|
كِتَابُ الإِقْرَارِ
يَصِحُّ مِنْ مُكَلَّفٍ، مُخْتَارٍ، غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ مَالٍ فَبَاعَ مُلْكَهُ لِذَلِكَ صَحَّ، وَمَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِشَيْءٍ فَكَإِقْرَارِهِ فِي صِحَّتِهِ، إِلاَّ فِي إِقْرَارِهِ بِالْمَالِ لِوَارِثٍ فَلاَ يُقْبَلُ، وَإِنْ أَقَرَّ لاِمْرَأَتِهِ بِالصَّدَاقِ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالزَّوْجِيَّةِ لاَ بِإِقْرَارِهِ، ..............
قوله: «الإقرار» مصدر أقر يقر، وهو اعتراف الإنسان بما عليه لغيره من حقوق مالية، أو بدنية، أو غير ذلك، وأخَّر المؤلف الكلام على الإقرار وإن كان له علاقة بالبيع وغيره؛ تفاؤلاً بأن يختم له بالإقرار بالتوحيد، وسلك كثير من الفقهاء هذا المسلك، وبعضهم ختم كتاب الفقه بكتاب العتق تفاؤلاً بأن يعتقه الله تعالى من النار، ولكلٍّ وجه، لكن الإقرار أتم؛ لأن من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة[(268)]، فمن كان أخر كلامه الإقرار بالتوحيد دخل الجنة، ودخـول الجنة أبلغ من العتق من النار، وإن كان يلزم من العتق من النار دخول الجنة.
وللإقرار شروط أشار إليها المؤلف بقوله:
«يصح من مكلف» هذا الشرط الأول، فلا يصح إلا من مكلف، وهو البالغ العاقل، فالمجنون لا يصح إقراره؛ سواء أقر بمال، أو بعقد، أو بطلاق، أو بغير ذلك؛ لأنه لا حكم لقوله، إذ هو صادر بغير قصد، وكذلك الصغير لا يصح إقراره؛ لأنه غير مكلف إلا فيما يصح تصرفه فيه فإنه يصح إقراره ويؤاخذ به، فالضابط في إقرار الصغير أن ما صح منه إنشاؤه صح به إقراره مثل: إذا أُعطي شيئاً يتصرف فيه ببيع من الأمور التي جرت العادة بأنه يتصرف فيها، كالتصرف في الدجاجة ـ مثلاً ـ، والبيضة، والشيء اليسير، فالإقرار هنا يصح؛ لأنه واقع ممن يصح منه العقد فصح الإقرار به، فإطلاق المؤلف ـ رحمه الله ـ كلمة «مكلف» فيه شيء من النظر، وقد يقال: إن صحة تصرف الصغير بما ذُكر لا يمنع من الإطلاق؛ وذلك لأنه مفهوم، والمفهوم كما يقولون: ليس له عموم؛ لأن قوله: «من مكلف» مراده مَنْ يصح منه، فمفهومه أن غير المكلف لا يصح، وحكم المخالفة يصدق بصورة واحدة، فإذا وجدت صورة واحدة يصدق عليها حكم المخالفة فلا ضرر، المهم أن هذا النقاش يتعلق بأصول الفقه، وهو أن يقال: مفهوم قول المؤلف «من مكلف» أن غير المكلف لا يصح إقراره، فيشمل المجنون والصغير، أما المجنون فلا استثناء فيه، وأما الصغير ففيه استثناء.
فإذا قال قائل: إذا كان فيه استثناء، فلماذا لم يستثنِ المؤلف؟ فالجواب من وجهين: إما أن يقال: بأن المفهوم لا عموم له، ويصدق حكمه بصورة واحدة، فإذا وجدت صورة واحدة يختلف فيها الحكم عن المنطوق كفى، أو يقال: إن المؤلف أطلق؛ لأن الأمر معلوم بأن من صح تصرفه في شيء صح إقراره به وعليه، وقد مَرَّ علينا في كتاب البيع أنه يصح البيع من صغير بما جرت به العادة كالأشياء اليسيرة.
قوله: «مختار» هذا الشرط الثاني، وضده المكره، فلا بد أن يكون المقر مختاراً لإقراره ولما أقر به، فإن كان أقر باختياره بمائة وأكره على أن يقر بمائتين، فالإقرار لا يصح بالمائتين لكن يصح بالمائة، وإن كان لا يقر بشيء فأكره على أن يقر بمائة لم يصح إقراره مطلقاً؛ لأنه لا بد أن يكون مختاراً، والدليل قوله تعالى: {{إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] ، فكل العقود لا بد فيها من التراضي، فالمكره لا يقع منه أي عقد أو إقرار.
قوله: «غير محجور عليه» هذا هو الشرط الثالث، والمحجور عليه هو الممنوع من التصرف، ثم هو قسمان: محجور عليه لحظ نفسه، وهم ثلاثة: الصغير، والمجنون، والسفيه، وقد سبق الكلام عليهم، الثاني: المحجور عليه لحظ غيره، وهو المفلس، الذي دَيْنُهُ أكثر من موجوداته، كرجل عليه مائة ألف درهم ديناً، وماله ثمانون ألف درهم يعني عنده أثاث وموجودات تساوي قيمتها ثمانون ألف درهم، وطلب الغرماء الحجر عليه من أجل توزيع موجوداته عليهم، فهذا يحجر عليه.
هذا المحجور عليه لا يصح إقراره في أعيان ماله؛ لأنه ممنوع من التصرف فيها، ويصح إقراره في ذمته؛ لأنه لا ضرر على الغرماء في هذا الإقرار.
فلو قال مثلاً بعد أن حجر عليه: هذه السيارة لفلان، لا نقبل منه؛ لأنها تعلق بها حق الغير، فالآن هي محبوسة لحق الغرماء، أما لو قال: في ذمتي لفلان، نقول: هي في ذمتك، وبعد الحجر يطالبك من أقررت بها له.
قوله: «ولا يصح من مكره» أي: لا يصح الإقرار من مكره، وهذا تصريح بمفهوم قوله: «مختار» فلا يصح من مكره؛ لما سبق من قوله تعالى: {{إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] ، ولأن الله رفع حكم الكفر عن المكره في قوله: {{إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}} [النحل: 106] فكذلك نفوذ تصرفه مرفوع عنه؛ لأنه مكره.
ولكن لو أكره على شيء فأقر بخلافه عيناً أو وصفاً فإنه يؤاخذ بإقراره، ما لم نعلم أنه أراد المبالغة؛ فلو أكره على أن يقر بمائة فأقر بثمانين ثبت الإقرار؛ لأنه ما أكره على الثمانين، بل أكره على المائة، ولو أكره على أن يقر بمائة فأقر بمائتين أخذ بذلك؛ لأنه على خلاف ما أكره عليه، ولو أُكره على أن يقر بهذه السيارة لفلان فأقر بالسيارة الأخرى يؤْخذ بها، ولو أكره على أن يقر بمائة صاع بر رديء فأقر بمائة صاع بر نقي أخذ به، المهم إذا أُكره على شيء فأقر بخلافه عيناً أو وصفاً أخذ بإقراره، ما لم نعلم أنه يريد المبالغة، مثل أن يكرهوه على أن يقر بمائة ويضربوه، فإذا ضربوه وآلموه بالضرب قال: إن أردتم أقر لكم بأن في ذمتي له ألفاً، فهذا خلاف ما أكره عليه، لكن للمبالغة من أجل الفكاك والخلاص من هؤلاء الذين أكرهوه، وصاروا يؤلمونه بالضرب أقر بأكثر مما قالوا.
كذلك لو قالوا: هذه السيارة داتسون موديل سبعة وسبعين وأكرهوه على أن يقر بها لفلان، فقال: أنا أقر أن هذه السيارة «البيوك» لفلان، فإذا علمنا من قرينة الحال أنه أراد المبالغة فهذا لا يؤخذ به؛ لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(269)] وقوله: «إنما أقضي بنحو ما أسمع» [(270)]، والإنسان الذي يسمع مثل هذا ويعلم أن الرجل أراد المبالغة لا يمكن أن يقضى عليه.
وهل يصح الإقرار من السكران؟ المذهب أنه يصح، مع أنه غير مختار، لكنهم يقولون: إن الإقرار ناتج عن شرب محرم، ولا ينبغي أن نتساهل مع هذا الرجل، بل نعامله بأقسى المعاملتين، فإذا كان سكران وجاءه شخص يُضحكه، ويزيد في نشوته، قال: ألم أسلفك عشرة آلاف، قال: بلى أنت صاحبي، وسلفتني عشرة آلاف، فالمذهب يؤاخذ به، والصحيح أنه لا يؤاخذ بذلك؛ لأنه لا عقل له، ولهذا لم يؤاخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين قال له: هل أنتم إلا عبيد لآبائي؟![(271)].
قوله: «وإن أكره على وزنِ مالٍ فباعَ ملكَهُ لذلك صح» هذه مسألة فيها نوع شبه ممن أكره على إقرار بشيء، فقوله: «أكره على وزن مال» يعني على دراهم، وعبَّر عنها بالوزن؛ لأن الدراهم يتعامل بها وزناً وعدداً، فإذا أكره على وزن نقدٍ، ذهبٍ أو فضةٍ، بأن قالوا له: سلِّم لفلان خمسين أوقية من الفضة، قال: ما عندي شيء، قالوا: سلِّم وإلا حبسناك، فباع ملكه ليسدد ما أكره عليه، فهل يصح البيع؟ يقول المؤلف: يصح؛ لأنه ما أكره على البيع، إنما أكره على مال، فباع لدفع الإكراه؛ ووجه ذلك أنه لو أتى بهذه الخمسين الأوقية من شخص قرضاً، ودفعها يجزئ، فهم يقولون: هو ما أكره على البيع، إنما أكره على أن يدفع خمسين أوقية من الفضة، سواء جاء بها من بيع، أم من قرض، أم من أي شيء.
ولكن هل يصح الشراء منه؟ نعم، إذا صح البيع صح الشراء.
