المكتبة المقروءة : التفسير : سورة النساء
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : التفسير : سورة النساء
تفسير سورة النساء-المجلد الأول- من الآيه 1 إلى الآيه 79
 

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *}} [النساء: 1] .

هذه السورة هي سورة النساء، وهي مدنية، والمدني عند الجمهور: ما نزل بعد الهجرة، والمكي: ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني على الزمان لا على المكان، وقد ذكر العلماء ـ رحمهم الله ـ ضوابط ومميزات للمكي والمدني، وهي معروفة في علم أصول التفسير.

ومن ذلك: أن الغالب في الآيات المكية القصر، وقوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به. وأما الآيات المدنية فالغالب عليها السهولة، وطول الآيات، وموضوعها في الأمور الفرعية؛ كالبيوع، وآداب المجالس، وآداب الاستئذان، وغير ذلك.

والغالب أن النداء في المكي يكون لعموم الناس: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} }؛ لأن أكثر المخاطبين بها ليسوا بمؤمنين، والمدني يكون الخطاب فيه بـ{{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}} [البقرة: 104] هذا هو الغالب؛ لأن المخاطبين فيها مؤمنون كلهم أو أكثرهم.

وقد سميت هذه السورة بـ(سورة النساء) لذكر النساء فيها، وقد ابتدئت بأصل خلقة بني آدم، من ماذا خلقوا؟ ثم ذكرت الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير ذلك، ثم ذكرت ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس، كما أن القرابة صلة بين الناس، كما قال تعالى: { {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا *}} [الفرقان: 54] ، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، ثم ما يتعلق بأحوال النزاع بين الزوجين، كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى.

وهذه السورة هي السورة الرابعة بعد الفاتحة والبقرة، وآل عمران، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران»[(1)]، وهذا الترتيب كان في أول الأمر، ثم رتبت في الأخير هكذا: البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه.

يقول الله عزّ وجل: «بسم الله» ، البسملة آية مستقلة، يؤتى بها في أوائل السور، إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: { {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *}} [الحجر: 9] ، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال؟ فوضعوا فاصلاً بينهما لأجل هذا الإشكال فقط، وليس هناك شك في نزول البسملة أولاً؛ لأن البسملة لو نزلت لحفظت كما تحفظ آيات القرآن الأخرى.

والصحيح أن البسملة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولا تحسب من آياتها؛ لا في الفاتحة، ولا في غيرها، خلافاً لبعض أهل العلم الذين قالوا: إنها آية من الفاتحة لا من غيرها، وعلى هذا جرت طباعة المصاحف، فقد جعلت البسملة في الطباعة آية من الفاتحة دون غيرها.

والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: { {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} قال الله: حمدني عبدي...»[(2)] إلخ الحديث، ولم يذكر البسملة.

ويدل لذلك أيضاً: أنه إذا كانت الفاتحة بين الله وبين العبد نصفين، فإنه لا يستقيم أن تكون البسملة منها؛ لأننا إذا عددنا الآيات وجدناها كما يلي: { {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} [الفاتحة] آية { {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}} [الفاتحة] آية { {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}} [الفاتحة] آية، فهذه ثلاث آيات.. { {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} [الفاتحة] آية، وهذه هي الرابعة، وهي الوسط، وهي التي بين الله وبين العبد، { {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}} [الفاتحة] آية { {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} { {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} [الفاتحة] آية، فتكون الآيات متناسقة، ويكون حق الخالق عزّ وجل ثلاث آيات مستقلة، وهي الأولى، وحق العبد ثلاث آيات مستقلة، وهي الآيات الأخيرة، والسابعة بينهما، وبهذا يعرف أن البسملة ليست من الفاتحة.

وأما الجار والمجرور فإنه متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف فعل مؤخر يقدر بحسب المسمى عليه، فإذا كنت تريد أن تقرأ فالتقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد أن تذبح فالتقدير: باسم الله أذبح، وإذا كنت تريد أن تتوضأ فالتقدير: باسم الله أتوضأ، وهلم جرا.

وإنما اختير أن يكون الفعل متأخراً تيمناً بالبداءة باسم الله من وجه، ولإفادة الحصر من وجه آخر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فكأنك تقول: لا أقرأ إلا باسم الله، وإنما اختير أن يكون فعلاً لا اسماً ـ أي: لا يقدر باسم الله قراءتي، أو باسم الله ابتدائي ـ ؛ لأن الأصل في العمل الأفعال دون الأسماء، ولذلك لا يوجد اسم عامل إلا بشروط، بخلاف الأفعال. وإنما قدر مناسباً لما يسمى عليه؛ لأنه أنسب، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ومن لم يذبح فليذبح باسم الله»[(3)]، فقدر فعلاً خاصاً وهو الذبح.

أما لفظ الجلالة فهو علم خاص بالله عزّ وجل وحده، لا يسمى به غيره بالإجماع، وكذلك { {الرَّحْمَنِ}} علم خاص بالله، لا يسمى به غيره.

وأما الرحيم فهو اسم من أسماء الله عزّ وجل، فهو علم عليه، لكن يوصف به غيره، كما قال الله تعالى في النبي صلّى الله عليه وسلّم: { {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *}} [التوبة: 128] .

ويفسر أهل السنة { {الرَّحْمَنِ}} بأنه ذو الرحمة، وهي صفة لازمة تتعلق بذات الله عزّ وجل، ومن آثارها: الإنعام والإحسان، ويفسرها أهل التعطيل بالإحسان فيقولون: الرحمن: المحسن، أو المنعم، أو بإرادة الإحسان أو الإنعام؛ أي: المريد للإحسان، والمريد للإنعام؛ لأنهم لا يصفون الله بصفة الرحمة، وكذلك يقال في الرحيم.

فإن قال قائل: هل الرحمن والرحيم مترادفان؟

فالجواب: إن ذكر أحدهما منفرداً عن الآخر فهو متضمن له، وإن ذكرا جميعاً؛ فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ لأن الرحمن على وزن فَعْلان، وهو يدل على الوصف؛ كغضبان وسكران ونشوان وما أشبهها، والرحيم يدل على الفعل، فيكون الرحمن باعتبار وصف الله عزّ وجل بالرحمة، والرحيم باعتبار فعله؛ أي: باعتبار رحمته لمن رحم، قال الله تعالى: { {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ}} [العنكبوت: 21] .

قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}} هذه جملة ندائية مصدَّرة بيا، والمنادى: أي، وهو مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه، والناس: نعت لـ«أي»، أو عطف بيان، فهي مبنية على الضم في محل نصب.

{ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} } وجّه الله الخطاب للناس، مع أن السورة مدنية؛ وذلك لبيان أن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم عامة لجميع الناس، و{ {النَّاسُ} } قيل: إن أصلها أناس، وقد حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال تخفيفاً، كما حذفت الهمزة من «شر» و«خير»، وأصلها: أشر وأخير، تقول: هذا خير من هذا؛ أي: أخير منه، وهذا شر من هذا؛ أي: أشر منه، لكن حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال.

وهو مشتق من الأُنس؛ لأن البشر كما يقال عنهم: مدنيون بالطبع، يحتاجون إلى أن يأنس بعضهم ببعض، ولهذا لا يوجد أحد تحبب إليه الخلوة إلا لسبب خارج عما جبل الله عليه الناس.

{ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} } التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والرب في قوله: { {رَبَّكُمُ} } هو الخالق المالك المدبر، فهو متضمن لهذه المعاني الثلاثة: خالق؛ أي: موجد من العدم، ومالك؛ أي: لا يشركه أحد في ملكه، ومدبر؛ أي: للأمور على ما تقتضيه حكمته.

{ {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} } الذي: صفة للرب، ولكنها صفة كاشفة، ومعنى قولنا: (كاشفة)؛ أي: موضحة لهذه الربوبية أو لبعض معانيها، واحترزنا بكلمة (كاشفة) عن كونها مقيدة؛ لأننا لو جعلناها مقيدة، لكان هناك ربان: رب خلقنا من نفس واحدة، ورب لم يخلقنا من نفس واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الذي خلقنا من نفس واحدة رب واحد، فتكون الصفة هنا صفة كاشفة.

وقوله: { {خَلَقَكُمْ} } أي: أوجدكم { {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } هذه النفس هل يراد بها نفس بعينها، أو المراد بالنفس الجنس؟

الظاهر الأول، وهو أن المراد بالنفس نفس بعينها، وهو آدم عليه الصلاة والسلام الذي هو أبو البشر، فقد خلقه الله تعالى من طين بيده الكريمة، وعلمه أسماء كل شيء يحتاج إليه؛ لأنه خلق من غير أن يكون هناك أحد يتعلم منه اللغة، فعلمه الله تعالى اللغات التي يحتاج إليها، فيكون معنى قوله تعالى: { {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}} [البقرة: 31] أي: مما يحتاج إليه.

وقوله: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } أي: خلق من هذه النفس زوجها، وقد جاء في الآثار أنها خلقت من ضلَعه الأيمن ـ والله أعلم ـ لكن ثبت في السنة أن المرأة خلقت من ضلَع.

وقوله: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } ولم يقل: زوجته؛ لأن اللغة الفصحى أن الزوج يطلق على الرجل والمرأة، وأصله ضد الوتر؛ لأن الزوجة إذا انضمت إلى زوجها صارت شافعة له بعد أن كان منفرداً، ولهذا يقال: الزوجة شريكة زوجها في الحياة؛ لأن بعضهما انضم إلى بعض. والمراد بها هنا حواء.

وقوله: { {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } بث بمعنى: نشر وأخرج { {مِنْهُمَا} } أي: من النفس وزوجها { {رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } وهذان القسمان لا يخرج عنهما بنو آدم، وما جاء في الخنثى فإن الخنثى: إما ذكر وإما أنثى، أو مركب منهما، لكنه لا يخرج عن الذكورة والأنوثة.

وقوله تعالى: { {رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } ولم يقل: نساءً كثيرات؛ لأن الكثرة في الرجال عز، بخلاف الكثرة في الإناث، وإن كان الواقع أن النساء من بني آدم أكثر من الرجال، كما استنبط ذلك شيخ الإسلام رحمه الله من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنكن أكثر أهل النار»[(4)]، «وإن أهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون» فإذا كن أكثر أهل النار، وأهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون؛ لزم من هذا أن يكن أكثر من الرجال، وهذا هو الواقع، لكن الكثرة في الرجال عز وفخر يفتخر الناس به، بخلاف النساء، فإن الكثرة منهن عالة وتعب وعناء.

ثم قال تعالى: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} }، كرر الأمر بتقواه عزّ وجل لما لها من الأهمية؛ لأن الإنسان إذا وفق لتقوى الله صلحت أموره الدينية والدنيوية.

وقوله: { {تَسَاءَلُونَ} } فيها قراءتان: الأولى «تَسَاءلون» كما في المصحف، والثانية: «تسَّاءلون»، وأصل «تسَّاءلون» تتساءلون، وقوله: { {تَسَاءَلُونَ بِهِ} } أي: يسأل بعضكم بعضاً به للحماية، فيقول: أسألك بالله أن تنقذني، أسألك بالله أن لا تؤذيني، وغير ذلك مما يسأل، فالله تعالى هو الذي يتساءل به الناس.

وقوله: { {وَالأَرْحَامَ} } فيها قراءتان: بالجر، وبالفتح، فإذا كانت بالفتح فهي معطوفة على قوله: «الله»، فيكون المعنى: واتقوا الأرحام فلا تضيعوها، ولا تفرطوا في حقها، والأرحام: جمع رحم، وهم القرابة، فيكون في الآية أمر بصلة الأرحام والقيام بحقهم، وأما على قراءة الجر: «والأرحامِ» فهي معطوفة على الضمير في قوله: { {بِهِ} } أي: تساءلون به وبالأرحام، والتساؤل بالأرحام مما جرت العادة به عند العرب أن يقال: أسألك بالله وبالرحم، أو يقال: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، فهم لعصبيتهم يقدرون الرحم تقديراً بالغاً ويحترمونها، ويرون حمايتها؛ ولهذا ذكَّرهم الله تعالى بها فقال: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} }.

فإذا قال قائل: هل بين القراءتين منافاة؟

فالجواب : لا، والقراءتان في الحقيقة تصيِّر الكلمة كلمتين، فإما أن تكون كل قراءة تبياناً للأخرى، وإما أن تكون القراءة الثانية جاءت بمعنى جديد، وهنا القراءتان كل واحدة جاءت بمعنى جديد، فقراءة النصب فيها الأمر باتقاء الأرحام؛ أي: اتقاء التفريط في حقهم، والقراءة الثانية فيها التذكير بأن الناس يتساءلون بالأرحام، ولم يتساءلوا بها إلا لعظم حقها بينهم.

وهنا إشكال على قراءة الجر من حيث القواعد النحوية؛ لأن النحويين يقولون: إذا عطفت على ضمير متصل فأت بالضمير المنفصل، أو أعد حرف الجر، فقل: تساءلون به وبالأرحام.

فهل نقول: إن في القرآن ما خرج عن القواعد؟

الجواب : لا، بل إن القرآن حاكم وليس محكوماً عليه، وكون النحويين يقولون: هذا شاذ، نقول: الشذوذ منكم، فليس في القرآن ما هو شاذ أبداً، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وإذا كان يقل استعمال هذا عند العرب، فإنه بنزول القرآن به يكون كثيراً، يقرؤه الناس في كل وقت وفي كل حين؛ ولهذا أنكر الرازي ومحمد رشيد رضا وغيرهم من العلماء على النحويين إنكاراً بالغاً في هذا، وقالوا: كيف يقولون: إن في القرآن ما هو شاذ؟ فإن القرآن يَحْكم ولا يُحكم عليه، بل إذا جاء في القرآن تركيب لم يُعهد في اللغة العربية؛ فإن الفضل للقرآن بإحياء هذا التركيب.

وقد ذكر ابن مالك رحمه الله أنه ليس بلازم أن يُعاد حرف الجر، فقال:

وليس عندي لازماً إذ قد أتى

في النظم والنثر الصحيح مثبتا

وهذا هو الصحيح، وعلى هذا فنقول في كل آية زعم النحاة أنها شاذة: إنه ليس في القرآن شيء شاذ، بل كل ما في القرآن فهو على اللغة الفصحى بلسان عربي مبين، ويجب أن تؤخذ القواعد من القرآن ليحكم بها وعليها، لا أن تؤخذ القواعد مؤصلة باصطلاحات حادثة ثم يقال: إن القرآن شاذ.

قال تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} }، لما أمر بتقواه عزّ وجل مرتين في الآية قال: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} } أي: يراقبكم في جميع أحوالكم.. هل اتقيتم الله أم لم تتقوه؟ هل اتقيتم الأرحام وقمتم بواجبها أم لم تتقوها؟

وختمُ الآية بهذه الجملة يراد به التهديد من المخالفة، كما لو قلت لأحد أبنائك: افعل كذا فأنا رقيب عليك، فهذا يعني: أنك تهدده بأن لا يخالف، وأنه إن خالف فسيجد عقوبته.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ وجوب تقوى الله تعالى على جميع الناس، تؤخذ من قوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}}، حيث وجه الخطاب لجميع الناس.

2 ـ بيان أن الناس أُوجدوا من العدم، تؤخذ من قوله تعالى: { {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} }.

3 ـ الرد على الفكرة الملحدة أن الناس تطوروا من القرود إلى البشرية، فنحن لا نعرف النفس إلا آدم الذين نحن من نسله، ولكن من ادعى أن أصل بني آدم قرد، قلنا له: إقرارك على نفسك مقبول، وعلى غيرك غير مقبول.

4 ـ التذكير بنعمة الله عزّ وجل بما خلق لنا من الأزواج، لقوله تعالى: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} }، و(من) هنا للتبعيض، ويجوز أن تكون بيانية للجنس؛ أي: من جنسها، وهذا من النعم الكبيرة، فلو كانت أزواجنا من غير جنسنا فلا يمكن أن نركن إليها أبداً؛ لأنه لا يركن الإنسان إلا إلى من كان من جنسه، فلو كانت من جنس غير آدمي، فلن يركن إليها الإنسان أبداً، بل ينفر منها نفوراً شديداً.

5 ـ أن أصل هذه البشرية ـ التي لا يحصيها إلا الله ـ واحد، وإن شئت فقل: أصلها اثنان، زوج وزوج، خلق منهما هؤلاء الرجال الكثير والنساء، بشر لا يحصيهم إلا الله عزّ وجل؛ لقوله: { {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} }.

6 ـ أن كثرة الرجال أهم من كثرة النساء؛ لقوله: { {رِجَالاً كَثِيرًا} }، فإن التنصيص على كثرة الرجال يدل على أهمية هذه الكثرة.

7 ـ أهمية التقوى، ولهذا كرر الله الأمر بها مرتين.

8 ـ الإشارة إلى أن التقوى واجبة بمقتضى الربوبية وبمقتضى الألوهية.

9 ـ أن التساؤل بالله أمر واقع معروف عند العرب؛ لقوله: { {تَسَاءَلُونَ بِهِ} }، ولكن هل يجوز للإنسان أن يسأل غيره بالله؟

نقول: إن كان المقصود بذلك التذكير فلا حرج، وإن كان المقصود بذلك الإلزام ففيه نظر، فإذا قال: أسألك بالله؛ أي: أذكرك به حتى تراعي عظمة الله وحقه، فهذا لا بأس به، أما إذا كان القصد الإلزام، فهذا إحراج، ومن ذلك ما يقع أحياناً من بعض الذين يقدمون أسئلتهم في المحاضرات فيقول بعضهم: أسألك بالله إلا رددت علي، أو يقول لمقدم السؤال: أسألك بالله إلا قدمته، فهذا فيه إحراج؛ لأنه قد يرى المجيب أو المقدم أن من المصلحة أن لا يقدم هذا السؤال، أو أن لا يجاب عليه.

وإذا سأل بالله فهل تجب إجابته؟

نقول: إن سأل بالله شيئاً محرماً فلا كرامة له، ولا تجوز إجابته، كما لو قال: أسألك بالله أن تدخل بستان فلان وتأتي لنا منه ببرتقال وتفاح، فهذا لا يجوز، ولا كرامة، وإذا سأل بالله شيئاً يضر كأن يقول: أسألك بالله أن تعطيني نصف مالك، فهذا لا تجب إجابته؛ لأن فيه ضرراً، وإذا قال: أسألك بالله أن تعطيني حقي الواجب عليك، فهنا تجب إجابته من وجهين: الأول: أنه حق واجب، والثاني: أنه سأل بالله.

وقد قال بعض أهل العلم: إن معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من سألكم بالله» أي: من سألكم حقاً أوجبه الله على المسئول، فكأن معنى قوله: «من سألكم بالله» أي: من سألكم بشرع الله، أو: من سألكم سؤالاً يقتضي الشرع إجابته، فأجيبوه، وليس المعنى: من قال: «أسألك بالله»؛ لأن من قال: أسألك بالله، فقد يراد بها معنى لا يصح إطلاقاً، كأن يريد بذلك أن يجعل الله شفيعاً إلى هذا المسئول، فإن هذا حرام؛ لأنه لا يجوز أن يستشفع بالله على خلقه، فإن مقام الله أعظم من أن يكون واسطة بينك وبين الخلق.

10 ـ وجوب احترام الأرحام؛ لقوله تعالى: { {وَالأَرْحَامَ} } على قراءة النصب، وكذلك الإشارة إلى احترام الأرحام على قراءة الجر، والمعنى: كما أنكم تحترمونها وتسألون بها، فعظموها وآتوها حقها.

11 ـ التحذير من مخالفة الله عزّ وجل، وتؤخذ من قوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} }، ومن آمن بأن الله رقيب عليه فسوف يحذر من مخالفة الله عزّ وجل.

ويؤخذ من هذه الآية: إثبات اسم الرقيب لله عزّ وجل.

ولا يراد بهذه الآية معناها الزمني؛ لأنه لو أريد بها المعنى الزمني؛ لكانت الرقابة قد مضت، ولكنه يراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بالصفة التي كانت خبراً في هذه الجملة، فالمراد هنا تحقيق أن الله رقيب علينا، وكذلك قوله تعالى: {{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}} [النساء: 96] ، ليس المراد أنه كان فزال، بل المراد تحقيق اتصافه بالمغفرة والرحمة.

* * *

قال الله تعالى: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا *}} [النساء: 2] .

{ {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } { {وَآتُوا} }، بمعنى: أعطوا، وأتوا بمعنى: جاءوا، وقوله: { {الْيَتَامَى} } مفعول أول، و{ {الْيَتَامَى} } مفعول ثانٍ، وهذا الفعل «آتوا» ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.

و{ {الْيَتَامَى} } جمع يتيم، وهو مأخوذ من اليتم، وهو الانفراد، والمراد به اصطلاحاً: من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ، سواء كان ذكراً أو أنثى، أما إذا بلغ فإنه يزول يتمه بحسب الاصطلاح والحكم الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: «لا يتم بعد احتلام» [(5)] أي: بعد البلوغ؛ لأنه إذا بلغ استقل بنفسه.

وقوله: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أي: أموالهم التي لهم، سواء كانت عندكم بصفتكم أولياء، أو لم تكن عندكم، ولكن أخذتموها بغير حق، وقوله: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أي: فلا تخونوا منها شيئاً، ولا تكتموا منها شيئاً، ولا تفسدوها، بل أعطوها كما كانت، ولا يلزم من قوله تعالى: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أن نعطيهم المال وهم أيتام؛ لأن اليتيم لا يعطى ماله إلا إذا اختبر، كما قال الله تعالى: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}} [النساء: 6] .

وهناك فرق بين الإيتاء وبين الدفع؛ لأن الدفع معناه: لا تعطه المال حتى يبلغ ويرشد، لقوله تعالى: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} }، وإما إيتاء المال، فالمراد أن نحفظ المال لهم بحيث نعطيهم إياه كاملاً عند وجوب الدفع.

وقوله : { {ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} } أي: لا تأخذوا الخبيث بدلاً عن الطيب.

والمعنى : أننا لا نعطيهم الخبيث من أموالنا ونأخذ بدله الطيب، وقيل: معناها: لا تأخذوا أموالهم وتستغنوا بها عن الطيب؛ لأن أخذ أموالهم حرام، والحرام خبيث. ففيها وجهان:

الوجه الأول : أن لا تأخذوا الطيب من أموالهم وتعطوهم الخبيث، ومثاله: أن يكون لليتيم غنم سمينة جيدة، وعند وليه غنم هزيلة رديئة، فيأخذ من غنم اليتيم الطيب ويعطيه الرديء، فإن هذا حرام، أو يكون عنده بر طيب نقي، فيأخذه ويعطيه براً رديئاً مخلوطاً.. وما أشبه ذلك.

فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا الطيب وتعطوهم الخبيث.

الوجه الثاني : لا تأخذوا من أموالهم شيئاً؛ لأن أموالهم حرام عليكم، والحرام خبيث، فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا أموالهم فتستغنوا بها عن الطيب الذي تكتسبونه بوجه حلال.

وكلا الأمرين محرم، سواء أخذ ماله بدون أن يعطيه عنه شيئاً، أو أخذ ماله الطيب وأعطاه عنه مالاً رديئاً.

وقوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } قال العلماء: إن { {إِلَى} } بمعنى «مع»؛ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، وقيل: بل إن { {إِلَى} } على بابها، ولكن قوله: { لاَ تَأْكُلُوا } ضمنت معنى «تضموا»؛ أي: لا تضموا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوها، وهذا المعنى أصح؛ لأن تضمين الفعل معنى فعل آخر في القرآن كثير، وإتيان «إلى» بمعنى «مع» قليل، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل، وهذا من قواعد التفسير: «أن حمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل»؛ لأنها إذا كانت هي الكثيرة في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن، وهي حقيقة القرآن.

والفائدة من تخصيص ذكر الأكل فقط؛ لأنه أكثر ما يكون، وأعم ما يكون من الانتفاعات، ولأنه هو الذي ينتفع به البدن انتفاعاً مباشراً، فإن اللباس ينتفع به لكن من الخارج، ولهذا فإن الآيات كلها تعبر في الغالب بالأكل.. { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا}} [النساء: 10] .. { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}} [آل عمران: 130] ، وما أشبه ذلك.

وقوله: { {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} }، الضمير في قوله: { {إِنَّهُ} } يعود على الفعل المفهوم مما سبق المكون من شيئين: تبديل الخبيث بالطيب، وأكل الأموال إلى أموالنا، وقوله: { {إِنَّهُ} } أي: هذا الفعل.

وقوله: { {كَانَ} } أي: كان عند الله { {حُوبًا} } أي: إثماً أو ذنباً، { {كَبِيرًا} } الكبير ضد الصغير؛ لأن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، فهذا من الذنب الكبير.

وقد قال بعض العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}} [البقرة: 220] .

وهذا خطأ عظيم؛ لأن قوله: { {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} } ليس هو الأكل الذي نهى الله عنه هنا حتى نقول: إن بين الآيتين تعارضاً، فالله تعالى يقول: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } أي: لا تخلطوها لأجل أن تأكلوها، أما إذا خلطها للإصلاح أو لمصلحة، فإن هذا لا بأس به، لكن بعض العلماء ـ عفا الله عنا وعنهم ـ إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: إن هذا منسوخ، وأقول: إذا عجزوا؛ لأنه قد لا يكون بين النصين تعارض، فقد يكون كل نص محمولاً على معنى، وهذه مسألة خطيرة جداً؛ لأن معنى النسخ إنكار المنسوخ، وعدم جعله حكماً شرعياً، فالمسألة خطيرة، ولهذا لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان الجمع أبداً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ بيان رحمة الله عزّ وجل، حيث أوصى بهؤلاء اليتامى؛ لأن اليتيم محل الرحمة، فهو مكسور الخاطر، ليس له أب، وربما لا تكون له أم أيضاً، فلهذا أوصى الله بالعناية به وبماله.

2 ـ وجوب حفظ أموال اليتامى؛ لأنه يلزم من إيتائهم أموالهم الحفظ، إذ لو فرّط الولي وأهمل وضاعت الأموال؛ لم يكن قد آتاهم أموالهم.

3 ـ أن اليتيم يملك، وملكه تام، لقوله تعالى: { {أَمْوَالَهُمْ} }، ويتفرع على هذه الفائدة: أن الزكاة واجبة عليه؛ لأن الزكاة تبع للملك، قال الله تعالى: { {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}} [التوبة: 103] ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم»[(6)]، فإذا ثبتت الملكية ثبت وجوب الزكاة.

وفي هذا رد على قول بعض أهل العلم القائلين بأنه لا تجب الزكاة في أموال اليتامى؛ لأن اليتيم صغير غير مكلف، فنقول في الجواب عن هذا: إن الزكاة ليست تكليفاً محضاً، بل هي تكليف لحق الغير، وهم الفقراء، فهي شبيهة بالدين؛ ولهذا وجبت في أموال اليتامى والمجانين وإن كانوا غير مكلفين.

4 ـ أن اليتيم تجب النفقة في ماله على من تجب عليه نفقته، وتؤخذ من إثبات المالية، والنفقة واجبة على كل غني لكل فقير، فإذا تمت شروط النفقة ولم يبق إلا البلوغ قلنا: إن البلوغ ليس بشرط؛ لأن الله أثبت المالية لليتامى، وإذا ثبتت المالية؛ ترتب عليها ما يترتب على ذوي الأموال.

5 ـ وجوب أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: { {ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} }.

6 ـ أن إطلاق اسم الخبيث على الرديء صحيح، على أحد الوجهين في تفسير الآية، وقد صرح الله عزّ وجل بأن الرديء يسمى خبيثاً، فقال: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}} [البقرة: 267] ، فسمى الرديء خبيثاً، وأطلق النبي صلّى الله عليه وسلّم على البصل ونحوه وصف الخبيث، فقال: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد» فقال الناس: حُرمت، حُرمت فبلغ ذاك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها»[(7)].

7 ـ تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان لقصد إتلافه، وهذا مأخوذ من قوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، أما إذا ضم ماله إلى ماله لا لقصد الأكل والإتلاف، ولكن لقصد الحفظ والتجارة، فإن هذا لا بأس به، بل قد يتعين على الإنسان، فإذا ضم مال اليتيم إلى ماله لقصد الحفظ، أو لقصد التجارة، فإنه إحسان إليه، ولا يدخل في النهي؛ لأن الله تعالى قال: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، ولم يقل: لا تخلطوها، ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: { {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}} [البقرة: 220] .

لكن في حال ضم المال إلى المال لقصد الحفظ أو التكسب، يجب أن يحتاط الإنسان في كتابة مال اليتيم الذي أدخله مع ماله، وتمام الاحتياط أن يُشهد على ذلك، فيقول مثلاً: أدخلت كذا وكذا من مال اليتيم ضمن مالي الذي اشتريت به الأرض، أو اشتريت به السيارات، وما أشبه ذلك مما يتكسب به.

8 ـ أن العدوان على مال الأيتام بأخذ الطيب وإعطاء الخبيث، أو أكل مالهم، من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: { {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} }.

فإن قال قائل: لماذا قال تعالى: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، ولم يقتصر على قوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ} }؟

فالجواب: أنه لو قال: «ولا تأكلوا أموالهم إنه كان حوباً كبيراً» لكفى، ولكنه قال: { {أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }؛ لأن ولي اليتيم قد يتستر ويدخل مال اليتيم في ماله، ولا يعلم به أحد، فلهذا قال: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، وعلى هذا فليس قوله: { {إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } قيداً، بحيث نقول: لو أكل ماله من غير أن يضمه إلى ماله فهو جائز! بل نقول: إنما ذكر الله هذا لأن بعض الأولياء يتستر فيدخل مال اليتيم في ماله، ولا يعلم به أحد.

مسألة : إذا ضَم مال اليتيم إلى ماله فخسر ماله، فهل يضمن لليتيم أم لا؟

نقول: إذا كان حين فعله يعتقد أن هذا هو الأصلح، ولكن اختلفت الأمور، فليس عليه شيء، لا إثم ولا ضمان؛ لأن الله يقول: { {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وهذه قاعدة: «أن كل إنسان له ولاية في التصرف حتى لو تبين خطؤه فلا ضمان عليه، فضلاً عن أن تأتي الأمور بغير اختياره، وبغير ما يتوقع».

* * *

قال الله تعالى: { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا *}} [النساء: 3] .

الآية الأولى في أموال اليتامى، وهذه الآية في أبضاع اليتامى، قال تعالى: { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} } اليتامى: جمع يتيم، والمراد به هنا: اليتامى من النساء.

وقوله: { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا} } قال بعضهم: الخوف هنا بمعنى العلم؛ أي: وإن علمتم أن لا تقسطوا، واستدل لذلك بقوله تعالى: { {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}} [البقرة: 182] ، فإن معنى: { {فَمَنْ خَافَ} } أي: فمن علم. ولكن الصحيح في هذه الآية { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا} } أن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، فمتى خاف الإنسان أن لا يقسط في اليتامى؛ فليفعل ما ذكر الله.

وقوله: { {أَلاَّ تُقْسِطُوا} } أي: أن لا تعدلوا في اليتامى، وهناك فرق بين أَقْسَط وقَسَط:

فقَسَط بمعنى: جار، وأَقْسَط بمعنى: عدل؛ ولهذا قال الله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}} [المائدة: 42] ، وقال: { {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا *}} [الجن: 15] .

إذاً فقوله: { {أَلاَّ تُقْسِطُوا} } أي: ألا تعدلوا في اليتامى، وقد كانوا في الجاهلية إذا تولى الإنسان على ابنة عمه اليتيمة جار عليها بأن يتزوجها وهي كارهة، أو يتزوجها بدون مهر، أو بمهر قليل، أو يتزوجها وهو كاره لها، لكنه يريد أن يتحجرها، أو غير ذلك من أنواع الظلم والجور، فقال الله عزّ وجل مرشداً عباده: إن خفتم عدم العدل فالباب مفتوح، { {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} }، فليست النساء معدومات إلا هؤلاء اليتيمات، بل الأمر واسع، فاعدلوا عنهن وجوباً، فإذا خاف ألا يعدل في اليتيمة وجب عليه أن يعدل عنها، لقوله تعالى: { {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} }، يعني: اتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء.

و{ {مَا} } فسرها بعضهم بمن؛ أي: فانكحوا من طاب، وقالوا: لأن المرأة من ذوات العقل، والعاقل يستخدم له «مَن»، وغير العاقل يستخدم له «ما»، فقالوا: إن «ما» بمعنى «من»، ولكن هذا القول ضعيف، بل نقول: إذا كان الأمر يراد به الوصف، فالوصف ليس من العقلاء، فيؤتى بما، وهنا المرأة تطيب للرجل لوصفها؛ لأن اختيار المرأة لما قام بها من الأوصاف التي توجب اختيارها، ولهذا عبر بما، فالصحيح أن «ما» هنا في موضعها، وليست بمعنى مَنْ.

وقوله: { {مَا طَابَ لَكُمْ} } أي: ما حسن، ورأيتموه طيباً، وطابت به نفوسكم، ولا تكرهوا أنفسكم على نكاح من لا تريدون ومن لا تطيب لكم؛ لأن إكراه الإنسان نفسه على من لا تطيب له كإكراه الرجل نفسه على طعام لا يشتهيه، وإذا أكره الإنسان نفسه على طعام لا يشتهيه؛ فإنه لا يستسيغه أبداً.

وبماذا تطيب النفس؟

جاء في الحديث: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها» [(8)]، ومن المال: الوظيفة، فتنكح المرأة الآن لوظيفتها؛ لأن الوظيفة تحصيل للمال، إذاً: المرأة تطيب للرجل بأحد هذه الأوصاف الأربعة، وهذه أوصاف أغلبية، وإلا فقد تنكح المرأة لا لهذه الأوصاف، بل لأسباب أخرى، لكن هذا هو الغالب.

و{ {مِنَ} } في قوله: { {مِنَ النِّسَاءِ} } يسميها العلماء بيانية؛ لأنها جاءت بعد اسم مبهم وهو الاسم الموصول، فتكون مبينة لهذا المبهم، وكلما جاءت «من» بعد أسماء الشرط أو الأسماء الموصولة؛ فهي بيانية؛ كقوله تعالى: { {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}} [البقرة: 197] ، وكذلك هنا.

وقوله: { {مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} } بيان لما في قوله: { {مَا طَابَ لَكُمْ} }؛ أي: انكحوا الذي يطيب لكم من النساء، ويجوز أن يكون متعلقاً بـ«انكحوا» أي: انكحوا من النساء ما طاب لكم، لكن الأول أقرب.

وقوله: { {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} } يقول النحويون: إن هذه الكلمات لا تنصرف، والمانع لها من الصرف الوصفية والعدل؛ لأن معنى { {مَثْنَى} }: اثنتين اثنتين، { {وَثُلاَثَ} }: ثلاثاً ثلاثاً، { {وَرُبَاعَ} }: أربعاً أربعاً، فالمانع لها من الصرف الوصفية والعدل، وعلى هذا نقول: { {مَثْنَى} } حال من النساء؛ أي: حال كونهن مثنى وثلاث ورباع؛ أي: انكحوا على اثنتين اثنتين، أو على ثلاث ثلاث، أو على أربع أربع، وليس المعنى: انكحوا اثنتين وثلاثاً وأربعاً، خلافاً لمن زعم ذلك، وقال: إن الآية تدل على جواز نكاح التسع؛ لأن اثنتين وثلاث: خمس، ورباع: أربع، فالجميع تسع، وهذا بعيد من هذا الأسلوب في اللغة العربية، فإن هذا الأسلوب للتقسيم، والمعنى: منكم من ينكح اثنتين اثنتين، ومنكم من ينكح ثلاثاً ثلاثاً، ومنكم من ينكح أربعاً أربعاً؛ لأن الخطاب في قوله: «انكحوا» خطاب للجماعة وليس لواحد، فإذا كان الخطاب للجماعة فإن المعنى: ينكح بعضكم اثنتين، وبعضكم ثلاثاً، وبعضكم أربعاً.

ويدل لهذا الأحاديث الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الرجل لا يتزوج أكثر من أربع، أما النبي صلّى الله عليه وسلّم فإنه مخصوص بخصائص متعددة في النكاح:

منها: أنه يتزوج بأكثر من أربع.

ومنها: أنه يتزوج بالهبة.

ومنها: أنه لا يجب عليه القسم على أحد الأقوال.

ومنها: أنه بعد أن خيرهن فاخترن الله ورسوله، حرم عليه أن يتزوج غيرهن إلى أن مات.

ومنها: أن زوجاته لا يحل لأحد بعده أن يتزوجهن.

وهذه الآية من حيث الدلالة كقوله تعالى: { {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}} [فاطر: 1] ، ولو أراد الله عزّ وجل أن يبين لعباده حل النساء إلى التسع لقال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو ستاً إلى التسع، ولا يأتي بهذا الأسلوب المشتبه؛ لأن القرآن نزل تبياناً لكل شيء.

وقوله تعالى: { {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} } ولم يذكر الواحدة؛ لأن المقام مقام تخيير، ومقام إعطاء النفس حظها، فإذا خفت أن لا تقسط في اليتيمة فأمامك النساء كمية وكيفية، فالكمية من اثنتين فصاعداً، والكيفية قوله: { {مَا طَابَ لَكُمْ} }، فالباب أمامك مفتوح فيما تريد من النساء كيفية وكمية، ومعلوم أن الواحدة ليس فيها كمية.

وقوله: { {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} } { {خِفْتُمْ} } أي: خشيتم وتوقعتم أن لا تعدلوا، وقيل: المعنى: إن علمتم، والصواب أنها على المعنى الأول؛ أي: خشيتم، { {فَوَاحِدَةً} } أي: فانكحوا واحدة ولا تزيدوا عليها.

وقوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } فما ملكت اليمين لا تنكح، وتوطأ بالملك ولا توطأ بالنكاح، ولهذا يحرم على الرجل أن يتزوج أمته؛ لأنها تحل له بعقد أقوى من النكاح وهو ملك اليمين، والأضعف لا يرد على الأقوى، بخلاف العكس، فإنه يرد الأقوى على الأضعف، فلو اشترى الرجل زوجته انفسخ النكاح وحلت له بملك اليمين، أما لو كان عنده أمة، فإنه لا يمكن أن يتزوجها؛ لأنه ملكها بعقد أقوى من النكاح، فإن السيد يملك الرقبة والمنفعة، بخلاف الزوج فإنه لا يملك إلا المنفعة.

إذاً: لا يصح أن نقول: إن قوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } معطوف على قوله: { {فَوَاحِدَةً} }؛ لأنه يختل المعنى، بل المعنى: فانكحوا واحدة، أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم، أو كلمة نحوها، فليست معطوفة على ما سبق إلا من باب عطف الجمل، فيقدر فعل مناسب لقوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }.

وقوله: { {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} } { {ذَلِكَ} } إشارة إلى نكاح الواحدة عند خوف عدم العدل، وإلى أن يتزوج الإنسان اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً عند خوف عدم العدل في اليتامى؛ أي: إشارة إلى الأمرين: نكاحكم مثنى وثلاث ورباع إذا خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، أو نكاحكم واحدة إذا خفتم ألا تعدلوا. { {أَدْنَى} } أي: أقرب. { {أَلاَّ تَعُولُوا} } أي: ألا تجوروا، هذا هو معنى الآية المتعين، وأما ما يروى عن الشافعي رحمه الله من أن المعنى: ألا تكثر عيالكم، فهو قول ضعيف جداً؛ لأن كثرة العيال مرغوبة عند الله تعالى؛ ولأن العيال يكثرون إذا جامع الإنسان ما ملكت يمينه، والله عزّ وجل يقول: { {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} }، فإذا كان عند الإنسان مائة جارية وجامع كل واحدة، فسيأتيه في السنة مائة ولد، فإذا كان الأمر كذلك فكيف نقول: إن الإنسان إن جامع ما ملكت يمينه يكون أدنى إلى عدم العيال؟ ولهذا فإن هذا القول ضعيف جداً؛ لمنافاته مقصود الشارع في كثرة الأولاد، ولأن قلة الأولاد لا تكون فيما إذا جامع الإنسان مملوكاته.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أنه يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم، لقوله تعالى: { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} } يعني: ولا تعرضوا أنفسكم للجور.

2 ـ أنه ينبغي للإنسان أن يتزوج من تطيب نفسه بها؛ لأن ذلك أدنى أن يؤدم بينهما، ولهذا شرع للإنسان أن ينظر إلى مخطوبته حتى تطيب نفسه بها.

3 ـ ويتفرع عن هذه الفائدة تبين خطأ ما يستعمله بعض البادية من إجبار الإنسان على نكاح ابنة عمه مع أنه لا يريدها؛ لأن الله يقول: { {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} }، فإذا كان الرجل لا تطيب نفسه بهذه المرأة فكيف يتزوجها؟ فما يفعله بعض البادية لا شك أنه خطأ مخالف للشرع، فإن ابنة عمه إذا لم يتزوجها تزوجها غيره من الناس.

4 ـ أن الله عزّ وجل إذا سد باب حرام فتح أبواب الحلال؛ لأن قوله: { {أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} } يعني: فلا تتزوجوهن، ولكن { {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} }، وهذا من طريقة القرآن والسنة، أنه إذا سد باب الحرام فإنه يفتح باب الحلال؛ لئلا يوصد أمام الإنسان العمل والحركة، وقد تقدم لهذا نظائر؛ كقوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}} [البقرة: 104] ، ومن ذلك: إرشاد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى بيع التمر الرديء بالدراهم، ثم يشترى بالدراهم تمر طيب.

5 ـ جواز التعدد؛ لأن عرض العدد هنا في مقابلة المنع من نكاح اليتامى اللاتي يخاف الإنسان أن لا يقسط فيهن، فكأنه قال: إذا تركت نكاح واحدة من اليتامى، فلك أن تنكح اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وهذا هو الأقرب، لكن يؤخذ مشروعية التعدد من أدلة أخرى، منها: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أراد من أمته تكثير النسل، وهذا يحصل بالتعدد أكثر مما يحصل بالإفراد، وقد قرأت في جريدة، أن بعض الناس بدؤوا يعملون عملاً طيباً في الحقيقة، وهو الحفل الجماعي في الأنكحة، حتى إنهم جمعوا في ليلة واحدة في وليمة واحدة خمسة وستين عرساً، وهذا لا شك أنه يوفر نفقات، ويوفر تعباً على الناس، وهو سنة حسنة؛ لأن هذا من باب تخفيف المؤونة، وأعظم النكاح بركة أيسره مؤونة.

6 ـ أنه لا يجوز تجاوز الأربع؛ لقوله: { {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} }، مع أن المقام مقام فتح باب للناس، وتكثير، ومنة، ومثل هذا الباب يذكر فيه أقصى ما يكون من المنة التي ليس وراءها شيء.

7 ـ تحريم الوسائل المؤدية إلى المحرم؛ لقوله: { {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} }، فأوجب الاقتصار على الواحدة إذا خاف الإنسان عدم العدل، وهذه قاعدة عظيمة في أصول الفقه: «أن للوسائل أحكام المقاصد»، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما يحصل به المحرم فهو حرام.

8 ـ وجوب العدل بين الزوجات؛ لقوله: { {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} }، والجور بين الزوجات من كبائر الذنوب؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل» [(9)].

9 ـ أنه لا يجب العدل بين الإماء في الجماع ولا في غيره؛ لقوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }.

10 ـ إثبات ملك اليمين، لقوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }، ولا يمكن رفع هذا الحكم الشرعي مخافة ذم الناس أو شماتتهم، بل الواجب بقاء ملك اليمين إذا وجد سبب هذا الملك، وهو الكفر، وذلك إذا قاتل المسلمون الكفار وسبوا نساءهم وذريتهم.

11 ـ إثبات الملكية للإنسان، وأن الإنسان يملك، ولا ينافي هذا أن نقول: إن الملك لله؛ وذلك لأن الملك ملكان: ملك شامل كامل لا يسأل فيه المالك عن أي تصرف، وهذا لله، وملك دون ذلك في الشمول والتصرف، فهذا ثابت، ثم هو أنواع: فتارة يملك الإنسان الرقبة؛ كعبد موصى به لشخص وبمنفعته لشخص آخر، وتارة يملك المنفعة؛ كالمستأجر، وتارة يملك المنفعة والرقبة؛ كالمالك المعتاد الذي يملك مطلق التصرف.

12 ـ أن اليمين أفضل من اليسار؛ لأنه أضاف الملك إليها، ولا شك أن اليمين أفضل من اليسار، ولهذا تعد اليمين للإكرام واليسار للإهانة، فالشيء الطيب يتناول باليمين، والشيء الخبيث يزال باليسار.

13 ـ تفاضل الأعمال، فبعضها أعلى من بعض في السوء، وأدنى من بعض في الحسن، لقوله: { {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} }؛ لأن الأدنى اسم تفضيل، فلا بد أن يكون هناك فاضل ومفضول.

* * *

قال الله تعالى: { {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا *}} [النساء: 4] .

{ {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} } «آتوا» أي: أعطوا، والفرق بين «أتوا» و«آتوا»: أن «آتوا» بمعنى أعطوا، و«أتوا» بمعنى جاءوا.

والخطاب في قوله: «آتوا» هل هو للأزواج أم للأولياء؟

في الآية قولان:

القول الأول: أنه للأولياء، فيكون المعنى: أن الله أمر الأولياء أن يعطوا النساء صدقاتهن دون أن يأخذوا منهن شيئاً؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا إذا زوج الرجل ابنته أخذ المهر، ولم يعطها إلا ما تلبسه ليلة الزفاف، والباقي يأخذه ويسلبه إياها، فأمرهم الله أن يؤتوا النساء صدقاتهن نحلة.

القول الثاني: أن الخطاب للأزواج، فقد أمرهم الله عزّ وجل أن يؤتوا النساء صدقاتهن عن طيب نفس بدون مماطلة وبدون تكره. وإذا كانت الآية تحتمل المعنيين بدون تناقض، فالواجب حملها على الوجهين، فنقول: الخطاب للأزواج وللأولياء.

قوله: { {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} } النساء أي: المتزوجات، بدليل قوله: { {صَدُقَاتِهِنَّ} } وصدقات: جمع صَدُقَة، وهي المهر، وسمي بهذا الاسم لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة.

