المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
بَابُ التَّعْزِيرِ
 

 

بَابُ التَّعْزِيرِ

 

وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ .................

قوله: «التعزير» لغة: المنع، ومنه قوله تعالى: {{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ}} [الفتح: 9] ، أي: تمنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، وأولادكم.

أما في الاصطلاح فقال المؤلف: «وَهُوَ التَّأْدِيبُ» ووجه مناسبته للغة أن التأديب يمنع المؤدَّب من ارتكاب ما لا ينبغي.

والمؤلف رحمه الله لم يعين جنسه ولا نوعه، وعليه فيختلف باختلاف الناس، وباختلاف المعصية، وباختلاف الزمن، وباختلاف المكان، فمن الناس من نعزره بالتوبيخ أمام قومه، ويكون هذا أشد عليه من كل شيء، وقد يكون بعض الناس عكس ذلك، يهون عليه ما يتعلق ببدنه، ولكن ماله لا يريد أن يؤخذ منه شيء، وبعض الناس يكون تأديبه بفصله عن الوظيفة، أو بتوقيفه أو ما أشبه ذلك.

المهم أن المؤلف أفادنا بقوله: «وهو التأديب» أن التعزير كل ما يحصل به الأدب، والأدب هو تقويم الأخلاق، أو فعل ما يحصل به التقويم.

قوله: «وَهُوَ وَاجِبٌ» هذا حكم التأديب، فهو واجب على من له حقُّ التأديب، فقد يكون على الإمام، أو نائبه، أو الحاكم، أو الأب، أو الأم، أو ما أشبه ذلك، فكل من له حق التأديب فالتعزير واجب عليه، والأدلة على وجوب التعزير عامة، وخاصة:

أما الأدلة العامة: فهي أن الشريعة جاءت مبنية على تحصيل المصالح، وتقليل المفاسد، وهذه القاعدة متفق عليها، ومن المعلوم أن في التعزير تحصيلاً للمصالح، وتقليلاً للمفاسد، يقول الله ـ عزّ وجل ـ مقرراً هذه القاعدة: {{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}} [المائدة: 50] ، ويقول: {{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ }} [التين:8] .

وأما الأدلة الخاصة فإنها أدلة متناثرة، كقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»[(165)]، ومثل تحريق رَحْل الغالّ من الغنيمة[(166)] ـ أي: الذي يكتم شيئاً مما غنم ـ فإن هذا تعزير، ومثل كاتم الضالة ـ أي: البعير إذا ضاعت وكتمها ـ فإنه يضمَّن قيمتها مرتين[(167)]، ومثل من عطس، ولم يحمد الله فإنه يُعَزَّر، فلا نقول له: يرحمك الله، فنحرمه من شيء يُحبُّه؛ ولهذا كان اليهود عند الرسول صلّى الله عليه وسلّم يتعاطسون، ويحمدون الله؛ حتى يقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: يرحمكم الله، لكن لا يقول ذلك، ويقول: «يهديكم الله»[(168)].

وهكذا الكافر إذا عطس وحمد الله، لا تقل: يرحمك الله، بل قل له: يهديك الله، فإذا هداه الله رحمه.

وقوله: «وهو واجب» هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وقال بعض أهل العلم: إنه ليس بواجب على الإطلاق، ولا يُتْرك على الإطلاق، وأن ذلك يرجع إلى اجتهاد الحاكم، بشرط أن يكون أميناً؛ وعلل ذلك بأمور كثيرة وقعت في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم وترك التأديب عليها، وبأن المقصود التأديب، وكثير من الناس إذا مننت عليه وأطلقته يكون هذا الإطلاق عنده أكبر من التأديب، ويرى لهذا الإطلاق محلاً، ويمتنع عن المعصية أشد مما لو تضربه، ولهذا سبق في الأسرى في الجهاد أنه يجوز للإمام أن يمن عليهم {{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}} [محمد: 4] حسبما تقتضيه المصلحة، فهذا الرجل إذا أتينا به وقلنا: يا أخي، هذا ما ينبغي من مثلك، وأنت ممن يشق علينا أن نؤدبه أمام الناس، ولكن نظراً لمقامك فإننا نريد أن ننصحك أن لا تعود لمثل هذا، فهذا قد يكون في نفسه أنفع مما لو ضربناه أسواطاً في السوق، وهذا هو الصحيح أنه ليس بواجب على الإطلاق، وأن للإمام أو لمن له التأديب أن يسقطه إذا رأى غيره أنفع منه وأحسن.