وهل يكره الشراء منه؟ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يقولون: إن الشراء منه مكروه؛ لأن بيعه بيع اضطرار، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع المضطر[(272)]، وهذا الرجل مضطر إلى بيعه، ولكن الصحيح أنه لا كراهة؛ لأننا لو كرهنا ذلك لكان هذا سبباً لزيادة العقوبة عليه، فإذا قلنا للناس: لا تشتروا منه، وهؤلاء يضربونه صباحاً ومساءً على أن يسدد لهم خمسين أوقية من الفضة، فستبقى عليه عقوبة الإكراه دائماً، فالصحيح أنه لا يكره الشراء منه، بل لو قيل باستحباب الشراء منه؛ من أجل فكاكه من هذا الألم لكان له وجه، وأما النهي عن بيع المضطر، فالمراد به أن يُضطر إنسانٌ لشيء يجب عليك بذله له، فلا تعطه إلا ببيع، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، لا من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
قوله: «ومن أقرَّ في مرضه بشيء فكإقرارِهِ في صحته» المرض مرضان: مرض مخوف، ومرض غير مخوف، فالمرض المخوف ما لا يستغرب الناس الموتَ به، وغير المخوف عكس ذلك، فمثلاً: المرأة إذا أخذها الطلق فمرضها مخوف؛ لأنها لو ماتت من هذه الولادة ما استغرب الناس، والإنسان المصاب بذات الجنب، وبالكوليرا، وبالسرطان وما أشبهها، لو مات الإنسان بهذا المرض لقال الناس: هذا مرض يقتل عادة فلا يستغرب، أما مَنْ مرضه غير مخوف كصداع يسير، وزكام، ورشح، وما أشبه ذلك، فهذا تصرفه كتصرف الصحيح تماماً، في الإقرارات، في البيوع، في الوقف، في الرهن، في كل شيء؛ لأن هذا الإنسان المتصرف يتصرف وهو يشعر بأنه حي لا ميت أو قريب من الموت، أما الذي مرضه مخوف فهذا هو الذي تصرفه مقيد، فلا يتصرف بأزيد من الثلث على سبيل التبرع، ولا يعطي أحداً من الورثة؛ لأنه في حكم الميت، فهو المراد بقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «خير الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان»[(273)]. فالمراد بقول المؤلف: «إذا أقر في مرضه» المرض المخوف بدليل الاستثناء الآتي.
وقوله: «فكإقراره في صحته» إذا أقر بدين عليه أثبتناه، وإذا أقر ببيع أثبتناه، وإذا أقر بإجارة أثبتناه، وإذا أقر برهن أثبتناه، هكذا كل ما يقر به، فإقراره كإقرار الصحيح، واستثنى المؤلف فقال:
«إلا في إقراره بالمال لوارث فلا يقبل» إذا أقر لوارثه بمال فإنه لا يقبل، سواء كان هذا الوارث يرث بفرض، أو تعصيب، أو رحم، وسواء كان بسبب الزوجية، أو القرابة، أو الولاء، فأي وارث لا يقبل إقراره له بالمال، مثاله: شخص مريض مرضاً مخوفاً، فقال: اشهدوا بأن في ذمتي لولدي فلان عشرة آلاف ريال، وله عدة أولاد، فإقراره هنا غير مقبول؛ لأنه متهم، ولأننا لو أثبتنا هذا الإقرار لكان في ذلك تعدٍّ لحدود الله ـ عزّ وجل ـ في قسمة المواريث؛ لأن هذا الابن سوف يزيد على إخوته بما أقر به والده.
وظاهر كلام المؤلف ولو كان لسبب معلوم، مثل أن يُعلم بأن هذا الرجل اشترى من أحد ورثته سيارة بعشرة آلاف ريال، ونعلم ذلك باستمارتها، وشهودها، فظاهر كلام المؤلف أنه لو أقر لهذا الوارث بعشرة آلاف ريال فإنه لا يقبل، ولكن في هذا نظر؛ لأن إقراره هنا مبني على سبب معلوم، والأصل عدم التسليم، فنقول: هذا الإنسان أقر للوارث بشيء أحاله على سبب معلوم، والأصل بقاء الثمن في ذمته وعدم قبضه، فالصحيح هنا أنه يصح؛ لأن الأصل في علة منع الإقرار للوارث في مرض الموت المخوف التهمة، والتهمة هنا مفقودة.
وظاهر قوله: «فكإقراره في صحته» أنه لو أقر لأجنبي بما زاد على الثلث ثبت الإقرار، مثال ذلك: قال: أشهدكم بأن نصف مالي لفلان، وهو غير وارث، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك صحيح، وذهب بعض أهل العلم إلى أن إقراره بما زاد على الثلث لا يصح، كما أنه لو أقر لوارث لم يصح؛ وذلك بناء على أن الوصية بما زاد على الثلث لا تصح، وللوارث لا تصح، فالإنسان في مرض موته المخوف ممنوع من التصرف أو التبرع بما زاد على الثلث.
ولكن ما ذهب إليه المؤلف أولى؛ لأن الإنسان ربما يكون في حياته وفي صحته جاحداً لما يجب عليه لشخص من الناس، فإذا رأى أن الأجل قريب تاب إلى الله وأقر، ولنفرض أن هذا الرجل قد عقد مشاركة مع شخص مناصفة، ثم إن الرجل أنكر الشركة، ولما مُرِضَ مرض الموت ندم وتاب وأقر بشركة هذا الرجل، وهذا أمر واقع، فما ذهب إليه المؤلف من صحة الإقرار لغير الوارث مطلقاً صحيح، إلا إذا علمنا بقرينة قوية أن الرجل أراد حرمان ورثته، فحينئذٍ نقول: ما زاد على الثلث لا ينفذ، مثل أن يكون ورثته بني عمه، وبينه وبين بني عمه عداوة، وله صديق حميم، رجل طيب، وماله مائة ألف، فقال: أشهدكم بأن تسعة وتسعين ألفاً وتسعمائة وتسعة وتسعين لفلان صديقي، فهذا الرجل يظهر من إقراره حرمان الورثة، أولاً: لأنه ما أبقى من المائة ألف إلا ريالاً واحداً، ثانياً: لأنه معروف أن بينه وبين بني عمه عداوة وشحناء وبغضاء، ففي هذه الحال نقول: لا يصح الإقرار إلا بالثلث فقط؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم منع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يتصدق بما زاد على الثلث[(274)].
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَبَانَهَا فِي صِحَّتِهِ لَمْ يَسْقُطْ إِرْثُهَا. وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ أَجْنَبِيّاً لَمْ يَلْزَمْ إِقْرَارُهُ لا أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ أَوْ أَعْطَاهُ صَحَّ، وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثاً، ....
قوله: «وإن أقر لامرأته بالصداق فلها مهر المثل بالزوجية لا بإقراره» «أقر» الفاعل يعود على الزوج المريض مرضاً مخوفاً، قال: أشهدكم بأن في ذمتي مهر زوجتي، فلها مهر المثل بالزوجية، لكن قوله: «مهر زوجتي» إن عيَّن بأن قال: في ذمتي خمسون ألفاً مهراً للزوجة، فإن كان أقل من مهر المثل وصدقت أعطيت الخمسين، وإن كان مثل مهر المثل وصدقت أعطيت الخمسين، وإن زاد على مهر المثل فليس لها إلا مهر المثل؛ لأن إقراره غير معتبر؛ لأن الزوجة وارثة، لكننا أوجبنا مهر المثل؛ لأن النكاح لا يصح إلا بمهرٍ، وإذا تزوجت امرأة ثبت لها ما عُيِّن وإن لم يثبت المعين ثبت مهر المثل، ولهذا قلنا: إن هذا الرجل إما أن يقول: أشهدكم بأن في ذمتي مهر امرأتي، أو يقول: في ذمتي كذا وكذا مهراً للمرأة، فعلى الأول يلزمه مهر المثل؛ لأنه لم يعين شيئاً، وعلى الثاني نقول: إن كان ما عيَّنه أقل من مهر المثل، أو مساوياً لمهر المثل أعطيته المرأة، وإن كان أكثر لم تعطه؛ لأنه إقرار بالمال لوارثه، وهذه المسألة تدل على ما سبق من قولنا: إنه إذا وجد لإقراره بالمال للوارث سبب يمكن إحالة الحكم عليه فإنه يقبل إقراره بالمال للوارث. كما لو عرف بأن هذه السيارة منتقلة من أحد ورثته.
قوله: «ولو أقر أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثها» «ولو أقر» الفاعل يعود على المريض؛ لأنه قال: «ومن أقر في مرضه» يعني إن أقر المريض لامرأته أنه كان أبانها في صحته أي: قبل أن يُمْرَضَ، والبينونة أن يفارقها مفارقة تبين بها، إما أن يكون بطلاقٍ ثلاث، يعني آخر تطليقات ثلاث، وإما بفسخ، وإما بغير ذلك، فيقول المؤلف: «لم يسقط إرثها» ؛ لأنه متهم، بل يبقى إرثها في ماله إلا إذا صدَّقته، والأمر ظاهر؛ لأنه متهم، فهذا الرجل أقر بأنه أبان زوجته قبل أن يمرض من أجل أن يحرمها من الإرث، نقول: هذا الإقرار لا يقبل؛ لأنه متهم بقصد حرمانها، فكما أنه لو طلقها في هذه الحال طلاقاً بائناً لم يسقط إرثها، فكذلك إذا أقر بأنه أبانها في صحته لم يسقط إرثها، فإن أتى ببينة، أو أقرت هي بما أقر به الزوج فإن إرثها يسقط.
قوله: «وإن أقر لوارث فصار عند الموت أجنبياً لم يلزم إقراره، لا أنه باطل» «إن أقر» الفاعل يعود على المريض مرض الموت المخوف، فإذا أقر لوارث فصار عند الموت أجنبياً، يعني غير وارث، فإن إقراره لا يلزم اعتباراً بحال الإقرار لا بحال الموت، مثاله: رجل مات عن زوجة وعم شقيق وأم، فللزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي للعم الشقيق، فهذا المريض أقر لعمه الشقيق بمال، ثم إن أمه ولدت لهذا المريض أخاً شقيقاً، ثم مات المريض بعد أن ولد أخوه الشقيق، فالذي يرثه بالتعصيب الأخ الشقيق، فهل نقول في هذه الحال: إن العم يعطى ما أقر له به أو لا؟ يقول المؤلف: إنه لا يعطى اعتباراً بحال الإقرار؛ لأن حال الإقرار هي حال التهمة فإن بقي العم هو الوارث، فهل يعطى أو لا يعطى؟ لا يعطى من باب أولى؛ لأنه أقر لوارث، فالمهم إذا أقر المريض لوارث ثم صار عند الموت غير وارث فإن الإقرار لا يصح، لكن المؤلف يقول:
«لم يلزم إقراره لا أنه باطل» يعني لا يلزم أن يعطى ما أقر به، ولكنه ليس بباطل، بمعنى أن الورثة لو أجازوا له ذلك فإنه يجوز، ويعطى إياه بالإقرار، ولو قلنا: إنه باطل ما صح إقراره ولو بإجازة الورثة، ولهذا يجب أن نعرف الفرق بين أن نقول: إن إقراره باطل، أو نقول: إن إقراره غير لازم؛ لأننا إذا قلنا: إنه غير لازم، صار موقوفاً على إجازة الورثة، فإن أجازوه أعطي، وإن قلنا: إنه باطل صار غير صحيح ولو أجازوه؛ لأنه بطل.