وقوله: { {نِحْلَةً} } أي: عطية طيبة بها نفوسكم، يقال: نحله؛ أي: أهداه هدية طيبة بها نفسه، وعلى هذا فقد زعم بعضهم أنها مفعول مطلق؛ لقوله: { {وَآتُوا النِّسَاءَ} }، فهي مثل قول القائل: وقفت قياماً، أو جلست قعوداً؛ لأن «آتى» بمعنى نحل، و«آتوا» بمعنى انحلوا، والنحلة: هي العطية عن طيب نفس.

وقوله: { {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ} } «إن طبن» أي: النساء، وقوله: { {نَفْسًا} } مصدر محول عن الفاعل، والمصدر المحول تارة يحول عن الفاعل كما في هذه الآية، وتارة يحول عن المفعول به، كما في قوله تعالى: { {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً}} [القمر: 12] ؛ أي: فجرنا عيون الأرض.

و«من» في قوله: { {مِنْهُ} } قيل: إنها تبعيضية، وقيل: إنها بيانية، فعلى الأول يكون المعنى: إن طبن لكم عن بعضه، وعلى الثاني يكون المعنى: إن طبن لكم عن كله أو بعضه؛ لأن «من» بيان لمحل الحكم، بقطع النظر عن كونه كله أو بعضه.

وقوله: { {فَكُلُوهُ} } عبر هنا بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ إذ أن الأكل يغذي البدن، وينمو به البدن، بخلاف اللباس، والمساكن، والمراكب، فإن منفعتها خارجية، فاللباس كسوة خارجية، ولكن الأكل منفعة وكسوة داخلية، ولذلك يقول تعالى: { {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى *وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى *}} [طه: 118 ـ 119] والتناسب بين الظمأ والضحى ـ الذي هو حرارة الشمس ـ واضح، وبين الجوع والعري واضح؛ لأن الشبع كسوة الباطن، فإن المعدة إذا لم يكن فيها شيء فإنها عارية، فإذا دخل الطعام فيها غطاها وكساها، فهو كسوة باطنية.

وقوله: { {هَنِيئًا} } أي: حين الأكل { {مَرِيئًا} } أي: بعد الأكل، فالمريء محمود العاقبة، والهنيء سهل المساغ.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ وجوب إعطاء النساء مهورهن؛ لقوله: { {وَآتُوا} }.

2 ـ أنه لا يجوز للولي أن يأخذ شيئاً من صداق النساء، لوجهين:

الوجه الأول: أنه أضاف الصداق إليهن، فهو ملكهن.

الوجه الثاني: أنا أمرنا بإيتائهن صداقهن { {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} }، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال: يجوز للأب خاصة أن يشترط لنفسه من مهر ابنته ما شاء، وقال بعض العلماء: لا يجوز لا للأب ولا لغيره أن يشترط لنفسه شيئاً من المهر.

والذي تؤيده السنة أنه لا يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئاً من المهر، سواء كان الأب أم غيره، لكن إذا تم العقد وأراد الزوج أن يعطي الأب أو غيره من الأولياء، أو الأم، أو الخالة، أو ما أشبه ذلك شيئاً من باب الإكرام، فلا بأس به، كما دلت على ذلك السنة، أما ما كان قبل العقد فكله للمرأة، ولا يحل لأحد أن يشترط منه شيئاً لنفسه.

3 ـ أنه يجب إعطاؤهن الصداق على وجه النحلة؛ أي: الهدية التامة، فلا يكون فيه منة في المستقبل.

4 ـ جواز إسقاط المرأة شيئاً من المهر، أو رده إن كانت قد قبضته، لقوله: { {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} }.

5 ـ أنه لو أسقطت شيئاً خجلاً أو حياءً، فإنه لا يحل قبوله، لقوله: { {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ} }؛ ولهذا قال العلماء: إذا أهدى إليك شخص هدية وأنت تعلم أنه إنما أهدى حياءً وخجلاً، فإنه لا يجوز أن تقبلها منه؛ لأن هذا كالإكراه.

6 ـ أن من تملك شيئاً عن طيب نفس فإنه يحل له حاضراً ومستقبلاً؛ لقوله: { {هَنِيئًا مَرِيئًا} } أي: هنيئاً حين الأكل، مريئاً بعد الأكل.

7 ـ أنه لا يحل أخذ شيء من مال الغير بغير طيب نفس منه؛ لأن الله اشترط لحل أكله أن يكون عن طيب نفس، وقد جاءت بذلك السنة صريحة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه»[(10)]، وكذلك جاء في القرآن: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] .

* * *

قال الله تعالى: { {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا *}} [النساء: 5] .

{ {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} }، هذه الآية فيها قراءتان:

القراءة الأولى: بهمزتين محققتين { {السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} }.

القراءة الثانية: بحذف إحدى الهمزتين: «السفها أموالكم» الأولى على الأصل، والثانية للتخفيف، وكذلك قوله: «قياماً» فيها قراءتان: «قِيَامَاً» و«قِيَمَاً»، والمعنى واحد.

يقول الله عزّ وجل: { {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} } أي: لا تعطوهم، والسفهاء جمع سفيه، وهو من لا يحسن التصرف، إما لصغر في سنه، وإما لقصور في عقله ورشده، فإن هذا هو السفيه، والسفه يكون في الأموال ويكون في الأعمال، كما قال تعالى: { {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}} [البقرة: 130] ، فمن رغب عن ملة إبراهيم الحنيفية السمحة فهو سفيه، وإن كان من أرشد الناس في تصرفه في ماله.

وقوله: { {أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} } فأضاف الأموال إلينا، وقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: لا تؤتوا السفهاء أموالكم الخاصة بكم؛ لأنهم سوف يضيعونها بغير فائدة، فتفوت عليكم وتفوت عليهم، وقال بعض العلماء: بل المراد بذلك أموالهم هم، لكنه أضافها إلينا من أجل الولاية، فكأننا بولايتنا على هذا المال نملك هذا المال.

والآية صالحة للوجهين، ومن قواعد التفسير: «أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا يتنافيان، فإنها تحمل عليهما».

وقوله: { {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} } { {جَعَلَ} } هنا بمعنى: صيّر؛ أي: الأموال التي جعلها الله لنا قياماً، تقوم بها مصالح ديننا ومصالح دنيانا، فكم من أسير فك بالمال، وكم من ضرورة أزيلت بالمال، وكم من يتيم جبر قلبه بالمال، فالأموال في الحقيقة قيام للناس في أمور دينهم ودنياهم، حتى إن الله سبحانه يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن ضرورة الجهاد بالمال أكثر من ضرورتها بالنفس، حتى إن الذي يجاهد بنفسه محتاج إلى المال، فما الذي يوصله إلى ميدان القتال إلا الأموال، ولهذا نجد الله سبحانه يقدم ذكر الأموال في الجهاد على ذكر النفوس.

وقوله: { {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} } أي: أعطوهم رزقاً، والرزق هو العطاء، وقوله: { {فِيهَا} } أي: في الأموال، ولم يقل منها، إشارة إلى أنه لا بد أن يكتسب الولي بمال هؤلاء السفهاء، حتى يكون الرزق فيها لا منها، وفرق بين الرزق فيها والرزق منها؛ لأنه لو لم يتجر فيها ويكتسب صار العطاء منها، فإذا قدرنا أنها مائة ريال فأعطاهم نفقة عشرة ريالات، فإنها تنقص كلما أعطاهم، لكن حينما قال: { {فِيهَا} } فإن المعنى: أن الرزق يكون فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المعطى، وهذا يتضمن أن يتجر فيها ثم يعطيهم من الربح.

وقوله: { {وَارْزُقُوهُمْ} } أي: أعطوهم طعاماً وشراباً، أما الكسوة فقال: { {وَاكْسُوهُمْ} } أي: اكسوهم ما يحتاجون إليه من القمص والسراويلات وغيرها، والفرش والسكن يدخل في قوله: { {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} }.

وقوله: { {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا} } أي: حين إعطائكم إياهم وكسوتكم إياهم قولوا لهم قولاً معروفاً؛ أي: قولاً هيناً ليناً، ولا تشمخوا بآنافكم عليهم وتمنَّوا عليهم؛ لأن ذلك خلاف الولاية الحقيقية، فمثلاً: إذا جاء السفيه وقال: أعطني، أو اكسني، فلا تقل له قولاً غليظاً، كأن تقول: لماذا قطعت ثيابك؟ وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم، فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ تحريم إعطاء السفهاء الأموال، سواء كانت الأموال لهم أو لنا على الوجهين؛ لقوله: { {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ} }، والنهي للتحريم، لا سيما إذا قرن النهي بما يفيد العلة، وهي «السفهاء» فكأنه قال: لا تؤتوهم لسفههم؛ لأنهم إذا أعطيتموهم وهم سفهاء أضاعوا المال.

2 ـ ذم السفه، وأنه سبب للحيلولة بين الإنسان وبين ماله.

3 ـ أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله، وقد قسم العلماء رحمهم الله الحجر إلى قسمين: قسم لحظ الغير، وقسم لحظ النفس.

أما القسم الأول: فمثل أن تستغرق ديون الإنسان ماله، ففي هذه الحال يحجر عليه لحظ الغير، فإذا كان الإنسان عليه ديون أكثر من ماله، وطلب الغرماء أن يحجر عليه، فإنه يحجر عليه، وإن لم يطلبوا؛ فإنه يحرم عليه أن يتصرف تصرفاً يضر بالغريم، وإن فعل لم ينفذ التصرف، فلو أوقف شيئاً من ماله لم ينفذ الوقف؛ لأنه تعلق به حق الغير، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أما المشهور من المذهب فإن تصرفه نافذ ما لم يطلب الغرماء أو بعضهم الحجر عليه، فإن طلبوا الحجر عليه حجر عليه ومنع من التصرف في ماله.

القسم الثاني: الحجر لحظ النفس، وهو ما كان سببه السفه، أو الصغر، أو الجنون، فالمجنون يحجر عليه في ماله، والصغير يحجر عليه في ماله، والسفيه ـ الذي لا يحسن التصرف ـ يحجر عليه في ماله، وهذا الحجر لحظ المحجور عليه وليس لحظ الغير، فإذا قال المحجور عليه: هذا مالي دعوني أتصرف فيه بما شئت، قلنا: لا يمكن؛ لأنك سفيه، وإذا لم نحجر عليك فسوف تفسد المال.

4 ـ أنه لا يجوز أن يُسلط أحد على شيء يحصل به الفساد، ـ أي: بتسليطنا إياه ـ فلو أن أحداً أعطى مجنوناً عصا فنقول: إن هذا حرام عليك؛ لأنك إذا أعطيته عصا فسوف يضرب بها الناس، وإذا كان السفيه ينهى عن إعطائه المال، فكيف بالمجنون؟!

وما هو ضابط السفه الذي يحصل به الحجر؟

الجواب: يقول أهل العلم: إن السفيه هو الذي يبذل ماله في الحرام أو في غير فائدة، فالأول كالذي يبذل ماله في الخمر والمخدرات وما أشبهها، فإن هذا سفيه يحجر عليه، والثاني كالذي يصرف ماله في المفرقعات، أو في الفقاعات، أو ما أشبه ذلك، أو يشتري زيتاً أو بنزيناً ويوقد فيه النار ويتفرج عليه فقط، فهذا سفيه يحجر عليه.

5 ـ حكمة الله عزّ وجل في المال الذي أعطاه لعباده، وهو أنه قيام للناس في مصالح دينهم ودنياهم.

6 ـ أنه إذا كان المال قياماً للناس في مصالح دينهم ودنياهم، فإنه يحرم أن يصرف في غير ما فيه قيام دينه ودنياه؛ لأن الله جعله قياماً تقوم به مصالح الدين والدنيا.

7 ـ أنه يجب على ولي السفيه أن يتصرف في ماله بما تحصل به الفائدة؛ لقوله: { {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} }.

8 ـ أنه يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وغير ذلك؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، لاسيما وأنه متعلق بحق الغير.

9 ـ أنه يجب على من ولاّه الله على أحد أن لا يغلظ له القول، بل يقول له القول المعروف، حتى يجمع بين الإحسان القولي والفعلي.

* * *

قال الله تعالى: { {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا *}} [النساء: 6] .

{ {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} } «ابتلوا» أي: اختبروا، و{ {الْيَتَامَى} } جمع يتيم، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه؛ أي: قبل بلوغ الطفل ذكراً كان أو أنثى، لكن المرأة لا تختبر بالبيع والشراء؛ لأنها ليست من أهله، لكن تختبر بحاجات البيت فإذا عرف ضبطها لحاجات البيت فهي رشيدة.

وقوله: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} } { {حَتَّى} }: هنا ابتدائية؛ أي: اختبروهم واستمروا في الاختبار، { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} }، { {إِذَا} } شرطية، وقوله: { {فَإِنْ آنَسْتُمْ} } شرطية أيضاً، وقوله: { {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} } جواب الشرط، فيكون هذا شرطاً في ضمن شرط آخر، وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:

إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا***منا معاقل عزٍّ زانها كرم

فقوله تعالى: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} } شرط في ضمن شرط، وقوله: { {فَإِنْ آنَسْتُمْ} } أي: أبصرتم، ومنه قوله: { {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا}} [القصص: 29] أي: أبصر.

وقوله: { {رُشْدًا} } الرشد في كل موضع بحسبه، ويجمع جميع معانيه كلمة واحدة، وهي حسن التصرف، فإن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مراراً ولا يُغبن إلا بما جرت به العادة، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وهو أن يكون عالماً بالكفء ومصالح النكاح.

إذاً: الرشد في كل موضع بحسبه، والمراد بقوله هنا: { {رُشْدًا} }؛ أي: تصرفاً صحيحاً في أموالهم.

وقوله: { {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} } أي: أعطوهم إياها، وأوصلوها إليهم، ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، بل ادفعوها إليهم، وسيأتي أن الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حالهم.

وقوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوهَا} } أي: أموالهم { {إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} } { {إِسْرَافًا} } يجوز[(11)] أن تكون مفعولاً مطلقاً؛ أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضاً في كل موضع بحسبه، وقوله: { {وَبِدَارًا} } أي: مبادرة، فهي من بادر بمعنى استعجل الشيء، وقوله: { {أَنْ يَكْبَرُوا} } أي: بداراً لكبرهم، يعني: تبادروا كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف، أو على وجه الاقتصاد ولكن يبادر، ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: إن الإسراف مجاوزة الحد، فمثلاً: إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر، { {وَبِدَارًا} } أي: أن يأكل بلا إسراف، لكنه يبادر بالأكل قبل أن يكبروا.

وقوله: { {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} } أي: من كان من الأولياء غنياً لا يحتاج إلى مال اليتيم { {فَلْيَسْتَعْفِفْ} } أي: فليكف عن الأكل. { {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} } واللام في قوله: { {فَلْيَسْتَعْفِفْ} } للأمر، وفي قوله: { {فَلْيَأْكُلْ} } للإباحة.

فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: { {فَلْيَأْكُلْ} } عن الأمر؟

فالجواب: لأنها أعقبت النهي، وهو قوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا} }، والأمر بعد النهي إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح.

وقوله: { {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} } أي: فليأكل أكلاً بالمعروف؛ أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء، وإنما يأكل أكل مثله.

مثال ذلك: إذا كان فقيراً فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني ولي عليه ـ ومن المعلوم أن أكل الفقير ليس كأكل الغني ـ قلنا: هذا لا يجوز، بل كل بالمعروف.

وقوله: { {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} } أي: إذا بلغوا ورشدوا.

وقوله: { {فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} } أي: أشهدوا أنكم دفعتموها.

وقوله: { {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} } «كفى» من الكفاية؛ أي: أنه جل وعلا يكفي عن كل أحد، والباء في قوله: { {بِاللَّهِ} } زائدة لتحسين اللفظ، وكل شيء في القرآن زائد إعراباً فهو زائد معنى؛ أي: أنه جاء لفائدة ولا بد، وهي هنا لتحسين اللفظ، والأصل وكفى الله حسيباً، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب، فهذه الآية ختمها الله بهذه الجملة تهديداً لأولياء اليتامى من أن يتجرؤوا على أكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ وجوب اختبار اليتامى، لقوله: { {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} }.

2 ـ العمل بالتجربة؛ لأن الابتلاء يعني: الاختبار عدة تجارب.

3 ـ أنه يجوز لولي اليتيم أن يستعمل معه ما يكون سبباً لاختباره، فإذا رأى منه تمرداً على الاختبار؛ فله أن يؤدبه حتى يختبره، ليتم ما أمر الله به.

4 ـ أنه إذا بلغ اليتيم ورشد؛ وجب دفع المال إليه، لقوله: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} }.

5 ـ أن الحجر على اليتامى لا يحتاج إلى حكم الحاكم، لا ابتداءً ولا انتهاءً؛ لأنه وكل الأمر إلى أوليائهم.

6 ـ عناية الله سبحانه بالأيتام، لقوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} }.

فإن قال قائل: لو أكلها لغير هذا الغرض ليستمتع بها مثلاً فهل يجوز؟

فالجواب: لا يجوز. لكن ذكر الإسراف والبدار؛ لأنه هو الذي يحمل على أكلها غالباً، وقد قال العلماء: إن القيد إذا ذكر لكونه أغلبياً فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يجوز أكل مال اليتيم لا إسرافاً ولا مبادرة أن يكبروا، ولا لغير ذلك من الأسباب.

7 ـ وجوب استعفاف الغني عن أموال اليتامى، لقوله: { {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} }.

فإذا قال الولي: لا يمكن أن أعمل في مال اليتيم إلا بمثل ما يعمل به غيري، وكيف أعمل بدون فائدة؟

فنقول: إذا كان الأمر كذلك، فلا بد من مراجعة القاضي الذي هو الولي العام؛ لأن من الناس من يدعي هذه الدعوى ويقول: أنا لا أستطيع أن أعمل إلا بجزء من الربح، أو بأجرة، أو ما أشبه ذلك، فلا بد إذاً أن يُرجع إلى القاضي.

8 ـ جواز أكل ولي اليتيم من مال اليتيم بالمعروف إذا كان فقيراً، وظاهر الآية أنه يأكل بالمعروف ولو زاد على قدر الأجرة، فمثلاً: إذا كان أجيراً فله في الشهر مائة، وإذا أكل بالمعروف لم يكفه إلا مائتان، فإنه يحل له الأكل بالمعروف ولو زاد على الأجرة؛ لأن الولي محبوس على التصرف لليتيم، فلا بد له من مأكل ومشرب، فليأكل بالمعروف، وأيضاً فإن هذا الولي ليس كالأجير الأجنبي في مراعاة مال اليتيم، فلا ينبغي أن نلحقه بالأجير الأجنبي، لكن المعروف عند الفقهاء أنه يأخذ الأقل من أجرته أو كفايته.

9 ـ أنه إذا كان فقيراً فأكل، فلا يلزمه إذا أغناه الله أن يرد ما أكل؛ لأن المباح لا ينقلب حراماً، ولو قلنا بوجوب الرد إذا أغناه الله، لم يكن هناك فائدة لإباحة الأكل، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب رد ما أكله إذا أغناه الله، فكأنه استقرض من مال اليتيم ولم يأكل أكلاً مباحاً، ولكن الصحيح هو الأول: أن الأكل مباح له، ولا يجب عليه رده إذا أغناه الله.

10 ـ اعتبار الحال، وأن الأحكام تختلف بحسب الأحوال، وهذا من حكمة الشريعة، وهو مأخوذ من التفريق بين الغني { {فَلْيَسْتَعْفِفْ} } والفقير { {فَلْيَأْكُلْ} }.

11 ـ الرجوع إلى العرف، لقوله: { {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} }.

12 ـ أنه إذا دفع المال إلى اليتامى بعد أن بلغوا ورشدوا فلْيُشهد؛ لقوله: { {فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} }، والأصل في الأمر الوجوب، وإنما أمر بالإشهاد قطعاً للنزاع ودفعاً للتهمة.

13 ـ أنه لو ادعى الولي أنه دفع المال، فإن دعواه لا تقبل؛ لأنه لو قبلت دعواه لم نحتج إلى إيجاب الإشهاد، وهذا هو الصواب، وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

القول الأول : لا تقبل دعواه الدفع؛ لظاهر الآية.

القول الثاني : تقبل دعواه الدفع، فلو طالبه اليتيم فيما بعد وقال: أين مالي؟ وقال: دفعته لك، قبل منه، واستدل هؤلاء بقول الله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] .

القول الثالث: الوسط، وهو أنه إن كان بأجرة لم تقبل دعواه الدفع، وإن كان يعمل له مجاناً قبلت دعواه الدفع، وعللوا ذلك بأنه إذا كان يأخذ الأجرة لم يكن إحسانه إحساناً محضاً؛ لأنه أبقى المال عنده لحظ نفسه، فلا يدخل في قوله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] .

والأخذ بظاهر الآية أولى، وهو أنه لا تقبل دعواه الدفع إلا بشهود، إلا إذا وجدت قرائن قوية تؤيد هذه الدعوى، مثل أن يكون الولي معروفاً بالصدق والأمانة، ويكون المولى عليه ـ وهو اليتيم ـ معروفاً بالطمع والجشع، فحينئذ نقبل قول الولي بالقرينة، وبقوة الظاهر؛ ولأننا لو لم نقبل قوله لكان في هذا منع من التولي على أموال اليتامى؛ لأن الإنسان قد لا يتسنى له الإشهاد عند الدفع.

14 ـ تحذير الولي من أن يخون في ولايته، وتحذير اليتيم من أن ينكر ما وقع، وتؤخذ من قوله: { {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} }، فإذا كان الله عزّ وجل هو الكافي على حساب عباده، فإن الإنسان سوف يخشى هذه المحاسبة ويتوب إلى الله.

15 ـ العناية باليتامى وأموالهم؛ لأن اليتامى محل الرحمة، حيث إن آباءهم قد ماتوا وليس لهم ولي يقوم بحاجتهم.

ويتفرع عن هذه الفائدة بيان رحمة الله عزّ وجل، وأن رحمة الله عند المنكسرين وعند الضعفاء.

* * *

قال الله تعالى: { {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا *}} [النساء: 7] .

{ {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} }، قوله: { {لِلرِّجَالِ} } خبر مقدم، و{ {نَصِيبٌ} } مبتدأ مؤخر، وكذلك قوله: { {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} }، وقوله: { {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ} } متعلق بمحذوف صفة لـ{ {نَصِيبٌ} }، ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي: وذلك مما قل منه، وقوله: { {نَصِيبًا}} حال من «ما» في قوله: { {مِمَّا قَلَّ} } وقوله: { {مَفْرُوضًا} } صفة لـ{ {نَصِيبٌ} } وهو أولى، ويجوز أن تكون حالاً أخرى، وهو مرجوح.

يقول الله عزّ وجل: { {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} } «نصيب»: أي: حظ، ولم يبينه هنا، لكن بينه في آيات تأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة؛ لأن الشيء إذا أجمل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه، بخلاف ما لو جاء الشيء مفصلاً مباشرة، فإنه قد يرد على نفس ليست متشوقة إليه، فلا يرسخ في الذهن، ولا يصير له قوة في القبول.

وقوله: { {الْوَالِدَانِ} } أي: الأم والأب، أما الأم فظاهر أنها والدة، كما قال تعالى: { {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}} [البقرة: 233] ، وأما الأب فكذلك، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» [(12)]، والولد لا بد له من والد، وكذلك جاء في الحديث: «لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه، إلا الوالد فيما وهبه لابنه» [(13)]، فالوالد إذاً يطلق على الأم والأب.

