|
بَابُ القَطْعِ فِي السَّرِقَةِ
السرقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن كل معصية أوجب الشارع فيها حدّاً فهي كبيرة من كبائر الذنوب، والمؤلف لم يتعرض لحكمها للعلم به، وهي محرمة بالكتاب، والسنة والإجماع.
أما الكتاب فظاهر، ومن أدلته قوله تعالى: {{وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}} [البقرة: 188] ، والذي يسرق آكل للمال بالباطل.
ومن أدلة الكتاب ـ أيضاً ـ إيجاب الحد على السارق.
أما السنة: فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»[(176)]، وقال صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع وهو يخطب الناس: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»[(177)].
وأما الإجماع فمعلوم.
والسرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه، أو نائبه.
فخرج بقولنا: «أخذ المال» أخذ ما ليس بمال، كما لو سرق الإنسان دخاناً، فليس هذا سرقة شرعاً؛ لأن هذا الدخان ليس له حرمة، ولهذا لو أتلفه متلف لم يكن عليه ضمان.
وكذلك لو سرق خمراً فإنها ليست بسرقة شرعاً؛ لأنه ليس بمال، فالمال هو العين المباحة النفع، وهذه عين محرمة.
وقولنا: «على وجه الاختفاء» خرج به ما كان على وجه العلانية، فلو أن أحداً أخذ منه شخص مالاً علناً، إما قصداً أو خطفه من يده، فإن هذا ليس بسرقة.
وقولنا: «من مالكه أو نائبه» دخل في قوله: «أو نائبه» المستعير، والمستأجر، والمودَع، والولي، وكل من كان مال غيره في يده بإذن الشرع، أو بإذن مالكه، فنائب المالك كل من كان ملك غيره بيده بإذن من الشرع أو المالك.
فخرج بذلك ما لو سرقه من غير مالكه، ولا نائبه، كما لو سرق مغصوباً من غاصب فإن هذا ليس بسرقة؛ لأنه عند الغاصب ليس له حرمة.
فلو أنك علمت أن هذا الرجل غصب من هذا الشخص مالاً، ثم سرقت المال، فإن ذلك ليس بسرقة، لأنه ليس من مالك ولا نائب المالك.
ولكن لا نقول ذلك مقررين للقاعدة الباطلة التي يقول بها عامة الناس: السارق من السارق كالوارث من أبيه، فالوارث من أبيه حلال ميراثه، أما السارق من السارق فحرام، ولكن العامة يحلونه، وهذا خطأ، صحيح أنه لا يعد سرقة شرعاً، ولكن فيه الضمان والإثم.
إِذَا أَخَذَ الْمُلْتَزِمُ نِصَاباً، مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، مِنْ مَالِ مَعْصُومٍ، لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، عَلَى وَجْهِ الاْخْتِفَاءِ قُطِعَ،.........
قوله: «إِذَا أَخَذَ الْمُلْتَزِمُ نِصَاباً مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ مِنْ مَالِ مَعْصُومٍ لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ قُطِعَ» «إذا» شرطية، وفعل الشرط «أخذ» وجوابه «قطع» فكل ما جاء بعد أداة الشرط فهو شرط.
وقوله: «الملتزم» هو المسلم، والذمي، فهو اثنان فقط، بخلاف المعصوم فهو أربعة.
والمؤلف لم يقل: البالغ العاقل؛ لأنه سبق في الشروط العامة.
وقوله: «نصاباً» النصاب هنا غير النصاب في باب الزكاة، فهو هنا ربع دينار، أو ثلاثة دراهم إسلامية على المذهب، أو عَرَضٌ قيمته كأحدهما، فإذا أخذ الملتزم هذا المقدار فقد أخذ نصاباً.
وقوله: «من حرز مثله» «حرز» بمعنى حفظ، فالمُحرَز بمعنى المحفوظ، ومعنى «حرز مثله» ، أي: من مكان يحفظ فيه مثل هذا المال، وهذا يختلف كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
فحرز المال هو ما جرت العادة بحفظه فيه، فمثلاً الخشب والحديد جرت العادة بأن يحفظا في المستودعات، أو في الشوارع ويرون أنها محرزة، والذهب، والفضة، والماس، واللؤلؤ، وما أشبهه، فإنها تحفظ في الصناديق.
فلو أن رجلاً جاء ووجد صندوقاً من الخشب فيه جنيهاتٍ على عتبة دكان في الساعة الواحدة من الليل، وليس مغلقاً بإحكام، وأخذ الجنيهات وكل ما فيه، فهذا غير محرز، فليست هذه سرقة، ولا يقطع في ذلك.
وقوله: «من مال» خرج بها ما ليس بمال.
وقوله: «معصوم» هو المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمستأمِن، فهذا احتراز مما لو أخذه من مال غير معصوم كالحربي مثلاً، فهذا لا حرمة لماله، فلنا أن نأخذه بأي وسيلة.
وقوله: «لا شبهة له فيه» «له» أي: للآخذ، «فيه» أي: في المال، بأن لا يكون من مال ابنه، أو من مال أبيه، أو من مال زوجته، أو ما أشبه ذلك، ممن جرت العادة بأن يأخذ من ماله.
وقوله: «على وجه الاختفاء» خرج به ما كان على وجه العلانية فإنه لا يقطع به حتى لو أخذ مالاً كثيراً.
فهذه العبارة انتظمت غالب شروط القطع في السرقة:
الأول: أن يكون الآخذ ملتزماً.
الثاني: أن يكون المأخوذ نصاباً.
الثالث: أن يكون في حرز مثله.
الرابع: أن يكون مالاً.
الخامس: أن يكون المال من معصوم.
السادس: ألا يكون له فيه شبهة.
السابع: أن يكون على وجه الخفية.
فَلاَ قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلاَ مُخْتَلِسٍ، وَلاَ غَاصِبٍ، وَلاَ خَائِنٍ فِي وَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ .....
قوله: «فَلاَ قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ» المنتهب هو الذي يأخذ المال على وجه العلانية، معتمداً على قوته، مثل أن يرى معك ساعة فيأخذها ولا يردها.
قوله: «ولا مختلسٍ» وهو الذي يأخذ المال خطفاً وهو يركض، فهذا أخذه علناً، لكن معتمداً على هربه وسرعته، نقول: هذا ـ أيضاً ـ ليس عليه قطع؛ لأن هذه ليست سرقة، فالسرقة اسمها يدل على أن الإنسان يأخذ المال خفية.
كذلك لو أنه وقف عند دكان، وقال لصاحب الدكان: هل عندك كذا وكذا؟ ثم قال له: أعطني كذا الذي بالداخل، فإذا دخل الرجل أخذ مما أمامه ما يريد ثم هرب، فهذا نسميه مختلساً.
قوله: «وَلاَ غَاصِبٍ» وهو الذي يأخذ المال قهراً بغير حق، فهذا ليس عليه القطع؛ لأنه ليس بسارق، والغصب أعم من الانتهاب؛ لأنه يشمل المنقول والعقار.
مثال ذلك: رجل غصب أرضاً، وغرس فيها وبنى، فنحن لا نقطعه؛ لأنه ليس على وجه الاختفاء.
وقوله: «وَلاَ خَائِنٍ» وهو الذي يغدر بك في موضع الائتمان، وهي صفة نقص بكل حال.
وهل الغال من الغنيمة سارق؟
الجواب: لا؛ لأن له حكماً خاصاً، وهو أن يحرق رحله ومتاعه.
قوله: «في وديعة» وهي استحفاظ الغير على المال، فاستحفاظ الغير على المال يسمَّى استيداعاً، والمال المستحفظ عليه يسمى وديعة.
مثال ذلك: أعطيت رجلاً كتاباً وقلت له: هذا وديعة عندك إلى مدة شهر، فلما مضى الشهر وجئت إليه تطلبه منه، قال: ليس لك عندي شيء، ولا أعرفك، فهذا خان في الوديعة، فلا يقطع؛ لأنه لم يأخذ المال على وجه الاختفاء.
قوله: «أو عاريَّة» كذلك ـ أيضاً ـ الخائن في العارية، وهي المال المدفوع للغير لينتفع به ويرده.
مثل أن تعطيه هذا الكتاب وتقول: انتفع به لمدة شهر، أو لمدة أسبوع، أو لمدة سنة، فلما انقضت المدة وجئت تطلبه، قال: ما لك عندي شيء، فهذا خائن فلا يقطع؛ لأن ذلك ليس بسرقة.
وهذا ما مشى عليه رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم، أن الخائن في العارية لا يقطع، ولكن المذهب خلاف ما ذهب إليه المؤلف، فالمذهب أن الخائن في العارية يقطع، واستدلوا بحديث المخزومية أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقطع يدها[(178)].
وليست الخيانة في العارية كالخيانة في الوديعة؛ لأن قابض العارية قبضها لمصلحته، وأما الوديعة فلمصلحة المالك، فمن قاسها عليها فقد أخطأ؛ لأن الفرق بينهما ظاهر، ولأننا إذا قطعنا جاحد العارية امتنع الناس من جحدها، وإذا لم نقطعهم تجرأ الناس على جحدها، وفي هذا سد لباب المعروف؛ لأن المُعير محسن، فإذا كان المعير يُجْحَد، ولا يؤخذ له حقه، إلا بالضمان فقط فإن الناس قد يمتنعون من العارية، وهي واجبة في بعض الصور، وهذا يؤدي إلى عدم القيام بهذا الواجب.
ثم نقول أيضاً: هي قسم برأسها، افرض أنها لا تدخل في السرقة لغة، فما دام فيها نص فما موقفنا أمام الله ـ عزّ وجل ـ إذا كان يوم القيامة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قطع بها، وقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» [(179)]؟.
