمٌّ أكثر من الأول، فهي أم الخبائث.
قوله: «ولاَ لِتداوٍ» أي: لا يباح لتداوٍ؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه لا دواء فيه، وإنما هو كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» [(161)]، ولو كانت دواءً ما حرمها الله ـ عزّ وجل ـ على عباده، فإن الله لا يحرم على عباده ما كان نافعاً لهم.
قوله: «وَلاَ عَطَشٍ» كرجل هالك من العطش إلى آخر رمق، وعنده كأس من الخمر، فقال: إنه يريد أن يشربها من العطش فلا يجوز؛ لأنه يزيد العطش، فلا يروي غليلاً ولا يشفي عليلاً.
قوله: «وَلاَ غَيْرِهِ» كالمفاخرة، والاختبار، وما أشبه ذلك، إلا في حالة واحدة قد تكون نادرة، ولكن قد تقع، قال المؤلف:
«إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ» مسألة غريبة، انظر العلماء كيف تذهب أفكارهم إلى هذا الأمر البعيد، مثل ما يذهب بعض الشعراء إلى خيال بعيد، كقول بعضهم:
بَلِيت بِلى الأطلال إن لم أقف بها
وقوف شحيح ضاع في التُّربِ خَاتمُهُ
بليت بلى الأطلال أي: أطلال محبوبه، فهو يحب امرأة، وأطلالها ما تخلَّف من بيوتها ودارها، «إن لم أقف بها» أي بهذه الأطلال (وقوف شحيح) وهو البخيل بالمال، الممسك له، الحريص عليه (ضاع في التُّرب خاتمه) خاتم الشحيح غالٍ عليه جداً، فإذا ضاع في التراب، فسيظل يبحث فيه أبد الآبدين، لعله يجده.
فهذه الصورة التي ذكرها الفقهاء ـ رحمهم الله ـ مما يدل على أنهم يتعمقون في تصوير المسائل حتى النادرة، فمن يتصور أن رجلاً يأكل، ويُكبِّر اللقمة، ثم بعد ذلك يغص، ثم بعد ذلك لا يوجد عنده إلا كأس خمر، في بلد الإسلام!! هذا شيء بعيد لكن قد يكون.
ففي هذه الحال إذا غَصَّ ـ فقد يموت إذا لم تندفع اللقمة ـ وعنده كأس خمر، فيشرب بقدر ما تندفع به اللقمة، أي: بقدر الضرورة فقط، فإذا اندفعت أمسك.
ولماذا جازت هذه الصورة مع أن الخمر حرام؟ الجواب: لأن اندفاع الضرورة بالمحرم هنا حاصلة، فالضرورة هنا تندفع بما إذا شرب الخمر قطعاً، لكن الضرورة في العطش لا تندفع بشرب الخمر، ولا في التداوي أيضاً.
مسألة: يوجد في بعض الأدوية والعقاقير نسبة من الكحول، تعطى للمرضى في بعض الأحيان عند الضرورة، فما حكم هذا؟
الجواب: هذه لا تُسكر، ولكنها يحصل بها شيء من التخدير، وتخفيف الآلام على المريض، أما أن يسكر سكر شارب الخمر فلا، فهي تشبه البنج الذي يحصل به تعطيل الإحساس بدون أن يشعر المريض باللذة والطرب، ومعلوم أن الحكم المعلق بعلة إذا تخلفت العلة تخلف الحكم، فما دام الحكم معلقاً بالإسكار، وهنا لا إسكار فلا تحريم.
مسألة: ما حكم الحشيش؟
الجواب: الحشيش يراه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أخبث من الخمر، وهو كذلك، فإن الحشيشة تسكر، وهي شر منه؛ لأنها تؤثر على المخ أكثر مما يؤثر الخمر، ومثل ذلك ـ أيضاً ـ فيما يظهر الحبوب المخدرة؛ لأن مضرتها عظيمة، وهي أشد من مضرة الخمر، وفي بعض الدول غير الإسلامية يوجبون القتل على مروِّجها، ولكنها لا تسمى خمراً، وفيها التعزير، ويرجع فيه إلى اجتهاد الإمام.
، وَإِذَا شَرِبَهُ الْمُسْلِمُ مُخْتَاراً عَالِماً أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، ثَمَانُونَ جَلْدَةً مَعَ الْحُرِّيَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مَعَ الرِّقِّ.