 

فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ.

قوله: «في كل معصية» إن أراد بالمعصية ما يقابل الطاعة ففيه نظر؛ لأن الإنسان قد يعزر على ترك الطاعات، وإن أراد بالمعصية المخالفة مطلقاً، فيشمل فعل المعصية وترك الطاعة فهذا صحيح؛ لأنه ثبت التأديب على ترك الواجب؛ كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» [(169)].

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس» إلى أن قال: «ثم أنطلق برجال معهم حِزَمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»[(170)] .

فالصحيح أن التأديب ـ ولعله مراد المؤلف ـ واجب في كل معصية، سواء كانت تلك المعصية بترك الواجب أو بفعل المحرم.

لكن لاحظ أن التأديب على فعل المحرم لا يتكرر، وأما التأديب على ترك الواجب فيتكرر حتى يقوم بالواجب، فمثلاً إنسان قلنا له: صَلِّ قبل أن يخرج الوقت، فتهاون، فضربناه، ثم تهاون، فنضربه حتى يصلي، ولو تكرر؛ لأن المراد تقويمه، فلا نوقف ضربه حتى يتقوم، أما معصية فعلت وذهبت، فهذه يعاقب عليها مرة واحدة، فإن عاد عاقبناه بعقوبة جديدة لمعصية جديدة.

قوله: «لا حد فيها ولا كفارة» فإن كان فيها حدٌّ فالحد كافٍ عن التعزير، وإن كان فيها كفارة فالكفارة كافية عن التعزير.

مثال الذي فيها الحد: لو أن رجلاً زنا بامرأة وهو غير محصن نجلده مائة جلدة، ولكن هل نعزره مع ذلك؟ لا، اكتفاء بالحد.

وكذلك المعصية التي فيها كفارة ليس فيها تعزير؛ لأن الكفارة نوع تعزير، فهي إلزام له، إما بعمل شاق، وإما بمال يفدي به نفسه.

مثاله: رجل جامع امرأته في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه، فهل عليه كفارة؟

الجواب: نعم؛ عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، هذا نوع تعزير؛ لأن عتق الرقبة معناه أنه سيبذل شيئاً كثيراً من ماله، وكذلك صيام شهرين متتابعين عمل شاق، وإطعام ستين مسكيناً كذلك؛ لأنه إذا لم يجد عتق رقبة، ولم يستطع الصيام فسيطعم ستين مسكيناً، فيكتفى بالكفارة عن التعزير.

ولو قال المؤلف: ولا قصاص، أو: ولا قود، لكان أجود؛ لأن المعصية التي فيها قود يكتفى بالقود عن التعزير، فلو أن رجلاً قتل رجلاً، أو قطع طرفه على وجه يثبت به القصاص فإنه يقتص منه، ويكتفى؛ لأن الله ـ تعالى ـ لم يذكر شيئاً سوى المقاصة.

وكذلك نقول: ولا دية، ونكتفي بالدية عن التعزير، فلو جنى جناية ليس فيها كفارة، ولا قصاص، ولا حد، لكن فيها دية، فهل نقول: ديتها كفارتها، أو لا؟

الجواب: ظاهر كلام المؤلف: لا؛ لأن الدية حق للآدمي، والتعزير حق لله، بدليل أن الذي يجني على شخص جناية ليس فيها قصاص قد فعل أمرين: الأول: اعتدى على حق الله؛ لأن الله حرم علينا أن نعتدي على من له حرمة، الثاني: حق الآدمي.

وإذا كان كذلك فنقول: حق الآدمي له، وحق الله لله، ولهذا أوجب الله في قتل الخطأ كفارة ودية، الكفارة لله والدية للآدمي، وهذا محل نظر، فقد يقال: إننا نؤدبه مراعاة للحق العام، حتى لا تنتشر الفوضى، ولا يقتل الناس بعضهم بعضاً، وقد يقال: إننا نكتفي بالدية عن التأديب؛ لأنها نوع من التعزير.

والرسول صلّى الله عليه وسلّم ما قال: كل معصية لا حد فيها ولا كفارة فأدبوا فيها، لكن نرى قضايا متعددة فيها التعزير، ويمكن أن نأخذ من هذه الأفراد هذه القاعدة التي ذكرها المؤلف بقوله: «وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة».

ولكن ما ورد به النص من التعزير لا يكون للإمام الخيار فيه، كالخمر، وكتم الضالة، وتحريق رحل الغال، ولا يقال: راجع لاجتهاد الإمام، بل لا بد أن ينفذ.