والإنسان حينما ينظر في الأحكام الشرعية وفي فتاويه، أو فيما يقول يجب أن ينظر أولاً كيف يقابل الله ـ عزّ وجل ـ بما قال قبل كل شيء؛ لأنه مسؤول، فالمفتي والقاضي مبلغ لرسالات الله عزّ وجل، لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «بلغوا عني» [(180)]، فيجب أن تعتبر نفسك مسؤولاً أمام الله عزّ وجل في كل شيء تحكم به، فلا بد أن تلاحظ سؤال الله عزّ وجل قبل كل أحد، فالصحيح المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن جاحد العارية يقطع، خلافاً لما ذهب إليه المؤلف؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: ما أعلم شيئاً يدفعه، ماذا أقول؟!
فلو أعرت شخصاً كتاباً يقرأ فيه، ثم جحده، فأقمت بينة عليه أنه عنده، فتبين بذلك ثبوت العارية وثبوت جحدها، فحينئذٍ يتعين القطع.
َوْ غَيْرِها، وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ أَوْ غَيْرَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَماً، ..
قوله: «أَوْ غَيْرِها» أي: غير العارية أو ما أشبه ذلك، مثل أن يكون في شيء أجرته إياه، كسيارة فخان فيها، كأن يأخذ منها شيئاً، فإن هذا ليس بسرقة، فلا يقطع.
قوله: «وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ أَوْ غَيْرَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ» والذي يتولى القطع هو الإمام أو نائبه كما سبق في أول كتاب الحدود.
وقوله: «الطرار» من الطر وهو القطع، ولهذا قال: «الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه» والبط ليس بشرط، فالطرار يبط الجيب بمبراة لطيفة ويأخذ المال، أو يشقه، وتسقط الدراهم ويأخذها من الأرض، أو يجلس إلى جنبك، ويدخل يده ويأخذ، فإنه يقطع؛ لأنه سرق من حرز.
وإنما نص عليه المؤلف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن هذا لا قطع فيه؛ لإمكان التحرز منه باليقظة، فإن الغالب إذا كان الإنسان مستيقظاً أنه لا يمكن أن يسرق منه.
ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن الإنسان مهما كان في اليقظة فلا بد من غفلة، وكثيراً ما تكون سيما في محل الزحام، وللطرارين حيل؛ فإذا قلنا: إنهم لا يقطعون فإنه يفتح باب شر على الناس.
وقوله: «أو غيره» أي: غير الجيب، مثل الذي في الجنب، والجيب أحفظ؛ لأنه في الصدر، ويعلم به، وكثيراً ما تحدث السرقة من الجنب.
قوله: «وَيُشْتَرطُ» أي: للقطع في السرقة شروط مع الشروط العامة السابقة.
قوله: «أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَماً» شرط في المسروق شرطين: أحدهما: أن يكون مالاً، فأما ما ليس بمال فلا قطع فيه.
الثاني: أن يكون محترماً، فإن كان مالاً غير محترم فإنه لا يقطع.
مثال المال المحترم: الثياب، والطعام، والدراهم، والدنانير، والكتب... إلخ.
والأموال التي في البنوك محترمة، وفرق بين المحرم لذاته، والمحرم لكسبه، فالمحرم لعينه حرام، ولا حرمة له، والمحرم لكسبه حرام من جهة الكاسب فقط، وأما مال البنك فهو محترم، ومحرز، وعليه حماية.
وأما ما ليس بمال فإنه لا يقطع، كسرقة الخمر مثلاً؛ لأنه ليس بمال أصلاً، ولو سرق حراً صغيراً فلا يقطع؛ لأنه ليس بمال، ولو سرق رقيقاً صغيراً فإنه يقطع به؛ لأن الرقيق مال.
ولو سرق طفلة عليها حليٌّ من الذهب، فهذا اجتمع فيه مال وغير مال، فالمذهب لا يقطع؛ لأنه اجتمع مبيح وحاظر، فالمبيح للقطع سرقة الحلي، والحاظر سرقة الطفلة؛ لأنها حرة.
وقال بعض أهل العلم: إنه يقطع بسرقة الحلي، وبسرقة الطفلة التي عليها حليّ؛ لأن هذا الذي سرقه، سرقه على أنه مال، فهو لم يسرقه إلا ليبيعه فيعامل بقصده؛ حتى لا يعود لمثلها، والأحرار عند أهلهم أغلى من المماليك، ولو قيل لأب هذا الطفل الذي سُرق مع مملوكه: أيهما أحب إليك أن يسرق، ابنك أو مملوكك؟ يقول: المملوك.
ولكن القاعدة تؤيد المذهب؛ لأنه ليس بمال، لكنه يجب أن يعزر تعزيراً بليغاً يردعه وأمثاله عن هذا العمل، وربما يصل الحد إلى أبلغ من قطع اليد، فقد يكون من المفسدين في الأرض الذين قال الله فيهم: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ}} [المائدة: 33] .
فَلاَ قَطْعَ بِسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ وَلاَ مُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ نِصَاباً وَهُوَ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ عَرَضٌ قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا،..............
قوله: «فَلاَ قَطْعَ بسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ» مع أنها مال، لكنها غير محترمة، وذلك كالمزمار، والكمان، والعود، والربابة، والطبل، وما أشبه ذلك.
وهل المسجل والراديو يدخلان في آلات اللهو؟
الأصل فيهما أنهما محترمان، ثم إن استخدمه صاحبه في صالح فهو صالح، وإن استخدمه في فساد فهو كذلك، لكن ما لا يستعمل إلا في محرم، فهذا لا قطع بسرقته، وأيضاً لا ضمان فيه.
فلو أخذته وكسَّرته قلنا: جزاك الله خيراً، ولا نضمنك، ولا نؤثمك؛ لأنه يجب إتلاف آلة اللهو وجوباً، ولا يحل لمالكه أن يبقيها عنده، بل يجب عليه إتلافها، ويجب على من قدر أن يغيرها بيده أن يتلفها، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
فإذا قال قائل: هل يجوز أن أسطو على صاحب آلة اللهو، وآخذها، وأكسرها؟
الجواب: فيه تفصيل، إذا كان لك سلطة فنعم، أما إذا لم يكن لك سلطة فلا تفعل؛ لأن ذلك يسبب فتنة أكبر من بقائها عنده، وقد تتمكن وقد لا تتمكن، فقد يدافع هو ولا تتمكن، ولكن إذا أخذتها خفية وسرّاً على وجه لم يعلم به، وكسرتها، فهذا طيب، ولا إثم عليك، وليس فيه فتنة.
قوله: «وَلاَ مَحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ» أي: لا يقطع بسرقة محرم كالخمر؛ وذلك لأنه غير مال أصلاً، فليس فيه مالية إطلاقاً، بخلاف آلة اللهو ففيها مالية؛ لأنها لو غيرت عن آلة اللهو لأمكن أن ينتفع بها، لكن الخمر لا يمكن أن ينتفع به أبداً؛ لأنه حتى لو خلل فلا يجوز، إلا إذا تخلل بنفسه، وعليه فلو سرق خمراً فلا قطع عليه؛ لأنه ليس بمال.
ولكن كيف يسرق خمراً بلا إناء؟
يمكن أن يدخل الخمارة ـ مثلاً ـ ومعه إناء، ويملأ هذا الإناء من هذا الخمر، فليس عليه قطع.
أما إن سرق الخمر بإنائه، فالمذهب لا يقطع، والإناء يضمن؛ وذلك لأن السرقة اشتملت على مبيح وحاظر، فغلب جانب الحظر الذي يمنع القطع.
ولكن يمكن أن يقال: إن في ذلك تفصيلاً، فإن كان قصده الإناء قطع، وإن كان قصده الخمر لم يقطع، ويعرف ذلك بأن يكون هذا الرجل لا يشرب الخمر، وأنه من حين أخرجه أراقه، فهذا أراد الإناء، وعلى هذا فيقطع، وكذلك لو صب الخمر قبل أن يخرجه من مكانه، ثم خرج بالإناء فعليه القطع؛ لأنه سرق الإناء.
مسألة : لو سرق الأطياب التي فيها كحول، تبلغ حد الإسكار، فهل يقطع أو لا؟
الجواب: إذا قلنا: إنه خمر فلا يقطع، وإذا قلنا: إنه ليس بخمر، وأنه مال يتمول، ويباع ويشترى فإنه يقطع.
وعلى هذا فيرجع إلى رأي الحاكم الشرعي في ذلك، فالقاضي هو الذي يتولى ذلك الأمر؛ لأن المسألة فيها نزاع بين العلماء.
قوله: «وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ نِصَاباً» هذا هو الشرط الثالث، أي: يشترط للقطع أن يكون المسروق نصاباً، والنصاب في كل موضع بحسبه، ففي باب الزكاة نصاب الفضة مائتا درهم، والذهب عشرون ديناراً، وهنا يختلف.
قوله: «وهو ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ» الدراهم تكون من الفضة، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فتكون ثلاثة الدراهم واحداً وعشرين عُشراً، أي: مثقالين وعشر مثقال.
قوله: «أو رُبْعُ دِينَارٍ» وهو مثقال، والمثقال أربعة غرامات وربع، فيكون ربع الدينار واحد غرام، وواحد من ستة عشر، يعني ربع الربع، فإذا سرق الإنسان من الذهب ما يزن غراماً وربع الربع قطع؛ وذلك لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» ، وهو في الصحيحين[(181)]، وعلى هذا فيكون هذا الحديث مخصصاً لعموم قوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ، فيكون ما دون النصاب لا قطع فيه.
قوله: «أَوْ عَرَضٌ قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا» العرض هو المتاع، كساعة، وراديو، وثوب، وما أشبه ذلك، فإذا كانت قيمته تساوي ربع دينار، أو ثلاثة دراهم فإنه يقطع، وإلا فلا.
