|
بَابُ القِسْمَةِ
لاَ تَجُوزُ قِسْمَةُ الأَمْلاَكِ الَّتِي لاَ تَنْقَسِمُ إِلاَّ بِضَرَرٍ، أَوْ رَدِّ عِوَضٍ، إِلاَّ بِرِضَا الشُّرَكَاءِ، كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالْحَمَّامِ، وَالطَّاحُونِ الصَّغِيرَيْنِ،...............
قوله: «القسمة» اسم من قسمت الشيء، إذا جعلته أقساماً، فالواحد يمكن أن يجعل اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، المهم إذا جعلت الشيء أقساماً فهذه هي القسمة، وهي تنقسم إلى أقسام كما سيذكر المؤلف، ولكن هنا سؤال: لماذا جعل المؤلف باب القسمة هنا؟ أليس من الأجدر أن تجعل في باب الشركة، لمناسبة قسم الشريكين ما بينهما، أو أن يجعل في باب الأضحية؛ لأنه قد يشترك اثنان في بقرة، أو في بعير ويحتاجان إلى القسم، أو في باب الفرائض، أو ما أشبه ذلك؟
الجواب: الواقع أن له مناسبة في عدة أبواب، في الأضحية، والفرائض، والوصايا، والأوقاف، والشركات، فله مناسبات في كثير من أبواب الفقه، لكن ذكروه هنا؛ لأن القسمة تحتاج إلى قاسم في الغالب، وهذا القاسم إما أن يكون منصوباً من قبل الشريكين، فيكون كالرجل الذي يحكمه الخصمان، وقد سبق لنا في كتاب القضاء، في أوله، أنه إذا حكّم اثنان رجلاً بينهما يصلح للقضاء فإنه ينفذ حكمه، وإما أن يكون القاسم عن طريق القاضي، هو الذي ينصبه، فتكون المسألة لها علاقة بالقضاء، ولهذا غالب الفقهاء جعلوا باب القسمة في طي كتاب القضاء؛ لأن مناسبته فيه ظاهرة، وليست الأبواب التي لها مساس بالقسمة، بعضها أولى من بعض، فلذلك نقلوه إلى هذا المكان.
إذاً المناسبة أن القسمة بين المشتركين، كالقضاء بين الخصمين؛ لأنه فُصِل بينهما، ومُيِّزَ حق كل واحد من الآخر، ثم إن كانت بقاسم منصوب من قبلهما، فهي كالرجل يُحكِّمه الخصمان، وإن كانت بقاسم منصوب من قبل القاضي، فلها ارتباط بالقضاء.
يقول المؤلف: إنها تنقسم إلى قسمين:
الأول: قسمة تراضٍ، وهي القسمة التي لا تنفذ إلا برضا الشركاء كلهم.
الثاني: قسمة إجبار، وهي القسمة التي لا يشترط فيها التراضي، بل من امتنع من الشركاء أجبر.
بدأ المؤلف بقسمة التراضي فقال:
«لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر، أو ردِّ عوض إلا برضا الشركاء» هذا الضابط لما قسمته قسمة تراضٍ، فكل مشترك بين شخصين فأكثر لا ينقسم إلا بضرر أو برد عوض فإنه لا ينفذ إلا برضا الشركاء كلهم؛ لأنه إذا كان فيها ضرر فلا يمكن أن يضار أحد إلا إذا رضي بالضرر على نفسه، وهو عاقل بالغ رشيد، ولأنها إذا احتاجت إلى رد عوض صارت بمنزلة البيع، لأن فيها عوضاً ومعوضاً، والبيع لا بد فيه من التراضي.
فإذا قال قائل: ما هو الضرر؟ هل هو الضرر البدني أو الضرر المالي؟ اختلف الفقهاء في الضرر المانع من القسمة، فقال بعضهم ـ وعليه كلام المؤلف ـ: الضرر هو أن لا ينتفع أحدهم بنصيبه إذا قسم، سواء اختلفت القيمة أم لم تختلف، وقال بعضهم: بل الضرر هو نقص القيمة بالقسمة.
