المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ
 

 

بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ

 

إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ عَلَى الإِْمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ فَهُمْ بُغَاةٌ،.........

قوله: «أهل البغي» البغي مصدر بغى يبغي بغياً، والمراد بأهل البغي الخوارج الذين يخرجون على أئمة المسلمين.

قوله: «إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ عَلَى الإِمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ فَهُمْ بُغَاةٌ» القوم هم الرجال، والنساء الإناث، قال تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ}} [الحجرات: 11] ، وقال الشاعر:

وما أدري ولست إخال أدري

أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساء

وهذا إذا قرن القوم مع النساء، وأما عند الإطلاق فيشمل الرجال والنساء، كقوله تعالى: {{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ }} [الشعراء:105] وما أشبهه.

فقوله: «إذا خرج قومٌ» يعني جماعة من الرجال؛ لأنهم هم الذين لهم الشوكة والمنعة.

وقوله: «شوكة» يعني قوة، وسميت القوة شوكة لنفوذها، كما تنفذ الشوكة في الجسم، قال الله تعالى: {{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}} [الأنفال: 7] .

وقوله: «منعة» أي: امتناع، أي: أنهم قوم كثيرون يمتنعون عن أن ينالهم الإنسان بسهولة، فهم جيشٌ.

وقوله: «على الإمام» وهو الذي نصبه المسلمون إماماً لهم، يعني الخليفة، أو أمير المؤمنين.

وهنا تكلم الفقهاء ـ رحمهم الله ـ على شروط الإمامة؛ وبماذا تحصل؟ فتحصل الإمامة بأمور:

أولاً: بالنص عليه، أي: بأن ينص عليه الإمام الذي قبله، وهذا هو العهد كما حصل من أبي بكر لعمر[(218)] ـ رضي الله عنهما ـ.

ثانيًا: باجتماع أهل الحل والعقد عليه، يعني وجهاء البلاد، وشرفاء البلاد، وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين، وينصبونه إماماً، ومن ذلك الصورة المصغرة التي اختارها عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فإن عمر لم يعهد إلى شخص معين، ولم يجعل الأمر عاماً بين المسلمين، ولكنه جعل الأمر بين ستة أشخاص، تخيرهم ـ رضي الله عنه ـ، وعلل تخيره إياهم بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم توفي وهو عنهم راضٍ[(219)]، فجعل الأمر بينهم، وهذا نوع من اختيار أهل الحل والعقد، ونوع من العهد بالخلافة إلى معين؛ لأن الخليفة لا يخرج عن هذه الدائرة الضيقة، وهم ستة فقط، يعني لو أن هؤلاء الستة اختاروا رجلاً من غير الستة فإنه لا يصح اختيارهم؛ لأنه خلاف ما عهد به الخليفة السابق.

ثالثًا: بالقهر، بأن يخرج إمام على شخص فيقهره، ويقهر الناس، ويستولي، ويأخذ السلطة.

أما شروط الإمام فقد ذكرها أهل الفقه في كتب الفقهاء، واختلفوا ـ أيضاً ـ فيها، فلم يتفقوا على جميعها، لكن إذا كان الإمام منتصباً بأحد العوامل الثلاثة السابقة، النص، والإجماع، والقهر، فخرج عليه قوم لهم شوكة ومنعة، بتأويل سائغ، أي لم يخرجوا هكذا، بأن قالوا: لا نريد حكمك، بل قالوا: خرجنا عليك؛ لأنك فعلت كذا، وفعلت كذا، ونرى أن هذا يسوِّغ لنا الخروج عليك، فخرجوا على الإمام، يقول المؤلف في جواب الشرط: «فهم بغاة» أي: جائرون ظلمة، وهؤلاء هم المعروفون بالخوارج، الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ.

فالشروط أن يكونوا قوماً، لهم شوكة ومنعة، ويخرجون على الإمام، بتأويل سائغ.

فإن خرج رجل واحد على الإمام؛ وقال: تنازل عن الخلافة وإلا قتلتك، قال العلماء: إذا اختل شرط واحد فهم قطاع طريق، فهذا الرجل نعتبره قاطع طريق، ونعامله معاملة قاطع الطريق.

