|
بَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ
الْمُدَّعِي مَنْ إِذَا سَكَتْ تُرِكَ، وَالْمُدَّعَى عليه مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ،
وَلاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالإِنْكَارُ إِلاَّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
قوله: «الدعاوى» أو الدعاوي جمع دعوى، وهي في اللغة الطلب، قال الله تعالى: {{وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ}} [يس: 57] أي: ما يطلبون، وأما في الاصطلاح فهي إضافة الإنسان لنفسه شيئاً على غيره، سواء كان هذا الشيء عيناً، أو منفعة، أو حقاً، أو ديناً.
والإضافة ثلاثة أقسام:
الأول: أن يضيف الإنسان شيئاً لنفسه على غيره، وهذه دعوى. كأن يقول: لي على فلان كذا، سواء كان عيناً أو منفعة، أو حقاً أو ديناً أربعة أشياء.
الثاني: أن يضيف الإنسان شيئاً لغيره على نفسه، وهذا إقرار.
الثالث: أن يضيف الإنسان شيئاً لغيره على غيره، وهذه شهادة. فهذه أنواع الإضافات
ونحن في النوع الأول، وهو أن يضيف الإنسان شيئاً لنفسه على غيره، وهذا الشيء، إما عين، وإما منفعة، وإما دين، وإما حق.
مثال العين: أن يقول: أدعي على فلان أن هذا الذي بيده من كتاب، أو حقيبة، أو غيرهما لي.
مثال المنفعة: أدعي عليه أنني أجرته بيتاً لمدة شهر.
مثال الدين: أن يقول: أدعي عليه أن في ذمته لي مائة ريال.
مثال الحق: أن يدعي فلان على فلان أنه قذفه، وكذلك لو قال: أدعي عليه استحقاق شفعة أو ما أشبه ذلك.
قوله: «والبينات» جمع بينة، وهي ما أبان الشيء وأظهره، وهي أنواع، وفي كل موضع بحسبه، فبينات الرسل آياتهم التي تدل على رسالتهم، قال الله تعالى: {{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ}} [الحديد: 25] ، وبينة اللقطة أن يصفها مدعيها، وبينة القسامة أن يحلف المدعون خمسين يميناً، وهكذا، فالبينة كل ما أبان الشيء وأظهره، سواء كان قرينة يباح الأخذ بها، أم حجة شرعية يجب قبولها كالشهادة.
وسليمان بن داود ـ عليهما الصلاة والسلام ـ لما تخاصمت إليه المرأتان في ولد إحداهما دعا بالسكين ليشقه بينهما نصفين، فرضيت الكبيرة، وقالت الصغيرة: لا تشقه، هو ولدها، فقضى به للصغيرة[(236)]، فهذه القرينة القوية بينة، فلهذا حكم به للصغيرة بدون يمين، وبدون أي شيء؛ لأن امتناعها من أن يشق الولد نصفين دليل على أنها أمه.
ثم فسر المؤلف المدعي والمدعى عليه فقال:
«المدعي من إذا سكت ترك، والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك» مثال ذلك: ادعيت عليك مائة ريال، فأنا إذا سكت عن الدعوى تتركني أنت، ولكن أنت إذا سكت هل أتركك؟ لا أتركك، هكذا يقول المؤلف، والمسألة فيها شيء من النظر؛ لأن المدعى عليه قد يترك لزهادة المدعى به، كعشرة ريالات، فلا تستحق أن يطالبه ويذهب إلى المحكمة، وإلى الشرطة، وما أشبه ذلك.
لكن أضاف بعض العلماء إلى هذا قيداً وقالوا: المدعى عليه إذا سكت لم يترك بعد المطالبة؛ لأن المدعى عليه إذا كان المدعى به شيئاً زهيداً يمكن أن يتركه ولا يطالبه.