قوله: «وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ أَوْ أَعْطَاهُ صَحَّ وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثاً» هاتان مسألتان:
الأولى: شخص أقر لأخيه وله ابن، ثم مات ابنه فصار الأخ وارثاً، فيصح هذا الإقرار ويعطى أخوه ما أقر به له.
الثانية: إذا أعطاه وهو غير وارث فصار عند الموت وارثاً، أعطاه يعني وهبه، لكن العلماء يسمون الهبة في مرض الموت المخوف عطية، مثاله: مُرض هذا الرجل مرض الموت فكلم أخاه وقال: خذ يا أخي هذه عشرة آلاف ريال، عطية، ثم إن ابنه مات فهل تصح هذه العطية أو لا؟ المؤلف يرى أنها تصح كالإقرار.
والقول الثاني ـ وهو المذهب ـ: أن العطية كالوصية، والمعتبر في الوصية حال الموت لا حال الإيصاء، وبناء على المذهب فإن عطيته لأخيه لا تلزم إلا بإجازة الورثة بناء على أن المعتبر في العطية حال الموت لا حال الإعطاء فالإقرار، إذا أقرَّ لغير وارث ثم صار عند الموت وارثا فحكمه: أنه صحيح ولازم ويعطى ما أقر به الميت، أما العطيه فهي كالإقرار على ما مشى عليه المؤلف ـ رحمه الله ـ وإذا كانت كالإقرار فمقتضاه: أنها تصح وتسلم لهذا المعطى، والقول الثاني: أنها لا تلزم إلا بإجازة الورثة، مثاله: مريض مرض الموت دعا أخاه، وقال له: يا أخي بلغني أنك ستتزوج، خذ هذه عشرة الآلاف مساعدة، ثم إن المريض توفي ابنه فصار الوارثَ الأخُ فعلى ما مشى عليه المؤلف العطية صحيحة وتكون من رأس المال، وليس للورثة فيها تصرف كالإقرار؛ لأن المعتبر حال الإعطاء، أما المذهب فيقولون: لا، المعتبر حال الموت، وعلى هذا فنقول: لما مات ابن المعطي وصار الأخ وارثاً، فإن هذه العطية لا تلزم إلا بإجازة الورثة كالوصية.
فعندنا ثلاثة أشياء: إقرار، ووصية، وعطية، فالإقرار المعتبر به حال الإقرار قولاً واحداً؛ لأن الإقرار إنما ينسب الشيء إلى أمر سابق لا إلى أمر حدث في مرض موته، والوصية المعتبر بها حال الموت، قولاً واحداً؛ لأن الوصية ما تكون إلا بعد الموت، والعطية فيها خلاف، المذهب أنها ملحقة بالوصية، وكلام المؤلف أنها ملحقة بالإقرار؛ لأنها لمَّا كانت بَيْنَ بَيْنَ يحتمل أنه إنشاء عطية، ويحتمل أنه عطية لأمرٍ سابق، صار فيها الخلاف، والأرجح أنها كالوصية؛ لأنها يحتمل أنه أراد أن يبره بذلك الشيء، وقد يقول قائل: كيف ترجحون أنها كالوصية وهو حين الإعطاء غير وارث، فالتهمة منتفية في الواقع، أما الوصية فلا تكون وصية إلا بعد الموت والتهمة موجودة؟ وهذا يجعلنا نتوقف في ترجيح أن تكون العطية كالوصية، وكونها عطاء في مرض الموت يرجح أن نجعلها كالوصية.
إذاً القاعدة الأولى: إذا أقر المريض لوارث لم يقبل إقراره، وإن شئت فقل: لم يلزم إلا بإجازة الورثة، وقيل: لا يقبل مطلقاً.
ثانياً: إذا أقر لوارث فصار عند الموت أجنبياً لا يتغير الحكم، فلا يصح إقراره اعتباراً بحال الإقرار.
ثالثاً: إذا أقر لغير وارث فصار عند الموت وارثاً صح إقراره؛ لأن العبرة حال الإقرار.
فإن قال قائل: لماذا لا تعتبرون الحال بالموت؟ قلنا: لأن حال الإقرار هي حال التهمة، أما إذا تغيرت فالإنسان لا يعلم الغيب فلا يكون متهماً في عمل لم يوجد سببه.
وَإِنْ أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ عَلَى نَفْسِهَا بِنِكَاحٍ وَلَمْ يَدَّعِهِ اثْنَانِ قُبِلَ، وَإِنْ أَقَرَّ وَلِيُّهَا الْمُجْبِرُ بِالنِّكَاحِ، أَوِ الَّذِي أَذِنَتْ لَهُ صَحَّ، وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ، فَإِنْ كَانَ مَيْتاً وَرِثَهُ، وَإِذَا ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ بِشَيْءٍ فَصَدَّقَهُ صَحَّ.
قوله: «وَإِنْ أَقَرَّت امْرَأَةٌ على نفسها بِنِكَاحٍ وَلَمْ يَدعِهِ اثْنَانِ قُبِلَ» كإنسان أمسك امرأة وقال: هذه زوجتي، فقالت: نعم، فإنها تكون زوجته، ويقبل إقرارها؛ لأن النكاح حق على الزوجة، فإذا أقرت به قبل إقرارها، والدليل على أنه حق عليها قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً *}} [الأحزاب] ، هذا إذا كان المدعي واحداً.
وقوله: «ولم يدعه اثنان» مفهومه أنه إذا ادعاه اثنان لم يقبل إقرارها؛ لأن في إقرارها إبطالاً لحق المدعي الثاني، فهذه امرأة أمسكها رجلان، كل واحد منهما يقول: هذه زوجتي، زيد يقول: هذه زوجتي، وعمرو يقول: هذه زوجتي، فذهبوا إلى القاضي فأقرت بأنها زوجة زيد، فعلى المذهب لا يقبل إقرارها لزيد؛ لأن في ذلك إبطالاً لحق المدعي الثاني.
ومعلوم أن هذا الحكم إذا لم يكن هناك بينة، أما إذا وجدت بينة لإحداهما فهي لصاحب البينة، وإن أقام كل واحد بينة بأنها زوجته، ينظر التاريخ فالسابق هو الزوج، ولهذا قال في الروض[(275)]: «إن أقاما بينتين قدم أسبق النكاحين فإن جهل فقول وليها فإن جهل الولي فسخا ولا ترجيح بيد» هذه ادعاها اثنان إن لم يكن لهما بينة فعلى كلام المؤلف لا يقبل، أما إن أقرت لهما جميعاً، أو لم تقر بشيء فلا بد من البينة على ما قاله صاحب الروض، ولا تستغرب هذا الأمر، فهذا ربما يقع، ويقال: إن بعض النساء ـ والعياذ بالله ـ تتزوج وهي ذات زوج.
قوله: «وَإِنْ أقَرَّ وَلِيُّهَا المجبر بِالنِّكَاحِ أَو الَّذِي أَذِنَتْ لَهُ صَح» يعني ادعِيَ على امرأة أنها زوجة فلان، وقد سبق أنها إذا أقرت يقبل إقرارها، فإذا أقر وليها فالولي قسمان على المذهب ـ أيضاً ـ قسم مُجْبِر وهو أبو البكر، وقسم لا يُجْبِر وهو من سواه، فإذا كانت من النساء اللاتي يجبَرن، وأقر وليها المجبِر فكإقرارها؛ وذلك لأنه يملك إنشاء العقد فَمَلَكَ الإقرارَ عليه؛ فالأب له أن يزوج ابنته وإن لم ترضَ وإن لم تعلم على المذهب، فإذا أقر أن فلانة زوجة فلان، فإن الزوجية تثبت، سواء أقرت ووافقت على هذا، أم لم تقر؛ لأنه يملك إنشاء العقد فملك الإقرار عليه.
أما إذا كان غير مجبِر وهو غير الأب، فننظر إن كانت قد أذنت له صح إقراره وإلا فلا، فإذا أقر هذا الولي كالأخ ـ مثلاً ـ بأنها زوجة فلان، زوَّجَها إياه، فإننا نسألها: هل أنت أذنتِ له؟ إن قالت: نعم، قلنا: إقراره صحيح، ونعلل بما عللنا من قبل؛ لأنه يملك إنشاء العقد لكونه قد أُذن له فملك الإقرار عليه، فإن قالت: ما أذنت له لم نقبل إقراره ـ يعني الولي ـ؛ لأنه لا يملك إنشاء العقد فلم يملك الإقرار عليه، فصار عندنا ثلاثة أشخاص: المرأة، والولي المجبِر، والولي غير المجبر، فالذي يصح إقراره بالنكاح من هؤلاء المرأة بكل حال إلا أن المؤلف اشترط ألا يدعيه اثنان، والولي المجبِر يقبل إقراره بكل حال سواء أذنت أم لم تأذن، والولي غير المجبر يقبل إقراره إن ثبت أنها أذنت له؛ وذلك لأنه لا يملك العقد عليها إلا بإذنها.
قوله: «وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ» «إن أقر» الفاعل «مُقِرٌّ» لأنه إذا لم يوجد مرجع بَيِّن أخذ اسم فاعل من مصدر الفعل، فنقول: إن أقر مُقِرٌّ بنسب صغير أو مجنون لحقه، كإنسان معه ولد صغير لم يبلغ، فقال: هذا ابني، يقول المؤلف: يلحقه النسب، أو قال: هذا أخي، يلحقه النسب، أو قال: هذا عمي، يلحقه النسب، لكن المؤلف يقول: «بنسبِ صغيرٍ أو مجنون» فإذا كان بنسب بالغ عاقل يختلف الحكم، ولذلك نقول في تقرير هذه المسألة: الإقرار بالنسب يثبت به النسب بشروط أربعة:
الأول: إمكان ذلك.
الثاني: ألا يدفع به نسباً معروفاً. يعني لا يمسك أحد من الناس فلان بن فلان المعروف نسبه ويقول: هذا ابني.
الثالث: أن يصدقه المُقَرُّ بِهِ إن كان بالغاً عاقلاً، وإن لم يكن بالغاً عاقلاً فإنه لا يشترط.