قوله: «وَإَذا شَرِبَهُ المُسْلِمُ» هذا الشرط الأول، وخرج به من ليس بمسلم، حتى وإن كان ملتزماً كالذمي فإنه لا يحد؛ لأن المسلم هو الذي يعتقد تحريمه، أما غير المسلم فهم لا يعتقدون تحريمه؛ ولهذا لا يقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر، ولكنهم يمنعون من إظهاره في بلاد المسلمين.
قوله: «مُخْتَاراً» هذا الشرط الثاني، فإن كان مكرهاً فإنه لا حد عليه؛ لقوله تعالى في الكفر، وهو أعظم الذنوب: {{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }} [النحل:106] ، ولكن المكره على فعل المعصية، تارة يفعلها لدفع الإكراه، وتارة يفعلها لذاتها، فهل الآية عامة والأحكام عامة؟ أو خاصة بمن فعله لدفع الإكراه؟
الجواب: اختلف في هذا أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه إذا وُجِدَ الإكراه فإن الإنسان ـ وإن اختار الفعل ـ لا يعاقب عليه.
ومنهم من قال: يشترط لعدم العقوبة أن ينوي دفع الإكراه، لا ذات الفعل، فلو أن رجلاً أكره على شرب الخمر، كأن قيل له: إما أن تشرب هذه الكأس، وإما أن نقتلك؟ قال: ما دمتم أكرهتموني فهاتوها، فشربها اختياراً لا لدفع الإكراه، فهل يحد؟ ينبني على القولين، إن قلنا: إنه لا يشترط أن ينوي دفع الإكراه فإنه لا يحدُّ؛ لأن الإنسان قد لا يكون في نفسه قبل تلك اللحظة إرادة دفع الإكراه، وإنما يقول: أكرهت على هذا الفعل، فسأفعله، وهذا هو الأقرب، بدليل أنه لولا أنه أكره ما شَرِبَ، وإن قلنا: إنه لا بد أن ينوي دفع الإكراه فإنه يُحَدُّ، والصحيح أنه لا يُحَدُّ.
قوله: «عَالماً أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ» هذا الشرط الثالث، فيشترط أن يعلم أنه خمر، وأن يعلم أن كثيره يسكر، فإن لم يعلم أنه خمر، أي: ظن أنه شراب من سائر المشروبات، ثم لما شربه سَكِر فليس عليه حدٌّ؛ لأنه جاهل بالحال.
كذلك لو علم أنه مسكر، لكن لم يظن أن كثيره يسكر، فإنه لا يحد؛ لأنه يشترط أن يعلم أن كثيره يسكر، فإن علم أن قليله يسكر فإنه يحد من باب أولى.
ويشترط مع ذلك الشروط العامة، أن يكون عالماً بالتحريم، بالغاً، عاقلاً.
قوله: «فعليه الحد» ظاهره أنه سواء سكر منه، أو لم يسكر، فإذا علم أن كثيره يسكر فشرب ـ وإن لم يسكر ـ فعليه الحد؛ لأنه محرم، والنصوص عامة في التحريم، وعامة في وجوب عقوبته، وليس فيها اشتراط أن يسكر.
قوله: «ثَمَانُونَ جَلْدَةً مَعَ الحُرِّيَّةِ» هذا بناءً على قضاء عمر ـ رضي الله عنه ـ حيث رفع العدد إلى ثمانين جلدة[(162)]، وعمر ـ رضي الله عنه ـ له سنة متبعة[(163)]، وهذا نظير أخذ أهل العلم برأي عمر في الطلاق الثلاث أنه يكون طلاقاً بائناً، مع أنه في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، كان الطلاق الثلاث واحدة[(164)]، فأخذوا بالأخير من فعل عمر ـ رضي الله عنه ـ، وهو أنه يُجلد شارب الخمر ثمانين جلدة.
واختار كثير من أهل العلم أن ما بين الأربعين إلى الثمانين راجع إلى نظر الحاكم، فإن رأى من المصلحة أن يبلغ الثمانين بلغ، وإلا فأربعون.