وقال بعضهم: المدعي من يضيف الشيء إلى نفسه، والمدعى عليه من ينكره، سواء ترك أم لم يترك، فإذا أضفت شيئاً لنفسك على غيرك وأنكر، فأنت المدعي وهو المدعى عليه، وهذا هو الذي يوافق الحديث: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» [(237)]، وعليه فيكون هذا التعريف أقرب من تعريف المؤلف؛ لما يرد على تعريف المؤلف من الانتقاض من أن المدعى عليه قد يُترك.
قوله: «ولا تصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف» جائز التصرف هو: البالغ، العاقل، الحر، الرشيد.
فضد البالغ الصغير، فهذا لا تصح منه الدعوى ولا الإنكار، إلا فيما يجوز له التصرف فيه؛ لأنه سبق لنا في البيع أنه يجوز تصرف الصبي والصغير بإذن وليهما في الشيء الزهيد اليسير، لكن الشيء الذي لا يصح تصرفه فيه لا تصح الدعوى منه، ولا الإنكار، فمن يدعي عنه ومن ينكر؟
الجواب: وليه هو الذي يقيم الدعوى على من عليه حق لهذا الصغير، ووليه ـ أيضاً ـ هو الذي يتولى الإنكار فيما لو ادعي عليه.
والعاقل ضده المجنون، فالمجنون لا يصح منه دعوى ولا إنكار، لكن الدعوى منه تصح كالصغير، ويتولى ذلك وليه.
والحر ضده العبد الرقيق، فلا تصح منه دعوى ولا إنكار فيما لا يصح تصرفه فيه، أما ما يصح تصرفه فيه كطلاق امرأته مثلاً، فتصح الدعوى منه والإنكار، لكن الأمور المالية لا يصح منه دعوى ولا إنكار؛ لأن العبد لا يملك، والمال الذي بيده لسيده، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع» [(238)] فإذا كان المال الذي بيده ليس له، وإنما هو لوليه فإنه لا يصح منه دعوى ولا إنكار؛ لأنه لا يملك هذا المال.
والرشيد في هذا الموضع هو الذي يحسن التصرف في ماله، وضده السفيه الذي يبذل ماله في المحرم، أو في غير فائدة، فالمحرم كالدخان، وفي غير فائدة مثَّل له العلماء بأن يشتري نفطاً ويشعله، فهذا ليس برشيد؛ لأنه يبذل ماله فيما لا فائدة فيه، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ نهى عن إضاعة المال[(239)]، وإضاعة المال صرفه في محرم، أو فيما لا فائدة فيه.
إذاً لا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف، وكذلك الإنكار، وغير جائز التصرف يقوم وليه مقامه.
وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْناً بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلاَ يَحْلِفُ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، قُضِيَ لِلْخَارِجِ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَغَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
قوله: «وإذا تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه، إلا أن تكون له بينة فلا يحلف» مثال ذلك: رجلان تداعيا عيناً كل واحد منهما يقول: هي لي، وهي بيد أحدهما فهي له بيمينه، إلا إذا كان له بينة فإنه لا يحلف اكتفاء بالبينة، مثال ذلك: ادعى زيد على عمرو أن المسجل الذي معه له، فقال: عمرو ليس لك، والعين بيد عمرو، فنقول: هي لك بيمينك، فإذا حلف وقال: والله إن هذا المسجل لي وليس لفلان فهو له، إلا إذا كان عنده بينة فلا حاجة لليمين؛ لأن البينة أقوى من اليمين، ولا يرد الأضعف على الأقوى بل يدخل فيه، وحينئذٍ يكتفى بالبينة.
وقد يقول قائل: كيف يعمل بالبينة وهو مدعى عليه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» [(240)]، فجعل البينة في جانب المدعي وجعل اليمين في جانب المدعى عليه؟
فالجواب أن يقال: الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال هذا اكتفاءً بأدنى موجب ومثبت وهو اليمين؛ لأنه لما كانت العين بيده ترجح جانبه فاكتفي فيه باليمين، فإذا وجد ما هو أعلى وهو البينة اكتفي بها.