 

كَاسْتِمْتَاعٍ لاَ حَدَّ فِيهِ، وَسَرِقَةٍ لاَ قَطْعَ فِيهَا، وَجِنَايَةٍ لاَ قَوَدَ فِيهَا، وَإِتْيَانِ المَرْأَةِ المَرْأَةَ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ، وَلاَ يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ،.....

قوله: «كاسْتِمَتاعٍ لاَ حَدَّ فِيهِ» أي: كاستمتاع محرم لا حدّ فيه، مثل أن يقبل الإنسان امرأة أجنبية، أو يضمها، أو يمسها بشهوة، أو ما أشبه ذلك، فهذا استمتاع محرم ولا حدَّ فيه، فالواجب فيه التعزير.

قوله: «وَسَرِقَةٍ لاَ قَطْعَ فِيهَا» بأن يكون اختل فيها شرط من شروط وجوب القطع الآتية إن شاء الله، مثل أن يسرق درهماً، فهذه سرقة لا قطع فيها فيعزر، أو أن يسرق من غير حرز، يجد ـ مثلاً ـ دراهم على عتبة فيسرقها، فهذا ـ أيضاً ـ ليس فيه قطع، ولكن فيه تعزير.

فالضابط للسرقة التي لا قطع فيها: هي التي لم يتم فيها شروط القطع، وسيأتي بيانها إن شاء الله.

قوله: «وجناية لا قود فيها» أفادنا المؤلف بهذا فائدتين:

الأولى: أن الجناية التي فيها قَوَد ليس فيها تعزير؛ استغناءً بالقود.

الثانية: أن الجناية التي فيها دية فيها تعزير؛ لأنه قال: «لا قود فيها» ، وهو أحد القولين، والقول الثاني: أنه لا تعزير فيها اكتفاءً بالدية.

فإذا كانت الجناية ليس فيها قود، ولا دية، ولا كفارة، كما لو جرحه جرحاً ليس فيه قود وبرئ ولم يؤثر فيه شيئاً، فقد سبق لنا أن هذا فيه الحكومة، وأنها إذا لم تنقصه فليس فيها شيء.

كرجل جرح إنساناً في جبهته جرحاً لم يصل إلى العظم، وبرئ الجرح وتلاءم، ولم يؤثر شيئاً، فهل عليه شيء؟ ليس فيه قود، وليس فيه دية، ولا حكومة؛ لأنه لم يؤثر شيئاً، ولكن هذا فيه تعزير؛ لأنه ليس فيه قود، ولا دية.

والجناية على المال، هل فيها تعزير، أو يكتفى بالضمان؟ قد نقول: إن الجناية على المال فيها حقان: حق عام، وحق خاص، فالحق الخاص فيه الضمان، والحق العام، وهو منع الفوضى والفساد والشر بين الناس يجب فيه التعزير، فإذا وصل الأمر إلى القاضي، ورأى أن يعزر هذا الشخص بالضمان للمجني عليه وبالتعزير في الحق العام، فهذا لا بأس به.

والجناية على العِرض كالسب والشتم وما أشبه ذلك فيها الحد، وفيها التعزير، فالذي فيه الحد هو القذف، وما لا يوجب الحد من القذف والسب ففيه التعزير.

قوله: «وإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ المَرْأَةَ» أي: السِّحاق، فالمرأة تحتك بالمرأة الأخرى وتنزل، وربما تستعمل شيئاً كالآلة، وتستمتع بالمرأة الأخرى، فهذا لا يوجب الحد؛ لأنه ليس زنا، ولكنه يوجب التعزير لكلتا المرأتين.

قوله: «والقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا» أي: السب والشتم بغير الزنا، مثل: يا حمار، يا كلب، يا بخيل، يا سيء الخلق، وما أشبه ذلك، فهذا فيه التعزير، وليس فيه الحد.

فإن أسقط المجني عليه حقه سقط، ولكن إذا وصل إلى الإمام أو القاضي فإنه يبقى عندنا الحق العام؛ لأن كوننا نجعل الناس في فوضى، كُلُّ من شاء سب، وشتم، وقذف، ونتركهم!! فهذا لا يليق.

قوله: «وَنَحْوِهِ، وَلاَ يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ» الذي يتولى التعزير الحاكم، أو نائبه، أو الذي له ولاية التأديب مطلقاً، وهذا أعم، فالأب يعزِّر ابنه، والمعلم يعزر تلاميذه، والأمير يعزر رعيته، فكل مسؤول عن أحد في تأديبه فله حق التأديب.