مثال ذلك: أرض مشتركة بين شخصين، مساحتها أربعة وعشرون متراً، وقيمتها ستة آلاف، لأحدهما سدس وللآخر خمسة أسداس، إذا قسمناها أسداساً فإن صاحب السدس لا ينتفع بسدسه؛ لأن السدس عبارة عن أربعة أمتار، فهل هذه قسمة إجبار أو تراضٍ؟ هي قسمة تراضٍ عند من يقول: إن الضرر هو ألا ينتفع أحدهم بنصيبه إذا قسم، وقسمة إجبار عند من يقول: إن الضرر نقص القيمة بالقسمة، وهذه لم تنقص قيمتها، فهذا السدس الذي قسم لو بيع يساوي ألفاً، ولو بيعت الأرض جميعاً تساوي ستة آلاف، ولو فرض أن هذه الأرض ستمائة متر، فصاحب السدس إذا قسم له نصيبه يكون له مائة متر، فيمكن أن ينتفع بها، لكن القسمة أنقصت قيمتها، فلما كانت ستمائة متر كانت تساوي ستين ألفاً، ولما قسمت صار هذا السدس لا يساوي إلا خمسة آلاف، فنقص النصف.
فعلى الرأي الذي يقول: إن الضرر هو ألا ينتفع أحدهم بنصيبه بعد القسمة تكون القسمة هنا إجباراً؛ لأنه ينتفع بنصيبه، وعلى القول الثاني الذي يقول: إن الضرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسمة، نقول: القسمة هنا من باب قسمة التراضي، إن رضي صاحب السدس أن يخرج له مائة متر فإننا نقسم له، وإن لم يرضَ فلا قسمة، وإذا كان السدس مائة متر ولا تنقص القيمة بذلك، فهي قسمة إجبار على القولين جميعاً، والمذهب أن الضرر المانع من الإجبار هو نقص القيمة بالقسمة، ولا يلتفتون إلى الانتفاع وعدم الانتفاع.
وقوله: «أو رد عوض» مثال ذلك: أرض بين شريكين لا يمكن أن تتعدل بأجزاء ولا قيمة، إلا برد عوض، يعني مثلاً فيها جبال، فيها أودية، فيها أشجار، ما يمكن أن نعدلها أبداً بالسهام، إن قسمناها نصفين صارت هذه الأرض أحسن من هذه، وإن قسمناها ثلثين، وقلنا: نعطي الرديئة ثلثين ما تعدلت أيضاً، فما تتعدل إلا إذا جعلنا للناقص عوضاً عن الكامل، فهذه ـ أيضاً ـ قسمتها قسمة تراضٍ، إذا رضي الطرفان وإلا تبقى وتباع جميعاً، فلا يمكن أن تتعدل إلا إذا أضفنا للناقص دراهم، فهي شبيهة بالبيع؛ لأن فيها عوضاً ومعوضاً، ولا يجوز البيع إلا بالتراضي.
قوله: «كالدور الصغار» الدور الصغار ما تنقسم بلا ضرر، فإذا كان بيت فيه حجرة نوم، وحجرة أكل، ومطبخ، والشريكان اثنان، وغرفة النوم عرضها متران، والطول متران ونصف، والمطبخ متر في متر، وغرفة الطعام متران في مترين! فهذه الدار صغيرة لا يمكن قسمها أبداً.
قوله: «والحمام» أيضاً لا يمكن قسمه، كحمام مشترك بين دارين؛ لأن الغالب أن الحمام صغير.
قوله: «والطاحون» الطاحون صغير، فلا يمكن أن يقسم لكن المؤلف يقول:
«الصغيرين» فإذا كان الطاحون والحمام كبيرين فيمكن قسمهما.
وَالأَرْضِ الَّتِي لاَ تَتَعَدَّلُ بِأَجْزَاءٍ، وَلاَ قِيمَةٍ، كَبِنَاءٍ، أَوْ بِئْرٍ فِي بَعْضِهَا، فَهَذِهِ القِسْمَةُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ، وَلاَ يُجْبَرُ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قِسْمَتِهَا، وأَمَّا مَا لاَ ضَرَرَ، وَلاَ رَدَّ عِوَضٍ فِي قِسْمَتِهِ، كَالقَرْيَةِ، وَالبُسْتَانِ، وَالدَّارِ الكَبِيرَةِ، وَالأَرْضِ، وَالدَّكَاكِينِ الوَاسِعَةِ، وَالمَكِيلِ، والْمَوْزُونِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَالأَدْهَانِ، وَالأَلْبَانِ وَنَحْوِهَا، إِذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ قِسْمَتَهَا أُجْبِرَ الآخَرُ عَلَيْهَا.