وقوله: { {وَالأَقْرَبُونَ} } ولم يقل: والأقارب، والأقرب: اسم تفضيل؛ وذلك لأن الميراث لا يتناول جميع الأقارب، بل الأقرب فالأقرب، ويدل لذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(14)]، وهناك خمسة من الورثة لا يمكن أن يحجبوا، وهم الذين يتصلون بالميت مباشرة، وهم: الأب، والأم، والابن، والبنت، وأحد الزوجين، فهؤلاء لا يمكن أن يحجبوا؛ لأنهم يرثون من الميت مباشرة.

ثم قال تعالى: { {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} } وإنما نص على نصيب النساء بهذه الصيغة المساوية لنصيب الرجال؛ تأكيداً لحقهن، وإلا فمن المعلوم أن نصيب النساء دون نصيب الرجال، قال تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] ، وقال تعالى: { {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 176] ، لكنه جاء بهذه الصيغة تأكيداً لنصيب النساء؛ لأنهم كانوا في الجاهلية في أحكامهم الجائرة لا يورثون النساء، ويقولون: إنما الميراث لمن حمل السلاح وخاض المعارك، وهم الرجال، وأما النساء فلا حق لهن في الميراث، ولا شك أن هذا حكم مبني على الجور، ولو نظرنا ببادئ الرأي لقلنا: إن النساء أحق بالميراث من الرجال؛ لأنهن أعجز وأضعف عن التكسب من الرجال، لكن حكم الله سبحانه أحسن الأحكام، فقد جعل لهن نصيباً وللرجال نصيباً، ولكن لكثرة المسؤولية على الرجال جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.

وقوله: { {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} } أي: لكل منهما نصيب من القليل أو الكثير، سواء خلَّف الميت أموالاً كثيرة، أو أموالاً قليلة، فلو خلف درهماً واحداً كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، ولو خلف ملايين الملايين كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، فلا يقال: إنه إذا قل المال فلا نصيب للنساء، أو إذا كثر المال فلا نصيب للنساء، بل نقول: لا فرق بين القليل والكثير.

وقوله: { {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} } هذه الجملة ينبغي الوقوف عليها؛ لأن ما بعدها وهو قوله: { {نَصِيبًا مَفْرُوضًا}} لا يتعلق بالفاعل في قوله: { {قَلَّ} } و{ {كَثُرَ} }، بل هو متعلق بمقدر، والمعنى: جُعل هذا نصيباً مفروضاً، أو حال كونه نصيباً مفروضاً.

وقوله: { {مَفْرُوضًا} } المراد أنه مُحتّم، وليس المراد أنه مُقدّر؛ لأن ميراث الأولاد ـ إذا اجتمعوا بنينَ وبناتٍ ـ ليس مقدراً؛ أي: ليس بفريضة، بل هو تعصيب، ولكن المراد بالفرض هنا الحتم، كما تقول: فُرضت الصلوات الخمس؛ أي: حُتمت وأُلزم بها.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ تقديم الرجال على النساء حتى في الأمر الذي يشتركون في الاستحقاق فيه، ووجه الدلالة قوله: { {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} } { {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ} }، وهذا هو المشروع والمعقول والفطري، أن يكون الرجال هم المقدمون على النساء، وقد عَكَس ذلك من عكس الله قلوبهم من الكفرة والمبهورين بهم، حيث قدموا النساء على الرجال، فيقولون مثلاً: أيها الأخوات والإخوة! أيها السيدات والسادة! وهذا خطأ عظيم؛ لأن الرجال مقدمون على النساء، وهم قوامون عليهن، ولكن ليس بعد الكفر ذنب.

وهؤلاء الكفار يرون أن النساء لُعَب، فيقدمونهن جلباً لقلوبهن، وتعطفاً عليهن ليعطفن عليهم؛ لأنهم كما وصفهم الله عزّ وجل: { {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ}} [محمد: 12] ، فليس لهم همَّ إلا الدنيا، فجاء قليلو البصيرة ضعيفو الدين، فأخذوا هذه الحقارة منهم والتهموها من غير أن يقدروا النتائج، وأنهم بذلك مخالفون لطريقة الشريعة، وللفطر السليمة، وللعقول الحكيمة.

2 ـ بيان أن الدين الإسلامي هو الذي انتصر للمرأة وأعطاها حقها بعد أن كانت مهضومة في الجاهلية، لقوله: { {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} }، ولكن الدين الإسلامي لم يعط المرأة أكثر من حقها، ولم ينزلها أكثر من منزلتها، بل أعطاها الحق اللائق بها، وهو معروف ـ ولله الحمد ـ بكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

3 ـ أن الرجال والنساء المستحقين للميراث يستحقون منه، سواء خلف الميت كثيراً أم قليلاً، لقوله: { {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} }.

4 ـ التحذير مما يتهاون به بعض الناس اليوم، فيموت الميت عن زوجته وبناته، وله أبناء عم عصبة ليسوا في البيت، فتجد أهل الميت يأكلون من طعام البيت، وينتفعون بأجهزته كالثلاجات وغيرها، دون أن يستأذنوا من لهم حق في الميراث، وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا مات الميت فبعد أن كان ماله له شخصياً، صار موزعاً بين ورثته، فكل وارث يستحق من هذا الميراث قل المال أو كثر، وهذه مسألة ينبغي لطلبة العلم أن ينبهوا العامة إليها؛ لأن العامة قد لا يفهمون، وإلا فعندهم ـ ولله الحمد ـ ورع يردعهم عن هذا ولكنهم لا يفهمون.

5 ـ أن هذا النصيب واجب، لقوله: { {نَصِيبًا مَفْرُوضًا}}.

6 ـ جواز حذف ما يُعلم، وتؤخذ من قوله: { {مَفْرُوضًا} }، فالفارض هو الله، لكن حذف وبُني الوصف للمفعول للعلم به، فهو كقوله تعالى: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}} [النساء: 28] ، والذي خلقه هو الله عزّ وجل.

* * *

قال الله تعالى: { {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا *}} [النساء: 8] .

الذي يظهر لي ـ والعلم عند الله ـ من هذه الآية والتي قبلها: أن الناس فيما سبق كانوا إذا أرادوا قسم مال الميت، فإنهم يقسمونه علناً ظاهراً، سواء كان ظاهراً للناس عموماً، أو ظاهراً لمن حولهم، لقوله: { {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} }.

وقوله تعالى: { {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} } { {الْقِسْمَةَ} }: مفعول مقدم، و{ {أُولُو} }: فاعل مؤخر، ورفع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون منه للإضافة، { {وَالْيَتَامَى} } معطوف على أولو، وكذلك { {وَالْمَسَاكِينُ} }، وقوله: { {فَارْزُقُوهُمْ} } الجملة جواب الشرط وهو «إذا»، واقترنت الفاء بها لأنها طلبية، والجواب الذي يقترن بالفاء سبعة أنواع، جمعت في بيت من الشعر:

اسمية طلبية وبجامد***وبما وقد ولن وبالتنفيس

قوله: { {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} } أي: قسمة المال الموروث { {أُولُو الْقُرْبَى} } أي: أصحاب القرابة الذين لا يرثون؛ لأن الذين يرثون لهم نصيب من هذا المقسوم، والقربى هنا بمعنى القرابة.

وقوله: { {وَالْيَتَامَى}} جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل بلوغه، سواء كان ذكراً أو أنثى.

وقوله: { {وَالْمَسَاكِينُ} } هم الفقراء، وسموا مساكين لأن الفقر أسكنهم، فإن الفقر ـ أعاذنا الله منه ـ يوجب الذل، وأن لا يتكلم الإنسان؛ لأنه يشعر بأنه غير مسموع، وغير مقبول، فتجده ساكناً لا يتكلم؛ لأنه لا يُسمع له، ولكن قد يكون هذا الفقير المسكين عند الله مسموعاً، قال عليه الصلاة والسلام: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره»[(15)]، والشأن كل الشأن أن تكون وجيهاً عند الله، وإذا كنت وجيهاً عند الله فستكون وجيهاً عند العباد، ولكن لا تطلب أن تكون وجيهاً عند الله؛ لتكون وجيهاً عند العباد، بل اطلب أن تكون وجيهاً عند الله؛ لتنال رضاه، وإذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس.

وقوله: { {فَارْزُقُوهُمْ} } أي: أعطوهم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء.

وقوله: { {مِنْهُ} } ولم يقل: فيه؛ لأن هؤلاء يعطون من رأس المال، ومن أصله، وأما أموال اليتامى فقال الله تعالى: { {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} } [النساء: 5] ، وقد سبق أن ذكرنا أنه قال: «فيها» ولم يقل: «منها»؛ لأنهم يرزقون بعد الاتجار بها، فيعطون من الربح، وهو ـ أي: ما سبق ـ إشارة إلى أنه ينبغي لولي اليتيم أن يتجر في ماله حتى يحصل على ما يرزقه فيه، أما هنا فقال: { {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} } أي: من هذا المال الذي يقسم أمامهم، وهذا إحسان إليهم بالفعل.

وقوله: { {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا} } هذا إحسان إليهم بالقول؛ أي: قولاً طيباً تطيب به نفوسهم.

ولنفرض أن المال كثير، وأن كل وارث سيحصل على مليون ريال مثلاً، فإذا أعطيت الفقير مائة ريال، فإن الحاضر ربما يقول: مائة من مليون! فقل له قولاً معروفاً تطيب به نفسه، حتى تجمع له بين الإحسان القولي والإحسان الفعلي.

وبالعكس ـ والعياذ بالله ـ من كان قلبه كالحجر، فإذا وجد اليتيم حوله قال له: ما الذي أتى بك؟ اذهب واطلب الرزق من الله!! فهذا قلبه ليس ليناً لعباد الله، ولا راحماً لهم، والإنسان يجب أن يقدر أنه لو كان هو بهذه الحال ماذا سيفعل؟ إنه سوف يتشوف إلى شيء من هذا المال، وسوف يرى أن من أشد الأشياء عليه أن يُصرف، ولا سيما إذا صُرف بقول منكر غير معروف.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أمر من قسم مالاً وحضره هؤلاء الأصناف الثلاثة ـ الأقارب، واليتامى، والمساكين ـ أن يعطيهم منه، وهذا الأمر يحتمل أن يكون للوجوب، ويحتمل أن يكون للاستحباب؛ لأنه أمر بأدب. وقد قال بعض العلماء: كل الأوامر المتعلقة بالآداب وحسن الأخلاق فهي للاستحباب.

فعلى كل حال نقول: الأمر بإعطاء من حضر القسمة.

2 ـ جواز قسمة المال المشترك بحضور غير الشركاء، ويؤخذ من قوله: { {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} } لأن الشركاء لهم نصيب بدون أن يؤمر بإعطائهم.

3 ـ ما جاء به الإسلام من الآداب العالية، والأخلاق الفاضلة، حيث أمرنا بأن نعطي هؤلاء الذي حضروا القسمة؛ لأن قلوبهم تتعلق بالمال، وتتشوف للنوال، فلهذا أمر الشرع بإعطائهم.

4 ـ أن الأوامر قد تكون موكلة إلى المأمور غير مقدرة، لقوله: { {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} }، ولم يقل: الثلث، ولا الربع، ولا العشر، بل جعل هذا مطلقاً، فهو يرجع إلى كرم المعطي من وجه، وإلى كثرة المال من وجه آخر.

5 ـ أن الإحسان إلى القرابة أفضل من الإحسان إلى اليتيم والمسكين، ووجه ذلك: أنه قدمه، ولهذا لما أخبرت أحدى أمهات المؤمنين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنها أعتقت جارية لها، قال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك»[(16)]، فدل هذا على أن صلة الرحم أفضل من إعطاء البعيد.

6 ـ عناية الله عزّ وجل بالضعفاء المستحقين للعناية، وتؤخذ من قوله: { {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} }؛ لأن اليتيم صغير منكسر القلب بفقد أبيه، يحتاج إلى رعاية وعناية، والمسكين كذلك فقير ذليل يحتاج إلى من يجبر ذله، ويسقي ظمأه، ويكسو عورته.

7 ـ أنه ينبغي لمن أعطى أحداً شيئاً أن يقول له قولاً معروفاً يطيب قلبه، ويبعده من المن بالعطاء؛ لأن المن بالصدقة من كبائر الذنوب، وهو مبطل للأجر، لقوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى}} [البقرة: 264] .

8 ـ الجمع بين الإحسان القولي والفعلي، فالفعلي من قوله: { {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} }، والقولي من قوله: { {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا} }.

* * *

قال الله تعالى: { {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *}} [النساء: 9] .

{ {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا} } اللام في قوله: { {وَلْيَخْشَ} } لام الأمر، والفعل مجزوم بها بحذف الألف، وأصلها «يخشى» بالألف، وسكنت لام الأمر هنا لأنها تسكن إذا وقعت بعد الواو والفاء وثم، كما في قوله تعالى: { {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}} [الحج: 29] ، وقوله تعالى: { {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ}} [الحج: 15] ، بخلاف لام التعليل فإنها تكون مكسورة إذا وقعت بعد الواو أو ثم أو الفاء، مثل قوله تعالى: { {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا}} [العنكبوت: 66] ، فلا تُقرأ «وَلْيَتمتعوا» إلا إذا ثبت أن فيها قراءة بسكون اللام، فحينئذ تكون اللام لام الأمر ولا تكون لام التعليل.

وقوله: { {لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ} } «لو» هنا شرطية، وفعل الشرط قوله: { {تَرَكُوا} }، وجوابه قوله: { {خَافُوا عَلَيْهِمْ} }، وقد خرجت الآية الكريمة هنا عن الأكثر في جواب { {لَوْ} }، فإن الأكثر في جواب { {لَوْ} } إذا كان مثبتاً أن تقترن به اللام، فيقال: لو جاء زيد لجاء عمرو، ولكن اللام تحذف أحياناً في جواب { {لَوْ} } في الإثبات، ومنه هذه الآية، ومنه قوله تعالى: { {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا}} [الواقعة: 70] ، وفي نفس السياق قال في الزرع: { {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}} [الواقعة: 65] ، أما إذا جاء جواب { {لَوْ} } منفياً بـ«ما»، فالأفصح أن لا تذكر اللام، فإذا قلت: لو جاء زيد ما قلت شيئاً، فإن هذا أفصح من أن تقول: لما قلت شيئاً، لكن قد تقترن اللام بـ«ما» النافية في جواب «لو»، ومنه قول الشاعر:

ولو نعطى الخيار لما افترقنا***ولكن لا خيار مع الليالي

وتكميلاً للفائدة فإن «لو» تأتي على أوجه: الأول: أن تكون شرطية، والثاني: أن تكون مصدرية؛ كقوله تعالى: { {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ *}} [القلم: 9] أي: ودوا إدهانكم فيدهنون.

و{ {لَوْ} } من أدوات الشرط غير الجازمة.

وقوله: { {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} } هذا أمر بالتقوى، وهو تأكيد للأمر بالخشية في قوله: { {وَلْيَخْشَ} }.

يقول الله عزّ وجل مذكراً هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ويضيعونها، يقول: { {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} } والخشية أشد الخوف، ولا تكون إلا مع العلم، لقوله تعالى: { {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}} [فاطر: 28] ، فيقول: ليخش هؤلاء الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً، ومفعول «يخشى» محذوف؛ أي: ليخش هؤلاء أن يضيعوا أموال اليتامى ويأكلوها.

وقوله: { {ذُرِّيَّةً} } الذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وأولاد بني البنين، وأما أولاد البنات وأولاد بنات البنات وبني البنات، فإنهم لا يدخلون في الذرية، هذا هو المشهور عند أهل العلم، فلو قال القائل: هذا وقف على ذريتي؛ لم يدخل أولاد البنات في هذا الوقف؛ لأن أولاد البنات ليسوا من الذرية، فهم كالأولاد والبنين، لا يدخل فيهم أولاد البنات ولا بنو أولاد البنات.

فإن قال قائل: هذا القول ينتقض بعيسى ابن مريم، فإن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت؟

فيجاب عن ذلك: بأنه لا أب له، فأمه أبوه؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن ولد الزنا ترثه أمه بالفرض والتعصيب؛ لأنها أم وأب، إذ لا أب له شرعاً.

وقوله: { {ضِعَافًا} } أي: لا يستطيعون أن يتكسبوا؛ لعدم رشدهم ولصغر سنهم، فكل واحد من الناس إذا حضرته الوفاة وله أولاد صغار، سوف يخاف عليهم، ويفكر ويقدر من يتولاهم بعده، ولكن المؤمن يقول كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قالوا له: ألا توصي لولدك؟ فقال: لا؛ إن كان ولدي صالحاً فالله يتولى الصالحين، كما قال تعالى: { {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ *}} [الأعراف: 196] ، وإن كانت الأخرى فلن أعينه على فساده.

فالضعيف من الأولاد هو الصغير، أو المجنون، أو السفيه الذي ليس لديه رشد، ولا يستطيع التصرف بنفسه.

وقوله: { {خَافُوا عَلَيْهِمْ} } أي: خافوا عليهم من الضياع وأكل أموالهم.

وقوله: { {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} } التقوى: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، وهذا إذا أطلقت التقوى وأفردت، أما إذا قيدت فإنها بحسب ما قيدت به، مثل قوله تعالى: { {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}} [البقرة: 281] ، وكذلك إذا قرنت بالبر صار معناها اجتناب المعاصي، ومعنى البر فعل الطاعات في الأوامر، أما إذا أطلقت فهي تشمل هذا وهذا.

وقوله: { {وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا} } القول السديد: هو ما سد موضعه؛ أي: ما كان صواباً موافقاً للحكمة، فليس السداد أن تلين في القول ولا أن تشتد به، ولكن أن يكون قولك صواباً مطابقاً للحكمة، فقد يكون السداد بشدة القول، وقد يكون السداد بلين القول، وانظر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف يشتد أحياناً بقوله، وكيف يلين أحياناً بقوله، وقوله صلّى الله عليه وسلّم كله سداد، وكله سديد بلا شك، والحكمة تختلف باختلاف الأحوال، وباختلاف الأشخاص، وباختلاف موضوع الكلام.

فلو أن رجلاً أراد أن يخطب في قوم أسرفوا على أنفسهم ووقعوا في المحارم، فإن السداد أن تكون الخطبة قوية، وبانفعال وبزجر شديد، وكأنه منذر قوم أو جيش يقول: صبحكم ومساكم، وإذا كان يخطب عند قوم ليسوا بهذه المثابة، ولا يرون الشدة في القول، بل ربما ينفرهم، فإنه في هذا الحال يلين لهم القول.

وقد ورد ذكر القول السديد في غير هذه الآية، في قوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *}} [الأحزاب: 70] .

والنتيجة لتقوى الله والقول السديد هي قوله تعالى: { {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}} [الأحزاب: 71] .. { {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} } الدينية والدنيوية، { {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} } أي: ما أذنبتموه، فعلينا أن نأخذ بهذه التوجيهات الإلهية والأوامر فنتقي الله ونقول قولاً سديداً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ تذكير المرء بما يحدث له؛ حتى يراعي في ذلك غيره، لقوله تعالى: { {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} }، فكما أنك تخاف على ولدك فخف على ولد غيرك.

2 ـ الإشارة إلى أنه يجب على المرء أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به؛ لأنه إذا كان يكره لنفسه أن يعتدي أحد على أولاده بعد موته، فكذلك لا يعتدي هو على أولاد الناس.

3 ـ أنها تدل بدلالة الإشارة على أن الإنسان إذا أراد أن يجني على غيره فليتذكر نفسه، فإذا كان مثلاً يهم بأن يزني بامرأة، فليتذكر هل يرضى أن يزني أحد بإحدى محارمه؟ ومن المعلوم أن الجواب «لا»، فإذا كان كذلك؛ فلماذا يرضى أن يزني بمحارم الناس وهو لا يرضى أن يزني أحد بمحارمه؟ فقس ما تريد أن تفعله بالناس على ما يريدون أن يفعلوه بك.

4 ـ أن الإنسان يكون مجانباً للتقوى إذا لم يراع ربه عزّ وجل في رعاية هؤلاء الضعفاء الذين كانوا بين يديه.

5 ـ أن الإنسان ينبغي له أن يتقي الله عزّ وجل في الولاية على غيره، وأن يقول قولاً سديداً.

6 ـ أن القول ينقسم إلى قسمين: سديد وغير سديد، فالسديد ما وافق الصواب، وغير السديد ما خالف الصواب، ومن ذلك اللغو من الكلام، فإنه ليس بسديد، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»[(17)].

* * *

قال الله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا *}} [النساء: 10] .

{ {إِنَّ الَّذِينَ}} جملة إسمية مبدوءة بـ«إنَّ»، وخبر «إنّ» هو قوله: { {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }؛ أي: ما يأكلون إلا ناراً.

وقوله: { {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} }، وفي قراءة: «وسيُصلون» بالبناء للمفعول، وهي قراءة سبعية.

قوله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} } يأكلونها. أي: يتلفونها، لكنه عبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع؛ لأن أكثر ما يجني الإنسان المال من أجل أكله وما يتعلق به، فعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع، وإلا فغير الأكل مثله، بل قد يكون أشد، كما لو أتلف هذه الأموال بإحراق أو إغراق أو ما أشبه ذلك، فهو أعظم من أكلها.

واليتيم سبق أنه هو الذي يموت أبوه ولم يبلغ.

{ {ظُلْمًا}} مصدر في موضع الحال؛ أي: ظالمين.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ وجوب رعاية أموال اليتامى، لقوله: { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }.

2 ـ أنه لو أكل مال اليتيم بحق؛ فلا إثم عليه، مثل أن يكون فقيراً فيأخذ قدر أجرته من هذا المال الذي هو قائم عليه، فلا حرج.

3 ـ أن أكل مال اليتيم بغير حق من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بقوله: { {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }، وعند أهل العلم: أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة. وقيل: إن الكبيرة ما فيه عقوبة خاصة؛ أي: ما ذكر له عقوبة خاصة؛ وذلك لأن المحرمات نوعان: نوع ليس فيها إلا النهي، ونوع آخر يذكر فيها عقوبة خاصة: إما دنيوية، وإما دينية، وإما أخروية، فالدنيوية كالحد، مثل الزنا والسرقة، والدينية كالبراءة منه، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»[(18)]، والأخروية هي العقوبة، كما في هذه الآية.

4 ـ إثبات الجزاء، لقوله: { {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }.

5 ـ أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه قابل أكلهم بالنار التي يعذبون بها.

6 ـ الوعيد الشديد على من أكل مال اليتيم بأنه سيصلى سعيراً، وهذا أعظم من قوله: { {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }، فتكون الحرارة في أجوافهم، وفي ظاهر أجسامهم، لقوله: { {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} }.

* * *

قال الله تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [النساء: 11] .

{ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} } الوصية: هي العهد بأمر هام عهد به إليك، وتكون بعد الموت، وأما ما قبل الموت فهي وكالة، وينبغي أن يُعلم أن المتصرف في غير ماله له أوصاف بحسب الوظيفة التي هو قائم بها، فتارة نسميه «وكيلاً»، وتارة نسميه «ولياً»، وتارة نسميه «ناظراً»، وتارة نسميه «وصياً»، فإذا كان يتولى مال الغير بغير إذن منه، بل بإذن من الشرع؛ فإنه يسمى «ولياً» كولي اليتيم، وإذا كان يتولى مال الغير بعد موته؛ فإنه يسمى «وصياً»، وإذا كان يتولى الوقف؛ فإنه يسمى «ناظراً»، وإذا كان يتولى لحي؛ فإنه يسمى «وكيلاً».