فإذا قال قائل: هناك فرق بين ربع الدينار، وبين ثلاثة الدراهم؛ لأن ثلاثة الدراهم لا تبلغ ربع الدينار، فإذا اختلفت قيمة ربع الدينار، أو قيمة ثلاثة الدراهم، فبأيهما نأخذ؟
نقول: أما المذهب فتأخذ بأقلهما، فإذا سرق الإنسان متاعاً يساوي ثلاثة دراهم، ويساوي ثُمْن دينار، فإنه يقطع على المذهب.
وإذا قدر أن الفضة أغلى من الذهب وسرق شيئاً يساوي ديناراً كاملاً، لكن لا يساوي ثلاثة دراهم فإنه يقطع.
إذاً النصاب متردد بين ربع الدينار وبين ثلاثة دراهم، ونعتبر الأقل.
والقول الثاني في المسألة: إن النصاب ربع دينار فقط، وليس ثلاثة دراهم، فإذا سرق شيئاً يساوي ثلاثة دراهم، لكن لا يساوي ربع دينار، فليس عليه القطع.
وإذا سرق ما يساوي ربع دينار فعليه القطع، وإن كان لا يساوي ثلاثة دراهم، وهذا القول أصح؛ لأن حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ صريح فيه: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» [(182)]، وأما الحديث الآخر أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم[(183)]، فهذا محمول على أن ثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار في ذلك الوقت، والدينار اثنا عشر درهماً من الفضة، وهذا القول أصح.
وأما حديث: «لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يدُه، ويسرق الحبل فتقطع يده»[(184)].
فللعلماء فيه قولان: الأول: أن المراد بالبيضة ما يلبسه المقاتل في الرأس لاستقبال السهام، والحبل، أي: الذي له قيمة، كحبل السفن.
الثاني: أن يراد بذلك أن هذا السارق قد يسرق البيضة فتهون السرقة في نفسه، ثم يسرق ما يبلغ النصاب فيقطع؛ وذلك جمعاً بين الأحاديث.
وأما قول من قال: إن هذا على سبيل المبالغة فلا يستقيم؛ لأن الشارع أثبت حكماً، وهو أنه يقطع، فالصواب أنه يحمل على أحد معنيين، وعندي أن الثاني أقرب؛ لأن الأول فيه شيء من التكلف، والبعد والخروج عن الظاهر.
وَإِذَا نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ، أَوْ مَلَكَهَا السَّارِقُ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ،.........
قوله: «وَإِذَا نَقَصَتْ قِيمَةُ المَسْرُوقِ، أَوْ مَلَكَهَا السَّارِقُ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ» يعني أن هذا السارق يسرق هذا الشيء، وهو يساوي ربع دينار، أو ثلاثة دراهم على المذهب، لكنه لما رُفِعَ إلى الحاكم، وإذا قيمته قد نزلت، فصار لا يساوي إلا أقل من ربع دينار، فهل العبرة بالترافع، أو العبرة بالسرقة؟
الجواب: الثاني، ولهذا قال: «وإذا نقصت» يعني عند الترافع إلى الحاكم فإنه لا يسقط القطع؛ لأنه حين سرق سرق نصاباً.
مثال ذلك: سرق قلماً يساوي ربع دينار، ولما رُفع إلى الحاكم صار القلم لا يساوي إلا ثُمْن دينار؛ لأن السعر نقص، أو لأن القلم انكسر، أو ما أشبه ذلك، فإنه هنا لا يسقط القطع، بل القطع ثابت.
وقوله: «ملكها» ظاهر كلامه أنه يعود إلى القيمة؛ لأنه قال: «وإذا نقصت قيمة المسروق، أو ملكها» أي: القيمة، وليس كذلك، بل المراد ملك العين المسروقة، فإن القطع لا يسقط.
مثال ذلك: رجل سرق من شخص ثوباً يساوي ربع دينار، وبعد أن سرقه، ذهب إلى صاحبه فاشتراه فملكه، فهنا إذا كان صاحبه قد طالبه ورُفع إلى الحاكم فإن القطع لا يسقط، وإذا لم يكن قد رفع إلى الحاكم فإن القطع يسقط، لا لأنه ملكه، ولكن لأن من شرط القطع أن يطالب المسروق منه بماله، وإذا باعه أو وهبه فإن المطالبة تسقط حينئذٍ، ويسقط القطع.
الخلاصة:
أولاً: إذا نقصت قيمة المسروق بعد الترافع إلى الحاكم فإن القطع لا يسقط.
ثانياً: إذا ملك العين المسروقة فإن القطع لا يسقط أيضاً، لكن لو ملكها قبل الترافع فإن القطع يسقط، لا لأنه ملكها، ولكن لأن من شرط القطع أن يطالب المسروق منه بماله.
والدليل على ذلك حديث صفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ في قصة الرجل الذي سرق رداءه، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقطع يده، فقال صفوان: هو له يا رسول الله، قال: «فهلا قبل أن تأتيني به»[(185)]، فدل هذا على أنه لو لم يطالب فلا قطع.
وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا وَقْتَ إِخْرَاجِهَا مِنَ الْحِرْزِ، فَلَوْ ذَبَحَ فِيهِ كَبْشاً، أَوْ شَقَّ فِيهِ ثَوْباً فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ نِصَابٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، أَوْ أَتْلَفَ فِيهِ الْمَالَ لَمْ يُقْطَعْ، وَأَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، فَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلاَ قَطْعَ، وَحِرْزُ الْمَالِ مَا الْعَادَةُ حِفْظُهُ فِيهِ،.............
قوله: «وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا وَقْتَ إِخْرَاجِهَا مِنَ الحِرْزِ» أي: تعتبر قيمة العين المسروقة التي تبلغ النصاب وقت إخراجها من الحرز.
قوله: «فَلَوْ ذَبَحَ فِيهِ كَبْشاً، أَوْ شَقَّ فِيهِ ثَوْباً فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ نِصَابٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ أَوْ أَتْلَفَ فِيهِ المَالَ لَمْ يُقْطَعْ» القيمة التي هي النصاب تشترط وقت الإخراج، لا وقت السرقة، فلو أن رجلاً دخل على مراح غنم، وأراد أن يسرق شاة، فقال في نفسه: إن خرجت بها حية بلغت النصاب، وإن ذبحتها لم تبلغ النصاب، فأريد أن أذبحها، وأخرج بها مذبوحة، فهل عليه قطع؟
الجواب: ليس عليه قطع؛ لأنه نقصت قيمة هذا الشيء قبل أن يخرجه من حرزه، فهو كما لو أن رجلاً دخل على بيت، وفيه مال فأفسد هذا المال، وخرج من البيت فإنه لا يقطع؛ لأن هذا الرجل أتلف مالية هذا المال المسروق وهو في ملك صاحبه، ولكنه يعتبر متلفاً للمال فيضمنه بما يقتضيه الضمان.
وكذلك لو أن رجلاً دخل على مُتَّجَر، وفيه ثياب، فهتك الحرز، وقال: إن خرجت بالثوب مخيطاً سليماً بلغت قيمته النصاب، فقطعت به، وإن شققته قبل أن أخرج به نقص، فذهب فشقه ثم خرج به لابساً له، فليس عليه قطع؛ لأنه أتلف هذا الشيء قبل إخراجه، فهو كما لو أكل الطعام في محل صاحبه، أو أحرق الثوب، أو ما أشبه ذلك، فعليه ضمان غصب فقط، فهي حيلة تسقط القطع، كما لو أتلفه إتلافاً فإنه لا يقطع، وإذا كان حيلة، فلا يبعد أن يكون فيها خلاف.
وقوله: «أو أتلف فيه المال» أي: أنه أتلف المال في نفس الحرز، فإنه لا يقطع، مثاله: رجل دخل على مكتبة وفيها كتب، فأحرق هذه الكتب، وقيمتها غالية، لو سرق واحداً من هذه الكتب لقطعت يده، لكنه لم يسرق، وإنما أتلف المال، فنقول في هذه الحال: إنه لا قطع عليه، ولكنه يضمن المال، ويعزر بما يراه الإمام؛ لأن هذه معصية.
قوله: «وأَنْ يُخْرِجَهُ مِن الحِرْزِ» والصواب أن يقول: وأن يكون من حرز؛ لأن الإخراج قد سبق فيما قبل، وهذا هو الشرط الرابع، فيشترط لوجوب القطع أن تكون السرقة من حرز، والحرز هو ما يحصن به المال ويحفظ به.
قوله: «فَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلاَ قَطْعَ» والدليل على ذلك ما قاله النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الثمر: «ومن سرق شيئاً منه بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة» [(186)]؛ وذلك لأنه قبل أن يؤويه الجَرين ليس في حرز، والجرين هو الذي يُجمع فيه التمر لييبس، فإذا سرق من غير حرز فلا قطع لهذا الحديث، فيكون الحديث مخصصاً لعموم الآية: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] .
قوله: «وَحِرْزُ المَالِ مَا الْعَادَةُ حِفْظُهُ فِيهِ» «حرز» مبتدأ، و «ما» اسم موصول خبر المبتدأ، و «العادة» : مبتدأ، و «حفظه» : خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول.
فحرز المال، أي: المكان الذي العادة حفظه فيه.
وقوله: «العادة» فيه دليل على أن المرجع في الحرز إلى العرف، وليس إلى الشرع؛ لأن الشرع أطلق ولم يقيد، وكل شيء يطلقه الشارع ولم يقيده فإنه يرجع فيه إلى العرف، إذا لم يكن له حقيقة شرعية.
وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْمْوَالِ، وَالْبُلْدَانِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ، وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَضَعْفِهِ، فَحِرْزُ الأَْمْوَالِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَالْقُمَاشِ فِي الدُّورِ، وَالدَّكَاكِينِ، وَالْعُمْرَانِ وَرَاءَ الأَْبْوَابِ، وَالأَْغْلاَقِ الْوَثِيقَةِ، وَحِرْزُ الْبَقْلِ وَقُدُورِ الْبَاقِلاَّءِ وَنَحْوِهِمَا وَراءَ الشَّرائِجِ إِذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ،...............
قوله: «وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَمْوَالِ، وَالْبُلْدَانِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ، وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَضَعْفِهِ» ليس حرز الأموال واحداً، فلو أن رجلاً جاء إلى حوش غنم، وسرق منها شاة، فقد سرقها من الحرز، فلو قال السارق: أنا لم أسرقها من الحرز؛ لأن الأموال تحفظ في الصناديق الحديدية، مثل الذهب، قلنا: الحرز هو ما العادة حفظه فيه، ولم تجرِ العادة أن نضع الغنم في الصناديق!!
ويختلف ـ أيضاً ـ باختلاف البلدان، فهل نقول: المدن الكبيرة تحتاج إلى حرز أشد من القرى، أو نقول: القرى الصغيرة تحتاج إلى حرز أشد؟ أحياناً تحتاج المدن الكبيرة إلى حرز أشد؛ لا سيما إذا كان فيها أجناس مختلفة من الوافدين، وأحياناً تحتاج الصغيرة إلى حرز أشد؛ لأن أهلها قليلون، ويسطو عليها اللصوص أكثر.
على كل حال، هذه البلدان ترجع إلى ما يتعارف عليه الناس، وقد تكون هذه القرى أحرز لقلة أهلها، وإمكان ولاتها أن يضبطوها، وقد يكون الأمر بالعكس.
كذلك يختلف باختلاف عدل السلطان وجوره، والظاهر أن العدل أقوى من الجور في الحرز؛ لأن العدل من الإيمان، وقد قال الله ـ عزّ وجل ـ: {{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ}} [الأنعام: 82] ، والإمام العادل، أو السلطان العادل يعينه الله ـ عزّ وجل ـ في حفظ الأمن أكثر مما يعين الجائر، وأيضاً الجائر لا يترك الناس السرقة إلا خوفاً منه، فإذا كان في حال غيبة ملاحظته فإنهم يتجرؤون على السرقة، فَأَمْنُ الناس في حكم السلطان الجائر أقل، وليس الجور كما يتصوره بعض الناس الشدة في الحكم، فمن الجور ألا يعدل في الرعية، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لبشير بن سعد حين أعطى ابنه النعمان رضي الله عنهما ما لم يعطِ إخوته قال: «إني لا أشهد على جَوْر» [(187)]، فمن جور السلطان ألا يعدل في الرعية، ولا شك أنه إذا لم يعدل في الرعية فإن الأمن يختل.
وأيضاً قوة السلطان وضعفه، فالأقرب إلى الإحراز ـ أيضاً ـ القوة، وهذا لا شك فيه أنه إذا كان السلطان قوياً فإن الأمن يستتب أكثر مما لو كان ضعيفاً، فإذا كان السلطان ضعيفاً، وجئنا نشتكي إليه سرقة الذهب من الصناديق، قال: المهم أنه ما جاءكم في الأعراض، الحمد لله!! فهذا ضعيف، وهو سبب للفوضى والسرقات.
إذاً كلما كان السلطان قوياً صار الحرز أقل، حتى إنه في بعض الأحيان إذا كان السلطان قوياً قد يوضع الشيء على الأرصفة، وهو من الأشياء الثمينة، ولا أحد يأتيه، وإذا كان ضعيفاً فإنها تكسر الأبواب وتسرق الأموال.
قوله: «فَحِرْزُ الأَْمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْقُمَاشِ فِي الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ وَالْعُمْرَانِ وَرَاءَ الأَْبْوَابِ وَالأَْغْلاَقِ الوَثِيقَةِ» «الأموال» هي النقود، و «الجواهر» مثل اللآلئ وغيرها، وكذلك القماش وهو الثياب، فهذه الأمور الثلاثة تحفظ في الدور، والدكاكين، والعمران فلا يمكن لإنسان أن يضع هذه الأموال في البر، حتى لو كانت في الصناديق، فلو أن رجلاً خرج بماله إلى البر، ووضعه في صندوق، فإنه لا يكون هذا إحرازاً؛ لأنه ليس حوله أحد، فيمكن أن يأخذ السارق الصندوق وما فيه.
ولا بد ـ أيضاً ـ أن يكون وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، فلا يكفي أن تكون في الدور، والدكاكين، والعمران، حتى يكون فيها أبواب، وأغلاق وثيقة، وأظن أن هذه الأمور الثلاثة تختلف، حتى ولو كانت في الدكاكين وراء الأبواب المغلقة، فالذهب ـ مثلاً ـ أو النقود ليس حرزها كحرز القماش، فلو أن رجلاً هتك الدكان، وكسر الباب، وسرق من القماش قُطعت يده، ولو سرق من الدراهم، ولم تكن الدراهم في الصناديق فلا يقطع، فيقطع في الثياب، ولا يقطع في الدراهم؛ لأنه جرت العادة أن الدراهم لا تجعل هكذا على الطاولة في الدكان.
ويمكن أن نفرق بين الدراهم الكثيرة والقليلة، فالكثيرة لا توضع على الطاولة، والقليلة يتساهلون في وضعها.
إذاً نرجع إلى القاعدة: أن حرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه، فلو أن رجلاً علق ثوبه في بيته، وفيه دراهم، وجاء السارق، ودخل البيت، وأخذ الدراهم من هذا الثوب، فإنه يقطع؛ لأنه جرت العادة في بلادنا أن مثل هذا يعتبر حرزاً، وأن الناس لا يأخذون الأموال من جيوبهم، ويضعونها في الصناديق، حتى ولو كانت كثيرة، فلو كان عنده فئة خمسمائة، عشرين ورقة، ووضعها في جيبه، فإنه لا يرى أن ذلك إخلال في الحرز.
قال: «وَحِرْزُ البَقْلِ وَقُدُورِ الْبَاقِلاَّءِ وَنَحْوِهِمَا وَرَاءَ الشَّرَائِجِ» البقل: كل نبات ليس له ساق، مثلاً الكراث، والبصل، والقرع، والبطيخ، وما أشبهه.
وقوله: «الباقلاء» يقولون: هو الفول، أو قريب من الفول.
وقوله: «ونحوهما» مثل البطيخ، والقرع، والبرتقال، والفواكه.
وقوله: «وراء الشرائج» هذا حرزها، والمؤلف في عهده يشدد في الحرز.
وقوله: «الشرائج» جمع شريجة، وهي مثل الشبك، هذا هو الحرز لكن بشرط، قال:
«إذا كان في السوق حارس» فإن لم يكن في السوق حارس، فإن ذلك ليس بحرز؛ لأنه يمكن أن تكسر هذه الشرائج ويسرق، فلا بد أن يكون في السوق حارس كثير اليقظة، وعلى كل حال، فإن المؤلف اشترط شرطين:
الأول: أن تكون وراء الشرائج، أي: يحاط عليها.
الثاني: أن يكون في السوق حارس، فإن كان في السوق حارس وليس عليها شرائج فإنه ليس بحرز، أو كان عليها شرائج وليس في السوق حارس فليس بحرز.
ولكن كما قال هو ـ رحمه الله ـ: «ويختلف باختلاف الأموال، والبلدان، وعدل السلطان، وجوره، وقوته، وضعفه» فإذا كان السلطان قوياً فإنه قد يكتفى بالشرائج، أو بالحارس، ولهذا عندنا هنا يعتبر حرزاً، وفي بعض البلاد ربما تكون أبواب الزجاج حرزاً للذهب والدراهم.
وقد أخبرني بعض الناس أنه ذهب لبلد ما، فوجد أن دكاكين الصاغة ليس فيها إلا أبواب من الزجاج، إلا أنها تكون مجموعة في جهة واحدة، وهذه الجهة الواحدة عليها باب مغلق إغلاقاً وثيقاً.
وَحِرْزُ الْحَطَبِ وَالْخَشَبِ الْحَظَائِرُ، وَحِرْزُ الْمَوَاشِي الصِّيَرُ، وَحِرْزُهَا فِي الْمَرْعَى بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا غَالِباً.
قوله: «وَحِرْزُ الحَطَبِ، وَالخَشَبِ الحَظَائِرُ» عندنا الحطب ـ والحمد لله ـ لا يحتاج إلى حرز، وحرزه أن يوضع في مكان البيع.
قوله: «وَحِرْزُ المَواشِي الصِّيَرُ» «الصِّيَر» جمع صِيرة، وهي مثل الحظار، والحظار عبارة عن خوص النخل بجريده، يركز في الأرض، ويركب بعضه في بعض، ويشد بالحبال.
قوله: «وَحِرْزُهَا فِي الْمَرْعَى بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا غَالِباً» فحرز المواشي في المرعى بالراعي، ولا نضعها في الصير؛ لأنها ترعى، فلا بد أن يراعيها الراعي وينظر إليها، أما أن ترعى وحدها فهذا ليس بحرز، بل لا بد أن يكون معها راعٍ.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط فيه البلوغ والعقل، ولكن في هذا نظر؛ لأن الراعي الصغير ليس بحرز؛ لأن أدنى واحد يأتي ويستطيع أن يلعب بعقله، ويأخذ ما شاء، أو يأخذ ولا يستطيع الراعي لصغره أن يفعل شيئاً، فلا بد أن يكون راعٍ يحميها.