قوله: «والأرض التي لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة» يعني ما تتعدل إلا بعوض، وأفادنا المؤلف أن تعديل السهام في الأرض، تارة يكون بالأجزاء، وتارة يكون بالقيمة.
يكون التعديل بالأجزاء، بأن يكون كل واحد منهما له جزء معين منها، ويمكن قسمها على حسب الأجزاء.
ويكون التعديل بالقيمة بأن يقال مثلاً: جانب الأرض هذا طيب، وجانب الأرض هذا رديء، وهي أنصاف بيننا، ولو عدلناها بالأجزاء لم نتمكن، ولا يمكن أن نعدلها إلا إذا أضفنا إلى أحد السهام شيئاً من المال، فقسمته قسمة تراضٍ.
مثال التعديل بالقيمة: أرض مساحتها ستمائة متر، وهي بيننا نصفان، لو عدلناها بالأجزاء كان لكل واحد ثلاثمائة، ولكنها ما تتعدل؛ لأن بعضها طيب وبعضها غير طيب، بعضها فيه بئر وبعضها ليس فيه بئر، فنعدلها بالقيمة، قالوا: الأرض الطيبة نجعلها ثلثاً والرديئة ثلثين، التي فيها البئر نجعلها ثلثاً، والتي ليس فيها بئر نجعلها ثلثين.
قوله: «كبناء أو بئر في بعضها» الكاف هنا الظاهر أنها للتعليل، قال ابن مالك:
شَبِّهْ بكافٍ وبها التعليلُ قد *** يعنى................
فقوله: «لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة» كأنه قيل: لماذا؟ قال: «لبناء أو بئر في بعضها» يعني هذه الأرض مشتركة بيننا، بنينا في طرف منها مما يلي الشارع داراً، فلا يمكن أن نعدلها إلا بإضافة دراهم على الجزء الثاني الذي ليس فيه الدار، فهذه قسمتها قسمة تراضٍ.
كذلك إذا كان في بعضها بئر، ولا يمكن أن تتعدل بالأجزاء بأن نقسم البئر، ويكون لكل واحد منا النصف، فهذه ـ أيضاً ـ قسمتها قسمة تراضٍ، والحاصل أن كل شيء يحتاج إلى زيادة عوض فقسمته قسمة تراضٍ، ولهذا قال المؤلف:
«فهذه القسمة في حكم البيع، ولا يجبر من امتنع من قسمتها» .
ثم انتقل المؤلف إلى القسم الثاني وهو قسمة الإجبار فقال:
«وأما ما لا ضرر ولا رد عوض في قسمته، كالقرية، والبستان، والدار الكبيرة، والأرض، والدكاكين الواسعة، والمكيل، والموزون من جنس واحد، كالأدهان، والألبان، ونحوها، إذا طلب الشريك قسمتها أجبر الآخر عليها» وسميت قسمة الإجبار؛ لأنها لا تتوقف على رضا الشركاء، بل يُجبر من امتنع، وضابطها كل قسمة ليس فيها ضرر ولا رد عوض.
وضرب المؤلف لهذا أمثلة فقال: «كالقرية» وهل يمكن أن تكون القرية بين شركاء؟ نعم، يمكن أن يجتمع جماعة، ويشتروا أرضاً، ويخططوها، ويبنوها ثم يسكنها الناس، فتكون قرية بين شركاء، فهذه القرية كبيرة يمكن أن يقول الشريك لشريكه: لك النصف، ولي النصف.
وقوله: «والبستان» أي: البستان الكبير الذي إذا قسم لا يتضرر أحد بقسمته؛ بحيث لو قسمناه ما تنقص قيمته على القول بأن الضرر هو نقص القيمة، أو بحيث إذا قسمناه لم يفت الانتفاع بما قسم، على القول الثاني الذي يقول: إن الضرر هو فوت الانتفاع.
وقوله: «والدار الكبيرة» فهذه تنقسم بلا ضرر، لكن بشرط أن تكون حجراتها متساوية، أما إن كانت حجراتها غير متساوية، مثل أن يكون بعضها مجلساً للرجال، وبعضها مطعماً، وبعضها مطبخاً، أو بعضها صالة للنساء، فهذه لو قسمت لحصل الضرر، ولو جُعل أحدهما للآخر لاحتاجت إلى رد عوض، فهنا نقول: القسمة قسمة تراضٍ، إنما لو كانت دار كبيرة يمكن أن نقسمها، وفي كل جانب منها منافعه، فالقسمة قسمة إجبار.