وقوله: { {فِي أَوْلاَدِكُمْ} } متعلق بقوله: { {يُوصِيكُمُ} }؛ أي: أن الوصية في الأولاد أنفسهم، والأولاد: جمع ولد، ويشمل الذكور والإناث، بدليل قوله: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} }، فإذا اجتمع في الأولاد ذكور وإناث، فإننا نعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وتأمل كيف قال: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} } دون أن يقول: للأنثى نصف الذكر؛ لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة، والنصف نقص، فلهذا قال: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} }، ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر؛ لما في كلمة «نصف» من النقص، بخلاف حظ الأنثيين؛ فإن فيه زيادة، فهو أحسن تعبيراً مما لو قال: للأنثى نصف ما للذكر.

فإذا هلك الميت عن خمسة أبناء وبنت، فللبنت واحد من أحد عشر؛ لأن الخمسة عن عشرة، وإذا هلك عن سبعة أبناء وثلاث بنات، فلكل بنت واحد من سبعة عشر؛ لأن السبعة عن أربعة عشر سهماً، والثلاث عن ثلاثة أسهم، فالجميع سبعة عشر سهماً.. وهكذا.

وقوله: { {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} } قوله: { {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً} }، ولم يقل: فإن كانوا نساءً؛ أي: الأولاد، وهذا جائز، فيجوز في الضمير إذا اكتنفه مذكر ومؤنث أن تذكره باعتبار ما سبقه، إذا كان السابق مذكراً، وتؤنثه باعتبار ما لحقه، فهنا قال: { {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً} } فأنث الضمير باعتبار ما لحقه، ولو كان في غير القرآن وقيل: «فإن كانوا نساءً» جاز باعتبار ما سبقه، فالضمير في مثل هذا التركيب يجوز أن يعود على ما سبق، ويجوز أن يعود على ما لحق.

وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: { {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} } فقيل: إنها زائدة، وأن المعنى: فإن كن نساء اثنتين؛ وذلك لأن الثلثين تستحقه الثنتان فما فوق، وظاهر الآية الكريمة أن الثنتين لا تستحقان الثلثين؛ لأنه قال: { {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} }، والحكم خلاف ذلك، فلهذا قال بعض العلماء: إنها زائدة، ولكن الصحيح أنها ليست بزائدة، بل هي مفيدة وأصلية؛ ليتبين أن ما فوق الثنتين لا ينحصر، فلو كن عشراً أو عشرين فإن الفرض لا يزيد بزيادتهن.

ولنا في تقرير الثلثين للثنتين عدة أوجه:

الوجه الأول: أنه قال: { {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} } ومفهومه: أن ما زاد عن الواحدة فليس لها النصف، ولا نعلم فرضاً للبنات سوى النصف أو الثلثين، فإذا لم يكن لها النصف بقي لها الثلثان؛ لأنه ليس هناك فرض بين النصف والثلثين.

الوجه الثاني: أن الله جعل للأختين الثلثين في آخر السورة، فقال الله تبارك وتعالى: { {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}} [النساء: 176] ، وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، وعلى هذا فيكون للبنتين الثلثان، كما أن للأختين الثلثين.

الوجه الثالث ـ وإن كان خارجاً عن نطاق القرآن ـ : أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين وهما اثنتان[(19)].

وعلى هذا فنقول: لقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأولاد إما أن يكونوا ذكوراً وإناثاً، وإما أن يكونوا إناثاً فقط، وبقي قسم ثالث: وهو أن يكونوا ذكوراً فقط.

فأما إذا كانوا ذكوراً وإناثاً فقد بيَّن الله الحكم؛ وهو أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا كانوا نساءً فقط فقد بيَّن الله الحكم؛ وهو أن للواحدة النصف ولما زاد الثلثين، وسكت عن الأولاد الذكور فقط، فدل هذا على أنهم يرثون بلا تقدير؛ لأنه لو كان لهم مقدر لبينه كما بين المقدر للإناث، ولو كانوا يختلفون لبين ذلك، كما بين اختلاف الواحدة من البنات مع الثنتين فأكثر.

وعلى هذا: فإذا كانوا ذكوراً فقط فلهم المال، وتكون مسألتهم من عدد الرؤوس؛ لأن الورثة إذا كانوا عصبة فلا تؤصل لهم مسألة، بل أصل مسألتهم من عدد رؤوسهم، فإذا كانوا مئة بني عم فالمسألة من مئة.

قوله تعالى: { {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} } فيها قراءتان، { {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً} }.. «وإن كانت واحدةٌ» وعلى هذه القراءة فإن «كان» تامة، و«كان» التامة هي التي يكتفى بمرفوعها عن خبرها؛ لأنها لا تتطلب سواه، فهي تامة به، والناقصة هي التي تحتاج إلى خبر؛ لأنها لا تتم إلا به، ولهذا سميت «كان» إذا اكتفت بمرفوعها تامة، لا تحتاج إلى تكميل.

وقوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ} } أي: أبوي الميت، ولم يسبق له ذكر، لكن المقام يقتضيه، لقوله: { {مَا تَرَكَ} }؛ لأن الإنسان لا يترك ماله إلا بعد موته.

وقوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ} } يعني: الأب والأم، من باب التغليب، وهو هنا ملحق بالمثنى.

وقوله: { {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} }، بدل من قوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ} } بإعادة العامل، والبدل معروف أن له حكم المبدل في الإعراب، لكن هنا نستغني عن التبعية في الإعراب؛ لأنه أعيد العامل.

أي: فلكل واحد من الأبوين السدس مما ترك ابنهما أو بنتهما أيضاً، { {إِنْ كَانَ لَهُ} } أي: للميت «ولد»، وقوله: { {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} } يشمل الذكر والأنثى، فإذا كان للميت أبوان، وله أولاد، فلكل واحد من الأبوين السدس، فإن كان الولد ذكراً؛ فللأم السدس وللأب السدس، والباقي للابن، وإن كان أنثى فرض لها فرضها وهو النصف إن كانت واحدة، أو الثلثان إن كانت زائدة، والباقي للأب تعصيباً؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(20)].

وميراث الأبوين مع الولد: أما الأم ففرض وليس لها تعصيب إطلاقاً، وفرضها السدس مع وجود الولد: ذكراً كان أم أنثى، وأما الأب فإن كان في الأولاد ذكور، فليس له إلا السدس، وإن كان الورثة إناثاً؛ فله السدس فرضاً، والباقي إن بقي تعصيباً.

وحينئذ نقول: إما أن يكون الولد الذي مع الأبوين ذكوراً فقط، أو إناثاً فقط، أو ذكوراً وإناثاً، فإن كانوا ذكوراً فقط؛ فليس للأب ولا للأم إلا السدس، وإن كانوا إناثاً فقط؛ فليس للأم إلا السدس، وكذلك الأب يفرض له السدس، وإن بقي شيء أخذه تعصيباً، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً فليس للأب إلا السدس كالأم؛ لأنه لا تعصيب للأب مع وجود أحد من الأبناء أو أبنائهم؛ لأن الأبناء أو أبناءهم أولى بالتعصيب من الأب.

وقوله: { {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ} } أي: إن لم يكن له فرع وارث، لا ابن، ولا ابن ابن، ولا بنت ابن، ولا بنت، وهذا الشرط الأول، والشرط الثاني في قوله: { {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} }، والجواب: { {فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} } وللأب الباقي؛ لأنه إذا كان المال بين شخصين، وفرض لأحدهما، فالباقي كله للآخر.

فقوله: { {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} } هنا انحصر الإرث في الأبوين، { {فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} }، والباقي للأب؛ لأن الله قال: { {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} } وأعطى أمه الثلث، فيكون الباقي للأب بالضرورة، فإذا هلك هالك عن أم وأب، وليس معهما ولد ولا غيره؛ لا إخوة، ولا زوج، ولا زوجة؛ فللأم الثلث، والباقي للأب.

وهذا مطرد على قاعدة الفرائض؛ لأن قاعدة الفرائض: «إذا كان الوارثان ذكراً وأنثى من جنس، وفي مرتبة واحدة، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين» فمثلاً: ابن وبنت، أخ شقيق وأخت شقيقة، أخ لأب وأخت لأب، للذكر مثل حظ الأنثيين.

مسألة: إذا كان مع الأبوين زوج أو زوجة، فهل ترث الأم الثلث؟

الجواب: نقول: إن الآية الكريمة تدل على أنه ليس لها الثلث:

فإذا هلكت امرأة عن زوجها وأمها وأبيها مثلاً، وليس في المسألة ولد، فانحصر الإرث في ثلاثة أشخاص، فللزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، وللأب الباقي.

وصار للأم ثلث الباقي لماذا؟ لأن الأم والأب ورثا ما بقي بعد الزوج، وقد قال الله تعالى: { {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} }، فكأن الأبوين ورثا نصف المال الذي هو الباقي بعد الزوج، فنجعل الباقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، فإذا جعلناه كأنه المال كله فإن للأم الثلث، وهذا واضح جداً، ومعلوم بنص القرآن أن الأم والأب إذا ورثا المال كله فللأم الثلث، فيكون لها ثلث الباقي.

وهذه القسمة ليست مخالفة للنص، بل هي موافقة للنص.

مثال آخر: هلك رجل عن زوجة، وأم، وأب، فللزوجة الربع، وبقي ثلاثة أرباع: للأم ثلث الباقي، وللأب الباقي؛ لأن الزوجة لما أخذت نصيبها صار الباقي بعد فرضها كأنه المال كله، والأم والأب إذا ورثا المال كله صار للأم الثلث، وعلى هذا: فللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجة، والباقي للأب، وهذا مقتضى النص القرآني الذي معنا.

وهاتان المسألتان ـ وهما: زوج وأم وأب، وزوجة وأم وأب ـ تسميان: العمريتين، والغراوين؛ لأن أول من قضى بهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ لم توجد هذه الصورة لا في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ووجدت هاتان الصورتان في عهد عمر رضي الله عنه، فقضى بهما على هذا النحو قضاء موافقاً للصواب بلا شك، وسميتا بالغراوين لأنهما في الفرائض كالغرة في وجه الفرس، لظهورهما وبيانهما واشتهارهما.

وقوله تعالى: { {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} } هذا معطوف على قوله: { {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} } يعني: حين إرث أبويه له { {فَإِنْ كَانَ} } والفاء هنا عاطفة للترتيب، وهي تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، فإذا ورث الرجل أبواه وكان له إخوة، { {فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} } سواء كانوا إخوة ذكوراً أو إناثاً، أشقاء، أو لأب، أو لأم.

مثاله: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين؛ فللأم السدس، والباقي للأب.

وقد فرضنا للأم السدس؛ لوجود جمع من الإخوة، ولم نفرض للأب السدس؛ لعدم الفرع الوارث، فنقول: للأم السدس، والباقي للأب، والإخوة يسقطون بإسقاط النبي صلّى الله عليه وسلّم لهم حيث قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(21)].

وصاحب الفرض في هذه المسألة هي الأم، وقد أعطيناها نصيبها، ثم بحثنا وقارنا بين الأب والإخوة فوجدنا أن الأب أولى؛ لأن الميت بضعة منه، فقلنا: الباقي للأب.

فإن قال قائل: كيف يحجب الإخوة وهم محجوبون؟

فنقول: نعم، يحجبون غيرهم وهم محجوبون؛ لأن حجبهم هنا لوجود المانع، فإن الذي منعهم من الإرث هو الأب لا لفوات الشرط، فهم من أهل الإرث، فليس فيهم مانع من موانع الإرث حتى نقول: إن هؤلاء ليسوا مستحقين بالأصل من الميراث، بل نقول: إنهم مستحقون لولا وجود المانع؛ فلهذا حجبوا وهم محجوبون.

والغريب في هذه المسألة: أنه لو كان الإخوة إخوة من أم؛ فإنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، وهذه غريبة من غرائب العلم أن يكون المدلي حاجباً لمن أدلى به، والعادة أن الذي يَحجب هو المدلى به، فالابن يحجب ابن الابن؛ لأن الابن مدلي بالابن، ومن أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، وهنا الإخوة من الأم مدلون بالأم، ولم تحجبهم الأم، بل هم الذين حجبوا الأم، فهي على العكس، ولكن مسائل الفرائض كثير منها لا مجال للرأي فيها، ولا مدخل للاجتهاد فيها كما قال تعالى: { {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} }.

فيكون ميراث الأبوين على أحوال:

الحالة الأولى: إذا كان معهم ولد؛ فلكل واحد منهما السدس، فإن كان الولد ذكراً فليس سوى السدس، وإن كان أنثى فللأب ما بقي بعد الفروض تعصيباً.

الحالة الثانية : إذا ورث الميت أبواه فقط؛ أي: لم يوجد وارث سوى الأبوين، لا إخوة، ولا فرع وارث، فميراث الأم الثلث بالنص، والباقي للأب؛ لأن المال الذي بين شخصين إذا قدر لأحدهما نصيبه صار الباقي للثاني.

فمثلاً : لو أعطاك شخص مالاً مضاربة تشتغل فيه، وقال: لك ربع الربح، فإنه يكون لصاحب المال ثلاثة أرباع؛ لأن المال بين اثنين، إذا قدر لأحدهما نصيب فالباقي للآخر.

الحالة الثالثة : إذا ورث الأبوان ولدهما وله إخوة، فللأم السدس، وإن كان الإخوة غير وارثين، والباقي للأب، والإخوة يسقطون، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(22)].

وهذه الآية الكريمة قد اشتملت على حكم ميراث الفروع والأصول، وقد بدأت بذكر الفروع قبل الأصول، وكان المتوقع أن تبدأ بالأصول؛ لأنهم أحق بالبر من الفروع، لكن بدأت بالفروع لأنهم بضعة من الميت وجزء منه، والأصول بالعكس، فإن الميت بضعة منهم، فكان الذي هو بضعة منه أولى، وهذه من الحكم العظيمة؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا لم يبدأ الله عزّ وجل بذكر الوالدين قبل ذكر الأولاد؟ والجواب هو هذا.

أما الأزواج والحواشي، فقد ذُكروا بعد هذه الآية مباشرة؛ لأن الآية الثانية الآتية خالصة لذوي الفروض، وليس فيها عصبة، وهي قوله تعالى: {{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}} [النساء: 12] .. الآية، وقد ذكر فيها الزوجان، والإخوة من الأم، وكلهم أصحاب فروض، ولهذا قال الله تعالى فيها: {{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}} [النساء: 13] الآية، وهنا لم يقل: تلك حدود الله؛ لأن هذه الآية فيها تعصيب غير محدد، والآية التي بعدها كلها أصحاب فروض، والآية الثالثة في آخر السورة فيها فروض وفيها تعصيب، ولهذا قال الله تعالى فيها: {{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا}} [النساء: 176] .

مسألة : هلك هالك عن جد وأخ وأم، فنقول: للأم الثلث؛ لأنه ليس هناك فرع وارث، ولا جمع من الإخوة، وهذا مما يُضعف القول بأن الجد أخ؛ لأنه هنا ليس بأخ، ولا يحجب الأم، كما أنه لو كان عندنا جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، وقد ذكر العلماء صورتها فيما لو وطئ رجلان امرأة بشبهة، وأتت بولد، وعرض على القافة الذين يعرفون الأنساب بالشبه، فقالوا: هذا الولد لهذين الرجلين جميعاً، فصار له أبوان، ولكل أب أب، فيكون له جدان، فلو كان له جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، والأدلة على ضعف إلحاق الجد بالإخوة أدلة كثيرة.

وقوله تعالى: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} } أي: أن هذا الميراث الذي قسمه الله عزّ وجل إنما يكون { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا} }، وفي قراءة «يُوصَى بها» بالبناء للمجهول، { {أَوْ دَيْنٍ} }، والوصية في الأصل هي العهد بالشيء المهم، وهي اصطلاحاً: التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت، فهي إما بمال وإما بتصرف، فإذا أوصى رجل إلى شخص بالنظر على أولاده الصغار، فهذه وصية بتصرف، وإذا أوصى شخص بمائة درهم لفلان، فهذا تبرع بالمال بعد الموت، وهذا هو المراد بهذه الآية، وهو التبرع بالمال بعد الموت.

وقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} } مطلق لم يقيد، لكن دلت السنة على أنه لا تزيد الوصية على الثلث، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين عاده النبي صلّى الله عليه وسلّم في مكة فقال له سعد: إني ذو مال ـ يعني: ذو مال كثير ـ ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» . قال: فالشطر؟ قال: «لا» . قال: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»[(23)] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع»، يعني: لكان أحسن؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «والثلث كثير»[(24)]، ولم يرخص في الثلث إلا في المراجعة الثالثة من سعد رضي الله عنه.

ويُذكر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: «أرضى بما رضيه الله لنفسه»[(25)]، فأوصى بالخمس، واعتمد ذلك الفقهاء، فقالوا: ينبغي أن تكون الوصية بالخمس، ولكن لشُح الناس اليوم صاروا لا يعرفون في الوصية إلا الثلث، فيندر جداً أن ترى شخصاً أوصى بخمس ماله، وينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس، وأن يقولوا لهم: إن الوصية بالثلث رخصة جاءت بعد مراجعة، وما دون الثلث أفضل منه.

وقد دل القرآن على أن الوصية لا تكون لوارث، وهذا هو الشرط الثاني في الوصية، فالشرط الأول: أن لا تزيد على الثلث.

والشرط الثاني: أن لا تكون لوارث، ووجه الدلالة قوله تعالى: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} }، فجعل الوصية مستقلة عن الميراث، وقال في الآية التي تلي هذه لما ذكر الإرث: { {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *} {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا}} [النساء: 13 ـ 14] ، ولا شك أن من أوصى لأمه بالخمس وقد أعطاها الله السدس، فقد تعدى حدود الله، فإن فرض الله لها هو السدس، وهو زاد على ذلك الخمس، فصار ميراثها أكثر من الثلث، وهذا تعدٍ لحدود الله.

فالوصية التي تقدم على الميراث هي الوصية الشرعية التي جمعت شرطين، وهما: ألا تزيد على الثلث، وألا تكون لوارث.

وقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا} } في قوله { {يُوصِي بِهَا} } دليل على أنه لا بد من ثبوت الوصية، وأن يكون الموصي أوصى بها عن طمأنينة وعن معرفة، فلو أوصى وهو في غمرات المرض، ولم يكن يتصور ما يقول، فإن الوصية لا تقبل، ولا عبرة بها؛ لأنه حقيقة لم يوص بها، وكذلك لو لم تثبت الوصية ببينة، فإنها لا عبرة بها، إلا إذا صدّق الورثة ـ وهم راشدون ـ بذلك، فالحق لهم.

وقوله: { {أَوْ دَيْنٍ} } الدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، فالأجرة دين، والقرض دين، وثمن المبيع دين، والصداق على الزوج دين، وعوض الخلع على الزوج دين، وأرش الجراحات دين، فكل ما ثبت في الذمة فهو دين، فيقدم الدين على الميراث، فلو قدر أن الدين يستغرق جميع المال فلا شيء للورثة؛ لأن الله قال: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، وإذا قدر أنه يستغرق نصف المال صار الميراث نصف المال.

وأيهما يقدم: الدين أم الوصية؟

الجواب: يقدم الدين قبل الوصية، كما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدين قبل الوصية»[(26)]، والمعنى يقتضيه؛ لأن الدين قضاؤه من باب الواجب، والوصية من باب التبرع، بمعنى: أن المدين يجب عليه أن يقضي دينه، والوصية مستحبة وليست بواجبة، والنظر الصحيح يقتضي تقديم الواجب.

فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك، فما الحكمة من تقديم الوصية على الدين في الآية؟

فنقول: الحكمة هي:

أولاً : العناية بالوصية، والإشارة إلى أن الدين ينبغي للعاقل أن لا يحمله نفسه.

ثانياً : أن الدين له من يطالب به، فلو فرض أن الورثة سكتوا وقسموا التركة، فإن صاحب الدين لن يسكت، بل لا بد أن يطالب، لكن الوصية لو كتموها، ولم يعلم بها الموصى له، فليس هناك من يطالب بها، فلهذا قدمها ليهتم الورثة بها، لا ليقدموها على الدين، فالدين مقدم، ثم الوصية، ثم الميراث.

فإذا هلك هالك عن ورثة، وكان عليه دين يستغرق نصف ماله، وأوصى بالثلث، فالمسألة من ستة، للدين ثلاثة، وللوصية ثلث واحد، فالمأخوذ في الدين كالمفقود، وعلى هذا فتكون التركة الموروثة هي الباقية بعد الدين، وهي ثلاثة من ستة، فيعطى صاحب الوصية ثلث الباقي وهو واحد، ويبقى اثنان هما نصيب الورثة، فقدمنا الدين على الوصية، وجعلنا النقص على الوصية، ولولا الدين لأخذ الموصى له اثنين من ستة، لكنه الآن لم يأخذ إلا واحداً من ستة؛ لأن الدين مقدم على الوصية.

مسألة : هل يجوز للأب أن يوصي لابنه الكافر؟

الجواب: نقول : الكافر لا يرث من المسلم، فما دام أنه لا يرث فيوصي له، ولكن في بره تفصيل بيّنه الله في سورة الممتحنة، فقال تعالى: { {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ} } وهذا إحسان { {وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}} [الممتحنة: 8] وهذه المعاملة بالعدل، فما نُهي الإنسان أن يعامل الكافر بالعدل، أو بالفضل، بشرط ألا يكون ممن يقاتلوننا في الدين.

مسألة : إنسان له دين مؤجل، فهل تقسم تركته أو يقضى الدين المؤجل؟

نقول: إن وَثَّق الورثة برهن مُحرز، أو كفيل مليء، فالدين باقٍ على ما هو عليه لا يَحِل، وإن لم يوثقوه حل الدين ووجب البيع.

ثم قال تعالى: { {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} } فلما قسم سبحانه القسمة على ما اقتضته حكمته؛ قطع خط الاعتراض على هذه القسمة بقوله: { {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} }.

فلو قال قائل: إن الآباء أحق من الأبناء؛ لأن برهم واجب، وقال الآخر: إن الأبناء أحق من الآباء؛ لأنهم قصر يحتاجون إلى رعاية في الغالب، فنقول: وراء ذلك كله حكمة الله عزّ وجل، فنحن لا ندري: آباؤنا أو أبناؤنا أيهم أقرب لنا نفعاً.

والآية تعم التفصيل بين الجنس والجنس، وبين الأبناء، فهي تعم المعنيين، فلا تدرون هل الآباء أنفع لكم أو الأبناء؟ ولا تدرون هل الأكبر من الأبناء أنفع أم الأصغر؟ وهل الأقرب من الآباء أنفع أم الأعلى؟

وكثيراً ما يكون الجد أرأف وأرحم من الأب بأحفاده، وكثيراً ما يكون الابن الأصغر أرحم من الابن الأكبر، فنحن في الحقيقة لا ندري هل الآباء أبر وأنفع لنا أو الأبناء، وهل الأبر من الأبناء فيما بينهم الكبير أو الصغير أو المتوسط، وكذلك بالنسبة للآباء لا ندري، فلما كنا لا نعلم؛ وجب أن نكل الأمر إلى عالمه وهو الله عزّ وجل.