فإن خرج قوم ليس لهم شوكة، ولا منعة على الإمام، ومعهم عِصِي من جريد قديم، يريدون أن يزيلوا الإمام عن إمامته، فإنهم قطاع طريق؛ لأنه ليس لهم شوكة ولا منعة.

وهل الشوكة والمنعة نسبة إضافية، بمعنى أن هذه الشوكة والمنعة قد تكون شوكة ومنعة في زمان، ولا تكون شوكة ومنعة في زمان آخر؟ فالسيوف، والخناجر، والرماح في زمن من الأزمان تعتبر شوكة، لكن في زماننا هذا لا تعتبر شوكة فيما يظهر، اللهم إلا في بعض الحالات، أما في الأعم الأغلب فليست بشوكة، فكل هؤلاء الذين يبلغون عشرين ألفاً أو أكثر تكفيهم طائرة واحدة، تبيدهم عن آخرهم، فهنا يمكن أن نقول: إن الشوكة والمنعة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال.

وقوله: «على الإمام» فلو خرجوا على أمير في قرية، ليس على الإمام، وهم قد بايعوا الإمام، ولكن لا يريدون هذا الأمير، فهؤلاء ليسوا بغاة؛ لأنهم ما نزعوا يداً عن طاعة، لكنهم لا يريدون هذ الرجل المعين، والمؤلف يقول: «على الإمام».

وقوله: «بتأويل سائغ» خرج به ما إذا خرجوا بغير تأويل، أو بتأويل غير سائغ، مثال خروجهم بتأويل غير سائغ أن يقولوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه؟! فهذا تأويل لكن غير سائغ؛ لأن هذا لا يمنع أن يكون إماماً.

ومثال خروجهم بغير تأويل أن يقولوا: لا نريده، أو نفوسنا لا تقبل هذا الإمام أبداً، فهؤلاء قطاع طريق وليسوا بغاة، وتختلف معاملتنا لهم عن معاملتنا للبغاة؛ لأن قطاع الطريق نجري عليهم الحد السابق، أما البغاة فلا، بل يجب على الإمام أن يراسلهم، ولهذا قال المؤلف:

 

وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاسِلَهُم فَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا، وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا، فَإِنْ فَاؤُوا، وَإِلاَّ قَاتَلَهُمْ، ................

«وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ فَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ» «ما» هنا استفهامية، معلِّقة لـ «يسألهم» عن العمل، فالجملة في محل نصب مفعول ثان لـ «يسألهم» .

و «ينقمون» ، أي: ينكرون، كما قال الله تعالى: {{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ}} [البروج: 8] أي: ما أنكروا منهم إلا ذلك.

فعلى الإمام أن يراسلهم لا يقاتلهم ولا يقتلهم، فيرسل إليهم شخصاً موثوقاً مَرْضِيّاً عند الجميع، فيتفاهم معهم، ويسألهم ما ينقمون.

قوله: «فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا» لأن خروجهم من أجل إزالة المظالم خروج بتأويل سائغ، فالإنسان لا يجوز له أن يظلم الناس، وإن كان له السلطة العليا عليهم؛ لأن إزالة الظلم واجبة، سواء طولب به من جهة الشعب، أم لم يطالَب به، فإن الله ـ عزّ وجل ـ يقول: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا» [(220)]، هكذا جاء في الحديث القدسي الذي رواه النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ربه، فيجب عليه إزالتها، وأن يرد المظالم إلى أهلها، ويمنع الظلم المستقبل، وهذا وإن كان واجباً عليه من الأصل؛ لأن الظلم محرم، لكن إذا كان بعد طلب هؤلاء ازداد وجوباً؛ لحقن دماء المسلمين؛ لأنه لو أصر على أن يبقى على مظلمته لحاربه هؤلاء، وحصل الشر.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون المظلمة عامة أو خاصة.

مثال العامة: أن يضع ضرائب على الناس في تجارتهم، أو أن يلزمهم بهدم بيوتهم، وبنائها على الشكل الذي يريد، أو يلزمهم بإخراج شيء من بيوتهم إلى الشوارع بغير عوض، وما أشبه ذلك من المظالم التي تكون عامة لجميع الرعية.