ولا بد أن ينظر إليها غالباً، فإن كان الراعي ينام فليس بحرز، أو يذهب إلى مكان، ويدع المواشي في مكان آخر، فهذا ليس بحرز أيضاً؛ لأنه لا ينظر إليها.
وقوله: «غالباً» أي: لا يشترط أن ينظر الراعي إليها دائماً؛ لأنه قد يحتاج إلى وضوء، وقد يحتاج إلى صلاة، وقد يحتاج إلى أكل، فلا ينظر إليها دائماً، لكن ينظر إليها غالباً، بحيث يكون حولها ويحيط بها، فإن ذلك يعتبر حرزاً.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشترط أن يكون مع الراعي كلب، وهو كذلك، مع أن كلب الماشية يحميها ويحرزها.
ولهذا رخص الشارع في اقتناء الكلب لأجل الماشية؛ لأن بعض الكلاب أشد من الرجل المسلح، ولكن كلام المؤلف يدل على أنه لا يشترط أن يكون مع الراعي كلب، وهو كذلك.
وَأَنْ تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ، فَلاَ قَطْعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وإِنْ عَلاَ، وَلاَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأَْبُ وَالأُمُّ فِي هذَا سَوَاءٌ، وَيُقْطَعُ الأَْخُ وَكُلُّ قَرِيبٍ بِسَرِقَةِ مَالِ قَرِيبِهِ، وَلاَ يُقْطَعُ أَحَدٌ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الآخَرِ، وَلَوْ كَانَ مُحْرَزاً عَنْهُ،.....
قوله: «وَأَنْ تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ» هذا هو الشرط الخامس، وهو شرط لجميع الحدود، فيشترط فيها انتفاء الشبهة، والشبهة هي كل ما يمكن أن يكون عذراً للسارق في الأخذ، وقد ذكرنا دليله فيما سبق، وهو قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم»[(188)] وقلنا: إن هذا الحديث فيه مقال، ولكن معناه صحيح؛ لأن الأصل في الأعراض والأبدان العصمة والحماية، فلا يمكن أن تنتهك إلا بيقين، فلا يمكن قطع يد السارق إلا بيقين، فإذا كان هناك شبهة فلا قطع، والشبهة أربعة أنواع: شبهة ملك، أو شبهة تملك، أو شبهة تبسط، أو شبهة إنفاق.
قوله: «فَلاَ قَطْعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ» أي: لو أن أحداً سرق من مال أبيه فإنه لا يقطع؛ لأنه يوجد شبهة، لا شبهة ملك ولا تملك؛ لأن الابن لا يتملك من مال أبيه، ولكن شبهة إنفاق وشبهة تبسط، أي: يتبسط بماله، وهو الذي نسميه بالعامية الميانة، ولا يرى بأساً بأخذ شيء من ماله، فإذا سرق الابن من مال أبيه ـ ولو كان المال محرزاً وراء الأغلاق الوثيقة ـ فإنه لا يقطع؛ لوجود الشبهة.
قوله: «وَإِنْ عَلاَ» حتى من جده، ومن أبي أمه، ومن أمه أيضاً، والشبهة من أمه ليست الإنفاق، ولكن التبسط، أي: يتبسط من مال أمه.
قوله: «وَلاَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ» أي: الأب والأم، فلو سرق الأب من مال ولده لم يقطع، والشبهة هنا قوية جداً، وهي شبهة التملك، والإنفاق، والتبسط؛ لأن الأب يقول: هذا مال ولدي، وأنا وولدي سواء، وكذلك الأم لا تقطع بالسرقة من مال ولدها.
فالأصول والفروع لا يقطع بعضهم بالسرقة من مال الآخر، والأصول هم الأب وإن علا، والأم وإن علت، والفروع هم الابن وإن نزل، والبنت وإن نزلت.
هذا ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ وفي المسألة أقوال نذكرها بعد ذلك إن شاء الله.
قوله: «والأب والأم في هذا سواء» كما قلنا: الأصول والفروع.
قوله: «وَيُقْطَعُ الأَخُ» أي: الشقيق، أو لأب، أو لأم، فيقطع بالسرقة من مال أخيه.
قوله: «وَكُلُّ قَريبٍ بِسَرِقَةِ مَالِ قَرِيبِهِ» فالعم يقطع، وابن الأخ يقطع، ولهذا ذكر عبارة عامة وهي: «كل قريب بسرقة مال قريبه» .
إذاً القرابة لا تمنع إلا في الأصول والفروع فقط، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
وقال بعض العلماء: إنه يقطع كل قريب من قريبه ما عدا الأب فقط، واستدلوا بعموم الأدلة الدالة على وجوب القطع، وقالوا: إن كل مال بالنسبة إلى غير مالكه محترم، لا يجوز أن ننتهكه، أما الأب فلا يقطع؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنت ومالك لأبيك»[(189)]، وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب الشافعي.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن كل ذي رحم مُحَرَّم، بحيث لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى ما صح التزاوج بينهما، فإنه لا يقطع بالسرقة من مال رحمه، وعلى هذا القول فإن الأخ لا يقطع، ولا ابن الأخ، ولا العم، أما ابن العم فيقطع؛ لأنه ليس ذا رحم محرم، وهذا أوسع المذاهب في مسألة القريب.
وهناك قول رابع: إنه إن وجبت النفقة فلا قطع، وإن لم تجب قطع فيما عدا الأب، وهذا له حظ من النظر قوي، وهو أن وجوب النفقة له على هذا الرجل شبهة؛ لأن هذا الرجل الذي تجب عليه النفقة ربما يكون مقصراً في الإنفاق، فذلك يجعل هذا الرجل يسرق من ماله، فأصبحت الأقوال أربعة:
الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن السرقة من الأصول أو الفروع ليس فيها قطع.
الثاني: إن السرقة من جميع الأقارب فيها القطع، إلا الأب من مال ولده.
الثالث: السرقة من مال الأقارب فيها القطع، إلا إذا كان ذا رحم مُحَرِّم.
الرابع: أنه إن وجبت النفقة فلا قطع، وإن لم تجب قطع فيما عدا الأب.
ونحن إذا رجعنا إلى العمومات وجدنا أن أقرب الأقوال القول الثاني الذي يمنع القطع بالنسبة للأب، وما عدا ذلك فإنه يقطع، أو القول الرابع الذي يخصه بوجوب النفقة.
ومع هذا فالمسألة عندي فيها شيء من الثقلِ؛ لأن قوله تعالى: {{لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ}} [النور: 61] فكل هؤلاء ليس علينا جناح أن نأكل من بيوتهم، وهذا يدل على أننا نتبسط في وجه هؤلاء، إلا أنه يقال: إن الآية الكريمة ليس علينا جناح أن نأكل من هذه البيوت إذا دخلناها، أما إذا كانت مغلقة عنا فإنها محترمة محرزة، فانتهاكها الأصل فيه القطع.
قوله: «وَلاَ يُقْطَعُ أحدٌ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الآخَرِ وَلَوْ كَانَ مُحْرَزاً عَنْهُ» أي: لا يقطع الزوج بالسرقة من مال زوجته، ولا تقطع الزوجة بالسرقة من مال زوجها، أما سرقة الزوجة من مال زوجها فالشبهة قائمة، وهي وجوب النفقة لها على الزوج، فقد يكون الزوج مقصراً فيؤدي ذلك إلى أن تسرق من ماله، فتكسر الصندوق وتأخذ، أما إذا كان الصندوق مفتوحاً فلها أن تأخذ بفتوى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لهند امرأة أبي سفيان[(190)] ـ رضي الله عنهما ـ، ولكن في الحقيقة يجب أن نلاحظ مسألة أخرى، وهي الفرق بين أن يكون مال الزوج في نفس البيت، وبين أن يكون في الدكان وشبهه؛ لأن كونه في البيت فيه نوع ائتمان للزوجة، وإذا كان في الخارج فهي وغيرها سواء، فلا يظهر لي أن في ذلك شبهة إذا كان قد قام بما يلزم ولم يقصر في النفقة.
وأما سرقة الزوج من مال زوجته، فالشبهة قالوا: لأن الزوج قوَّام على المرأة، وله سيطرة، فقد يظن بهذه القوامة أن له الحق في أن يسطو على مالها، فيأخذ منه، أو لأن الزوج مع زوجته في الغالب يتبسط بمالها كما تتبسط بماله، وهذا إذا لم يكن محرزاً عنه فالتعليل له وجه، لكن إذا كان محرزاً عنه والمرأة متحفظة، وقد جعلت مالها في الصناديق خوفاً من الزوج، فهل يقطع أو لا؟
المؤلف يقول: «ولو كان محرزاً عنه» فعلى رأي المؤلف لا يقطع، والصحيح أن سرقة الزوج من مال زوجته المحرز توجب القطع.
ولكن هل يمكن للزوجة أن تطالب بقطع يد زوجها إذا سرق من مالها؟ الجواب: إن كانت العلاقة طيبة فلا، أما إذا لم تكن الأمور طيبة فإنها تطالب بقطع يده.
وقوله: «ولو كان محرزاً عنه» إشارة خلاف؛ لأن الغالب أن العلماء إذا أتوا بمثل هذه العبارة أنهم يشيرون إلى خلاف في المسألة، حتى إن بعضهم ـ لكنه غير مطرد ـ قال: إنهم إذا قالوا: «ولو» فالخلاف قوي، وإذا قالوا: «وإن» فالخلاف متوسط، وإذا قالوا: «حتى» فالخلاف ضعيف؛ ولكن هذه القاعدة ليست مطردة.
وَإِذَا سَرَقَ عَبْدٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، أَوْ سَيِّدٌ مِنْ مَالِ مُكَاتَبِهِ ،...................