الرابع: أن يكون مجهول النسب.
فالشرط الأول: إمكان ذلك، فإن لم يمكن فإنه لا يقبل، فلو ادعى شخص قال: هذا ابني وعمره عشرون سنة، وعمر المُقِر خمس وعشرون سنة فلا يقبل؛ لأنه لا يمكن للذي له خمس سنين أن ينجب ولداً.
الثاني: ألا ينفي به نسباً معروفاً، وذلك بأن لا يعرف أن هذا الرجل فلان ابن فلان، فإن عرف بأنه فلان ابن فلان فإن المقر لا يمكن أن يقبل إقراره؛ لأن هذا يبطل نسباً معروفاً، ولو فتح الباب لكان كل واحد يعجبه شخص من الناس، يقول: هذا ابني.
الثالث: أن يصدقه المقَرُّ به بشرط أن يكون بالغاً عاقلاً، فإن كان غير بالغ ولا عاقل فإنه لا يشترط أن يصدقه، ولكن إذا أنكر الصغير أو المجنون بعد البلوغ والعقل فهل يقبل إنكارهما أو لا؟ فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: لا يقبل إنكارهما؛ لأن النسب ثبت والنسب لحمة لا يتغير، وإذا كان الولاء الذي يُلحق بالنسب لا يمكن أن ينقل إلى غير من هو له، فكذلك النسب لما ثبت لهذا الصغير أو المجنون لا يمكن رفعه.
ويرى بعض العلماء أنهما إذا أنكرا بعد البلوغ والعقل لم يثبت النسب؛ لأننا اشترطنا تصديق البالغ العاقل، وهذان لا يعتبر تصديقهما فإذا حصل البلوغ والعقل وجب التصديق، لكن المذهب أنه ليس بشرط.
الرابع: أن يكون مجهول النسب، فإن كان معلوم النسب، بأن عرف أن هذا الرجل من قبيلة كذا، والآخر من قبيلة أخرى، فإنه لا يصدق لأنه يدفع به نسباً معروفاً.
فإذا كان المقِرُّ حياً ولكن المقر به ميت فهل يرثه أو لا؟ يقول المؤلف:
«فَإِنْ كَانَ مَيِّتاً وَرِثَهُ» وإنما نَصَّ على ذلك مع أنه إذا ثبت النسب ثبت الإرث؛ لأن من العلماء من يقول: إنه إذا كان ميتاً لا يرثه؛ لأنه متهم، فهذا رجل مجهول النسب ولا يعرف له نسب مات وخَلَّفَ خمسين مليون ريال فجاء رجل بعد موته، وقال: هذا أخ شقيق لي، ما لي فيه منازع يقول المؤلف: يثبت النسب ويرثه، وهو متهم غاية الاتهام، أعتقد أن لو لم يخلف إلا الكفن، ما قال: إنه أخي يخشى أن ينقص الكفن ويلزم بتتميمه، لكن إذا خلف خمسين مليون ريال ففيه اتهام قوي، وهم يقولون ـ رحمهم الله ـ: الإرث هنا فرع عن النسب، والشارع يتشوف إلى ثبوت النسب وعدم ضياع الأنساب، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»[(276)] ، حتى لو كان الإنسان يغلب على ظنه أن هذا الولد من الزنا، وهي ذات زوج فهو لزوجها، حتى لا يكون الناس أولاد زنا وبغاء والشارع له تشوف إلى إلحاق الناس في أنساب معلومة.
والقول الثاني: أنه إذا كان ميتاً لا يرثه؛ لأنه متهم، لا سيما إذا كان يشاهده كل يوم وليلة، وربما لا يسلم عليه وليس بينهما صلة، ولا يعرف أحدهما الآخر، ثم لما مات جاء يقول: هذا أخي؛ لأننا نقول: أين أنت هذه المدة؟! ما عرفته إلا لما مات، وخَلَّف هذا المال العظيم، جئت تقول: إنه أخي، وبناء على هذا ينبغي أن يتوسط بين القولين، ويقال: إن وجدت قرينة تدل على أن متهم فإنه لا يرثه، وإلا ورث، فلو كان هذا الإنسان غائباً في بلد، والشخص الذي ادعى أنه أخوه في بلد آخر، ولم يتصل به، ولكن لما مات أراد أن يأخذ نصيبه منه ولا يذهب المال إلى بيت المال، فهذا ربما يقال: إن هذا الإقرار صحيح، لكن لو أنه في البلد وربما كان قريباً منه في المكان، وفي الجوار، وفي المسجد وما أشبه ذلك، ولا يعرفه ولا يسلم أحدهما على الآخر، فإذا مات قال: هذا أخي!! فلا شك أن التهمة قوية جداً، فيقال له: أين أنت هذه المدة؟! ما عرفت أخاك؟ فيكون هذا قولاً وسطاً بين القولين.
فإذا قال قائل: هل يجوز إحداث مثل هذا القول؟
الجواب: نعم، يجوز إحداث مثل هذا القول، ولا يعتبر هذا خارجاً من الإجماع، يعني لو فرض أن هذه المسألة إجماعية، إما كذا وإما كذا، ولا يوجد قول ثالث، فإن التفصيل لا يعتبر خرقاً للإجماع؛ لأنه يوافق من أبطل الإقرار في وجه، ويوافق من أقر الإقرار من وجه آخر، وهذه الطريق يستعملها شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أحياناً، فمثلاً يقول: الوِتْر اختلف فيه العلماء، هل هو واجب، أو سنة؟ ثم يقول: من كان له ورد من الليل فيجب عليه الوتر، ومن لم يكن له ورد فلا يجب، ثم قال: وهو بعض قول من يوجبه مطلقاً؛ لأنه لا يجب إلا في حال دون أخرى، فالمهم أنه إذا ورد خلاف بين العلماء، وتوسط أحد من الناس بتفصيل يوافق هؤلاء من وجه ويوافق الآخرين من وجه، فإن هذا ليس خرقاً للإجماع، ولا خروجاً عن أقوال أهل العلم.
قوله: «وإِذا ادَّعى عَلَى شَخْصٍ بِشَيْءٍ فَصَدَّقَهُ صَحَّ» هذه مسألة قد يقول قائل: إنها كقول الإنسان: السماء فوقنا والأرض تحتنا، أو قول الآخر:
كأننا والماء من حولنا
قوم جلوس حولهم ماء
وهذا تحصيل حاصل يعني يأتي إنسان ويقول: أنت عندك لي عشرة دراهم، فقال: نعم.
يقول المؤلف إذا صار الأمر كهذا صح الإقرار، ولكن أراد المؤلف بذلك أن الإقرار يصح بأي لفظ كان، فسواء قلت: أقر أن لفلان عندي كذا وكذا، أو يأتي فلان ويقول: عندك لي كذا وكذا فتقول: نعم، وليس مراد المؤلف أن يبين أن الإنسان إذا ادُّعِيَ عليه فأقر بما ادعي عليه أنه تصح الدعوى ويعطى المدعي ما ادعاه؛ لأن هذا أمر واضح، ولا إشكال فيه. لكن قصده أنه يصح إقراراً.
مسألة: إذا ألحقت القافة الولد بأبوين فهل يلحق بهما؟
على المذهب يمكن أن يلحق بأبوين إن رأت القافة ذلك، لكن إن ألحقته بأحدهما لحقه.
وصورة المسألة أن يطأ المرأة رجلان بشبهة كل منهما يظنها زوجته فحملت من هذا الوطء فإذا ألحقته القافة بهما لحقهما.
وكيف يسمى الولد الذي ألحق بأبوين؟
إن كان اسم الأبوين واحداً مثل: محمد ومحمد فنسميه ـ مثلاً ـ عبد الله ابن المحمدين، وإن كان يختلف فلا بد من ذكر اسم كل أب منهما على حدة فنقول ـ مثلاً ـ عبد الله بن محمد وصالح، وهكذا.
* * *
فَصْلٌ
إِذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُسْقِطُهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لاَ تَلْزَمُنِي وَنَحْوُهُ لَزِمَهُ الأَلْفُ، وَإِنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْتُهُ فَقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، أَوْ يَعْتَرِفُ بِسَبَبِ الْحَقِّ، وإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتاً يُمْكِنُهُ الْكَلاَمُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ زُيُوفاً أَوْ مؤجَّلَةً لَزِمَهُ مِائَةٌ جيِّدَةٌ حالَّةٌ،......
قوله: «إِذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُسْقِطُهُ» «إذا وصل» يعني ضم إلى إقراره ما يسقطه من الوصل، وهو وصل الشيء بالشيء وليس من الوصول، يعني إذا قرن بإقراره ما يسقطه، فهل يقبل أو لا يقبل؟
قال: «مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لا تَلْزَمُنِي وَنحوه لزمه الألف» لأن قوله: «له علي» إقرار، وقوله: «ولا تلزمني» رفع لهذا الإقرار، ولا يقبل أن يرفع ما أقر به، فلهذا نقول: يلزمه الألف.
ولكن لو أضاف الألف إلى شيء لا يثبت له عوض، مثل أن يقول: له علي ألف، ثمن ميتة، أو ثمن خمر، أو ثمن آلة لهو، وما أشبه ذلك، فهل هو كقوله: لا يلزمني، أو نقول: إن هذا ليس كقوله: لا يلزمني، لكن لا يلزم؛ لأن المعوض ليس له قيمة شرعاً؟
الجواب: الثاني، وهذا هو الأقرب أن يقال: إنه ليس كقوله: لا تلزمني؛ لإمكانه أن يبيع عليه خمراً، ثم يتوب ويقر قبل أن يسلم الثمن، وعليه فلو أضافه إلى خمر باعه عليه وهو ذمي فإنه يلزمه الألف؛ لأن هذا عوض عن شيء يصح التعويض عنه حيث كان في زمن الكفر.
فإن أقام بينة على أنه له عليه ألف، وأنه أوفاه إياه أو ما أشبه ذلك، بحيث يصح قوله: «لا تلزمني» ويكون قوله: «له علي ألف» باعتبار أول الأمر، وقوله: «لا تلزمني» باعتبار ثاني الحال فإذا أقام بينة بهذا فإنه يقبل.
قوله: «وَإِنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْتُهُ» فهذا إقرار ودعوى، فالإقرار «كان له علي» والدعوى «وقضيته» فهل نقول: إن الرجل ثبت عليه الألف بإقراره ولم يثبت القضاء؛ لأنه ادعاه وعلى المدعي البينة؟ المؤلف يقول: لا يلزمه الألف؛ لأن هذا لا يتناقض فقد يكون له عليه وقضاه، فلما لم يكن قوله متناقضاً أخذنا بقوله.