فإن أقام المدعي بينة فالعين له ولو حلف المدعى عليه، ولم يعتد بيمينه.
قوله: «وإن أقام كل واحد بينة أنها له قضي للخارج ببيِّنته، ولغت بينة الداخل» أقام المدعي البينة أنها له، وأقام المدعى عليه بينة أنها له، يقولون: يقضى ببينة الخارج دون بينة الداخل.
والداخل من هي بيده والخارج المدعي، فيقضى للخارج ببينته وتلغى بينة الداخل، مثال ذلك: ادعى زيد على عمرو بأن هذا المال الذي بيد عمرو له، فقال عمرو: هو لي، وكل منهما جاء ببينة، فيقضى به للمدعي أي: لزيد؛ لأنه هو الخارج لدليل وتعليل، أما الدليل فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعل البينة في جانب المدعي فقال: «البينة على المدعي» [(241)]، وقد أتى بها فيحكم له بها، وأما التعليل قالوا: لأن بينة الخارج قد تكون أقرب لانتقال الملك، وبينة الداخل ربما تشهد بناءً على ملكه السابق، وانتقال الملك كثير، والشهود ربما شهدوا بأنها عند الداخل؛ لأنها كانت في يده بالأول، ثم باعها على الخارج فانتقل الملك له، فتكون بينة المدعي كأن معها زيادة علم فقدمت.
وقال بعض العلماء: بل تكون للداخل مع يمينه، بناءً على أن البيِّنتين تعارضتا، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، فتساقطتا، كما لو اختلف الجماعة على الإمام فقال بعضهم: سبحان الله، يريدون أن يقوم، وقال آخرون: سبحان الله، يريدون أن يجلس، قال العلماء: يسقط قولهما جميعاً، ويرجع الإمام إلى ما في نفسه، وهنا لما تعارضت البينتان تساقطتا، فقلنا للخارج: نلغي بينتك وللداخل نلغي بينتك، ويبقى اليمين على من أنكر، فيحلف المدعى عليه بأنها له ولم ينتقل ملكه عنها، وتكون له.
وأجابوا عن قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» أن هذا يقتضي أنه ليس للمدعى عليه بينة، ولو أخذنا بظاهر الحديث لقلنا في المسألة التي ذكرتم: إنه إذا كان للمدعى عليه بينة سقطت اليمين.
نقول: هذا لا يصح؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعل اليمين على المدعى عليه، وأنتم تقولون: إذا كان له بينة لا حاجة لليمين، فتبين أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أراد دعوى فيها بينة للمدعي، وليس فيها بينة للمدعى عليه، وحينئذٍ ما يبقى إلا اليمين إذا لم يكن لديه بينة. ولم يُرد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا تعارضت البينتان، فإن مقتضى الشرع القيام بالعدل، والقيام بالعدل أن نقول: كل بينة عارضت الأخرى أسقطتها، فيبقى كأن الرجلين ليس معهما بينة، وحينئذٍ نرجع إلى الأصل، ونقول للمدعى عليه وهو الداخل: احلف، فإذا حلف قُضي بأن العين التي بيده له، وألغيت الدعوى.
وهذا القول عليه كثير من أهل العلم، وهو أقرب في النظر من الأول، بقي أن يقال في دعوى أنه انتقل الملك: الأصل عدم الانتقال، وحينئذٍ تبقى العين في يد المدعى عليه مع اليمين.
---------------------
[236] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء/ باب قوله الله تعالى: {{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ}...} (3427)، ومسلم في الأقضية/ باب بيان اختلاف المجتهدين (1720) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[237] سبق تخريجه ص(318).
[238] أخرجه البخاري في المساقاة/ باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل (2379)، ومسلم في البيوع/ باب من باع نخلاً عليها تمر (1543) (80) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[239] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب قول الله عزّ وجل: {{لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}} (1477)، ومسلم في الأقضية/ باب النهي عن كثرة المسائل (1715) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
[240] سبق تخريجه ص(318).
[241] سبق تخريجه ص(318).
|