وقوله: «والأرض، والدكاكين الواسعة» كذلك يمكن قسمتها بلا ضرر.
وقوله: «والمكيل، والموزون من جنس واحد، كالأدهان، والألبان» الأدهان والألبان مكيلة، فمثلاً: بيني وبينك كمية من السمن، وأردنا أن نقسمها فإنه يجبر الممتنع على القسمة؛ لأن هذه يمكن تعديلها بالكيل، فيؤتى بإناء ويغرف لك غرفة ولي غرفة حتى تنتهي، والألبان مثلها، فلو كان بيننا سطل لبن فإنه يمكن قسمته، يؤخذ إناء لي وإناء لك، وهكذا حتى تنتهي.
وقوله: «ونحوها» مثل البر، والرز، والقهوة، والسكر، واللحم، كل هذه يمكن قسمتها بالكيل إن كانت مكيلة، وبالوزن إن كانت موزونة.
ولو كان بينهما سيارة فلا يجبر الممتنع على القسمة؛ لأن القسمة ولو رضيا بقسمتها فما نوافقهما؛ لأنه لا يمكن قسمة السيارة إلا بإتلافها، وهذا سفه! فما الطريق إلى فك الشركة؟ الطريق إلى فك الشركة أن تباع.
ولو كان بينهما سيارات متعددة، نقول: هذه السيارات إذا كانت من جنس واحد، وليس فيها عيب، وكلها جديدة، فقسمتها إجبار؛ لأنه لا ضرر على أحدهما، وإن كانت مختلفة الأجناس أو بعضها معيباً وبعضها سليماً، ولا يمكن قسمتها بالإفراز فإنها تراضٍ.
وَهَذِهِ القِسْمَةُ إِفْرَازٌ لاَ بَيْعٌ، وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَبِقَاسِمٍ يَنْصِبُونَهُ، أَوْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَهُ، وَأُجْرَتُهُ عَلَى قَدْرِ الأَمْلاَكِ، فَإِذَا اقْتَسَمُوا، أَوِ اقْتَرَعُوا لَزِمَتِ القِسْمَةُ، وَكَيْفَ اقْتَرَعُوا جَازَ.
قوله: «وهذه القسمة إفراز لا بيع» الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، وهو قسمة الإجبار.
فقوله: «إفراز» يعني تمييز لحق كل شريك من حق شريكه .
وقوله: «لا بيع» ولهذا لم نشترط فيها التراضي، ولا يثبت لها أحكام البيع، فليس فيها خيار مجلس، وتجوز بعد أذان الجمعة الثاني؛ لأنها ليست ببيع ما دامت لا تشغله، وتجوز في المسجد مثل لو كان بيني وبينك كيس من الرز، وقسمناه في المسجد فلا مانع؛ لأن هذه ليست بيعاً، وإنما إفراز نصيب كل واحد من الآخر، ويجوز قسم لحم الأضاحي والهدايا مع أن بيع لحم الأضاحي والهدايا لا يجوز، لكن هنا تجوز القسمة؛ لأن هـذه لـيـست بيعاً.
قوله: «ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم» لكن بشرط أن يكون لديهم معرفة بالقسمة لتخرج عن شبه القمار؛ لأنه لو لم يكن عندهما معرفة بالقسمة لاحتمل احتمالاً كبيراً أن تكون الأرض بينهما نصفين، ثم يقسمانها أثلاثاً؛ لأنهم ما يعرفون القسمة وحينئذٍ عندما نقرع للتمييز يكون أحدهما إما غانماً وإما غارماً، فإن حصل له الثلثان فهو غانم، وإن حصل له الثلث فهو غارم.
فإن قالا: نحن راضيان بذلك، قلنا: هذا لا يجوز حتى لو رضيتما، حتى المتسابقان فيما لا يجوز فيه السبق يقولان: نحن متراضيان، والمتبايعان بيعاً ربوياً يقولان: نحن متراضيان، ونحن لا يمكن أن يكون رضانا مخالفاً لرضا الشرع، بل لا بد أن يكون تابعاً له.