قوله: «فقوله: بيمينه» أي: يحلف أنه قضاه ويبرأ، وهل يطالب بالبينة أنه قضى؟ لا يطالب؛ لأنه لم يلزم هذا الحق إلا بإقراره فوجب أن يكون على صفة ما أقر به، وهذا هو المذهب وهو الصحيح.
وقال بعض أهل العلم: بل إنه يكون مقراً مدعياً، فيلزمه ما أقر به ويطالب بالبينة بما ادعاه، يكون مقراً بالألف ومدعياً للقضاء، فيقال: أنت الآن لزمك الألف بإقرارك، هاتِ بينة على أنك قضيته، وهذا قول أبي الخطاب من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله، ولكن المذهب في هذا أصح، وحجتهم ما سبق؛ ولهذا قال المؤلف:
«مَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ» فحينئذٍ يكون مدعياً للقضاء، فإن أتى ببينة عليه وإلا لزمه الألف؛ لأن الألف هنا ثبت ببينة، كما لو جاء شهود يشهدون بأن فلاناً استقرض من زيد ألف ريال، ثم قال زيد: كان له علي وقضيته، نقول: الآن لا نقبل قولك؛ لأن الأصل ثبت ببينة، فعليك البينة أنك قضيته، أما في الصورة الأولى فلم يثبت الأمر إلا من قِبَلك فلا يلزمك إلا ما أقررت به.
قوله: «أَوْ يَعْتَرِفُ بِسَبَبِ الحَقِّ» فيقول: كان له علي ألف قرضاً، فنقول: إذا قلت: وقضيته، يلزمك الألف؛ لأنك أقررت بشيء يوجب الدين، وهو القرض، أو ثمن البيع، أو أجرة البيت أو ما أشبه ذلك، فصارت هذه المسألة لها ثلاث صور:
الأولى: أن يقول: كان له علي ألف فقضيته، ولا يثبت ببينة ولا يعزوه إلى سبب، فهنا القول قوله بيمينه أنه قضاه.
الثانية: أن يثبت أصل الألف ببينة ثم يدعي القضاء فلا يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل ثبت بغير إقراره.
الثالثة: ألا يثبت ببينة، ولكن يعزوه إلى سبب، فيقول: له علي ألف قرضاً، أو ثمن مبيع، أو أجرة أو ما أشبه ذلك، فلما اعترف بسبب الحق اعترف أن في ذمته شيئاً لم يؤخذ عنه عوض، فالألف لزمته بإقراره بسبب الحق، وهو عوض عن شيء أخذه من المُقَرِّ له، بخلاف الذي هو مجرد إقرار فقط، فنقول في هذه الصورة: لا تقبل دعواه أنه قضى إلا ببينة، لأنه اعترف بسبب الحق، والسبب موجب بذاته كالبينة موجبة بذاتها، وحينئذٍ يلزمك أن تقيم بينة، أما في الأولى فإنه لم يعترف أن شيئاً دخل عليه، فقد يكون هذا هبة منه أو عدة أو غير ذلك.
قوله: «وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتاً يُمْكِنُهُ الكَلاَمُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفاً أَوْ مُؤَجَّلَةً لَزِمَهُ مِائَةٌ جَيِّدَةٌ حَالَّةٌ» «زيوفاً» أي: معيبة؛ لأنها تقابل «جيدة» ، هذا رجل قال: له علي مائة درهم، وسكت سكوتاً يمكنه أن يتكلم، ثم قال: مؤجلة، أو قال: له علي مائة ثم سكت، ثم قال: زيوفاً، يلزمه في المسألة الأولى مائة حالة، وفي المسألة الثانية مائة جيدة، فإن قال: له علي مائة ثم سكت، ثم قال: مؤجلة زيوفاً، يلزمه حالة جيدة، وكيف نلزمه بمائة حالة جيدة، والرجل وصف كلامه بضد ذلك، والمسألة لم تثبت إلا بإقراره، فلماذا لا نقول: إنه لا يلزمه إلا ما أقر به؟
فالجواب: أن يقال: إن الصفة يشترط لتخصيصها الموصوف أن تكون متصلة وهنا لم تتصل.
كذلك لو قال: له علي مائة، والمُقَرُّ له فقيه، ويعرف أنها مائة زيوف ومؤجلة لكن لما قال: له علي مائة، تكلم معه بكلام أجنبي، ثم قال: زيوف أو مؤجلة، فهل نقول هنا: إن الرجل تحيل عليه حتى جعله يفصل بين الموصوف والصفة؟ نقول: إذا علمنا أن الرجل تحيَّل عليه وتكلم معه بكلام أجنبي بهذا القصد، فإن هذه الصفة معتبرة وتخصص الموصوف.
ولو فرضنا أن الرجل عَيِيٌّ، إما تمتام، أو فأفاء، أو ما أشبه ذلك، وسكت، ونحن نشاهد أنه يريد أن يتكلم لكنه عجز فهنا الصفة معتبرة، لا يضرها هذا السكوت، ولهذا قال المؤلف: «يمكنه الكلام فيه» فعلم أنه إن لم يمكن فإن الصفة تقبل.
وهل إذا قال: «مائة مؤجلة أو مائة زيوف» ، هل هذا رافع لأصل المُقَرِّ به أو لوصفه؟
الجواب: لوصفه، ورفع الوصف ليس كإسقاط الأصل، ولهذا في المسألة الأولى في أول الفصل قلنا: لا يقبل قوله: «لا تلزمني» ؛ لأن ذلك رفع للأصل، أما هذا فهو رفع للوصف، ويسمى تخصيصاً لا رفعاً.
وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، فَأَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ الأَجَلَ فَقَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ أَوْ رَهَنَ وَأَقْبَضَ، أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ثَمَنٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْقَبْضَ، وَلَمْ يَجْحَدِ الإِقْرَارَ، وَسَأَلَ إِحْلاَفَ خَصْمِهِ فَلَهُ ذَلِكَ،..............
قوله: «وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَأَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ الأَْجَلَ فَقَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ» إذا أقر مُقِرٌّ بدين مؤجل فأنكر المُقَر له الأجل، فعندنا أصلان متعارضان: أحدهما: أن الأصل الحلول دون التأجيل، والرجل أقر بدين وادعى أنه مؤجل، الثاني: أن المقِر غارم، والغارم قوله مقبول؛ لأنه مدعى عليه، فأي الأصلين نقدم؟ نقدم الثاني، وهو أن المُقِرَّ غارم، ويدل لصدقه أنه أقر، ولو شاء لأنكر؛ لأن المدعي ليس عنده بينة، فلو أن رجلاً قال: لي عند هذا الرجل مائة ريال، وقال: نعم، عندي لك مائة مؤجلة سنة أو إلى شهر، فهنا القول قول المُقِرِّ؛ لأن ذلك لم يثبت إلا بإقراره، وهو لم يقر إلا على هذه الصفة، فلم يلزمه أكثر مما أقر به، ثم هو في الواقع غارم، والغارم قوله مقبول، أما لو قال: بعت عليك شيئاً بمائة فقال: نعم، بعتنيه بمائة، ولكن الثمن مؤجل، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التأجيل، وهذا الرجل أقر بأنه باعه عليه، ولكنه ادعى أن الثمن مؤجل فلا يقبل.
وقوله: «فقول المقر مع يمينه» كل من قلنا: القول قوله فقوله بيمينه، لعموم الحديث: «البينة على المدعي واليمين على ما أنكر»[(277)].
قوله: «وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ، أَوْ رَهَنَ وَأَقْبَضَ، أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ثَمَنٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْقَبْضَ، وَلَمْ يَجْحَدِ الإِْقْرَارَ، وَسَأَلَ إِحْلاَفَ خَصْمِهِ فَلَهُ ذَلِكَ» هنا عدة مسائل:
الأولى: إن أقر أنه وهب وأقبض، قال: إني وهبت هذا الكتاب زيداً وأقبضته إياه، وإنما أردف قوله: وأقبضته إياه؛ من أجل أن تكون الهبة لازمة؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، ولو قال: وهبته ولم يقل: وأقبضته، ما لزمت الهبة؛ لأن الواهب إذا لم يُقْبِض الهبة فله أن يرجع، فلو قال: يا فلان أنا وهبتك هذا الكتاب، ولكن ما أقبضه إياه فله أن يمنع الهبة، ولا يُقْبِضَها، ولكن إذا أقبضها صارت لازمة، فهذا الرجل أقر أنه وهب وأقبض، ثم بعد ذلك قال: ما أقبضت، وقال: حَلِّفوا الموهوب له أنه قبض؛ لأن الموهوب له يدعي أنه قابض من أجل أن تلزم الهبة، والمُقِر يدعي أنه لم يُقبض من أجل ألا تلزم، فقال المقِر: حلفوه أني أقبضته حتى تكون الهبة لازمة، يقول المؤلف: له ذلك، فإن قال الخصم: لا أحلف، كيف أحلف على شيء هو أقر به؟ ألم يقر أنه وهب وأقبض، إذن فلماذا تحلفونني على شيء أَقر به خصمي؟! فنقول: إن كان صادقاً أنه لم يُقْبضك فأنت حلفت واستحققت الموهوب له، وإن كنت صادقاً في أنه وهب وأقبض فاليمين لا يضرك؛ بل هو نافع لك على كل حال، فلماذا لا تحلف؟!
والمسألة فيها خلاف لكن الكلام على المذهب يقولون: لأن العادة جرت بمثل هذا الأمر أن يقال: نكتب أنك وهبت وأقبضت؛ لئلا يبقى في المسألة تعلقات، فيقول: نعم اكتب أنني وهبت، وأقبضت، وهو ما أقبض، ولنفرض أنه وهبه بيته وهو ساكن فيه، وقال: أَقِرْ بأنك وهبت وأقبضت، فأقر أنه وهب وأقبض؛ لأجل أن تنتهي المسألة، ولا يكون فيها تعلقات، وهذه دائماً تقع، وتقع أيضاً في مسألة ثانية سيذكرها المؤلف إذا أقر أنه باع وقبض الثمن.
على كل حال يقول المؤلف: «إذا سأل إحلاف خصمه فله ذلك» ويحلفه القاضي، وإذا لم يحلف فقال بعض الأصحاب: يُقضى عليه بالنكول من غير رد اليمين على المُقِر، فيقال: ما دام أنك ما حلفت فليس لك شيء، ويحكم عليه بالنكول، ويقال للواهب: خذ ما وهبت ولا يلزمك شيء.