ثم قال تعالى: { {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} } قوله: { {فَرِيضَةً} } مصدر عاملها محذوف، وقد يقال: إنها مصدر نابت عن عاملها، والتقدير على الأول: فرضنا ذلك فريضة، وعلى الثاني نجعل { {فَرِيضَةً} } هي نفسها العامل، ولا تحتاج إلى عامل ينصبها، فتكون تأكيداً لما سبق، ويسمى هذا: المصدر المؤكد للجملة التي قبله، ولا يحتاج إلى عامل، قال ابن مالك: كأنت ابني حقاً.

فكلمة «حقاً» ليس لها عامل، لكنها تؤكد الجملة التي سبقتها.

وهذه أيضاً ليس لها عامل، لكن لما قال تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} } إلى قوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ} } وقسم وقدر، صار هذا المصدر مؤكداً للجملة التي قبله.

وقوله: { {فَرِيضَةً} } الفرض في اللغة: الحز والقطع، يقال مثلاً: فرض اللحم؛ أي: حزه، وفرض العصا: قطعها، وفي الشرع: ما ألزم به الشارع، ولا فرق على القول الصحيح بين ما ثبت بدليل ظني، وبين ما ثبت بدليل قطعي، وقد قال بعض العلماء: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، والصحيح أنه لا فرق، فما دام أنه قد ثبت الإلزام به، فسمه فرضاً أو سمه واجباً.

وقوله: { {مِنَ اللَّهِ} } أي: صادرة منه لا من غيره، فلم يقم بفرضها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الله وحده هو الذي تولى فرضها.

وقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} } أي: كان عليماً بمن يستحق، وبمقدار ما يستحق، وحكيماً في وضع الحق في أهله، كماً وكيفاً، فهو عزّ وجل له العلم التام، وله الحكمة التامة، وبالعلم والحكمة تتم الأمور؛ لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل، وإما السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه، فلما اجتمع في حقه سبحانه العلم والحكمة، انتفى أيّ اعتراض يمكن أن يعترض به على الحكم، ولهذا نجد الجاهل يتخبط في الأحكام؛ لأنه جاهل، ولو كان عنده حسن قصد وحسن إرادة، لكنه جاهل، وتجد العالم السفيه الذي ليس عنده حكمة ترشده إلى ما فيه الخير يتخبط ويتعسف، أما من لديه علم وحكمة فإنه كامل الحُكم، وأحكامه تامة؛ والله سبحانه هو العليم الحكيم.

والعليم والحكيم من أسماء الله عزّ وجل، والعلم إدراك المعلوم على ما هو عليه، فخرج بقولنا: «إدراك المعلوم» من لم يدرك، فهذا جاهل جهلاً بسيطاً، وخرج بقولنا: «على ما هو عليه» من أدرك الشيء على غير ما هو عليه، وهذا جاهل لكن جهله مركب.

والجهل البسيط أهون من الجهل المركب، ونضرب لذلك ثلاثة أمثلة: فلو سأل سائل عن غزوة بدر، فقيل له: وقعت في رمضان في السنة الثانية، فهذا المجيب عالم، ولو أجيب بأنها في السنة الثالثة، فهذا جاهل جهلاً مركباً، ولو أجيب بـ«لا أدري» فهذا جاهل جهلاً بسيطاً، وهو خير من الجهل المركب. ويقال: إن رجلاً يسمى توما يدعي الحكمة، فقال فيه القائل:

قال حمار الحكيم توما***لو أنصف الدهر كنت أركب

لأنني جاهل بسيط***وصاحبي جاهل مركب

فالحمار جاهل لكن جهله بسيط، وتوما صاحبه جاهل مركب، وعلى هذا يقول الشاعر الآخر:

ومن رام العلوم بغير شيخ***يضل عن الصراط المستقيم

وتلتبس العلوم عليه حتى***يكون أضل من توما الحكيم

تصدق بالبنات على رجال***يريد بذاك جنات النعيم

أي: أن توما تصدق على الناس بالنساء بدون عقد نكاح؛ ويظن أن ذلك تقرب إلى الله وصدقة، فهذا هو الجهل المركب.

و«الحكيم» مشتق من الحُكم والحِكمة، فهو عزّ وجل حاكم، وهو محكم، فعليه تكون «حكيم» بمعنى «فاعل» إذا كانت من الحكم، وبمعنى «محكم» إذا كانت من الحكمة، و«حكيم» يأتي بمعنى محكم، ومنه قول الشاعر:

أمن ريحانة الداعي السميع***يؤرقني وأصحابي هجوع

فقوله: «السميع» أي: المسمع.

وحكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي.

فقول أخي يوسف: { {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي}} [يوسف: 80] هذا حكم كوني، ولهذا لم يقل: «علي» بل قال: «لي»؛ أي: يُقدر لي ذلك، وقوله تعالى في سورة الممتحنة عندما ذكر أحكام النساء: { {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}} [الممتحنة: 10] هذا حكم شرعي.

والفرق بينهما يقارب الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية: فما تعلق بما يحبه فأمر به، أو يكرهه فنهى عنه، فهذا شرعي، وما تعلق بتقديره، سواء أحبه أم لم يحبه، فهو كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه، والحكم الشرعي قد يُمتثل وقد لا يمتثل.

أما على الوجه الثاني في «الحكيم» وهو المحكم، فنقول: الحكمة وضع الشيء في موضعه، وتتعلق بالحكم الكوني والحكم الشرعي، ثم هي إما حكمة باعتبار الصورة المعينة، وإما حكمة باعتبار الغاية، فإذا ضربت اثنين في اثنين صارت أربعة، فالحكمة تتعلق بالحكم الكوني على صورته المعينة وعلى غايته الحميدة، فمثلاً: الحكم الكوني إذا حكم الله عزّ وجل على أناس بالفقر والمرض والزلازل وما أشبه ذلك، فهذا حكم لا شك أنه متضمن لحكمة، كونه وقع على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حميدة، وهذه حكمة { {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *}} [الروم: 41] .

وقد خلق الإنسان على هذه الصفة لحكمة، خلق قائماً منتصباً وغيره على العكس؛ لأن الإنسان له وظائف من قيام وركوع وسجود لا تتم إلا على خلقه على هذا الوجه، فلذلك خلقه الله تعالى قائماً منتصباً دون غيره من الحيوانات، فكونه على هذا الوجه حكمة، وكون الغاية من ذلك أداء الوظائف التي كلفه الله بها هذه حكمة أخرى، وهكذا في الشمس والقمر والجبال والأنهار وما أشبه ذلك.

وفي الشرع أيضاً حكمة على الصورة المعينة وحكمة في الغاية، فكون الشرع جاء على هذا الوجه: الصلوات الخمس، وأوقاتها متفرقة، وعددها كذا وكذا، هذا لا شك أنه مطابق للحكمة؛ ولهذا فإن الصلوات كلها مقرونة بتغير الشمس في الأفق، فالفجر عند إقبالها، والمغرب والعشاء عند إدبارها، والظهر والعصر عند توسطها وميلها، فلا بد أن يكون هناك سبب، فهذه حكمة، والغاية من الصلاة حكمة أيضاً.

إذاً: فالحكمة تتعلق بالحكم الكوني والشرعي على الصورة التي هو عليها، وعلى الغاية المقصودة منه، فتكون أربعاً: حكمة في الحكم الكوني باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الكوني باعتبار غايته، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الغاية المقصودة منه، وكل هذه المعاني الجليلة العظيمة يتضمنها قوله: «حكيماً»، فأسماء الله في الحقيقة مملوءة من المعاني، وهي حسنى كما وصفها الله عزّ وجل.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن الله أرحم بالإنسان من والديه، لقوله: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} }، فالذي يوصيك بالشيء هو أرحم به منك، وأشد عناية به منك، ولهذا إذا وصى الإنسان أحداً على أولاده فهو أرحم بأولاده من هذا الوصي.

2 ـ الحكمة في توزيع الميراث، فإنه يشمل جميع الأولاد، ولا يقتصر على الصغار فقط، أو على ذوي الحاجة، أو على من كان لا يكتب، وما أشبه ذلك، وهذا من الحكمة، من أجل أن لا يحصل ما يسمى في العرف الاصطلاحي «بتبديد الثروة» أي: توزيع الثروة، حتى لا تنحسر، فإن هذا المال الذي هو ملايين كان يملكه واحد، والآن يملكه عدد كثير، ثم هذا العدد إذا ماتوا سينتقل إلى عدد آخرين، وهذا لا شك أنه من الحكمة.

3 ـ وهناك حكمة أخرى في توزيع الميراث، حيث جعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وفي ذلك حكم:

منها: اعتبار ما يكون على الذكر من مسؤوليات مالية أكثر من الأنثى، فإن عليه الإنفاق، وعليه المهر، وعليه الجهاد، وعليه حقوق مالية أكثر، فَرُوعِي ذلك في قسمة المواريث، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.

ومنها: بيان شرف الرجل على المرأة، وأنه أحق بالتكريم منها، خلافاً للمتفرنجين الآن الذين يقدمون الإناث على الذكور، وخلافاً لأهل الجاهلية الذين لا يورثون الإناث شيئاً، يقولون: لا نورث إلا من يحمي الذمار، ويركب الخيل، ويذود عن الحمى، أما امرأة قابعة في البيت فليس لها ميراث، لكن الإسلام أعطاها الميراث، إلا أنها ليست مثل الذكر.

4 ـ أنه ينبغي للإنسان أن يختار من الألفاظ الأحسن والأمثل، وإن كان المؤدى واحداً، فإن الله قال: { {مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} } ولم يقل: يوصيكم الله في أولادكم للأنثى نصف ما للذكر، فحسن التعبير له أثر.

ومعلومة قصة الملك الذي رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت، فدعى بعابر يعبر الرؤيا، فقال: أيها العابر عبر لي هذه الرؤيا، فقال: أيها الملك! تموت حاشيتك وأهلك، فارتاع الملك، فأمر به فضرب وجلد؛ لأنه روع الملك، ثم قال: ائتوا بعابر آخر، فأتوا بعابر آخر فسأله، فقال: يكون الملك أطول حاشيته عمراً، ففرح الملك، وأمر له بجائزة، مع أن المعنى واحد؛ لأنهم إذا ماتوا قبله يكون هو الآخر، لكن هذا فيه أن حسن التعبير له أثر، فينبغي للإنسان إذا أراد أن يعبر أن يختار أجزل العبارات وأسهلها وأحبها إلى النفوس.

5 ـ أن ميراث النساء الخلص البنات: للثنتين فأكثر الثلثان، وللواحدة النصف.

6 ـ أن الإرث شامل لجميع التركة من عقار، ومنقول، وحيوان، ومنافع، وحقوق، ويؤخذ هذا من قوله: { {مِمَّا تَرَكَ} }، فكل ما ترك فهو داخل في الإرث، ولهذا يجب التنبه لمن كان له ورثة في غير البيت الذي هو فيه، فإن من الناس من إذا مات ميتهم وورثه آخرون خارج البيت، يتمتع بما في البيت من طعام وغيره، ويسكن أيضاً، وهذا لا يجوز إلا بعد إذن بقية الورثة، وإلا فإنه يُخصم من ميراثه، وكذلك تُضرب أجرة على هؤلاء الذين في البيت من حين موت الرجل.

7 ـ أنه لا يزيد فرض الثلثين بزيادة الإناث، ويؤخذ من قوله: { {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} }.

8 ـ الحكمة في تقديم ميراث الأولاد على ميراث الأبوين؛ لأن الأولاد بضع من أبيهم أو أمهم، فلذلك قدم ذكرهم على الأبوين.

9 ـ أن الوالدين إذا ورثا ولدهما واختصا بالإرث، كان للأم الثلث والباقي للأب، لقوله: { {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} }، وعلى هذا فيكون الأب في هذه الحال وارثاً بالتعصيب؛ لأن نصيبه لم يقدر.

10 ـ أنه إذا وجد للميت فرع وارث فإن للأبوين السدس، لا يزيد إلا مع الإناث، فإن بقي شيء أخذه الأب تعصيباً.

11 ـ أن للأم السدس مع جمع من الإخوة، لقوله: { {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} }، وظاهر الآية: سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، بل إن ظاهرها أنهم إذا كانوا غير وارثين فليس للأم إلا السدس؛ لأن الفاء مفرَّعة لما بعدها على ما قبلها.

فإن قال قائل: كيف تجعلون للأم السدس مع وجود إخوة محجوبين بالأب؟ ألستم تقولون: لو وجدت أم وإخوة أرقاء؛ فإن الإخوة لا يحجبون الأم إلى السدس، أو وجدت أم وإخوة كفرة؛ فإنهم لا يحجبون الأم إلى السدس، يعني: لو هلك هالك عن أمه وإخوته الذين لا يصلُّون، فإن لأمه الثلث، ولا يحجبها الإخوة الذين لا يصلُّون إلى السدس؛ لأنهم كفار لا يرثون؟

فالجواب: أن هؤلاء محجوبون بوصف، فهم ليسوا من أهل الإرث أصلاً، وأما الإخوة الذين حجبوا بالأب فهم من أهل الإرث، لكن وجد مانع، وفرق بين وجود المانع وبين فوات الشرط، فالإخوة مع اختلاف الدين أو كونهم أرقاء، ليسوا أهلاً للميراث أصلاً؛ لأن من شرط استحقاقهم الإرث أن يكونوا موافقين للإنسان الميت في دينه، وأن يكونوا أحراراً، لكن هؤلاء الإخوة مع الأب هم مستحقون للإرث، فهم أحرار، موافقون في الدين، لكن وجد مانع وهو الأب، فهذا هو الفرق بين كون المحجوب بالوصف وجوده كعدمه، والمحجوب بالشخص وجوده معتبر.

12 ـ أن الميراث يأتي في المرتبة الثالثة مما تركه الميت، لقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، ولكن قد دلت السنة على أن تجهيز الميت مقدم على كل ذلك، وعلى هذا يكون الميراث في المرتبة الرابعة، ودليل السنّة: أن رجلاً وقصته راحلته وهو واقف بعرفة، فسئل النبي صلّى الله عليه وسلّم عنه فقال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه»[(27)]، ولم يذكر هل عليه دين، أو وصية، فدل هذا على أن مؤن التجهيز مقدمة على الوصية والدين؛ ولأن التجهيز يتعلق ببدن الميت، فكان مقدماً على الوصية والدين؛ كالمحجور عليه عند الإفلاس، فالمحجور عليه عند الإفلاس إذا أفلس وحجرنا عليه، ومنعناه من التصرف في ماله، فإننا نبدأ بما تتعلق به حاجته، فإنه يبقى له.

13 ـ وجوب تنفيذ الوصية؛ لقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} }، فقدمها على ما يستحق من المال؛ لأن تنفيذها واجب.

14 ـ أن الرق مانع من الإرث، ويؤخذ من قوله: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} }.. إلى قوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} }، ووجه ذلك أن اللام تفيد الملك، والرقيق لا يملك، وعلى هذا فلا حق للرقيق في الميراث؛ لأنه لا يملك.

15 ـ الإشارة إلى اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاجتهاد الصائب في العمريتين، حيث جعل للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين، وذلك أن الزوج أو الزوجة إذا أخذ حقه انفرد الأب والأم فيما بقي، وقد جعل الله للأب والأم إذا انفردا؛ للأم الثلث، والباقي للأب، فيكون ما بقي بعد فرض الزوجين للأم ثلثه، وللأب الباقي.

16 ـ أن الواحد من الإخوة لا يحجب الأم إلى السدس، لقوله: { {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} }، بخلاف الأبناء أو البنات، فإن الواحد يحجبها إلى السدس، لقوله تعالى: { {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} }، و{ {وَلَدٌ} } نكرة في سياق الشرط، فيعم الواحد والمتعدد والذكر والأنثى.

17 ـ أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية، لقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، ولكن الدّين قد يستغرق جميع التركة، فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدّين والوصية، وهو: أن الدّين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة.

وعلى هذا فلو مات شخص وخلف مائة ألف، وعليه دين يبلغ مائة ألف، فليس للورثة شيء، ولو مات ميت وقد أوصى بمائة ألف، ولما مات وجدنا ميراثه مائة ألف، فنرد المائة ألف إلى الثلث ما لم تُجِز الورثة.

18 ـ أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}} [النساء: 12] ، فالدّين أوجب من الوصية وأقدم، لكن قدمت الوصية لاعتبارات أخرى؛ كتقديم هارون على موسى في بعض المواضع، فقد قدم هارون في سورة طه، قال تعالى: { {بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}} [طه: 70] ؛ لاعتبارات، وهي: مراعاة الفواصل، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، ومقدم عليه في جميع مواضع القرآن.

19 ـ قصور علم الإنسان، فأقرب الناس إلى الإنسان آباؤه وأبناؤه، فإذا كان لا يدري أيهم أقرب نفعاً، فما بالك بالبعيد! وهذا لا شك يعود إلى قصور علم الإنسان، وقد قال الله تعالى: { {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *}} [الإسراء: 85] ، فالروح التي هي بين جنبيك لا تعرفها؛ لأنك لم تؤت من العلم إلا القليل.

20 ـ وجوب إعطاء الورثة نصيبهم من الإرث؛ وأنه فرض، ويؤخذ من قوله: { {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} }، وعلى هذا فتعلم الحساب الفرضي ـ إن كان يتوقف عليه إعطاء كل ذي نصيب نصيبه ـ تعلمه فرض، وإن كان لا يتوقف عليه فليس بفرض، وتعلم الحساب في الفرائض وسيلة، فإذا كان وسيلة فننظر: إن احتجنا إليه أخذنا به، وإن لم نحتج فلا، ولكن في الغالب أننا نحتاج إليه، فلو جاء إنسان وقال مثلاً: اقسم بين زوج، وأم، وأخ من أم. فنقول: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخ لأم السدس، ولا يلزم أن نقول مثلاً: المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللأخ من الأم السدس واحد. فإن هذا ليس بلازم، لكن أحياناً يتوقف القسم وإعطاء كل ذي نصيب نصيبه على معرفة الحساب، فإذا توقف على معرفة الحساب صار معرفة الحساب فريضة كالأصل.

21 ـ أن أمر الفرائض إلى الله، لقوله: { {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} }، ونقول: ذلك وإن كان أمراً معلوماً، لكن من أجل الأدب في الفتيا، فقد كان الإمام أحمد رحمه الله مع علمه الغزير لا يطلق على الشيء أنه فريضة، أو أنه حرام، إلا إذا ورد به النص، وإلا فإنه يقول: «لا يفعل»، «أكره هذا»، «لا يعجبني»، وما أشبه ذلك، وهذا من باب الورع، أما نحن فتجد الواحد منا يقول: هذا يحرمه الشرع، أو هذا حرام في الشرع، سبحان الله! وربما أن هذا الرجل لو بُحث معه في أدنى مسألة لما عرفها، ويقول: هذا حرام في الشرع، وهو من المسائل الاجتهادية، وقد يكون الصواب أنه ليس بحرام، ثم يضاف إلى الشرع كله من شخص ليس أهلاً للاجتهاد.

لكن لو سأل سائل: ما تقول في الميتة؟ فقل: حرام؛ لأن هذا ورد في القرآن.

إذاً: يجب على الإنسان أن يتحرز، وكثيراً ما يلجئنا بعض الناس إلى ذلك، كأن تكون المسألة عندنا ليست واضحة في التحريم، ثم نقول: لا تفعل، فيقول: أهو حرام؟ ويصر على ذلك، ولكننا نصر على أن نقول: لا تفعل، ويكفينا هذا حجة عند الله عزّ وجل؛ لأن بعض الناس قد يلجئك، ومعنى كلامه: أنه إن كان حراماً فما أنا بفاعله، وإن كان غير حرام فسأفعله، وإن كان فيه شبهة... هذا هو معنى كلامه، وهذا إلجاء واضطرار، فلا يلزمني أن أقول: هو حرام، إذا لم يتبين لي الأمر فيه.

بل إن بعض الناس عنده جدل، فأقول له: نهى عنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فيقول: لكن هل النهي للتحريم؟ سبحان الله! إذا نهى عنه الرسول فاتركه، وانتهِ عنه، فإن كان للتحريم فقد سلمت من إثمه، وإن كان للكراهة فقد رجعت بفضله؛ لأن ترك المكروه يعتبر من الزهد، إذ أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فيكون الزهد أعلى؛ لأن بين ما ينفع وما يضر مرتبة، وهي ما لا نفع فيه ولا ضرر، فالزاهد يتركه، يترك من أمر الدنيا ما ليس فيه نفع ولا ضرر، والورع أن لا يترك إلا الحرام، إذاً: طبقة التاركين للمكروه أعلى من طبقة التاركين للحرام؛ لأن ترك الحرام من باب الورع، وترك المكروه من باب الزهد.

22 ـ إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم والحكيم، لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}}.

23 ـ من الفوائد اللغوية: أن: { {كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}} قد تسلب دلالتها على الزمان؛ لأنها لو دلت على الزمان في قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}}، لكان الرب عزّ وجل الآن ليس عليماً ولا حكيماً، لكنها أحياناً تسلب دلالتها على الزمان، ويكون مدلولها مجرد الحدث، أو مجرد الوصف إذا كان صفة، ولهذا قال بعض السلف ولعله ابن عباس رضي الله عنهما: «إن الله كان غفوراً رحيماً ولم يزل غفوراً رحيماً»، خوفاً من هذا الوهم، وهو أن { {كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}} للماضي فقط، ولهذا لو سئلت عن رجل: هل كان غنياً؟ فتقول: كان غنياً، والمعنى: وأما الآن ففقير، وإذا سئلت عن طالب: هل هو مجتهد؟ فتقول: كان مجتهداً، والآن ليس مجتهداً.

إذاً: { {كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}} في الأصل تدل على زمن مضى، لكنها أحياناً تسلب دلالتها على الزمان، فتكون لمجرد الوصف بخبرها.

24 ـ أنها تستلزم التسليم التام لقضاء الله الكوني والشرعي، ووجهه: إذا آمنت بأن الله عليم حكيم فسأطمئن، وأعلم أنه ما قضى قضاءً شرعياً إلا والحكمة تقتضيه، ولا قضى قضاءً كونياً إلا والحكمة تقتضيه، فيسلم الإنسان لربه عزّ وجل تسليماً تاماً، وينشرح صدره بقضائه وقدره وشرعه وحكمه، ولا يبقى عنده أي تردد، ولهذا انظر إلى الصحابة رضي الله عنهم كيف كان قبولهم للشرع.

فحينما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء: «يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار»[(28)]، بدأت الواحدة تأخذ خرصها أو خاتمها أو سوارها وتقول: يا بلال! أعطنا ثوبك، فجعلن يلقين ذلك في ثوب بلال، حليها الذي تتجمل به لزوجها تخلعه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرهن أن يتصدقن، وهذا امتثال غريب!!

والرجل الذي نزع النبي صلّى الله عليه وسلّم خاتمه من إصبعه ـ والذهب حرام على الرجال ـ وطرحه ورمى به، فقيل للرجل: خذه، فقال: لا آخذ خاتماً طرحه النبي صلّى الله عليه وسلّم[(29)].. إنه امتثال عجيب!