قوله: «وَأَرْبَعُونَ مَعَ الرِّقِّ» بناءً على القاعدة التي سبقت، وهي أن الرقيق عقوبته على النصف من عقوبة الحر.
وهنا مسألة ما ذكرها الماتن ـ رحمه الله ـ، والناس يحتاجون إليها، وهي هل يَحْرُم عصير العنب، وعصير البرتقال، وما أشبه ذلك، أم لا؟
الجواب: هذا حلال ليس فيه شك، إلا إذا غلا ـ أي: تخمر ـ بأن يكون فيه زَبَد صار حراماً، أو إذا أتى عليه ثلاثة أيام على المشهور من المذهب، وإن لم يغلِ فإنه يكون حراماً؛ قالوا: لأن ثلاثة الأيام يغلي فيها العصير غالباً، ولما كان الغليان قد يخفى أنيط الحكم بالغالب لظهوره، وهو ثلاثة أيام.
والصحيح خلاف ذلك، فالصحيح أنه لا يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام، لا سيما في البلاد الباردة، أما إذا كان في البلاد الحارة فإنه بعد ثلاثة أيام ينبغي أن ينظر فيه، والاحتياط أن يتجنب، وأن يعطى البهائم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يخشى أن يكون قد تخمر وأنت لا تعلم به.
-------------------------
[146] أخرجه مسلم في الحدود/ باب حد الخمر (1707)، عن علي رضي الله عنه، والحديث أخرجه البخاري في الحدود/ باب ما جاء في ضرب شارب الخمر (6773) ولم يذكر فيه أن عمر رضي الله عنه قدرها بثمانين.
[147] سبق تخريجه ص(263).
[148] أخرجه أحمد (4/96)، وأبو داود في الحدود باب إذا تتابع في شرب الخمر (4482)، والترمذي في الحدود باب ما جاء في شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه (1444)، وابن ماجه في الحدود باب من شرب الخمر مراراً (2573) عن معاوية ـ رضي الله عنه ـ وصححه الحاكم على شرط مسلم (4/371) وقال ابن عبد الهادي في المحرر (1165): «رواته ثقات»، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (61).
[149] سبق تخريجه ص(291).
[150] أخرجه مسلم في الحدود باب حد الخمر (1706) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.
[151] سبق تخريجه ص(293).
[152] أخرجه البخاري في الحدود/ باب ما جاء في ضرب شارب الخمر (6773)، ومسلم في الحدود/ باب حد الخمر (1706) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.
[153] سبق تخريجه ص(294).
[154] أخرجه الإمام أحمد (3/343)، وأبو داود في الأشربة باب النهي عن المسكر (3681)، والنسائي في الأشربة باب تحريم كل شراب أسكر كثيره (8/300)، والترمذي في الأشربة باب ما جاء ما أسكر كثيره... (1865)، وابن ماجه في الأشربة باب ما أسكر كثيره... (3392)، وابن حبان (5358)، قال الترمذي: «حديث حسن غريب»، وصححه الألباني كما في الإرواء (8/42).
[155] أخرجه الإمام أحمد (6/71، 131)، وأبو داود في الأشربة باب النهي عن المسكر (3687)، والترمذي في الأشربة باب ما جاء ما أسكر كثيره... (1866) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقال الترمذي: «حديث حسن» وصححه الألباني كما في الإرواء (8/44).
[156] سبق تخريجه ص(222).
[157] أخرجه البخاري في التفسير باب قوله: {{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}} (4619)، ومسلم في التفسير باب في نزول تحريم الخمر (3032) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[158] سبق تخريجه ص(222).
[159] أخرجه البخاري في البيوع باب بيع الميتة والأصنام (2236)، ومسلم في البيوع باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (1581) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ.
[160] أخرجه الإمام أحمد (1/247، 322)، وأبو داود في البيوع بابٌ في ثمن الخمر والميتة (3488) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وصححه ابن حبان (4938)، والنووي في «المجموع» (9/273)، وابن القيم في «الهدي» (5/746).
[161] أخرجه مسلم في الأشربة/ باب تحريم التداوي بالخمر وبيان أنها ليست بدواء (1984) عن وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ.
[162] سبق تخريجه ص(294).
[163] سبق تخريجه ص(293).
[164] أخرجه مسلم في الطلاق/ باب طلاق الثلاث (1472) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
|