القول الثاني: أنها ترد اليمين على المُقِر، فيقال للمُقر: احلف أنك لم تُقْبِضه، وهذا القول أقيس، وقد سبق لنا أن القول الراجح: أنه إذا نكل من عليه اليمين ردت على خصمه، وهذا من باب أولى؛ لأن خصمه ادعى أنه أقبض، ولا ترفع هذه الدعوى إلا إذا حلف الواهب بأنه لم يُقبض، ولا يضره شيء إذا حلف على شيء هو صادق فيه. فإن كان صادقاً فهو بار، وإن كان كاذباً فلن يحلف، فعلى كل حال: إذا حلف استحق، وإذا نكل فإنه لا يستحق الموهوب، أما رد اليمين على الواهب ففيها الخلاف المذكور، والراجح أن اليمين ترد على الواهب إذا تكل الموهوب له عن اليمين.
الثانية: يقول: «رهن وأقبض» نقول فيها مثل الهبة، ولماذا أقر بالإقباض؟ لأن الرهن على المشهور من المذهب لا يلزم إلا بالقبض، يقبضه المرتهن، أو من يقوم مقامه، مثل لو اتفقا على أن يجعلاه عند رجل ـ وهو ما يعرف عند الفقهاء بالعدل ـ فالأمر ظاهر، المهم أقر بأنه رهن سيارته وأقبضها، إذن أقر برهن لازم، ثم إن المرتهن قال: أنا قابض السيارة والرهن لازم، فقال المقر: إنني لم أقبضك إياها، فقال: ألم تكن قد أقررت؟ قال: بلى، أقررت بأني رهنتك وأقبضتك، لكن الآن أنكرت الإقباض، فهل نقول: إن إنكاره غير مقبول؛ لأنه يرفع إقراره الأول، أو نقول: إنه مقبول؟ نقول: إنه مقبول؛ لأن الأمر ممكن، فقد يُقر بالرهن والإقباض من أجل أن يتم العقد، والإقباض لم يكن، وعلى كل حال، فالمرتهن يطالب بأن الرهن لازم؛ والراهن يقول: لم أقبضك فالرهن غير لازم، فإذا قال المقر: احلف أنني قد أقبضتك إياه فحلف، يلزم الرهن ويكون قابضاً، فإن أبى أن يحلف ترد اليمين على الراهن الذي ادعى أنه الذي أقر بأنه أقبض ثم أنكر، نقول: احلف أنك لم تقبضه فحلف، فلا يلزم الرهن؛ لأنه رهنٌ غير مقبوض، وقد سبق لنا أن القول الراجح: أن الرهن لا يشترط قبضه، وأنه يلزم بالتعيين، سواء قبض أم لم يقبض، وأن العمل عند القضاة منذ أزمنة على هذا، يرهن الإنسان سيارته لشخص وهو يستخدمها تحت يده، أو يرهن فلاحته وهو يشتغل فيها، أو يرهن بيته وهو ساكن فيه.
المسألة الثالثة: «أو أقر بقبض ثمن أو غيره» باع عليه بيته بعشرة آلاف ريال وذهب إلى كاتب العدل، وكان من عادة كاتب العدل ألا يكتب حتى يكون الثمن قد استلم؛ لئلا تبقى المسألة معلقة، فقال البائع: اكتب أنني بعت وقبضت الثمن كاملاً فكتب كاتب العدل، ثم بعد أسبوع أو عشرة أيام جاء البائع إلى المشتري وقال: أعطني القيمة، قال: انتظر، وبعد مدة جاء وقال: أعطني القيمة، قال: انتظر، ذهب وانتظر، وبعد مدة جاء قال: أعطني القيمة، فلما طالت المدة جاء إليه وقال: أعطني ثمن البيت عشرة آلاف، قال ـ أعوذ بالله ـ: ما تقول بهذا الصك، أتقدح بكاتب العدل؟! فبُهت الرجل؛ لأنه أقر بأنه استلم الثمن، ومن كاتب عدل ـ أي: من جهة مسؤولة ـ فسقط في يده، ماذا يصنع؟ قال: تعال أنا وأنت والقاضي، أو أحد الناس من أهل الخير والصلاح، احلف عندهم أنك أقبضتني، فله الحق أن يحلفه، فلما طلب تحليفه وقال: كيف أحلف على شيء وبيدي وثيقة من كاتب العدل أنك قابض الثمن، لو أحلف أنك قابض الثمن قالوا: هذا إنسان مجنون، يحلف على شيء ثابت لا يحتاج أن يحلف عليه!! قال: نعم، أنا أقررت بأنني قبضت الثمن ثقة بك، ولأجل أن ننهي المعاملة والإفراغ، والآن ما قبضت، فاحلف، فإذا أبى أن يحلف، فالقاضي يرد اليمين على البائع، ويقول: احلف أنك لم تقبض الثمن، فإذا حلف ألزم المشتري أن يدفع الثمن، وإن لم تحلف فإننا لا نحكم لك، ولولا أن العادة جرت بأن الإنسان يقر وهو ما قَبَضَ، لم نقبل رجوعك إطلاقاً؛ لأن هذا رجوع عن إقرار لآدمي، والرجوع عن الإقرار لآدمي غير مقبول.
وهذه المسألة التي ذكرتُها واقعة، فقد كتب أحد أئمة المساجد ـ قبل أن تأتي كتابات العدل ـ بين بائع وامرأة باعت بيتها على هذا الرجل، وحضر الرجل، وقال للكاتب: إن شاء الله يأتي ولدها لديَّ في الدكان وأعطيه الثمن، اُكْتُب أن الثمن مقبوض، ولم يبقَ للبائع حق ولا عُلقة بالمبيع، وقال للمرأة: ما تقولين؟ قالت: نعم، إن شاء الله يفي، فكتب أنها باعت بيتها على فلان ابن فلان وقَبضَت الثمن تاماً، ولم يبقَ لها علقة بوجه من الوجوه، وهذه المرأة سليمة القلب، فلما كان العصر أرسلت ولدها إلى الرجل، قال: يا ولدي اليوم ما عندي شيء، ثم جاء ثانياً وثالثاً، وبعد مضي عدة أيام، قال: هذا كتاب فلان ابن فلان بأنكم قابضون الثمن، أبداً ما لكم شيء، فذهب الولد إلى أمه وأخبرها بالخبر، فالمسكينة سُقِط في يدها، فلما ترافعوا إلى القاضي وكان قاضياً حازماً ذا فراسة وعرف أن المرأة ضعيفة، وأن الإنسان مهما بلغ قد يغويه الشيطان، فقال للرجل: أعطني المكتوب، وإذا كتابة فلان ابن فلان وهو ثقة، ففكر وقال لهم: انصرفوا وتعالوا بعد يومين، وأخذ المكتوب ودعا الكاتب، وقال له: هذا خطك؟ قال: نعم، قال: هل رأيت الثمن معدوداً بيدها؟ قال: لا، لكن أقرت عندي، فلما أقرت كتبت: الثمن واصلاً، فقال: لا تَعُدْ، ولا تكتب أنه قبض الثمن إلا إذا شاهدت البائع قد قبضه، أما مجرد إقرار فلا، فصار في هذا مصلحة عامة، ولما جاء الغد قال للمشتري مباشرة: أما تخاف الله؟! تأكل حق هذه المرأة لما وثقت بك وأمنتك، اتق الله وخف من الله، فخوفه من الله، فقال: يا شيخ، الله يجزاك خيراً وينقذك من النار، الحقيقة أني ما أعطيتها شيئاً، فأخذ القاضي الورقة وقطعها أمامهم، وقال: اذهب أعطها حقها ويكتب الكاتب وهو يراك تَعُدُّ لها الثمن.
المهم أن هذه مسألة يمكن أن تقع، أن الإنسان يبيع ويقر بقبض الثمن وهو ما قبض شيئاً، فإذا طلب إحلاف المشتري فله ذلك، فإن نكل ردت على المقر وأخذ الثمن.
وقوله: «أو غيره» كصداق أو أجرة، فكل إنسان أقر بقبض شيء ثم أنكر القبض دون الإقرار فله إحلاف خصمه، فإن حلف استحق وإن لم يحلف ردت على المقر المنكر يعني المقر بالقبض، ثم أنكره، ثم انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى فقال:
وَإِنْ بَاعَ شَيْئاً، أَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِغَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَمْ يَنْفَسِخِ الْبَيْعُ، وَلاَ غَيْرُهُ، وَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ،.....
«وَإِنْ بَاعَ شَيْئاً، أَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِغَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَنْفَسِخ الْبَيْعُ، وَلاَ غَيْرُهُ وَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ» هذه ثلاث مسائل أيضاً:
الأولى: البيع: إذا باع شيئاً ثم قال: إن هذا ليس ملكاً لي، فلا يقبل قوله؛ لأن كل إنسان يستطيع أن يتحيل بعدما يبيع ملكه، ثم يقول: ليس ملكاً لي.
مثال ذلك: بعت على شخص سيارة وبعد أن بعت عليه، قلت: إن السيارة ليست ملكاً لي، وإنما قلت: هذا من أجل أن يبطل البيع؛ لأن من باع ملك غيره لم يصح البيع، فتعلق بالسيارة حقان: حق المشتري، وحق المُقَر له، فلو أننا قبلنا الإقرار وَفَيْنَا بحق المقَر له، لكن على حساب المشتري، ولو أننا أمضينا حق المشتري فإن حق المقَر له لا يضيع، ولهذا قال المؤلف: «ولم ينفسخ البيع» فيبقى البيع على ما هو عليه، ولكن يلزمني قيمة السيارة للمُقَر له؛ لأنني أقررت أن هذه السيارة له، وأنى تصرفت فيها، وليست ملكاً لي، فيلزمني ضمانها.
فإذا قال قائل: لماذا لا يفسخ البيع؟ فالجواب: لأنه إقرار على حق الغير، فإن المشتري ملك السيارة ظاهراً فلا يقبل إقراره عليه.
لكن إذا صدق المشتري البائعَ فحينئذٍ ينفسخ البيع؛ لأن المشتري أقر بأنه ليس له حق في السيارة، إذ إن البائع باع عليه ما لا يملك، وهذه الصورة الأولى التي ينفسخ فيها البيع.
والصورة الثانية: إذا أتى البائع ببينة قال: أنا آتي ببينة أنها ذلك اليوم الذي بعتها فيه عليك كانت لفلان فإنه ينفسخ البيع.