قوله: «وَإِذَا سَرَقَ عَبْدٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ» أَي: فإنه لا يقطع، والشبهة هي النفقة والتبسط، والكلام فيما إذا كان المال محرزاً، أما إذا كان غير محرز، كما لو كان هذا العبد بيده مفاتيح الخزائن، وسرق منها فإنه لا قطع؛ لأن لدينا شرطاً سابقاً وهو أن تكون السرقة من حرز، فإذا كان السيد قد أعطاه المفاتيح، فمعنى ذلك أنه سلطه على المال، لكن كلام المؤلف هنا فيما إذا كان محرزاً، هل يقطع أو لا؟
يقول المؤلف: إنه لا يقطع، والشبهة هنا أن العبد له نوع من التبسط في مال سيده، وأنه تجب نفقته على سيده، فقد يكون السيد مقصراً في الإنفاق عليه، فيلجأ ذلك العبد إلى أن يسرق.
وإذا سرق سَيِّدٌ من مال عبده فإنه لا يقطع، على أن المذهب عندنا أن العبد لا يملك ولو مُلِّك؛ لقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «من باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» [(191)]، قال: «فماله للذي باعه» ، إذاً العبد لا يملك، والمال الذي بيده يتصرف فيه، ليس تصرف مالك، ولكن تصرف اختصاص.
قوله: «أَوْ سَيِّدٌ مِنْ مَالِ مُكَاتَبِهِ» المكاتب هو العبد الذي اشترى نفسه من سيده، مثاله: رجل له عبد، فقال له العبد: أعتقني، قال: ما أعتقك، أنا اشتريتك بألف درهم، قال: كاتبني أي: بع نفسي عليَّ، قال: كاتبتك على أن تعطيني ألف درهم، وأنت حر.
فهذه المكاتبة، وقد أشار الله تعالى إليها في القرآن في قوله: {{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}} [النور: 33] ، أي: صلاحاً في الدين، وكسباً في المال، وهنا الصحيح أن الأمر على سبيل الوجوب، وأن العبد إذا طلب المكاتبة وجب على السيد أن يكاتبه؛ لأن الله أمر بذلك، والأصل في الأمر الوجوب، لكن بهذا الشرط، {{إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}} أي: صلاحاً في دينهم ودنياهم، والصلاح في الدين معروف، والصلاح في الدنيا هو الكسب.
لكن لو جاء العبد يقول: كاتبني، وأنا أعرف أني إذا كاتبته ذهب إلى دور البغايا، ودور السينما، والملهيات وما إلى ذلك، أو ترك الصلاة، فإننا لا نكاتب هذا.
أو قال: كاتبني، وأنا أعرف أنني إذا كاتبته صار عالة على الناس؛ لأنه ليس بمكتسب، فهنا لا نكاتبه.
فالمكاتب يملك، ولهذا يملك التصرف، فإذا كاتبته وقلت: كاتبتك بكذا وكذا درهماً، فله أن يبيع، ويشتري، ويؤجر، ويستأجر، ويصبح كالحر، فإذا سرق السيد من مال مكاتبه، يقول المؤلف: إنه لا يقطع، والشبهة أنه لا زال ملكه عليه، كما جاء في الحديث الذي يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»[(192)] فهذا المكاتب لا يعتق إلا إذا سَلَّمَ ما عليه.
أَوْ حُرٌّ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ، أَوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ شَخْصٌ مِنْ مَالٍ فِيهِ شَرِكَةٌ لَهُ، أَوْ لأَِحَدٍ مِمَّنْ لاَ يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ مِنْهُ لَمْ يُقْطَعْ، وَلاَ يُقْطَعُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ،.........
قوله: «أَوْ حُرٌّ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ» أي: إذا سرق فإنه لا يقطع لوجود الشبهة، وهي أن كل مسلم له حق في بيت المال، فإذا كان غنياً ولم يتولَّ مصلحة من مصالح المسلمين فليس له حق في بيت المال، بخلاف الفقير فله الحق في بيت المال، فالذي يتولى مصلحة من مصالح المسلمين، كالتعليم، والإمامة، والأذان، وما أشبهه له حق، لكن إذا كان غنياً ولم يقم بمصلحة من مصالح المسلمين، فما حقه؟!
يقولون: قد يكون في يوم من الأيام من ذوي الحقوق فله شبهة.
لكن هل معنى ذلك أنه يجوز للإنسان المسلم الحر أن يسرق من بيت المال؟
الجواب: لا، وهو حرام عليه، خلافاً لمن قال: إن بيت المال حلال، اكذبْ على الدولة، اسرق من العمل، اعمل ما شئت، فليس هذا حراماً؛ والسبب أنه بيت مال المسلمين، فنقول: بيت مال المسلمين أعظم من ملك واحد معين؛ وذلك لأن سرقته خيانة لكل مسلم، بخلاف سرقةِ أو خيانةِ رجلٍ معينٍ فإنه بإمكانك أن تتحلل منه وتسلم.
وقوله: «حر مسلم» فهم منه أنه لو سرق كافر من بيت المال فإنه يقطع؛ لأنه لا حق له في بيت مال المسلمين.
أو سرق مسلم عبد من بيت المال فإنه يقطع؛ ولكن سيأتينا في آخر العبارة أنه لا يقطع، لأن العبد سرق من مالٍ لا يُقْطَعُ منه سيدُه، فإذا كان العبد المسلم لمسلم وسرق من بيت المال فإنه لا يقطع؛ لأنه سرق من مالٍ لو سرق منه سيده لم يقطع.
الخلاصة في مسألة السرقة من بيت المال: أن الأصل فيها القطع، حتى توجد شبهة بينة، وهي إما فقره، أو قيامه بمصلحة من مصالح المسلمين، كالتدريس، والإمامة، وما أشبهها.
قوله: «أو من غنيمة لم تُخَمَّس» الغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بقتال وما ألحق به، فهذه الغنيمة تقسم خمسة أسهم، أربعة منها للغانمين، وواحد منها يقسم إلى خمسة أسهم أيضاً؛ خمس لبيت المال، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل، قال تعالى: {{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}} [الأنفال: 41] .
فإذا سرق من غنيمة لم تخمس فإنه لا يقطع؛ لأن له شبهة استحقاق، فإنه يستحق من خمس الخمس الذي يصرف في الفيء، وهو ما كان لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، فإن خمست الغنيمة، فإن سرق بعد تخميسها من الأخماس الأربعة التي للمقاتلين، فهل يقطع أو لا؟
الجواب: إن كان منهم لم يقطع؛ لأن له حقاً في الأربعة، وإن لم يكن منهم قطع؛ لأنه لا حق له فيها، ولا شبهة، ولا استحقاق، وإن سرق من الخمس الموزع على خمسة نظرنا، إن سرق مما لا حق له فيه قطع، مثل أن نخمس الخمس، ونأخذ ما لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وخمس اليتامى نجعله وحده، وذوي القربى وحده، وابن السبيل وحده، والمساكين وحده، فإن سرق من حق اليتامى، وهو بالغ عاقل فإنه يقطع؛ لأنه ليس له فيه شبهة، ولو سرق من الفيء الذي لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فإنه لا يقطع؛ لأن له فيه حقاً؛ لأنه يصرف لبيت المال، وإن سرق من سهم ذوي القربى وهو ليس منهم يقطع.
قوله: «أَوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ عَلَى الفُقَرَاءِ» أي: فإنه لا يقطع، مثاله: عندنا نخل موقوف على الفقراء، جذذنا النخل، ووضعنا الجذاذ ـ المجذوذ ـ في حرزه، فجاء رجل من الفقراء وسرق منه فلا يقطع؛ لأن له شبهة استحقاق؛ فهو من جملة المستحقين.
مثال آخر: طعام معدٌّ للفقراء، فجاء فقير فسرق منه فلا يقطع؛ لأن له فيه شبهة استحقاق.
قوله: «أَوْ شَخْصٌ مِنْ مَالٍ فِيهِ شَرِكَةٌ لَهُ» أي: فإنه لا يقطع؛ لأن هذا الذي سرقه له فيه نصيب.
مثاله: شخص له مال بينه وبين آخر، مائة درهم مثلاً، فسرق من هذا المال المشترك خمسين درهماً فلا يقطع؛ لأن له من الخمسين نصفها.
مثال آخر: رجل له شركة في مال قدرها واحد من مليون، فسرق تسعمائة ألف فلا يقطع؛ لأن نصيبه مشاع، كل درهم اقسمه على مليون، فله منه واحد، فلما كان نصيبه مشاعاً فإنه مهما سرق من المال المشترك فإنه لا يقطع؛ لأن له في كل جزء منه ـ وإن قل ـ نصيباً.
قوله: «أَوْ لأَِحَدٍ مِمَّنْ لاَ يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ لَمْ يُقْطَعْ» إذا سرق شخص من شيء فيه شركة لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه فإنه لا يقطع، فإذا كان أبوه له مال مشترك بينه وبين عمه، فسرق من المال المشترك فلا يقطع، وإذا كان المال للعم منفرداً عن الشركة فسرق منه فإنه يقطع.
ولم يقطع في الأولى؛ لأن الأب له شركة في المال، وإذا سرق من مال فيه شركة لمن لا يقطع بالسرقة منه فإنه لا يقطع، والشبهة هنا المشاركة، فما دام هذا المال فيه سهم ـ ولو واحداً من مليون ـ لشخص لو سرقتُ من ماله لم أقطع، فإنني لا أقطع بالسرقة من هذا المال المشترك، كما قال المؤلف؛ لأن هذا المال الذي سرقته فيه جزءٌ لا تقطع بالسرقة به، وهو ما يملكه أبوك، وإذا كان فيه جزء لا يمكن أن تقطع به فإن القطع لا يتجزأ، فلو كان للأب خمساه، وللعم ثلاثة أخماسه، فسرق فهل نقطع ثلاثة أصابع؟ لا، ولا يمكن أن نجزئه.