وقوله: «ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات» بسوط لا جديد، ولا خَلق، ولا مدٍّ؛ ولا تجريد، ولا برفع المعزر يده بحيث يتبين الإبط؛ لأنه سيرِدُ السوط على المضروب وروداً قوياً، وليس المقصود تعذيبه، إنما المقصود تأديبه.

فلو وجدنا رجلاً عند امرأة بات عندها ليلة كاملة، يستمتع بها جميع الاستمتاعات، إلا أنه لم يصل إلى حد الزنا، فيجلد عشر جلدات ولا نزيد!! والحقيقة أن قولهم: لا يزاد على عشر جلدات لا بد أن يكون له مستند، وإلاّ لكان معارضاً لقولهم فيما سبق: «وهو التأديب وهو واجب»؛ لأن عشر جلدات في مثل هذا المنكر العظيم الذي لم يصل إلى الحد لا يحصل به تأديب، لكن مستندهم أنه ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله»[(171)].

قالوا: والحد هنا بمعنى العقوبة؛ لأن الحديث في سياق العقوبات، لأنه قال: «لا يجلد» ، وإذا كان في سياق العقوبات وجب أن نحمل الحد على العقوبة، أي: لا يعاقَب أحدٌ جلداً فوق عشرِ جلدات إلا في حد، والحد أدناه ثمانون، وهو حد القذف، وعلى هذا فلا يجوز أن نزيد على عشر جلدات.

وقال بعض أهل العلم: بل يجوز الزيادة على عشر جلدات، وعشرين، وثلاثين، وأربعين، ومائة، ومائتين، وألف، وألفين، بقدر ما يحصل به التأديب؛ لأن المقصود تقويم الاعوجاج، والتأديب، وإزالة الشر والفساد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ونحن رأينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عزر بما هو أعظم من عشر جلدات، وإذا كان كذلك فإنه يجب أن يحمل قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إلا في حد من حدود الله» أي: في محرم من محارمه؛ لأن حدود الله تطلق على الواجبات، وعلى المحرمات، وعلى العقوبات، فقوله: {{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا}} [البقرة: 229] هذه الواجبات، وقوله: {{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا}} [البقرة: 187] هذه المحرمات، وتطلق أيضاً على العقوبات المقدرة شرعاً وهو واضح.

وإذا كان التعزير والتأديب، وكان لا يتأدب هذا الفاعل للمعصية إلا بأكثر من عشر جلدات، فحينئذٍ إما أن نقول: لا نزيد، وتكون هذه الجلدات عبثاً؛ لأنها جلدات لا تفيد، والشرع لا يأمر بالعبث، بل لا يأمر إلا بما فيه المصلحة والحكمة، وإذا كان هكذا فإنه يجب أن يحمل كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم على ما فيه المصلحة، وعلى ما له معنى مستقيم، ويحمل الحد في الحديث على الحدود الحُكْمية، التي هي إما ترك واجب، وإما فعل محرم، فيصير المعنى أننا لا نؤدب أحداً على ترك مروءة مثلاً فوق عشرة أسواط.

فلو وجدنا رجلاً يأكل في مَجْمع مثل مجمعنا هذا، مجمع علم واحترام، فهذا خلاف المروءة، فنجلده، ولكن لا نزيد على عشر جلدات، أو رجل قال لابنه: اجلس صب القهوة للزوار، فذهب الابن ليلعب وترك الضيوف، فلوالده تأديبه، ولا يزيد عن عشر جلدات.

أو رجل كان يأمر ابنه الصغير بالصلاة، وله إحدى عشرة سنة، ولكن الابن يتمرد، فيجلده عشرة أسواط، فإن لم تنفع يزد، وإن لم تنفع يزد؛ لأن هذا ترك واجب، وهو حد من حدود الله، وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من أهل العلم المحققين، وهو الذي يتعين العمل به.

وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ بيان أن التعزير ـ أيضاً ـ لا يقتصر على هذا النوع من التعزيرات، بمعنى أنه لا يقتصر على الجلد، فقد يكون بأنواع متعددة حتى على المذهب، مثل التوبيخ، والهجر، وأخذ المال، وإتلاف المال، والسجن وغير ذلك؛ لأن المقصود بالتعزير التقويم والتأديب، وهو مما يدل على أنه يجوز الزيادة على عشر جلدات.