فصار الرجل إذا باع على غيره شيئاً ثم ادعى أنه كان ملكاً لغيره، فإن أتى ببينة قبلت البينة، وانفسخ البيع، وإن لم يأت ببينة فإن صدقه المشتري انفسخ البيع، وإن لم يصدقه لم ينفسخ، وبقي البيع على ما هو عليه، ولزم المُقِرَّ الضمانُ للمُقَرِّ له، وهذا لا شك أنه عين المصلحة؛ لأن بعض من لا يخاف الله ـ عزّ وجل ـ إذا باع شيئاً، وندم على بيعه، وعرف أنه لا طريق له إلى فسخ البيع، أتى برجل وقال: أريد أن أقر بأن المبيع لك؛ من أجل أن ينفسخ البيع، أو يقول له أكثر من هذا، يقول: ادَّعِ عليَّ أن السيارة التي بعتُها لك، وأتخاصم أنا وإياك أمام الناس وتذهب للقاضي، والقاضي إذا وَجَّهْتَ الدعوى إليَّ سوف يقول: ما جوابك؟ سأقول: جوابي: أن السيارة له، وأني معتدٍ، وبعتها على فلان، ولهذا نقول: لا يمكن أن نبطل حق هذا الرجل المشتري الذي سلم الثمن، وأنهى كل شيء لمجرد إقرار هذا الرجل، لكن إذا أتى ببينة قبلت وانفسخ البيع، وإذا صدق المشتري كذلك انفسخ البيع؛ مؤاخذة له بإقراره؛ لأنه هو الذي اعترف بأن البيع غير صحيح.
المسألة الثانية: الهبة: بعد أن وهب هذا الشيء وأقبض كأنه ندم على الهبة، وقال: إن رجعت في هبتي ما أتمكن؛ لأن الهبة مقبوضة، ولكن سأقر بأن هذه العين ملك لغيري، نقول: لا يقبل قولك إلا ببينة أو تصديق من الموهوب له.
المسألة الثالثة: العتق: كذلك بعد أن أعتق عبداً وكتب وثيقة بعتقه، قال: العبد ليس لي، العبد لفلان، فإن صَدَّقَ العبدُ فالعتق لا ينفذ، وإن كذَّب نفذ العتق، ولزمته غرامتُه للمُقَرِّ له، وإذا ثبت ببينة أنه ليس له كذلك لا ينفذ العتق بل يبطل العتق؛ لأنه ثبت أنه ليس ملكه.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مُلْكِي ثُمَّ مَلَكْتُهُ بَعْدُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ مُلْكُهُ، أَوْ أَنَّهُ قَبَضَ ثَمَنَ مُلْكِهِ لَمْ يُقْبَلْ.
قوله: «وَإِنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ مُلْكِي ثُمَّ مَلَكْتُهُ بَعْدُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ» لأنه يمكن أن يكون حين البيع ليس ملكاً له، ثم اشتراه من صاحبه بعد، فإذا أقام بينة بذلك قبلت.
قوله: «إلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهَ مُلْكُهُ أَوْ أَنَّهُ قَبَضَ ثَمَنَ مُلْكِهِ لَمْ يُقْبَلْ» يعني ولو ببينة، فهذا رجل باع هذا الشيء، وبعد أن باعه قال: لم يكن ملكي حين البيع، وأقام بينة على ذلك فإنه يقبل، والبيع ينفسخ، إلا إذا كان قد أضافها لنفسه وقال للمشتري: أتشتري سيارتي؟ أو قال للناس: بعت على فلان سيارتي، أو قال: هذه ملك لي يا فلان أتشتريها؟ فهنا لا يقبل قوله أنها لغيره ولو أقام بينة؛ لأن قوله: «ملكي» يكذب البينة، فالبينة تقول: ليس ملكه، وهو يقول: هو ملكي، والبينة إنما تؤيد المدعي وليست تكذبه، فالآن هو نفسه يكذب البينة فلهذا لا تقبل، ولذلك إذا أراد أن يبيعها فإنه يقول للمشتري: تشتري هذه السيارة ولا يقول: سيارتي.
إذن حصراً لهذه المسألة نقول:
أولاً: الشيء الذي ينفسخ به البيع مطلقاً إذا صدق المشتري البائع؛ لأن المشتري يقر بأنه لا حق له في هذا المبيع.
ثانياً: لا يقبل مطلقاً إذا أضاف البائع المبيع لنفسه، بأن قال: هذا ملكي، أو هذه سيارتي، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يقبل ولو ببينة؛ لأنه هو نفسه يكذب البينة، هاتان حالان متقابلتان.
ثالثاً: إذا لم يضفه إلى نفسه، وأتى ببينة فالبينة مقبولة، ولكن كيف لا يضيفه إلى نفسه؟ يقول في عرضه للبيع: أتشتري هذه السيارة؟ من يشتري هذه السيارة؟ وما أشبه ذلك، فلا يقول: سيارتي أو ملكي، فحينئذٍ إذا ادعى أنها ملك غيره، فإن أقام بينة قبلت وانفسخ البيع، وإن لم يقم بينة لم يقبل قوله ولم ينفسخ البيع، لكن بقينا في المُقَرِّ له فيلزمه له غرامة هذا الشيء الذي باعه؛ لأنه فوَّته عليه.
* * *
فَصْلٌ
إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، أَوْ كَذَا، قِيلَ لَهُ: فَسِّرْهُ، فَإِنْ أَبَى حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَهُ، فإِنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ أَوْ بِأَقَلِّ مَالٍ قُبِلَ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ قِشْرِ جَوْزَةٍ لَمْ يُقْبَلْ،....
هذا الفصل عقده المؤلف للإقرار بالشيء المجمل المبهم، والتابع لغيره.
قوله: «إِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيَّ شَيْءٌ» «شيءٌ» كلمة، مطلقة مجملة، غير مبينة، ما ندري هذا الشيء؟
قوله: «أو كذا» أي: قال: له عليَّ كذا، وكلمة «كذا» أو «كذا كذا» ـ أيضاً ـ مجملة غير مبينة، فهنا ثبت إقرار، ولم يُبِيَّن المُقَرُّ به، فماذا نصنع؟ قال المؤلف:
«قِيلَ لَهُ: فَسِّرْهُ» أي قيل للمقر: فسره، ما هذا الشيء الذي قلت: إنه لفلان عليك؟ قال: الشيء الذي له علي مائة درهم، فيلزمه مائة درهم، أو قال: له علي كذا، قيل: فسِّر هذا المبهم، قال: مائة دينار، فيلزمه مائة دينار، فإن ادعى المُقَر له أنه مائة دينار في المسألة الأولى، ومائتا دينار في المسألة الثانية، فإن أتى ببينة، وإلا فالقول قول المقر؛ لأنه غارم ولم يثبت الحق إلا من قِبَلِه، فكان مرجع تفسيره إليه.
قوله: «فَإِنْ أَبَى حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَهُ» يعني منع من الذهاب والمجيء حتى يفسره؛ لأنه لما قال: له علي كذا، تعلق به حق للغير، وهذا الحق مبهم فيجب عليه أن يفسره.
فإذا فسره فتارة يقبل تفسيره، وتارة لا يقبل، فإن فسره بأمر يعتبر ويُقَرُّ به عادة ويلتزم به الإنسان لغيره قبل؛ ولهذا قال:
«فَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ أَوْ بِأَقَلِّ مَالٍ قُبِلَ» إذا فسره بحق شفعة قبل، مثال ذلك: بعتُ نصيبي من هذه الأرض على زيد، وشريكي عمرو، فقال زيد الذي اشترى نصيبي لعمرو: لك علي شيء، قيل له: ما الشيء الذي لي عليك؟ قال: حق الشفعة، والشفعة أن عمرواً له الحق أن ينتزع ما بعته على زيد فإذا فسره بحق الشفعة قبل.
أو فسره بحق خيار قُبِل، مثاله: اشترى زيد من عمرو سلعة على أن للمشتري الخيار ثلاثة أيام، فقال البائع: له علي شيء، قلنا: فسره، قال: حق خيار، يصح؛ لأن هذه حقوق تتعلق بالأموال.
وإذا فسره بأقل مال قبل، قال: له علي شيء، قلنا: فسره، قال: خمس وعشرون هللة، يصح؛ لأنها تعتبر مالاً.
قوله: «وَإِنْ فَسَّرَه بِمَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ قِشر جَوْزَةٍ لَمْ يُقْبَلْ» قال: له عندي شيء، أو له علي شيء، قلنا: ما هو؟ قال: جيفة شاة، لا يقبل هذا؛ لأنها غير متموَّلة فلا تثبت في الذمة، أو فسره بخمر فلا يقبل؛ لأنه غير متموَّل، فليس بمال شرعي، أو فسره بقشرة جوزة، والجوز معروف، قال: له عندي شيء، ما هذا الشيء؟ قال: قشرة جوزة، هذا لا يقبل؛ لأنه غير متموَّل، قال: عندي له شيء، فقيل: ما هو؟ فقال: حبة ذرة، فلا يقبل؛ لأنه غير متموَّل، مع أنه بالإمكان أنه يبذر هذه الحبة وتأتي بسبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، لكن نقول: هذه ما جرت العادة بأن الإنسان يلتزم لغيره بمثلها، ولو فسره بتمرة فالظاهر أن هذه يرجع فيها للحال الواقعة، فمثلاً إذا كنا في زمن مجاعة ـ نسأل الله السلامة ـ فالتمرة لا شك أنها شيء، وكم أنقذت من عاطب وهالك، أما إذا كان في زمن رخاء فإنها ليست بشيء، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» [(278)].
الخلاصة: إذا فسره بما يتمول قُبِل، وإذا فسر بما لا يتمول عادة كقشر الجوزة، أو شرعاً كالخمر، أو لخبثه والرغبة عنه كالميتة فإن ذلك لا يقبل، ولهذا نقول: الميتة غير متمولة من أجل خبثها والرغبة عنها، وإلا فمن الممكن دبغ جلدها، ويطهر بالدبغ، فيمكن أن تكون متمولة.
وكذلك إذا لم يكن من الحقوق المالية، ولا يتعلق بالمال فلا يقبل تفسيره به، فلو قال: له علي شيء، فقيل: فسره؟ قال: له علي إذا عطس فحمد الله أن أقول له: يرحمك الله، أو له علي إذا سلم أن أرد السلام، نقول: هذا لم تجرِ العادة بالإقرار به والتزام الإنسان إياه في ذمته، وعلى هذا فلا يقبل تفسيره بذلك، إنما يقبل في المال والحقوق المالية كحق الشفعة.