قوله: «وَلاَ يُقْطَعُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ» هذا الشرط السادس، وهو ثبوت السرقة، ولثبوتها طريقان:
أولاً: الشهادة.
ثانياً: الإقرار.
وهناك طريق ثالث مختلف فيه، وسيأتي.
الشهادة يقول المؤلف: «بشاهدين عدلين» ، والعدل هو من استقام دينه، واستقامت مروءته، فهو ذو دين، وذو مروءة لم يفعل ما يخل بالدين، ولم يفعل ما يخل بالشرف والمروءة، فلا بد في الشهادة من أن يكون الشاهدان اثنين عدلين.
ولا تقبل شهادة النساء في السرقة؛ لأن الحدود لا يقبل فيها إلا الرجال، فإن شهد رجل وامرأتان فلا تقطع اليد، أو أربعون امرأة لا تقطع اليد، أو رجل واحد لا تقطع اليد، أو رجل فاسق ورجل عدل لا تقطع اليد، أو رجلان فاسقان لا تقطع اليد؛ لأنه لا بد من رجلين عدلين.
أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ، ..............
قوله: «أَوْ إِقْرارٍ مَرَّتَيْنِ» هذا هو الطريق الثاني لثبوت السرقة، ويشترط فيه شرطان: التكرار، الاستمرار.
الأول: التكرار: يقول المؤلف: «مرتين» : فلو أقر مرة واحدة، وقال: إني سرقت فلا قطع؛ لأن السرقة لم تثبت شرعاً.
والدليل على أنه لا بد من التكرار أنه جيء بسارق إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأقر بأنه سرق فقال: «ما إخالك سرقت؟» قال: بلى يا رسول الله، فأمر بقطعه[(193)].
والقياس: قالوا: لأن هذا حد يتضمن إتلافاً، فكان أحقَّ بالتكرار من الزنا الذي لا يتضمن الإتلاف إلا في المحصن.
ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم له: «ما إخالك سرقت» أراد بذلك الاستثبات، والقول يثبت على الإنسان بشهادته على نفسه، قال تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}} [النساء: 135] ، وقد سبق لنا بيان أن تكرار الإقرار ليس بشرط في باب حد الزنا، فهذا مثله وأولى؛ ولذلك كان اشتراط تكرار الإقرار هنا من مفردات مذهب الإمام أحمد، كما ذكره صاحب الإنصاف.
وقوله: «أو إقرار مرتين» مراده بيان الأقل أي: إقرار لا ينقص عن مرتين، فإن زاد كان أقوى.
الشرط الثاني: الاستمرار، وإليه أشار المؤلف بقوله:
«وَلاَ يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتى يُقْطَعَ» ونصبت «ينزع» ؛ لأنه عطف على اسم خالص، قال ابن مالك:
وإن على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عطفْ *** تنصبه أن ثابتاً أو منحذفْ
وشاهده قول الشاعر:
ولبسُ عباءةٍ وتــــقرَّ عيني *** أحبُّ إلي من لُبس الشفوف
والاسم الصريح هو «إقراره» ولا ينزع أي: وعدم نزعه، ويجوز الرفع على أنها استئنافية.
والمعنى أي: لا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، وقاسوا ذلك على الزنا، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يشترط، وأنه إذا أقر الإنسان على نفسه ثبت عليه الحكم بمقتضى إقراره، ولا يقبل رجوعه.
ولو أن رجلاً أقر بأنه سرق، وقال: إني سرقت من الدكان الفلاني الحاجة الفلانية، التي وصفها كذا، ورقمها كذا، وذكرها تماماً، ووصف كيف سرق، وقال: جئت من هنا، وفتحت هذا الباب، ووجدنا المسروق عنده كما وصف تماماً، ثم بعد ذلك قال: رجعت عن إقراري.
هل نقول: إن عموم كلامهم حيث قالوا: ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، يقتضي أن هذا الذي رجع عن إقراره ووجد المال عنده، ووصف هو نفسه السرقة، ولم يقل: سرقت فقط، فهل نقول: إن عموم كلام الأصحاب يقتضي أن يرفع عنه الحد؛ لأنه رجع، أو نقول: إن كلامهم فيما إذا كان ثبوت السرقة مجرد إقرار، أما مع وجود هذه القرائن التي ذكرها، فهل يصدق أو لا؟ هذا لا يصدق به أحد؛ لأنه من المستحيل أن رجلاً يدعي على نفسه هذه الدعوى، ثم يقول: ما فعلت، نعم، يوجد احتمال أنه لم يسرق، وأن السارق صديقه، وأن صديقه وصف له السرقة، ووضع المال عنده أمانة، فهذا احتمال عقلي وارد، لكن العادة تمنع هذا منعاً باتاً.
فالصواب إذاً أن الرجوع عن الإقرار غير مقبول مطلقاً، فكيف إذا احتفت به قرائن تدل على كذب الرجوع، وعلى أن السرقة واقعة تماماً.
وعلى هذا نقول: الصحيح أنه لا يشترط لثبوت السرقة تكرار الإقرار، ولا الاستمرار في الإقرار، وأنه إذا أقر ولو مرة واحدة أقيم عليه الحد إذا تمت شروط الإقرار، بأن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً.
وهل هناك طريق ثالث تثبت به السرقة؟
المذهب أنه ليس هناك طريق لثبوت السرقة سوى هذين الطريقين، وزاد بعض أهل العلم طريقاً ثالثاً، وهي أن يوجد المسروق عند السارق ما لم يدَّعِ شبهة تمنع الحد.
مثال ذلك: ادعى شخص على آخر بأنه سرق ماله، فسألناه: ما هو مالك؟ فقال: مالي هذا الشيء المعين وعيَّنه، وصفته كذا وكذا، ورقمه كذا وكذا، ولونه كذا وكذا، وفسّره تفسيراً بيناً واضحاً، فقلنا للمدعى عليه: هذا يقول أنك سرقت، فقال: ما سرقت، وليس له عندي شيء أبداً، ثم وجدنا هذا المسروق حسب وصف المدعي موجوداً عنده.
فهذه قرينة تدل على أنه سارق، فيقام عليه الحد وتقطع يده، وهذا اختيار جماعة كثيرة من أهل العلم، قالوا: إن هذا من جنس ما إذا تقيأ الرجل الخمر فإنه يحد كما مضى.
فإن ادعى السارق أنه أخذ هذا المال عارية، أو بيعاً، أو هبة، فهذه شبهة تمنع إقامة الحد، كما ذكرنا فيمن حملت وليس لها زوج ولا سيد، ثم ادعت أن غيرها أكرهها فإنها لا تحد.
الشرط السابع قوله:
وَأَنْ يُطَالِبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِمَالِهِ، ..................
«وَأَنْ يُطَالِبَ المسْرُوقُ مِنْهُ بِمَالِهِ» فإن لم يطالب فإنه لا يقطع، ولو ثبتت السرقة، ما دام صاحبه لم يطالب، والدليل حديث صفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ حيث كان نائماً على ردائه في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم فجاء رجل فسرقه، فرفع صفوان الأمر إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقطعه، فقال صفوان: يا رسول الله، أتقطعه في رداء لا يساوي ثلاثين درهماً؟ إني قد وهبته له، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هلا كان قبل أن تأتيني به»[(194)].
فإنه يدل على أنه لو وهبه له قبل أن يرفعه للحاكم سقط القطع، فهل يصح الاستدلال بهذا الدليل على هذه المسألة؟
إذا قدرنا أن السارق سرق، وثبت عند الحاكم أنه سرق، لكن لم يجئ أحد يقول له: إنه سرق مني، هل يقطع أم لا؟ المذهب أنه لا يقطع؛ لأنه ما جاء أحد يطالب، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إلى أنه لا تشترط المطالبة، وأنه إذا ثبتت السرقة قطع؛ لأن القطع لحفظ الأموال، وليس حقاً خاصاً لهذا الرجل؛ حتى نقول: إنه إذا طالب قطع وإلا فلا، بخلاف القصاص، فإذا لم يطالب لا يقطع.
مسألة: هل البصمات طريق رابع لمعرفة المجرم؟
الجواب: تعتبر قرينة وليست بينة قطعية؛ لأنه قد يكون الذي لمس الباب لمسة قبل السرقة أو بعدها، لكن لو قلنا: ليس فيه بصمة سوى هذه، فيمكن أن نقول: حتى لو لم يوجد إلا هذه البصمة فإنه يوجد احتمال أن تكون قبل السرقة أو بعدها، وأن يكون السارق تحاشى أن يمس هذا الباب، بل مسه بحديدة وما أشبه ذلك.
مسألة: إذا رأوا رجلاً هارباً وأمسكوه ومعه المال، فهل يدل هذا على السرقة؟ الجواب: لا.
وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ وَحُسِمَتْ، وَمَنْ سَرَقَ شَيْئاً مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ثَمَراً كَانَ أَوْ كَثَراً أَوْ غَيْرَهُمَا أُضْعِفَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَلاَ قَطْعَ.
قال: «وَإِذَا وَجَبَ القَطْعُ» أي: ثَبَتَ، ويحتمل أن المعنى إذا وجب شرعاً؛ لأن قطع يد السارق واجب؛ لقوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ، وهكذا جميع الحدود يجب إقامتها على كل أحد، على الشريف، والوضيع، والغني، والفقير، فكلمة «وجب» يحتمل أن يراد بها الوجوب الشرعي، أو الوجوب اللغوي، والوجوب اللغوي معناه ثبت، والشرعي بمعنى لزم، فإذا وجب القطع وذلك بعد تمام الشروط السابقة وهي ستة، بالإضافة إلى الشروط العامة لإقامة الحدود، قال:
«قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى» لقوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}}، وقد فسر هذا الإجمال القراءة الثانية: {فاقطعوا أيمانهما}[(195)]، وكذلك السنة فسرت ذلك[(196)].