مثال الخاصة: أن يظلم شخصاً معيناً في ماله، أو في نفسه.

قوله: «وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا» سواء في حكم، أو في حال، في حكم بأن قالوا: إنك منعت من كذا، وقلت: إنه حرام، ونحن لم يتبين لنا تحريمه، أو قالوا: إنك قلت هذا واجب، وألزمت الناس به، ونحن لم يتبين لنا وجه إيجابه، أو: أمرت بقتال هذه الفئة، ونحن لم يتبين لنا جواز قتالها، أو قالوا: أنت فعلت كذا وكذا، وهذا أمر مشتبه علينا، مثل لو عاهد المشركين معاهدة سلمية، وقالوا: نحن لا نقبل هذا، فالجهاد قائم إلى يوم القيامة، فهذه شبهة يجب عليه أن يبينها ويكشفها، ويقول لهم: أنا عاهدت هذه المعاهدة للضرورة؛ لأني رأيت أنه لا قِبَلَ لي بمقاتلة هذا العدو، فرأيت المعاهدة خيراً من عدمها، وأنا أستعد الآن ولن أدع قتال العدو، ولن أبطل الجهاد بهذه المعاهدة، لكني رأيت أن المعاهدة فيها مصلحة، ودرء مفسدة، وأنا أضمن لكم أن أقيم الجهاد، وأرفع علمه متى حانت الفرصة، فحينئذٍ يكون قد كشف لهم الشبهة وبينها.

كذلك ـ مثلاً ـ لو جعل ضريبة على أموال من أموال الناس، وقالوا: لماذا تجعل هذه الضريبة؟ نحن لا نقبل، هذا ظلم ومكس، وقال: أنا جعلت ضريبة من أجل أن أخفف من استيراد هذا الأمر الذي فيه ضرر على الناس، وهذه الضريبة التي أجعلها سأصرفها في مصالح المسلمين، فأنا أدفع بهذه الضريبة الضرر المتوقع من كثرة هذا الشيء بين أيدي الناس، وأصرفها إلى مصالح أخرى من مصالح المسلمين.

المهم أنهم إذا ذكروا شبهة وجب عليه أن يكشفها، فلو قال مثلاً: ارجعوا وراءكم أنا الإمام، ولا لأحد عليَّ اعتراض، لا أسأل عما أفعل، وأنتم تسألون، فماذا نقول؟ نقول: هذا لا يجوز، وحرام عليه أن يقول هذا القول.

فإن قال قائل: كيف يلزمه أن يبين الشبهة، وهو ولي الأمر، وليس لأحد أن يحاسبه؟

فالجواب: أنه يلزمه أن يبين ذلك درءاً للمفسدة، وليكون له عذر إذا قاتلهم؛ حتى لا يقول قائل: إنه قاتلهم قتالاً أعمى؛ لأنه إذا بَيَّن الحق، وأزال الشبهة، ثم أصروا على القتال، فله العذر في مقاتلتهم، فإذا أزال المظلمة، وكشف الشبهة، واستقام على ما ينبغي أن يكون عليه، ولكنهم أصروا أن يقاتلوا، قال المؤلف:

«فَإِنْ فَاؤُوا وَإِلاَّ قَاتَلَهُمْ» وجوباً، لا استحباباً، ولا إباحة، فإذا فاؤوا ورجعوا، وأغمدوا سيوفهم، وذهبوا إلى بيوتهم، فذلك هو المطلوب، وهو الذي به الأمن والاستقرار، وإن أبوا قاتلهم وجوباً لدفع شرهم، ولهذا قال المؤلف: «قاتلهم» ولم يقل: قتلهم، والفرق أنه في القتال إذا كف المقاتل وجب الكف عنه، ولا يجوز اتباعه، ولا الإجهاز على جريحه، ولا أن نغنم ماله، ولا سبي ذريته؛ لأنه يجوز قتاله فقط، ولا يجوز قتله، فإذا أدبروا وانهزموا فإننا لا نتبعهم، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله، ولهذا يقاتل الناس إذا تركوا الأذان مثلاً، ولكن هل يجوز قتلهم؟ لا، فلو أن ناساً تركوا الأذان في قرية فيها مائة وخمسون نفراً، والإمام باستطاعته أن يبيدهم في ربع ساعة؛ فإنه لا يجوز أن يقتلهم، لكن يقاتلهم بمعنى يلزمهم بالأذان، وإن أدى إلى المقاتلة، ومن هنا يظهر السر في قوله تعالى: {{وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}} [البقرة: 191] ، لم يقل: فقاتلوهم، وهذا يحتمل معنيين:

أحدهما: إن قاتلوكم فسيجعل الله لكم التمكين حتى تقتلوهم، فهو كقوله تعالى: {{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}} [الإسراء: 33] ، فإن هذا فيه إشارة إلى أن من قتل مظلوماً فسوف يظهر الله قاتله ويقتل، ولهذا قال: {{فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}}، فيكون المعنى إن قاتلوكم فستكون الدولة لكم عليهم، فاقتلوهم.

الثاني: إن قاتلوكم فاقتلوهم وإن وضعوا السلاح؛ لأنهم بانتهاكهم حرمة المسجد الحرام كانوا مستحقين للقتل.

فالمهم أن هناك فرقاً بين القتال وبين القتل، فهؤلاء البغاة إذا لم يرجعوا فإن الإمام يجب عليه أن يقاتلهم، ويجب على رعيته أن يعينوه على قتالهم، فإن قالت الرعية: نحن لا نقاتل قوماً مسلمين، كيف نقاتلهم، وكيف نحمل السلاح عليهم؟! قلنا: لأنهم بغاة، فقتالهم من باب الإصلاح، وإذا لم يمكن الإصلاح إلا بقتالهم وجب، فيجب على الرعية طاعة الإمام إذا أمر بالخروج معه لقتال هؤلاء.

بقي أن يقال: هنا حال ثالثة؛ لأن المؤلف ذكر حالين:

الأولى: أن يكف هؤلاء عن القتال إذا بُيِّن لهم الأمر فنكف عنهم.

الثانية: ألا يرجعوا، بل يستمروا في الخروج، فحينئذٍ يجب على الإمام أن يقاتلهم، ويجب على الرعية أن يساعدوا الإمام.

الثالثة: إذا لم يكشف الشبهة، ولم يزل المظلمة، بأن قالوا: نريد إزالة المظلمة الفلانية، قال: لا أزيلها، أو نريد أن تكشف لنا وجه ما فعلت، ووجه حكمه من الكتاب والسنة، قال: لا، ففي هذه الحال إن فاؤوا فالأمر واضح وانتهى الإشكال، لكن إن أبوا قالوا: ما دمت لم تزل المظلمة، ولم تكشف الشبهة لنا، فإننا سنقاتل، فليس لهم قتاله؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في الأمير: «اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» [(221)]، ونهى صلّى الله عليه وسلّم أن ينزع الإنسان يداً من طاعة، إلا أن يرى كفراً بواحاً عنده فيه من الله برهان[(222)]، ومن أجل أنه لا يجوز لهم الخروج عليه، فهل يجوز له قتالهم درءاً للمفسدة أم لا؛ لأن السبب الذي قاموا من أجله لا يحل لهم القتال من أجله، إذاً فهم معتدون، ودفع اعتداء المعتدي واجب؟ فأنا أتوقف في هذا، هل يجب عليه أن يقاتلهم، ويجب على رعيته أن يعينوه أم لا؟ فتحتاج المسألة إلى مراجعة، أما كلام المؤلف فظاهر أنه إنما يقاتلهم إذا بين لهم الشبهة، وأزال المظلمة.

مسألة: وهل يقع التوارث بين هؤلاء وبين أقاربهم الذين مع الإمام؟

الجواب: يقول العلماء: إن القتال الواقع بين هؤلاء غير مقصود في الحقيقة، ولذلك لا يمنع التوارث، وقد سبق في كتاب الفرائض أنه إذا قتل العادلُ الباغيَ، أو الباغي العادلَ فإنهم يتوارثون.