مسألة: هل حلق اللحية يوجب التعزير؟

الجواب: يجب فيه التعزير؛ لأنه ترك واجب، قد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «وفروا اللحى»[(172)]، وهذا التعزير يكرر، فكلما حلق كررناه، وأما حلق الشارب فالصحيح أنه لا يعزر فاعله، وقال بعض العلماء: يؤدب فاعله؛ لأن حلق الشارب مُثْلَة، وهو صحيح، لكن في النفس من هذا شيء.

وينبغي لطلبة العلم أن يوجهوا الناس دائماً في كل مناسبة إلى أن التعزيرات، والتأديبات، والحدود التي أمر الشرع بها، أنها رحمة بالخلق، وقد ورد في الحديث ـ وإن كان ضعيفاً ـ: «حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً»[(173)] ، وهذا لا شك أنه صحيح.

قوله: «وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ بغَيْرِ حَاجَةٍ عُزِّرَ» وهذه الجملة ربما نقول: إن لها مناسبة في باب حد الزنا، ولها مناسبة هنا، أما مناسبتها هنا فلأن العقوبة فيها من باب التعزير، وأما مناسبتها في الزنا فلأن هذا اعتداء من الفاعل في شيء لا يحل له.

 

وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ عُزِّرَ.

فقوله: «ومن استمنى بيده بغير حاجة عزر» أي: من حاول إخراج المني حتى خرج بيده، سواء كان ذكراً أو امرأة.

وقوله: «بغير حاجة» أي: من غير حاجة إلى ذلك، والحاجة نوعان:

أولاً: حاجة دينية.

ثانياً: حاجة بدنية.

أما الحاجة الدينية، فهو أن يخشى الإنسان على نفسه من الزنا، بأن يكون في بلد يتمكن من الزنا بسهولة، فإذا اشتدت به الشهوة، فإما أن يطفئها بهذا الفعل، وإما أن يذهب إلى أي مكان من دور البغايا ويزني، فنقول له: هذه حاجة شرعية؛ لأن القاعدة المقررة في الشرع أنه يجب أن ندفع أعلى المفسدتين بأدناهما، وهذا هو العقل؛ فإذا كان هذا الإنسان لابد أن يأتي شهوته، فإما هذا، وإما هذا، فإنا نقول حينئذٍ: يباح له هذا الفعل للضرورة.

أما الحاجة البدنية، فأن يخشى الإنسان على بدنه من الضرر إذا لم يُخرج هذا الفائض الذي عنده؛ لأن بعض الناس قد يكون قوي الشهوة، فإذا لم يخرج هذا الفائض الذي عنده فإنه يحصل به تعقد في نفسه، ويكره أن يعاشر الناس وأن يجلس معهم.

فإذا كان يخشى على نفسه من الضرر فإنه يجوز له أن يفعل هذا الفعل؛ لأنها حاجة بدنية.

فإن لم يكن بحاجة، وفعل ذلك فإنه يعزر، أي: يؤدب بما يردعه.

واستفدنا من كلام المؤلف أن الاستمناء باليد من غير حاجة حرام، مع أنه لم يصرح به، لكن إيجاب التعزير على فاعله يدل على أنه معصية؛ لأنه سبق لنا أن التعزير يجب في كل معصية، وعلى هذا فيكون حراماً، وإذا قلنا: إنه حرام فإنه يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل في غير العبادات الحل.

والدليل قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ}} ـ أي: الأزواج وما ملكت اليمين، فمن طلب الوصول إلى اللذة ولم يحافظ على فرجه فابتغى وراء ذلك {{فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}} [المؤمنون: 5 ـ 7] ، والعادي معناه المتجاوز للحد، وهذا يدل على حرمته.

ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»[(174)]، ووجه الدلالة من ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم» ؛ لأن هذه العادة ـ الاستمناء ـ لو كانت جائزة لأرشد إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنها أهون من الصوم، لا سيما عند الشباب؛ ولأنها أيسر؛ ولأن الإنسان ينال فيها شيئاً من المتعة، فهي جامعة بين سببين يقتضيان الحل لو كانت حلالاً، والسببان هما: السهولة واللذة، والصوم فيه مشقة وليس فيه لذة، فلو كان هذا جائزاً لاختاره النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأرشد إليه؛ لأنه موافق لروح الدين الإسلامي لو كان جائزاً، وعلى هذا فيكون الحديث دليلاً على التحريم.

ويمكن أن نستدل بقوله تعالى: {{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}} [النور: 33] ؛ بدلالة الأمر {{وَلْيَسْتَعْفِفِ}} على أنه قد ينازع هنا منازع فيقول: المراد يستعفف عن الزنا، وحينئذٍ لا يكون في الآية دليل.