قوله: «مِنْ مَفْصِلِ الكَفِّ» أي: دون الذراع، وإنما وجب قطعها من هنا لا إلى المرفق؛ لأن الله تعالى أطلق ولم يقيد، واليد عند الإطلاق تحمل على الكف، بدليل قوله تعالى في آية التيمم: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}} [المائدة: 6] ، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن التيمم خاص بالكف[(197)]، وعلى هذا فيكون المراد بالأيدي في الآية الكف فقط.
وكيفية ذلك أنه يؤتى برجل قوي فيربط يد السارق بحبل بقوة ويسحبها حتى يتبين المفصل؛ لأن المفصل متداخل بعضه ببعض، فلا بد أن تفصل الكف عن الذراع حتى يقصها من المفصل؛ لأنه لو قصها هكذا تداخل بعضها ببعض.
قوله: «وَحُسِمَتْ» الحسم في اللغة القطع، والمراد حسم الدم ـ أي: قطعه ـ وذلك بأن يغلى زيت، أو دهن، أو نحوهما، ثم تغمس فيه وهو يغلي، فإذا غمست فيه وهو يغلي تسددت أفواه العروق، وإنما وجب حسمها؛ لأنها لو تركت لنزف الدم ومات، والحد لا يراد به موته وإتلافه، إنما يراد به تأديبه.
والحكمة من قطعها دون سائر الأعضاء هو أنه لما كانت اليد هي آلة الأخذ في الغالب صار القطع خاصاً بها؛ ولهذا اختص باليمين دون اليسار؛ لأنها هي التي يؤخذ بها غالباً، حتى لو فُرض أنه أعسر لا يعمل إلا باليد اليسرى.
وقد اعترض بعض الزنادقة على الشرع، وقال: كيف تقطع اليد اليمنى في ربع دينار، وإذا قطعها الجاني فإن ديتها خمسمائة دينار؟!
يَدٌ بخمس مئين عَسْجَدٍ وُدِيت *** ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له *** ونستجير بمولانا من النار
وأجابه بعض العلماء بأنها قطعت في ربع دينار حماية للأموال، وكانت ديتها خمسمائة دينار حماية للنفوس والدماء.
حماية النفس أغلاها وأرخصها *** حماية المال فافهم حكمة الباري
وقال بعضهم وهو تعبير أدبي: لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة.
مسألة: هل يجوز رد اليد بعد قطعها؟ لا يجوز؛ لأن هذا خلاف مقصود الشارع، فليس مقصود الشارع الإيلام فقط حتى نقول: إنه حصل بقطعها، وإنما مقصود الشارع أن يبقى، وليس له يد.
فإن عاد فسرق فقال بعض العلماء: لا يقطع منه شيء، وإنما يحبس ويؤدب، وقال بعضهم: تقطع رجله اليسرى من مفصل العقب، فإن عاد فسرق تقطع يده اليسرى، فإن عاد فسرق قطعت رجله اليمنى، فإن عاد فسرق قال بعضهم: يقتل.
فإن قيل: إن قطعت أربعته فبماذا يسرق؟!
فالجواب: يمكن أن يسرق بفمه، كأن يحمل الكيس الذي فيه الذهب ويعض عليه بأسنانه ويمشي.
قوله: «وَمَنْ سَرَقَ شَيْئاً مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ثَمَراً كَانَ أَوْ كَثَراً أَوْ غَيْرَهُمَا أُضْعِفَتْ عَلَيْهِ القِيمَةُ وَلاَ قَطْعَ» أضعفت بمعنى زيدت بمثلها، وأما كونه لا قطع فظاهر؛ لأنه يشترط للقطع أن تكون السرقة من حرز.
مثال ذلك: رجل سرق دراهم، أو دنانير من دكان مفتوح، فهنا سرق من غير حرز فليس عليه قطع؛ لأن من شروط القطع أن تكون السرقة من حرز، ولكن يقول المؤلف: إن القيمة تضاعف عليه، فإذا كان هذا المسروق يساوي مائة جعلناه بمائتين.
ودليل ذلك أنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من سرق ثمراً من غير حرز فإنه يضاعف عليه الغرم[(198)].
والمؤلف ـ رحمه الله ـ يقول: إنه لا فرق بين أن يكون المسروق ثمراً أو كَثَراً أو غيرها، فالثمر كالتمر، والكثر قيل: إنه جُمَّار النخل، وقيل: إنه طلع النخل، والذي جاءت به السنة الثمر والكثر، وما عداهما فإنها لم تأتِ به السنة، فألحق بعض العلماء ما عداهما بهما، كما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ، والمذهب أن غيرهما لا يلحق بهما، فإذا سرق من غير حرز فلا قطع، ولا يجب عليه إلا القيمة إن كان متقوماً، أو المثل إن كان مثلياً.
أما الذين قالوا بالتضعيف فقالوا: إنه ثبت في السنة تضعيف الغرم في الثمر والكثر، ولا نعلم لذلك أصلاً إلا لأنه سرق من غير حرز، وعلى هذا فتكون العلة أنه سرق من غير حرز، فكل ما سرق من غير حرز ضوعفت عليه القيمة، وأما الذين قالوا: لا تضاعف عليه القيمة، قالوا: لأن الأصل في الضمان ضمان الشيء بمثله، فخرج الثمر والكَثَر إذا سُرق بالنص، فبقي ما عداهما على الأصل.
مثال ذلك: رجل صعد إلى نخلة فجذ منها قنواً أو قنوين وذهب به، وجب عليه أن يضمنه بمثله مرتين، وأما القطع فلا قطع.
مثال آخر: رجل سرق دراهم من غير حرز، وذهب بها فلا قطع عليه؛ لأنه من غير حرز، ولكن يجب أن يضمنه ـ على كلام المؤلف ـ بمثله مرتين فيضمن المائة بمائتين، والمذهب لا يضمنه إلا بمثله، فلا يضمن إلا المائة فقط.
وكلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أقرب؛ لما في ذلك من الردع والزجر؛ ولأنه سقطت عنه العقوبة مراعاة لحاله ولمصلحته.
-----------------------
[176] أخرجه البخاري في المظالم باب النُّهْبَى بغير إذن صاحبه (2475)، ومسلم في الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي... (57) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
[177] أخرجه البخاري في العلم باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رُبَّ مبلغ أوعى من سامع» (67)، ومسلم في القسامة باب تغليظ تحريم الدماء (1679) عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ.
[178] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب (3475)، ومسلم في الحدود باب قطع السارق الشريف وغيره (1688) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
[179] سبق تخريجه ص(328).
[180] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل (3461) عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[181] أخرجه البخاري في الحدود باب قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} (6789)، ومسلم في الحدود باب حد السرقة ونصاباً (1684) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
[182] سبق تخريجه ص(335).
[183] أخرجه البخاري في الحدود باب قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}}، ومسلم في الحدود باب حد السرقة ونصابها (1686) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
[184] أخرجه البخاري في الحدود باب لعن السارق إذا لم يسم (6783)، ومسلم في الحدود باب حد السرقة ونصابها (1687) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[185] أخرجه الإمام أحمد (3/104)، وأبو داود في الحدود باب فيمن سرق من حرز (4394)، والنسائي في قطع السارق باب ما يكون حرزاً وما لا يكون (8/69)، وابن ماجه في الحدود باب من سرق من حرز (2595)، وصححه الحاكم (4/380)، ووافقه الذهبي، وانظر: الإرواء (2317).
[186] أخرجه أبو داود في الحدود باب ما لا قطع فيه (4390)، والنسائي في قطع السارق باب التمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين (8518)، والحاكم (4/423).
[187] أخرجه البخاري في الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (2650)، ومسلم في الهبات باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (1623) عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ.
[188] سبق تخريجه ص(249).
[189] أخرجه ابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2291) عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ، وصححه البوصيري على شرط البخاري، وصححه ابن حبان (410) إحسان، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
وأخرجه الإمام أحمد (2/179، 204، 214)، وأبو داود في البيوع/ باب الرجل يأكل من مال ولده (3530)، وابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2292) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحسّن إسناده في الإرواء (3/325).
[190] أخرجه البخاري في النفقات باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه (5364)، ومسلم في الأقضية باب قضية هند (1714) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.
[191] سبق تخريجه ص(175).
[192] أخرجه أبو داود في العتق باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته... (3926)، والبيهقي (1/324) عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ، انظر: «التلخيص» (2156).
[193] أخرجه الإمام أحمد (5/293)، أبو داود في الحدود باب في التلقين في الحد (4380)، والنسائي في الحدود باب تلقين السارق (8/67)، وابن ماجه في الحدود باب تلقين السارق (2597) عن أبي أمية المخزومي ـ رضي الله عنه ـ، وانظر: التلخيص (1776)، والإرواء (2426).
[194] سبق تخريجه ص(338).
[195] أخرجه البيهقي (8/270)، وانظر: التلخيص الحبير (4/71) وخلاصة البدر المنير (2/317).
[196] لم نقف عليه مرفوعاً، ولكن روي عن أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أنهما قالا: «إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع» ذكره في المغني (9/106) قال في التلخيص: «لم أجده عنهما» (4/71)، وانظر: الإرواء (8/81).
[197] رواه البخاري في التيمم باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟ (338)، ومسلم في الحيض باب التيمم (368) عن عمار بن ياسر ـ رضي الله عنهما ـ.
[198] سبق تخريجه ص(340).
|