وذهب بعض العلماء إلى أنه إن كان القاتلُ العادلَ ورث من الباغي، وإن كان القاتلُ الباغيَ لم يرث من العادل؛ لأن قتال العادل بحق، وقتال الباغي بغير حق، وسبق لنا أن هذا قول قوي جدّاً، وأما المذهب فكل منهما يرث الآخر؛ لأن هذا قتال بتأويل.

 

وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتانِ، وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الأُْخْرَى.

قوله: «وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ» إن اقتتلت طائفتان من المؤمنين لعصبية أو رئاسة، والفرق بينهما، أن العصبية يكون سببها التفاخر، لا يريد أحد أن يعلو على أحد، لكن تشاجروا فيما بينهم، فقالت كل طائفة للأخرى: أنت القبيلة الفلانية، فيك كذا وكذا، فحَمِيَ الأمر بين الطائفتين، فاقتتلتا.

أما الرئاسة، فكل طائفة تريد أن تكون لها الرئاسة على الأخرى، يعني يريدون أن يكتسحوهم، ويضموهم إليهم، فهما ظالمتان، ولكن هل تَكْفُران؟ لا؛ لأن قتال المؤمن ليس كفراً مخرجاً عن الملة، وقتله ـ أيضاً ـ ليس كفراً مخرجاً عن الملة، فماذا نعمل؟ يقول الله ـ عزّ وجل ـ: {{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}} [الحجرات: 9، 10] .

قوله: «وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الأُخْرَى» بخلاف ما سبق، فالقتال بين البغاة والإمام ليس فيه ضمان، لكن هذا فيه ضمان، فإن تساوت المتلفات تساقطت، وإذا زاد أحدهما فإنه يضمن له ما زاد.

مثال ذلك: اقتتلت طائفتان لعصبية، فهذه تلفت عليها سيارات، ومواشٍ، وبيوت، وخيام، والأخرى كذلك، فلما انتهى القتال وقَوَّمْنَا ما تلف، وجدنا أن هذه أتلفت على الأخرى ما قيمته مائة ألف، والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته مائة ألف، فماذا نصنع؟

الجواب: يتساقطان، إذ كل واحدة ليس لها شيء على الأخرى، ولو وجدنا أن إحدى الطائفتين أتلفت على الأخرى ما قيمته مائة ألف، والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته خمسمائة ألف، فالتي تلف عليها مائة ألف تضمن أربعمائة ألف للتي تلف عليها خمسمائة ألف.

وهنا إشكال فمعلوم أن هذه الطائفة لم يُتلف كل واحد منها هذا الشيء المعين، يعني قد يتلف بعضهم عشرين سيارة، وهو رجل واحد، وقد يكون بعضهم ما أتلف شيئاً أبداً، وقد يكون بعضهم أتلف دون ذلك، فكيف يكون الضمان على الجميع؟

نقول: لأن من لم يتلف مُعِين وموافق لمن أتلف، فأوجب العلماء الضمان هنا على مجموع الطائفتين، وإن لم يُعلم عين المتلِف؛ لأن بعضهم أولياء بعض، والله ـ عزّ وجل ـ يخاطب بني إسرائيل في عهد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بما فعلته في عهد موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ لأن القبيلة أو الطائفة من الناس إذا فعل أحد منهم فعلاً ووافقه الآخرون على ذلك، ولم ينكروه صح أن ينسب إلى الجميع.

وكيف توزع هذه القيمة؟ توزع بعدد الأفراد، فمثلاً إذا قدرنا أن الخسران مائة ألف، وأن عدد القبيلة ألف، فعلى كل واحد مائة.

 

------------------

 

[218]    أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (2/566)، والخلال في السنة (1/275)، والبيهقي في الاعتقاد (368) ط/ دار الآفاق الجديدة، والأثر صححه عبد الله بن أحمد.

[219]    أخرجه البخاري في الجنائز/ باب ما جاء في قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم... (1392)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة/ باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً... (567).

[220]    أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب باب تحريم الظلم (2577) عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ.

[221]    أخرجه مسلم في الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين... (1847) عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ.

[222]    أخرجه البخاري في الفتن باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سترون بعدي أموراً تنكرونها» (7056)، ومسلم في المغازي باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (1709) (42) عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ.

 

تاريخ التحديث : Feb 5, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com