أما من الناحية النظرية فإن هذا يهدم البدن، ويؤثر عليه، حتى على الغريزة الجنسية، والشاب في حاجة إلى هذه الغريزة التي خلقها الله ـ عزّ وجل ـ في المستقبل، فإذا تزوج وهذه الغريزة ضعيفة خسر خسراناً عظيماً.

وقد وجدت نشرات كثيرة في المجلات، وكتب مؤلفة تبين أضرار هذا الفعل، وهو ظاهر، ولهذا غالب مَن يفعله تجده مصفر الوجه، وتجد عنده خمولاً؛ لأن هذا ينهك البدن، فعلى هذا يكون دليل تحريمه من الكتاب، والسنة، والنظر الصحيح.

أما الإجماع فليس فيه إجماع؛ لأن من العلماء مَنْ أحله، ولكن المرجع عند النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

فإذا قال قائل: أليس قد ورد عن السلف أنهم كانوا يطلبون من أبنائهم إذا سافروا في الغزوات أن يستغنوا به[(175)]؟

فنقول: نعم، لكن هذا محمول على الحاجة، لا على الإطلاق؛ لأنه ما دام عندنا دليل من الكتاب، والسنة، ومن النظر الصحيح، فإن السلف لا يمكن أن يفعلوا شيئاً محرماً، لكنه يحمل على الحال المباح.

ولو طلب استخراج المني بغير استمناء اليد، فهل يجوز أو لا؟

الجواب: لا يجوز؛ لأن العلة واحدة، سواء كان ذلك باليد، أو بأي وسيلة، لكن لو فكر فأنزل فليس عليه شيء، لكنه لا يفكر في امرأة معينة؛ لأن التفكير في امرأة معينة سبب للفتنة؛ لأنه مع تفكيره فيها ربما يملي له الشيطان فيتصل بها، أو تتعلق نفسه بها، أما إذا فكر في هذا العمل مطلقاً، فيتصور كأنه يجامع امرأة مثلاً، وحصل إنزال فلا بأس به، مع أننا ننصح بعدم التعرض له؛ لأن الشيء الذي ليس بطبيعي الغالب أنه يُحدِث من الضرر أكثر مما يكون فيه من النفع.

 

--------------------

 

[165] سبق تخريجه ص(102).

[166] روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ حرقوا متاع الغال». أخرجه أبو داود في الجهاد باب في عقوبة الغال (2715)، والحاكم (2/131)، والبيهقي (9/102)، قال الحاكم: «غريب صحيح»، وقال الحافظ في التغليق: «زهير بن محمد ضعيف الحديث والمحفوظ عن عمرو بن شعيب قوله: «وروي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذ وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه» . أخرجه أبو داود (2713)، والحاكم (1/127)، والبيهقي (9/102) وضعفه أبو داود والبيهقي والحافظ كما في «التغليق» (3/264).

[167] أخرجه أبو داود في اللقطة/ باب التعريف باللقطة (1718) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ولفظه: «ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها».

[168] أخرجه الإمام أحمد (4/400)، وأبو داود في الأدب/ باب كيف يشمت الذمي؟ (5038)، والترمذي في الأدب/ باب ما جاء كيف تشميت العاطس؟ (2739) عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[169] سبق تخريجه ص(102).

[170] أخرجه البخاري في الأذان باب وجوب صلاة الجماعة (644)، ومسلم في الصلاة باب فضل صلاة الجماعة... (651) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه.

[171] أخرجه البخاري في الحدود باب كم التعزير والأدب (6850)، ومسلم في الحدود باب قدر أسواط التعزير (1708) عن أبي بردة الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ.

[172] أخرجه البخاري في اللباس باب تقليم الأظفار (5892)، ومسلم في الطهارة باب خصال الفطرة (259) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ واللفظ للبخاري.

[173] أخرجه الإمام أحمد (2/402)، والنسائي في الحدود باب الترغيب في إقامة الحد (8/75)، وابن ماجه في الحدود باب إقامة الحدود (2538) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (4381)، والألباني في الصحيحة (231).

[174] أخرجه البخاري في النكاح باب من لم يستطع الباءة فليصم (5066)، ومسلم في النكاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه (1400) عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ.

[175] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (7/391، 392)، وانظر: المحلى (11/392) ط. دار الفكر.

 

تاريخ التحديث : Feb 5, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com