ولما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للصحابة بعد رجوعهم من الأحزاب: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»[(30)]، فلم يتأخروا أبداً، بل شدوا رحالهم وذهبوا، ولم يتعللوا بأي شيء، وبعضهم أخذ بظاهر اللفظ فقال: لن أصلي العصر إلا في بني قريظة ولو في نصف الليل، وساروا حتى وصلوا إلى بني قريظة وصلوا، والآخرون قالوا: إنما قصد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن نبادر، ولم يقصد أن نؤخر الصلاة، وقالوا: عندنا نصان: أحدهما متشابه، والثاني محكم، فالمتشابه: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» ، فهذا يحتمل تأخير الصلاة، ويحتمل تعجيل السير والمشي، والمحكم هو وجوب الصلاة في وقتها، قال تعالى: { {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}} [النساء: 103] ، فيجب أن نرد المتشابه إلى المحكم، ونصلي الصلاة في وقتها، وإن لم نصل إلى بني قريظة.

* * *

قال الله تعالى: { {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ *}} [النساء: 12] .

{ {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} } لا يمكن أن يصدق على المرأة أنها زوج إلا إذا تمت شروط النكاح، وعلى هذا فلا بد من عقد الزوجية الصحيح، فإن كان العقد غير صحيح فلا إرث، والعقد غير الصحيح يشمل الفاسد والباطل، فالأنكحة عند العلماء ثلاثة أقسام: صحيح، وباطل، وفاسد، فما أجمع العلماء على صحته فهو صحيح، وما أجمعوا على بطلانه فهو باطل، وما اختلفوا فيه فهو فاسد.

فالصحيح: هو ما اجتمعت شروطه وانتفت موانعه، وإن شئت فقل: ما أجمع العلماء على صحته.

والباطل: هو ما أجمعوا على فساده. والفاسد: هو ما اختلفوا في صحته.

مثال الأول: أن يتزوج الرجل المرأة بعقد صحيح خال من الموانع.

ومثال الثاني: الباطل: أن يعقد على امرأة فيتبين أنها أخته من الرضاع، فهنا العقد باطل؛ لإجماع العلماء على فساده، أو أن يتزوج امرأة في عدتها، فإن العلماء مجمعون على فساد هذا العقد.

ومثال الثالث: أن يتزوج امرأة بلا شهود، أو بشهود من الأصول والفروع، أو بلا ولي، أو يتزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، فكل هذه الأنواع مختلف فيها.

فمثلاً: من رضعت من أمه ثلاث رضعات، فهي عند كثير من العلماء أو أكثر العلماء تحل له؛ لأن الرضاع المحرم خمس رضعات، وعند بعض العلماء أن المحرم ثلاث؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرم المصة ولا المصتان»[(31)]، فمفهومه أن ما زاد عليهما محرم، فعلى هذا الرأي يكون هذا النكاح باطلاً؛ أي: فاسداً.

وإذا تزوج من امرأة رضعت من أمه رضعة واحدة، فالنكاح أيضاً فاسد، لكن فساده أقرب من فساد من يقول بالثلاث؛ لأن القول بأن الرضاع مطلقاً محرم هو قول أهل الظاهر، وهو قول ضعيف.

فالنكاح الفاسد لا توارث فيه بين الزوجين، والنكاح الباطل كذلك لا توارث فيه، والنكاح الصحيح ـ وهو الذي أجمع العلماء على صحته؛ لتمام شروطه وانتفاء موانعه ـ هو الذي يحصل به الإرث، وهو مستفاد من قوله: { {مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} }.

وقوله: { {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} } هذا شرط عدمي، ووجه كونه شرطاً عدمياً: دخول النفي على مضمونه، والنفي عدم، فيشترط لإرث الزوج نصف ما تركت زوجته شرط عدمي، وهو أن لا يكون لها ولد.

وقوله: { {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} } يشمل الواحد والمتعدد، والذكر والأنثى؛ لأن كلمة { {وَلَدٌ} } بمعنى مولود، وهو صالح للذكر والأنثى، ودليل ذلك قوله تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] ، فدل هذا على أن الأولاد والولد يشمل الذكور والإناث.

وقوله: { {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} } هذا تصريح بالمفهوم من قوله: { {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} }، فمفهومه: إن كان لهن ولد فالحكم يختلف، بمعنى: أنه لا يكون لهم النصف وإنما يكون لهم الربع، كما قال تعالى: { {فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} }.

فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه مع الأولاد يكون للزوج الربع، ومع عدمهم يكون له النصف؟ فنقول: لأنه إذا كان لها أولاد، فإن أولادها محتاجون إلى الإنفاق عليهم، فلذلك توفر لهم من المال ثلاثة أرباع، بخلاف ما إذا لم يكن لها ولد.

وقوله: { {وَلَدٌ} } يشمل الذكر والأنثى، والواحد والمتعدد، ومن كانوا من زوجها، ومن كانوا من غير زوجها، كما لو ماتت ولها أولاد من زوج سابق، فليس لزوجها إلا الربع.

وقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، ويشترط للوصية التي تقدم على الإرث أن تكون وصية مشروعة، وذلك بأن تكون من الثلث فأقل، ولغير وارث، وأن تكون وصية تامة الشروط، فإن اختل شرط منها فبطلت فلا عبرة بها، فلو أوصت المرأة بشيء من مالها يصرف على أهل العزف والغناء، فالوصية باطلة لا عبرة بها، ولذلك فإن هناك قاعدة مهمة: «أن الألفاظ الشرعية تحمل على المعنى المعتبر شرعاً»، فعليه نقول: الوصية هي المعتبرة شرعاً، بحيث تكون من الثلث فأقل، ولغير وارث، وبالشروط المعروفة عند أهل العلم.

وقوله: { {أَوْ دَيْنٍ} } { {أَوْ} } هنا مانعة خلو، وليست مانعة انفراد، والفرق بينهما: أن { {أَوْ} } التي هي مانعة الخلو تعني أنه يشترط ألا يخلو واحد من هذين الأمرين، وإن اجتمعا فهو أولى، والثانية التي تمنع الاشتراك هي التي يكون الحكم فيها لأحد الأمرين، فإذا قلتُ: أكرم زيداً أو عمراً، وأنا أريد أن تكرم أحدهما، فهذه مانعة اشتراك، وإذا قلت: أكرم زيداً أو عمراً، بمعنى أني جعلت لك الخيار، فهذه يسمونها: مانعة خلو، بمعنى: أنه لا يخلو الحال من إكرام أحد الرجلين، وإكرام أحدهما من باب أولى، فـ{ {أَوْ} } هنا مانعة خلو، بمعنى: أنه قد يجتمع الدين والوصية، وقد ينفرد أحدهما، فالإرث لا يكون إلا بعد الوصية والدين، ولكن الوصية ـ كما سبق ـ تكون من الثلث فأقل، والدين قد يستغرق جميع المال، فإن استغرق الدين جميع المال فلا حق للورثة، فلو كان عليه ألف درهم وخلف ألف درهم، فهنا لا شيء للورثة؛ لأن الدين قد استغرق جميع التركة، ولو أوصت المرأة بألف وتركت ألفاً فقط، فإنها لا تنفذ الوصية؛ لأنها لا تملك الوصية إلا بالثلث فأقل.

وفي هذه الآية قدم الله تعالى الوصية على الدين، وقد سبق في الآية الأولى كذلك، وقد بيَّن العلماء رحمهم الله الحكمة من هذا بأن الوصية تبرع، والدين واجب، فقدمت الوصية ـ لجبر نقصها، بكونها تبرعاً ـ على الواجب، هذا وجه.

والوجه الثاني: أن الدين له من يطالب به، بخلاف الوصية فإنها تبرع، ولو شاء الورثة أن يجحدوها لجحدوها، فقدمت اهتماماً بها واعتناءً بها.

وقوله تعالى: { {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} } يقال في هذه الجملة ما قيل في التي قبلها، والحكمة من أن الله فرق بين الرجال والنساء، فجعل للأنثى نصف ما للرجل ـ لأن هذه هي القاعدة في الفرائض ـ : أن الرجل والأنثى إذا كانا من جنس واحد فهما على التفريق، فيكون للرجل ضعف ما للأنثى، إلا من ورث بالرحم المجردة، فإنه يستوي فيه الذكر والأنثى، مثل أولاد الأم، فإن ذكورهم وإناثهم سواء، ومثل ذوي الأرحام على المشهور من المذهب، فإن ذكرهم وأنثاهم سواء، فابن الأخت وبنت الأخت المال بينهما بالسوية، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في الفوائد ذكر الخلاف فيه، وأن الصحيح أن ميراث ذوي الأرحام مبني على إرث من يدلون به، فإن أدلوا بمن تختلف فيه الذكورة، والأنوثة فهم كذلك.

وقوله تعالى: { {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ} } يحتمل أن تكون { {كَانَ} } هنا ناقصة، وتكون جملة { {يُورَثُ} } خبر كان، ويحتمل أن تكون تامة، و{ {رَجُلٌ} } فاعل، ويورث صفة لرجل، وهذا أقرب؛ لأن التقدير: وإن وجد رجل يورث كلالة، وقوله: { {كَلاَلَةً} } مفعول مطلق، ودليل أنها مفعول مطلق: أنه يصح أن يقدر قبلها المصدر، والتقدير: يورث إرث كلالة، فعليه تكون مفعولاً مطلقاً.

وإرث الكلالة: أن يرث مَنْ دون الأصول والفروع؛ أي: أن يكون الوارث من غير الأصول والفروع؛ لأنه كالإكليل الذي يحيط بالشيء، وهم الحواشي، فالكلالة هو من كان ورثته حواشي، وهو من لا يرثه فرع ولا أصل، ولهذا جاء عن السلف أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد، فالمورث كلالة هو الذي لا يرثه إلا الحواشي، مثل: رجل مات عن إخوة، أو عن أعمام، أو عن بني إخوة، أو عن بني أعمام فهو كلالة، فكل من يورث بلا أصل ولا فرع فهو كلالة.

وقوله: { {أَوِ امْرَأَةٌ} } معطوف على رجل، ولكن كلمة { {امْرَأَةٌ} } معطوفة على رجل بصفة، والمعنى: أو امرأة تورث كلالة، وقد اتفق النحويون وكذلك الأصوليون على أن الوصف إذا تعقب جملاً عاد على الكل؛ كقولنا: أكرم زيداً وعمرواً وبكراً وخالداً إن اجتهدوا في الدراسة، فإن هذا الوصف يعود على الكل، وأما إذا انفرد وتقدم مثل قولنا: أكرم زيداً وعمرواً وخالداً إن اجتهدوا وبكراً، فقد اختلفوا: هل يكون إكرام بكر مطلقاً، أو يكون موصوفاً بما سبق؟ على قولين في هذه المسألة: والصحيح أنه يرجع في هذا إلى القرائن، والقرائن هنا قد دلت على أن «امرأة» معطوفة على رجل باعتباره موصوفاً بكونه يورث كلالة.

وقوله: { {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} } الضمير في قوله: { {وَلَهُ} } يعود على الرجل الذي يورث كلالة وكذلك المرأة، ولم يقل: ولهما أخ أو أخت، اعتباراً بالوصف الأول الذي هو الرجل.

وقوله: { {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} } مطلق، فيشمل الشقيق، أو لأب، أو لأم، ولكن العلماء أجمعوا على أن المراد الأخ من الأم أو الأخت من الأم، وقد وردت بها قراءة عن بعض السلف، «وله أخ من أم أو أخت من أم» وهذا ظاهر جداً، حتى وإن لم ترد هذه القراءة؛ وذلك لأن الإخوة الأشقاء والإخوة لأب قد ذكر الله تعالى حكمهم في آخر السورة في قوله: { {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ}} [النساء: 176] الآية.

وقوله: { {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} } أي: إذا كانوا اثنين فأكثر فهم شركاء في الثلث، فإن كانوا ثلاثة أو أربعة أو أكثر فهم شركاء في الثلث وهنا لا يفضل الأخ على الأخت؛ لأن الله قال: { {فَهُمْ شُرَكَاءُ} } ومقتضى الشركة عند الإطلاق التسوية.

وقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} } نقول فيها ما سبق، من أن هذه الوصية وصية شرعية في حدود ما أذن به الشرع.

وقوله: { {أَوْ دَيْنٍ} } أي: أو من بعد دين، و{ {أَوْ} } هنا مانعة خلو كما سبق، لكنه قال هنا: { {غَيْرَ مُضَآرٍّ} } أي: بشرط ألا يكون المقصود بالوصية المضارة، فإن ثبت أن المقصود بها المضارة؛ فهي لاغية، كما لو علمنا أن هذا الميت الذي ليس له إلا إخوة من أم أنه أوصى بالثلث من أجل أن يضيق على الإخوة، فهذه وصية ضرار، فلا تنفذ؛ لأن الله اشترط في الوصية النافذة أن تكون غير مضار بها، وكذلك لو فرض أن المريض تدين ديناً يضر بالورثة يستغرق جميع ماله، فإنه في هذه الصورة ينظر فيه إذا كان قد ضار بهم، فإن الضرر ممنوع شرعاً.

وقوله: { {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} } (وصيةً) مفعول مطلق، عامله محذوف وجوباً؛ لأن المقصود بها هنا الإلزام، والوصية بمعنى العهد المؤكد.

وقوله: { {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} } { {عَلِيمٌ} } بما يصلح عباده، { {حَلِيمٌ} } بمن عصاه فلا يعاجله بالعقوبة، والفائدة من ختم هذه الآية الطويلة ـ التي اشتملت على إرث الزوجين والإخوة لأم ـ بالعلم والحلم: أنه قد تكون الوصية مضاراً بها، ومع ذلك فلا يعجل الله للإنسان بالعقوبة، ولهذا ختم الله هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين: العليم والحليم.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن الإرث ملك قهري، لا اختيار للإنسان فيه، لقوله: { {وَلَكُمْ} }، فقد ملكنا الله إياه وأثبته حكماً شرعياً، فلو قال الزوج: أنا لا أريد نصيبي من زوجتي، قلنا له: لا، بل هو داخل في ملكك قهراً لا خيار لك فيه، فإن قال: أريد أن أتفضل به لها في مشروع خيري، أو إن كان لها أولاد أتفضل به على أولادها، قلنا له: هذه ابتداءُ عطية.

وبناءً على ذلك فلو كان عليه دين يحتاج أن يبذل فيه هذا المال الذي ورثه، فإن تبرعه بهذا المال غير نافذ، وهذه الفائدة من قولنا أنه ملك قهري.

ويتفرع على هذا أيضاً لو كان الموروث شقصاً من أرض مشتركة، فليس للشريك أن يشفع، وصورتها: أن يكون للمرأة نصف أرض، ونصف الأرض الثاني لرجل آخر أجنبي، فماتت، فورث ورثتها نصيبها من هذه الأرض، وهو النصف، فليس للشريك أن يشفع؛ لأنه ملك قهري، لكن لو أنها باعت نصيبها في حياتها، فللشريك أن يشفع.

2 ـ أنه يشترط في الميراث أن يكون الوارث حراً، ويؤخذ هذا من اللام التي للتمليك، والعبد لا يملك، فلو كان زوج الحرة عبداً، فإنها إذا ماتت لا يرث منها شيئاً، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه»[(32)].

3 ـ أن الميراث يشمل الأعيان، والديون، والحقوق، فالأعيان؛ كالدراهم والنقود والعقارات، والديون التي في ذمم الناس، والحقوق؛ كحق الشفعة، وحق الانتفاع بالكلب المباح نفعه، وحق الانتفاع بالسرجين النجس، وحق الانتفاع بالدهن النجس ـ إذا قلنا بجواز الانتفاع به ـ وما أشبه ذلك.

4 ـ ثبوت الإرث بالزوجية؛ لقوله: { {أَزْوَاجُكُمْ} }، ولا تثبت الزوجية إلا بعقد صحيح.

5 ـ ثبوت الإرث ولو ماتت الزوجة قبل الدخول؛ لأنها تكون زوجة بمجرد العقد، سواء حصل الدخول أم لم يحصل.

6 ـ أن الزوجة إذا بانت فلا توارث بين الزوجين، ويؤخذ من قوله: { {أَزْوَاجُكُمْ} }؛ لأنها إذا بانت لم تكن زوجة، فلو طلقها وانتهت عدتها ثم ماتت، فلا ميراث له منها؛ لأنها صارت أجنبية منه لا تحل له إلا بعقد جديد، ولو طلقها طلاقاً بائناً وماتت في العدة، فلا ميراث له منها؛ لأنها لما بانت منه لم تكن زوجته، بدليل أنها لا تحل له إلا بعد زوج إن كانت البينونة كبرى.

واستثنى العلماء من ذلك مسألة: وهي ما إذا أبانها في مرض موته المخوف متّهماً بقصد حرمانها، فهنا أربعة شروط: 1 ـ إذا بانت، 2 ـ في مرض موته، 3 ـ المخوف، 4 ـ متهماً بقصد حرمانها. فإذا كان الأمر كذلك فإنها ترثه ولو انتهت العدة، ما لم تتزوج، أو تأت بمنافِ للزوجية؛ كالردة، فإن طلقها في الصحة طلاقاً بائناً، ثم مات قبل انقضاء العدة، فإنها لا ترث؛ لأنه طلقها في الصحة كما سبق، وإن طلقها في مرض مخوف، ثم عوفي منه، ثم حصل له حادث فمات، فلا ترث؛ لأنه لم يمت بذلك المرض، وإن طلقها في مرض لكنه ليس بمخوف، وبعد ذلك ازداد به المرض حتى مات، فإنها لا ترث، وإن طلقها في مرض موته المخوف بطلبها، فإنها لا ترث؛ لأنه ليس متهماً بقصد حرمانها.

إذاً: ينقطع التوارث بين الزوجين بالبينونة، إلا فيما إذا طلقها في مرض موته المخوف متهماً.

7 ـ أن للزوج النصف، بشرط عدمي وهو عدم الولد، لقوله: { {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} }.

8 ـ أنه لا فرق بين أن يكون الولد واحداً أو متعدداً، ذكراً أم أنثى، ووجه الدلالة في هذه الآية: أن كلمة: { {وَلَدٌ} } نكرة في سياق النفي، فتكون للعموم.

وولد الولد كالولد، فلو كان لها ابن ابن فليس للزوج النصف؛ لأن أولاد الأبناء كأولاد الصلب.

9 ـ عناية الله سبحانه بالمواريث، حيث جاءت الآيات على هذا التفصيل، لقوله: { {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} }.

10 ـ أن المواريث مبنية على الحكمة، ووجهه: أنه إذا لم يكن للزوجة ولد فللزوج النصف، ومع الولد الربع؛ ليتوفر المال للولد.

11 ـ أنه لا ميراث إلا بعد الدين والوصية، لقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} } وينبني على هذه الفائدة أمثلة: لو مات الميت وخلف ألفاً، وعليه ألف ديناً، فليس للورثة شيء؛ لأن الدين مقدم على الميراث، لكن كيف تكون الوصية مقدمة على الميراث، مع أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث؟ يتضح هذا بالمثال: فلو هلك هالك عن زوج وأخت شقيقة، فإن للزوج النصف؛ لعدم الفرع الوارث، وللشقيقة النصف؛ لتمام شروط إرثها النصف، وإذا قدرنا أن المال ستون ألفاً، كان للزوج ثلاثون ألفاً، وللأخت ثلاثون ألفاً، فإذا كانت المرأة المتوفاة قد أوصت بالثلث اختلف الحال، فللوصية الثلث عشرون ألفاً، وللزوج نصف الباقي عشرون ألفاً، وللأخت الشقيقة كذلك النصف عشرون ألفاً، فالوصية أعطيناها الحق كاملاً، وتجد أن الميراث بدلاً من أنه كان للزوج النصف لم يكن له الآن إلا الثلث، وكذلك الأخت الشقيقة.

فتبين بذلك أن الوصية مقدمة على الميراث، ولو قدرنا أن الوصية كالميراث لاختلف الحكم، ولقلنا: عندنا ثلث زائداً على الكُلّ، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللثلث اثنان، فتعول المسألة إلى ثمانية، فيكون نصيب الثلث الآن ربعاً، مع أنا أعطيناه حسب القسمة الأولى ثلثاً كاملاً، كما أن نصيب الزوج ربع وثمن، ونصيب الأخت ربع وثمن.

فالحاصل: أن الوصية مقدمة على الميراث؛ لأن الموصى له يعطى سهمه كاملاً، ثم يقسم الباقي على الورثة على حسب الميراث.

12 ـ أن الزوجة حرة في التصرف بمالها، لقوله: { {يُوصِينَ بِهَا} }، فأضاف الفعل إليها، ولو كانت لا تتصرف إلا بإذن الزوج، فلربما منعها الزوج من الوصية؛ لأن ذلك يضره.

13 ـ الحكمة في توزيع الميراث، حيث جعل للأنثى التي من جنس الذكر نصف ما للذكر، وذلك في ذكر ميراث الزوجات.

14 ـ بيان العدل في الدين الإسلامي، حيث لم يهضم المرأة حقها من الميراث، خلافاً لما كانوا في الجاهلية يفعلونه، حيث يحرمونها من الميراث، ويظهر العدل أيضاً بكونه عبَّر عن ميراث الزوجة بمثل ما عبر به عن ميراث الزوج.

15 ـ أنه إذا كان الحديث عن النساء والرجال، فإن الحكمة أن يقدم الحديث عن الرجال؛ لأنه سبحانه بدأ بميراث الأزواج قبل ميراث الزوجات، وهذا هو الموافق للفطرة، خلافاً لمن حرف الله فطرته، وغير سليقته، فصار يقدم النساء على الرجال في الذكر، ففي الإذاعات الغربية ومن قلدوها يقولون: أيها السيدات والسادة، وأخس من ذلك من يكتب على الحمام: حمام للسيدات، وإلى جنبه: حمام للرجال، ولا يقول: للسادة، فبدلاً من أن الأنثى كانت تطالب بحقها أصبحنا نحن نطالب بحقنا! حيث يجعل النساء سيدات، والرجال بوصف الرجولة فقط لا بوصف السيادة! وكل هذا مما يدل على ضعف الشخصية، كما قاله الحكيم المؤرخ ابن خلدون في مقدمته التي كلها فلسفة كما يقولون، حتى إن بعض العلماء أنكر أن تكون له؛ لأنها فوق مستواه، وهي عظيمة جداً.

يقول: من عادة الأمم أن الأمة الضعيفة تقلّد الأمة القوية ولو بالباطل. ونحن الآن استضعفنا أنفسنا، وصرنا نقلد من قلب الله فطرتهم وسلبهم الدين في مثل هذه الأمور. نسأل الله أن يحمينا جميعاً.

16 ـ أن ميراث الإخوة من الأم الثلث إن كانوا اثنين فأكثر، أو السدس إن كان واحداً.

17 ـ أنه يشترط لإرث الإخوة من الأم أن يكون الإرث كلالة؛ أي: ليس هناك فروع ولا أصول ذكور؛ لا والد، ولا ولد، أما الأصول الإناث؛ فإن الإخوة من الأم يرثون معهن.