قوله: «وبقاسم ينصبونه» يعني ويجوز ـ أيضاً ـ أن يتقاسموا بقاسم ينصبونه.
قوله: «أو يسألوا الحاكم نصبه» في كلام المؤلف لحن في قوله: «يسألوا» حيث حذف النون بدون سبب؛ لأنها صفة لـ «قاسم» والتقدير «وبقاسم ينصبونه أو بقاسم يسألون الحاكم نصبه» ، ولكن سبق لنا أن الأفعال الخمسة يجوز حذف تنوينها للتخفيف، ولو بدون ناصب أو جازم، ومنه قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا» [(230)]، ولو كانت على الأصل لقال: «لا تدخلون» «ولا تؤمنون»، وأما «تؤمنوا» الأولى و«تحابوا» فحذف النون فيهما على الأصل؛ لأنهما منصوبتان بأن مضمرة بعد حتى. فيجوز حذف النون تخفيفا.
وقوله: «وبقاسم ينصبونه أو يسألوا الحاكم نصبه» يعني يجوز أن يختاروا قاسماً ينصبونه هم بأنفسهم، فيذهبون إلى القاسم المعروف ـ والغالب أن القسامين يكونون معروفين ـ ويقولون: تعالَ اقسم لنا هذه الأرض، اقسم لنا هذا البيت، اقسم لنا كذا وكذا، أو يسألون الحاكم نفسه، ويذهبون إلى القاضي ويقولون: نحن بيننا شركة في أرض، أرسل لنا قاسماً يقسم لنا.
فإذا قال قائل: أين الدليل على هذا؟
قلنا: لدينا قاعدة (لا يطالب المبيح في المعاملات بالدليل) فكل من قال: هذا مباح في معاملة، ما نقول: ما دليلك؟ لأن هذا هو الأصل، فالأصل في المعاملات، والمأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمسكونات، والمنتفع بها، الأصل فيها الحل حتى يقوم دليل التحريم، بخلاف العبادات، فالعبادات الأصل فيها الحظر حتى يقوم دليل التشريع، ولهذا من تعبد لله بعبادة وقال: هذا مسنون، هذا مشروع، نقول له: هات الدليل وإلا فهي مردودة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»[(231)].
وقوله: «قاسم» يقتضي أن يكون له نوع من الحكم، ولهذا لا بد أن يكون عالماً بالقسمة وأميناً، أما الإنسان الجاهل فلا يصلح للقسمة وكذلك لا يصلح من ليس أميناً ولو كان عالماٌ لأنه قد يحابي بعض المتقاسمين على بعض.
قوله: «وأجرته على قدر الأملاك» مطلقاً، أو على قدر المُلاَّك، أو على الشرط، أقوال ثلاثة، المذهب ـ كما قال المؤلف ـ على قدر الأملاك، فمثلاً: إذا استأجرنا هذا القاسم بستمائة، وكان المال أرضاً مشتركة، لواحد سهمان، وللآخر أربعة، فعلى صاحب الأربعة أربعمائة، وعلى صاحب السهمين مائتان؛ لأن صاحب السهمين له ثلث، وصاحب الأربعة له ثلثان، فلهذا صارت الأجرة على قدر الأملاك، ثم يقرع.
وعلى قول من يقول: على قدر المُلاَّك في المثال الذي ذكرنا لأحدهما ثلثا الأرض، وللآخر الثلث، والأجرة ستمائة نوزعها مناصفة؛ لأن المالكين اثنان.
والقول الثالث على الشرط، وبدون الشرط على قدر الأملاك، فإذا قال أحدهما للآخر: الأجرة أنصاف؛ لأننا اثنان، فرضي بذلك جاز، وإلا فعلى قدر الأملاك، وهذا القول أصح، أما قوله على قدر الأملاك فقد سبق بيان وجهه، وأما كونها على حسب الشرط فلعموم قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] ، وقوله: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ}} [الإسراء: 34] ، وقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [(232)]، وقوله: «المسلمون على شروطهم» [(233)]، وقوله: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» [(234)]، فهذا يدل على أن الشروط يوفى بها.