قوله: «وَيُقْبَلُ بِكَلْبٍ مُبَاحٍ نَفْعُهُ أَوْ حَدِّ قَذْفٍ» فإذا قال: له علي شيء، قيل: فسره، قال: كلب صيد، أو كلب ماشية، أو كلب حراسة، فيقبل؛ لأنه يجب رده على صاحبه، فلو أن أحداً غصب كلباً مباح النفع وجب عليه أن يرده إلى صاحبه، وإن كان لو أتلفه لم يضمن، لكن من أجل انتفاع صاحبه به يجب عليه رده.
كذلك يقبل بحد قذف؛ لأن هذا حق لآدمي فهو كالحق المالي، فإذا قال: له علي شيء، قيل: ما هو؟ قال: حد قذف؛ لأنني قذفته، وحقه عليَّ أن أجلد ثمانين جلدة، فهذا يقبل.
وقيل: إنه لا يقبل أي: في الأمرين جميعاً، قالوا: لأنه لا يتموَّل.
وإن ادعى المُقَر له شيئاً، قيل له: أثبت البينة، وإلا فلا شيء لك.
قوله: «وَإِن قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ رجع في تفسير جنسه إليه» «ألف» عدد مبهم، لا يعرف جنسه، نقول: فسره، ألف درهم؟ ألف دينار؟ ألف ثوب؟ فنرجع في تفسيره إليه.
قوله: «فَإِن فَسَّرَهْ بِجِنْسٍ أَوْ أَجْنَاسٍ قُبِلَ مِنْهُ» بجنس واحد بأن قال: ألف دينار، فإذا قال: ألف دينار ودرهم فهذان جنسان، لكن هل نقول: يلزمه في هذا المثال ألف دينار وزيادة درهم، أو نقول: ألف دينار ودرهم، يعني ألف من الدنانير والدراهم؟ الظاهر الأول ألف دينار ودرهم، لكن لو قال: ألف دنانير ودراهم، فحينئذ يلزمه من الجنسين ما لا يزيد على الألف، ولكن نقول: إذا لم يبين النسبة فهما أنصاف يعني مناصفة، فيلزمه خمسمائة دينار وخمسمائة درهم، ومثله ـ أيضاً ـ ألفٌ قمصٌ وسراويل، أما ألف قميص وسروال، فكالأولى، يعني يلزمه ألف قميص زائداً السروال.
وَيُقْبَلُ بِكَلْبٍ مُبَاحٍ نَفْعُهُ، أَوْ حَدِّ قَذْفٍ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ رُجِعَ فِي تَفْسِيرِ جِنْسِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِجِنْسٍ أَوْ أَجْنَاسٍ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ، وَإِنْ قَالَ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، أَوْ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ، .....
قوله: «وإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرةٍ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ» لأن الذي بين الواحد والعشرة ثمانية.
قوله: «وإن قَالَ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلى عَشَرَةٍ أو مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعَةً» هاتان صورتان ما بين درهم إلى عشرة هذه صورة، والثانية من درهم إلى عشرة يلزمه تسعة، الصورة الثانية الأمر فيها ظاهر؛ لأنه ذكر ابتداء الغاية وانتهاءها، وابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها، فالدرهم داخل والعشرة خارجة، فيلزمه تسعة.
لكن قوله: ما بين درهم إلى عشرة مشكل؛ لأنك إن قلت: إن انتهاء الغاية خارج أخرجت العشرة، والبينونة تقضي أن الطرفين خارجان، فإذا قال: ما بين درهم إلى عشرة، فعلى القاعدة يلزمه ثمانية، وهذا أحد القولين في هذه الصورة، أنه إذا قال: ما بين درهم إلى عشرة لا تلزمه إلا ثمانية؛ لأن «درهم» الأول خرج و«عشرة» خرجت؛ لأن «إلى» للغاية، وما بعدها غير داخل، لكن الذين يقولون بأنه تلزمه تسعة، يقولون: إن الغاية لا يدخل فيها المُغَيَّا إذا ذكر الابتداء، يعني إذا جاءت «من» ، أما إذا لم يذكر الابتداء فإن المُغَيَّا داخل، وعلى هذا نقول: «ما بين درهم» يخرج الدرهم وتدخل العشرة، فيلزمه تسعة، واستدل بعضهم بأن المرافق داخلة في الغسل في قوله تعالى: {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}} [المائدة: 6] ؛ لأنها لم تذكر «من» ، فلما قال: إلى المرافق بدون ذكر ابتداء الغاية، صارت الغاية داخلة.
وينبغي أن يقال: إن مسألة الإقرارات يرجع فيها إلى العرف لا إلى ما تقتضيه اللغة؛ لأن الإقرارات مبنية على ما يتعارفه الناس في عاداتهم ونطقهم، وقد سبق لنا في كتاب الأيمان وفي كتاب الوصايا أن العرف مقدم على الحقيقة اللغوية، فإذا كان عرف الناس أنه إذا قال: له ما بين درهم إلى عشرة، يعني ثمانية، فإنه يلزمه ثمانية، وإذا قال: ما بين درهم إلى عشرة، يعني أنه لا يدري فهو من ريال إلى عشرة، فهنا لا يلزمه إلا ما عيَّنه المتكلم، وهذه تقع كثيراً، يقول: أنا لست متأكداً، فإنه يجب له علي شيء، لكنه من ريال إلى عشرة، فقد يكون ريالاً، ريالين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، أو عشرة، فيرجع في هذا إلى العرف، ولهذا لو أراد مجموع العدد في قوله: من درهم إلى عشرة لزمه خمسة وخمسون، فصارت المسألة الآن مبنية على ما يراد، وعلى ما جرى به العرف، فعندنا ثلاث مراتب، ما أراده، وما جرى به العرف، ثم بعد ذلك الحقيقة اللغوية، وهذا هو الصحيح في هذه المسائل.
قوله: «وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ لَزِمَهُ أَحَدُهُما» لأن «أو» للشك لم تعين أحد الأمرين، فيرجع في التعيين إلى نفس المقر، مثاله: سئل رجل: ما الذي يطلبك فلان؟ قال: ما أدري، إما درهم أو دينار، نقول: يرجع في التعيين إلى المقر، ومن الناحية العملية لو قال المقر له: أنا متأكد أنه دينار، فالورع في هذا الباب أن يدفع له ديناراً؛ لأنه هو شاكٌّ وصاحبه متيقن، لا سيما إذا كان المقر له رجلاً صدوقاً ثقة وأميناً، فإنه يتأكد عليه حينئذ أن يدفع إليه الدينار.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِيْنَارٌ لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ، أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ، أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ، وَنَحْوُهُ فَهُوَ مُقِرٌّ بِالأَْوَّلِ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: «وإن قَالَ: لَهُ عَلَيَّ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ، أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ، أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ ونَحْوُه فهُوَ مُقِرٌّ بِالأَوَّلِ» إذا قال: له علي تمر في جراب، والجراب وعاء يجعل فيه التمر، فهل هو مقر بالجراب، أو بالتمر وحده أو بهما جميعاً؟ يقول: بالأول أي: بالتمر، فإذا قال: له علي تمر في جراب، قلنا: ما عليك إلا التمر، ثم عيِّن التمر كثيراً أو قليلاً؛ لأنه كثيراً ما تجري العادة بأن يأتي الإنسان بتمر من شخص يسرقه أو يأخذه خطأ أو ما أشبه ذلك، ويضعه في جراب عنده، هو مالكه.
أو «سكين في قراب» يلزمه السكين فقط، أما القراب فلا؛ لأنه ربما يأخذ سكين شخص خطأ، أو سرقة، أو غصباً ثم يضعها في قراب عنده، وهذا كثير، فهو لا يقر إلا بالأول، بخلاف ما لو قال: سيف في قراب، فإنه مُقِرٌّ بهما جميعاً، والفرق أن القراب ملازم للسيف غالباً أو دائماً ولا تكاد تجد سيفاً صلتاً، لكن السكين غالباً أنه في غير قراب، مثل ما لو قال: سكين في كرتون، لا يدخل الكرتون، أو سكين في صندوق، فما يدخل الصندوق، إذن هناك فرق بين الملازم وغير الملازم.
«أو فص في خاتم ونحوه فهو مقر بالأول» وهو الفص، والخاتم غير مقر به؛ لأنه ربما يسرق فصاً ويضعه في خاتمه، وهذا كثير، ولأن الفص تابع للخاتم ولا عكس، فلو قال: خاتم في فص، يمكن أن نجعل «في» بمعنى «مع»، فيلزمه خاتم ذو فص، وإذا قال: خاتم فيه فص يلزمه الأمران، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
* * *
انتهت بفضل الله تعالى وعونه وتوفيقه الدروس العلمية التي عقدها فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين المتوفى رحمه الله تعالى عام 1421هـ لشرح كتاب «زاد المستقنع في اختصار المقنع» لمؤلفه الشيخ الفقيه الفاضل شرف الدين أبو النجا الحجاوي المتوفى رحمه الله تعالى عام 960هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
--------------------------
[268] أخرجه أحمد (5/233)، وأبو داود في الجنائز/ باب في التلقين (3116) عن معاذ رضي الله عنه.
[269] سبق تخريجه ص(153).
[270] سبق تخريجه ص(316).
[271] أخرجه البخاري في المساقاة/ باب بيع الحطب والكلأ (2375)، ومسلم في الأشربة/ باب تحريم الخمر وبيان أنها تكون من عصير العنب... (1979) عن علي رضي الله عنه.
[272] أخرجه أحمد (1/116)، وأبو داود في البيوع/ باب في بيع المضطر (3382)، والبيهقي (6/17) عن علي رضي الله عنه.
[273] أخرجه البخاري في الزكاة/ باب فضل صدقة الشحيح الصحيح (1419)، ومسلم في الزكاة/ باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (1032) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعند البخاري «تأمل الغنى» بدل «تخشى الفقر» .
[274] سبق تخريجه ص(226).
[275] الروض المربع مع حاشية ابن قاسم مع الروض المربع (7/637).
[276] أخرجه البخاري في الفرائض/ باب القائف (6770)، ومسلم في الرضاع/ باب العمل بإلحاق القائف الولد (1459) عن عائشة رضي الله عنها.
[277] سبق تخريجه ص(318).
[278] أخرجه البخاري/ باب اتقوا النار ولو بشق تمرة... (1417)، وأخرجه مسلم في الزكاة/ باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة... (67) (1016) عن عدي بن حاتم رضي الله عنه.
|