قوله: «فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة، وكيف اقترعوا جاز» إذا كانت القسمة قسمة إجبار، واقتسموا ورضي كل واحد منهم بها لزمت القسمة، ولا خيار ولو كانوا في مجلس القسمة؛ لأنها إفراز لا بيع، أما إذا كانت قسمة تراضٍ فإنها لا تلزم بمجرد القسمة، بل لهم الخيار ما داموا في المجلس؛ لأنها بيع، والبيع فيه الخيار، قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» [(235)].
وإذا اقتسموا وتمت القسمة فلتمييز نصيب أحدهما طريقان: إحداهما: التخيير، والثانية: القرعة.
التخيير مثاله: لما قسمنا الأرض المشتركة قلت لك: اختر، فتخيرت، فالمسألة هنا واضحة، فإذا أبى كل واحد منا أن يخير الآخر نلجأ إلى القرعة، وكيفما اقترعنا على أي صفة جاز، فإذا اقترعنا لزمت القرعة، وهذا في قسمة الإجبار، وأما في قسمة التراضي فكما سبق لكلٍّ منا الخيار ما دمنا في المجلس.
فلو قسمنا بيننا ثمر نخل خرصاً على رؤوس النخل، فإنه يجوز؛ لأن هذا إفراز وليس ببيع، ولو كان بيعاً ما جاز؛ لأنه لا يجوز أن يبيع عليك ثمر نخل على رؤوس النخل خرصاً، فإذا قسمناه خَيَّر أحدنا الآخر، فاختار المخير نصيبه، ثم بعد ذلك رجع وقال: القسمة فيها خطأ فلا يقبل.
وهنا قصة غريبة وقعت هنا في البلد، اقتسم رجلان ثمر نخل بينهما، وكان ذلك في شهر رمضان، فقال أحدهما للآخر: اختر، فتمشى المخير بين النخل وقال: أختار هذا الجانب، فقال: خذه، ثم قال للذين يصرمون الثمرة: أحب أن تأتوا إليّ في النهار؛ لئلا يأتي المساكين فيأكلوا، فجاءوا في النهار وصرموا التمر وأدخلوه إلى بيته.
وأما الآخر فأعلن عند باب المسجد وقال: إنه سيصرم نخله بعد عيد الفطر في النهار، فمن أحب أن يأتي فنحن نتشرف بذلك، أو قال: حياه الله، ولما أفطر الناس، وكان الناس في ذلك الوقت في جوع شديد، فالفقراء لما أفطروا من رمضان وصار اليوم الثاني ذهبوا إلى هذا الرجل وجعلوا يصرمون ثمر النخل ويأكلون ويشبعون.
وسبحان الله العظيم! أدخل أكثر من حمولة شريكه الذي صرم في النهار في رمضان، فادعى الشريك الأول المُخَيَّر الغبن، والخطأ في القسمة، فقال الثاني: نحن قسمنا جميعاً وخيرتك واخترت، فتحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: ما القصة؟ فأخبروه بالقصة، فقال للذي صرم تمره في رمضان: الحمد لله أن تمرك ما صار حشفاً، وهذه مثل قصة أصحاب الجنة.
---------------------
[230] أخرجه أحمد (2/512)، وأبو داود في الأدب/ باب في إفشاء السلام (5193)، والترمذي في الاستئذان والآداب/ باب ذكر في فضل السلام (2688)، وابن ماجه في المقدمة/ باب في الإيمان (68) قال الترمذي: حسن صحيح، والحديث صححه الألباني كما في صحيح ابن ماجه (2/300).
[231] سبق تخريجه ص(67).
[232] أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا اشترط في البيع شروطاً لا تحل (2168)، ومسلم في العتق/ باب بيان أن الولاء لمن أعتق (1504) (8) عن عائشة رضي الله عنها.
[233] رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في الإجارة/ باب أجرة السمسرة، وقد وصله أبو داود في القضاء/ باب في الصلح (3594)، والحاكم (2/92) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد أخرجه الترمذي في الأحكام/ باب ما ذكر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الصلح بين الناس (1352) عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً» وقال: «حسن صحيح» انظر: المجموع (9/464)، والإرواء (5/142).
[234] أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في المهر عند عقد النكاح (2721)، ومسلم في النكاح/ باب الوفاء بالشروط في النكاح (1418) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.
[235] أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا بيَّن البيعان ولم يكتما (2079)، ومسلم في البيوع/ باب الصدق في البيع (1532) عن حكيم بن حزام رضي الله عنه.
|