18 ـ التسوية بين الذكور والإناث في إرث الإخوة من الأم، ويؤخذ من قوله: { {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} }، وأصل الشركة يقتضي التسوية، كما أن البينية بالتسوية، فإذا قلت لرجلين: هذه مائة درهم بينكما، فلكل واحد خمسون، وكذلك لما قال الله عزّ وجل في إرث الإخوة من الأم: { {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} }، فلما لم يذكر تفضيل الذكر على الأنثى، دل ذلك على أنهم سواء.

وهل يشاركهم غيرهم في التسوية بين الذكر والأنثى؟

لا يشاركهم غيرهم إلا لعارض، مثل: أن يهلك هالك عن بنتين وأبوين أم وأب، فهنا يستوي الأب والأم؛ لأن البنتين تأخذان الثلثين، وللأم السدس، وللأب السدس، لكن هذه التسوية لأمر عارض؛ لأنه لم يبق شيء بعد الفروض حتى يأخذه الأب.

ويرى بعض العلماء أن ذوي الأرحام لا يفرق بين ذكرهم وأنثاهم، فإذا مات ميت عن ابن أخت شقيقة، وبنت أخت شقيقة، فلهما ميراث أمهما بالسوية.

والصحيح في هذه المسألة: أنهم ـ أي: ذوي الأرحام ـ إن أدلوا بمن يُفضَّل ذكرهم على أنثاهم؛ فُضّل ذكرهم على أنثاهم، وإن أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم؛ لم يفضل ذكرهم على أنثاهم.

مثال ذلك: ابن أخت شقيقة وبنت أخت شقيقة، والقاعدة أن الإخوة الأشقاء يفضل الذكر على الأنثى، فنقول في هذا المثال: للذكر مثل حظ الأنثيين، وفي ابن أخ من أم، وبنت أخ من أم نقول: الميراث بينهما بالسوية؛ لأنهم أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم.

19 ـ عناية الله عزّ وجل بالوصية والدين، حيث إنه كلما ذكر ميراثاً قال: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، ففي باب الفروع والأصول في الآية السابقة قال: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، وفي ميراث الزوجين قال بعد إرث كل زوج { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }.. { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} } وفي الإخوة من الأم هنا قال: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }.

20 ـ أن الوصية المضار بها لاغية، لقوله: { {غَيْرَ مُضَآرٍّ} }، ووصية المضارة حرام، وفيها إثم كبير، حتى إنه روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الرجل أو المرأة ليعملان في الصالحات أربعين سنة، ثم يجوران في الوصية فيعذبان»[(33)] ، وهذا دليل على أن الجور في الوصية من كبائر الذنوب.

21 ـ وجوب العمل بما فرضه الله تعالى في الميراث، لقوله تعالى: { {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} }، فالله عزّ وجل لا يوصي إلا بما هو حق، قال الله تعالى: { {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}} [النساء: 131] .

22 ـ أن هذه الوصية مبنية على أمرين: العلم والحلم، لقوله: { {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} }.

23 ـ إثبات هذين الاسمين لله عزّ وجل، وهما: العليم والحليم، وهما يدلان على العلم والحلم، والقاعدة: «أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، ولهذا كانت الصفات أوسع من الأسماء».

* * *

قال الله تعالى: { {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *}} [النساء: 13] .

يقول الله تعالى: { {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}} وهذه الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اسم الإشارة { {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}}، والخبر { {تِلْكَ حُدُودُ}}، والمشار إليه ما سبق من المواريث في الآية، ويحتمل أن يكون المشار إليه كل ما سبق من الأحكام قبل هذه الجملة، وذلك أن القرآن ـ وإن كانت آياته مفصلات ـ، لكنه في الحقيقة كلام واحد من حيث المعنى والسياق، ومعنى قولنا: «كلام واحد»: أن بعضه ينبني على بعض، ولهذا اعتنى بعض المفسرين ببيان تناسب الآيات، كما اعتنى بعضهم ببيان تناسب السور، وهذا بحث جيد.

ولو قيل: إن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور على حسب القاعدة أن الضمير يعود على أقرب مذكور، وكذلك الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، كان المراد بالمشار إليه هنا ما ذكر في هذه الآية: {{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}} [النساء: 12] .

وقوله: { {حُدُودُ اللَّهِ} } حدود جمع حد: والحد هو الشيء الفاصل بين شيئين، ومنه حدود الأرض يفصل بعضها عن بعض.

وحدود الله عزّ وجل تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات، أما الحدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده؛ كالزنى، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغير هذا، قال أهل العلم: وإذا قال الله: { {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا}} [البقرة: 229] فهي من حدود الأوامر، وإذا قال: { {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا}} [البقرة: 187] فهي من حدود النواهي، فالزنى مثلاً نقول: هو حد من حدود الله، فلا تقربه، والصلاة حد من حدود الله، فلا تتعده؛ أي: لا تتجاوزه.

والآية هنا من حدود الأوامر.

ثم قال: { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } هذه الجملة شرطية، واسم الشرط فيها { {وَمَنْ} }، وفعل الشرط { {يُطِعِ} }، وهو مجزوم بالسكون كما هو ظاهر، وأصل { {يُطِعِ} }: يطيع، لكنها حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن العين استحقت السكون بالشرط، والياء ساكنة، وقد قال ابن مالك في الكافية:

إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق***وإن يك ليناً فحذفه استحق

وقوله: «ليناً» أي: حرف من حروف اللين الثلاثة، وتنطبق الآية على الثاني، إلا في قوله: { {يُطِعِ اللَّهَ} } بكسر العين، فتكون على الأول.

إذاً: الآية جمعت بين الوجهين.

{ {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } قال العلماء: إن الطاعة هي موافقة الأمر، وتكون بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فتارك شرب الخمر امتثالاً لنهي الله عزّ وجل يقال: إنه مطيع، والمصلي يقال: إنه مطيع، وهذا إذا أفردت الطاعة، فإنها تشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وأما إذا قرنت بالمعصية فقيل مثلاً: من أطاع الله، ومن عصى الله؛ كانت الطاعة في الأوامر خاصة، والمعصية في النواهي، والآية التي معنا من النوع الثاني، إذاً: المراد بها القيام بالأوامر.

وقوله: { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} } عطف اسم الرسول عليه الصلاة والسلام أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال الله تعالى: { {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}} [النساء: 80] .

وقوله: { {وَرَسُولَهُ} } المراد به حين نزول القرآن رسول معين، وهو محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأما حين قيام الشرائع السابقة فالمراد بالرسول من كانت شريعته قائمة، ففي عهد المسيح يكون المراد بالرسول عيسى، وفي عهد موسى يكون المراد بالرسول موسى... وهكذا، لكن بعد بعثة الرسول صلّى الله عليه وسلّم يكون المراد بالرسول محمداً صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: { {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } { {يُدْخِلْهُ} } جواب الشرط، وهو مجزوم بالسكون، والقاعدة ومقتضى الدلالة العقلية: أن الشرط يترتب على المشروط، فالشرط الطاعة، والمشروط الجزاء والثواب، فالمشروط يترتب على الشرط ترتباً عقلياً، فهنا يكون قوله: { {يُدْخِلْهُ} } هو المشروط الذي اشترطه الله عزّ وجل لمن أطاعه، فتكون نتيجة حتمية ضرورة لصدق المخبر به؛ لأن المخبر به هو الله، وهو أصدق القائلين، والمخبر به قادر على فعله، ولهذا فإن الله تعالى يقول: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}} [الرعد: 31] ؛ لأنه كامل الصدق، كامل القدرة، وإخلاف الوعد يأتي من أحد أمرين: إما الكذب؛ أي: كذب الواعد، وإما العجز وعدم القدرة، والله عزّ وجل لا يخلف الميعاد.

وقوله: { {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } جنات: جمع جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه يستر من كان فيه لكثرة أشجاره، وهذه المادة «الجيم والنون» تدل على الستر، ومنها: «الجَنَان» وهو القلب؛ لأنه مستتر، و«الأجنة» وهي الأحمال في بطون الأمهات؛ لأنها مستترة، و«الجن»؛ لأنهم مستترون، و«الجُنة» ما يستتر به المقاتل؛ لأنها تستره، فهذه المادة كلها تدور على هذا المعنى، فالجنات: هي البساتين الكثيرة الأشجار، ولكنه لا يحسن أن نفسرها في هذا الموضع بهذا المعنى؛ لأنها إذا فسرت بهذا المعنى فكأنما حصر مدلولها بما يعرفه الناس، وسوف يقلل من أهمية الجنة الموعود بها.

ولهذا ينبغي أن تفسر بأنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا فسرت بهذا التفسير بقيت هيبتها في النفوس، لكن لو فسرت بالمعنى الأول؛ لتوهم الإنسان وقال: هذا كبستان فلان ابن فلان، كثير الأشجار، وكثير النخيل، وما أشبه ذلك.

والجنة أعظم مما في الدنيا بأضعاف مضاعفة، لا يعلمها إلا الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء»[(34)]، وإلا فالحقائق تختلف، كما قال الله تعالى: { {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}} [الزخرف: 71] ، وقال تعالى: { {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *}} [السجدة: 17] ، وفي الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»[(35)].

وقوله: { {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } الجريان معروف، وهو سير الماء على الأرض، وقوله: { {مِنْ تَحْتِهَا} } أي: من تحت هذه الجنات، فهي أشجار وارفة الظل، والأنهار تجري من تحتها، ولو تخيل الإنسان هذا النعيم، لوجده أكبر نعيم، وهذه الأنهار قد فسرها الله عزّ وجل في سورة القتال بقوله: { {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصْفّىً}} [محمد: 15] ، فليس هو عسل نحل، إنما عسل مصفى، خلقه الله هكذا، ولبن ليس كلبن البقر أو الغنم، بل خلقه الله عزّ وجل أنهار، وكذلك الماء لا يأسن أبداً مهما طالت مدته، بخلاف ماء الأرض فإنه يأسن وتتغير رائحته بطول المكث، والخمر لذة، { {لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزِفُونَ *}} [الصافات: 47] .

وقوله: { {مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } قال العلماء: إنها تجري من تحتها، ولا تحتاج إلى بناء يمنع تسرب الماء، ولا إلى حفر أخدود، بل تسير هكذا حيثما أردت، قال ابن القيم في النونية:

أنهارها في غير أخدود جرت***سبحان ممسكها عن الفيضان

فهي أنهار لا تحتاج إلى حفر سواقي، ولا إلى إقامة أخدود، بل تجري هكذا على الأرض، وقال أهل العلم أيضاً: إنها تجري حيثما أراد الإنسان، من دون أن يحتاج إلى مواد البناء ونحوها، بل يريدها بقلبه أو يأمرها بلسانه.. اللهم اجعلنا من أهلها.

وقوله: { {خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} } خالدين: حال من الضمير في قوله: { {يُدْخِلْهُ} }، لكن يشكل عليه أن الحال كالنعت، والنعت يتبع المنعوت في إفراده وتثنيته وجمعه، وهنا صاحب الحال مفرد والحال جمع، فما هو الجواب عن ذلك؟

الجواب عن ذلك: أن نقول: إن صاحب الحال عائد على «من» الشرطية، و«من» الشرطية يجوز فيها مراعاة لفظها ومراعاة معناها، فإن راعيت اللفظ أعدت الضمير إليها مفرداً، وإن راعيت المعنى أعدت الضمير إليها جمعاً، وكذلك ما يشبه الضمير من الحال والصفة وما أشبهه، فيجوز مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، فهنا يقول الله: { {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } فراعى اللفظ في قوله: { {يُدْخِلْهُ} } والمعنى في قوله: { {خَالِدِينَ} }، ويجوز أن تراعي اللفظ والمعنى وتعود مرة ثانية لمراعاة اللفظ، قال الله عزّ وجل: { {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا}} [الطلاق: 11] ، فراعى في الأول اللفظ، ثم راعى المعنى، ثم راعى اللفظ، وهذا جائز في اللغة العربية.

وقوله: { {خَالِدِينَ فِيهَا} } قال العلماء: الخلود هو المكث الدائم، إلا أن يدل دليل على أنه مؤقت، فيراد به المكث الطويل، وإلا فالأصل أن الخلود هو الدوام، لكن إن وجد دليل يدل على أن المراد به طول المكث؛ عمل به.

وقوله: { {وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} } المشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه.

{ {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} } الفوز معناه: الربح، يقال: فاز فلان، بمعنى: ربح، والعظيم: معناه: ذو العظمة، والعظمة: هي ضخامة الشيء، وجلالة الشيء، وكثرة الشيء أيضاً، ومعلوم أن نعيم الجنة يتصف بالضخامة والجلالة والدوام، فهو أعظم فوز، ونظير ذلك قوله تعالى: { {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}} [آل عمران: 185] .

وإعراب هذه الجملة: «ذا» اسم إشارة مبتدأ.

{ {الْفَوْزُ} } خبر المبتدأ.

{ {الْعَظِيمُ} } صفة للفوز.

ولو قال قائل: إن { {الْفَوْزُ} } بدل، أو عطف بيان، أو نعت لـ«ذلك»، ويكون المعنى: وذلك الفوز هو العظيم؛ لكان صالحاً، لكن الإعراب الأول أحسن.

ويذكر أن الزمخشري ـ وهو من المعتزلة ـ قال تعليقاً على قوله تعالى: { {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} } قال: أيُّ فوز أعظم من أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؟! والاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا فوز أعظم من ذلك، وقال بعض المحشين عليه والمتعقبين له: إنه أراد بذلك نفي رؤية الله عزّ وجل؛ لأن رؤية الله أعظم من الجنة وما فيها، وأعظم فوزاً، والله أعلم بمراده.

فمن نظر إلى اللفظ قال: إنه لا دلالة فيه في الواقع؛ لأن من لازم دخول الجنة النظر إلى وجه الله، ومن عرف حال الرجل وأنه معتزلي ـ ولكنه ذكي ـ قال: لعله أراد ذلك، ولو وقعت مثل هذه العبارة من شخص معروف بأنه يؤمن برؤية الله عزّ وجل، لما فسرناها بهذا التفسير، ونقول: إنه أراد نفي الرؤية، لكن من عرف حاله لم يستبعد أن يكون هذا مراده.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن المواريث من حدود الله.

2 ـ أن من نفَّذ هذه المواريث على ما فرض الله فله هذا الثواب.

3 ـ أن قسمة المواريث من العبادات، وتؤخذ من ترتيب الثواب عليها، ووصف ذلك بأنه طاعة.

4 ـ عناية الشرع بإيصال الحقوق إلى أهلها؛ لأن حقيقة المواريث أن توصل الحقوق إلى أهلها، والله عزّ وجل حكم عدل، يريد من عباده أن يوصلوا الحقوق إلى أهلها.

5 ـ أنَّ طاعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طاعة لله، ولهذا عطفها بالواو الدالة على الجمع والاشتراك.

فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام لرجل قال له: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده»[(36)].

فالجواب: أن الأمور الشرعية لا حرج أن تقرن الرسول عليه الصلاة والسلام مع الرب عزّ وجل بالواو، وأما الأمور الكونية فلا يجوز؛ لأنها من خصائص الربوبية، وفعل العبد بعد فعل الله، أما الحكم فإن حكم الرسول حكم لله، ولهذا قال الله عزّ وجل: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}} [التوبة: 59] ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا الإيتاء إيتاء شرعي، إيتاء للزكاة والأموال الشرعية، أما الأمور الكونية فلأنها من خصائص الربوبية، فلا بد أن يكون فعل العبد بعد فعل الله، فقول: «ما شاء الله وشئت» لا يجوز؛ لأنه جعلت مشيئة الرسول صلّى الله عليه وسلّم كمشيئة الله، وليس كذلك، لكن طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم كطاعة الله، قال الله: { {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}} [النساء: 80] فجعل الله طاعة الرسول طاعة له.

وأما حديث علي بن حاتم في صحيح الإمام مسلم قال: أن رجلاً خطب عند النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى»[(37)] ، فأحسن ما قيل في الجواب عن ذلك: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أثنى عليه شراً، لكون المقام لا يقتضي هذا، فالمقام يقتضي أن يفصل ويبسط؛ لأنه ربما تخاطب قوماً بمثل هذا الخطاب فيظن أنه لا يكون غي إلا إذا كان الأمر من الله ورسوله، فلكل مقام مقال، فالرسول عليه الصلاة والسلام إنما أثنى عليه شراً؛ لكونه لم يستعمل في الخطبة السياق المناسب، لا لأن هذا ممنوع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه قال مثل هذا.

وما ذكره بعض العلماء حيث قال: إنما أنكر عليه لأنه قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما» وسكت، ثم قال: «فقد غوى»، فكأن قوله: «يعصهما» معطوفة على «يطع»، فهذا بعيد، ويحتاج لإثبات أنه سكت، ثم لو سكت المتكلم فقال: «ومن يعصهما»، ثم قال: «فقد غوى» فإنه يعرف أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها.

6 ـ إثبات الجزاء يوم القيامة، لقوله: { {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} } ووجه ذلك: أن إدخال الجنات ليس في الدنيا، وإنما هو في الآخرة.

مسألة: قال العلماء: إن الجمع بين قوله تعالى: { {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} } [السجدة: 17] ، وبين قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل الجنة أحد بعمله» [(38)] بأن نجعل الباء في قوله: { {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} } للسببية، وأن نجعل الباء في قوله: «لا يدخل الجنة أحد بعمله» للمعاوضة والبدل، فإنه لو قورن العمل بالثواب لأحاط الثواب بالعمل، ولم يكن مقابلاً له، ثم إن توفيق الإنسان للعمل الصالح نعمة تحتاج إلى شكر.

7 ـ بيان نعيم هذه الجنات، وأن الأنهار تجري من تحتها، وأنواع هذه الأنهار معروفة في آيات أخرى.

8 ـ دوام نعيم هذه الجنات، لقوله: { {تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} }، والخلود هنا مؤبد، وقد ذكر الله عزّ وجل ذلك في عدة آيات من القرآن، وأجمع المسلمون على أن نعيم الجنة مؤبد، ولم يذكر في ذلك خلاف.

9 ـ أن هذا النعيم هو الربح العظيم الذي لا يماثله شيء، لقوله: { {وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} }.

* * *

قال الله تعالى: { {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ *}} [النساء: 14] .

يقول الله تعالى: { {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}}، المعصية: مخالفة الأمر، أو الوقوع في النهي، فمن ترك الواجب فقد عصى، ومن فعل المحرم فقد عصى، يقول شيخ الإسلام: فعل المنهي يعتبر ترك واجب، والقاعدة صحيحة، فترك الواجب وقوع في النهي، وفعل النهي ترك للواجب؛ لأنه يجب الكف عن المنهي، ويستشهد لذلك بقول ابن عباس رضي الله عنهما: «من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً»[(39)]، والدم على من فعل المنهي في الحج، وفعل المنهي ترك للواجب.

ونقول في قوله: { {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}} ما قلنا في قوله: {{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}} [النساء: 13] ، إلا أن الإعراب هنا يختلف، فإن { {يَعْصِ} }: فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة وهو الياء.

وقوله: { {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} } { {وَيَتَعَدَّ} } معطوف على { {يَعْصِ} } المجزوم، وهو مجزوم بحذف الألف، وأصله «يتعدى».

وقوله: { {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} } أي: يتجاوزها، والمراد بالحدود هنا: الأوامر؛ أي: يتجاوز ما حدَّه الله بأوامره.

وقوله: { {يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} } هذا هو جواب الشرط، والنار معروفة.

وهنا لطيفة: في قول الله تعالى عن أهل النار: { {خَالِدًا فِيهَا} }، وقال عن أهل الجنة: {{خَالِدِينَ فِيهَا}} [النساء: 13] والحكمة في ذلك: أن أهل الجنة يتنعمون باجتماع بعضهم إلى بعض، ولهذا قال: {{خَالِدِينَ فِيهَا}} [النساء: 13] أما أهل النار ـ والعياذ بالله ـ فقد ورد أن كل واحد منهم في تابوت لا يرى أحداً ولا يراه أحد، اللهم إلا على سبيل التقريع، فهذا هو السر، والعلم عند الله.

وقوله تعالى: { {وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} }؛ أي إدخاله النار، وخلوده فيها، لا يبقى مستقراً أبداً، بل هو معذب عذاب إهانة، فيكون عذاباً جسمياً وعذاباً قلبياً نفسياً؛ لأن العذاب الجسمي أهون من العذاب والألم القلبي، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يُختن الإنسان وهو صغير؛ لأن ختان الصغير ليس فيه إلا الألم الجسمي، أما إذا ختن وهو كبير صار هناك ألم جسمي وألم نفسي قلبي، فإنه يفكر ويقول: ربما يزداد الجرح، وربما يموت، وما أشبه ذلك، لكن الصغير إذا برد عليه سكت، وإذا صال عليه الوجع صاح، وإذا حملناه إن كان لا يستطيع المشي سكت.

فعذاب أهل النار ـ والعياذ بالله ـ عذاب مهين؛ أي: ذو إهانة؛ لأنهم يقرعون ويوبخون.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن معصية الله عزّ وجل سبب لدخول النار؛ لقوله: { {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} }، وإنما قلنا: سبب؛ لأنه قد يتخلف لوجود مانع، وهو: عفو الله عزّ وجل في غير الشرك، أما الشرك فلا بد أن يدخل صاحبه النار ويخلد؛ لقوله تعالى: { {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}} [المائدة: 72] ، وعلى هذا فنقول: المعصية إن كانت دون الشرك فهي سبب لدخول النار، وليس دخول النار واجباً بها، إذ قد يعفى عنه، وإن كانت شركاً فهي سبب حتمي، فلا بد أن يدخل صاحبها النار ويخلد فيها.

أما الشرك الأصغر فليس سبباً للخلود، لكن هل هو سبب للدخول؟ هذا ينبني على معنى قوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}} [النساء: 48] هل هذا الشرك عام أو مطلق؟ فإن قلنا: إنه عام، صار الشرك ولو كان أصغر لا يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: إن قوله: {{أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}} فعل دخل عليه حرف مصدري، فيؤول إلى مصدر أي: إشراكاً به، و«إشراك» نكرة في سياق النفي، فتكون للعموم.

لكن في نفسي من هذا شيء، والشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً»[(40)].

والشرك الأصغر: كل ما أطلق عليه الشارع اسم شرك، وهو لا يخرج من الملة.

2 ـ تحريم الوصية للوارث؛ لأنك إذا أوصيت للوارث فقد تعديت الحدود، فإذا أوصت المرأة لزوجها بالثلث، كان له على مقتضى الوصية ثلث ونصف، وهذا تعد للحدود، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث»[(41)].

3 ـ تقسيم المخالف إلى عاص ومتعدٍ للحدود، فالمعصية هنا: فعل المحرم، وتعدي الحدود: ترك الواجب، أو الغلو فيه.

4 ـ أن معصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معصية لله، أو كمعصية الله؛ لأنه قرنها بمعصية الله بحرف يقتضي التسوية.

5 ـ أن من جمع بين الأمرين: المعصية، وتعدي الحدود، فإنه يُدخَل النار. ولكن هل هو دخول أبدي أو دخول مؤقت؟ الجواب أن يقال: حسب المعصية؛ لأن الله ذكر في الآية التي قبلها أن من أطاع الله ورسوله دخل الجنات، وهنا قال: من عصى الله ورسوله دخل النار، فيقال: الطاعة الغالبة يدخل فيها صاحبها الجنة بدون أن يدخل النار، والمعصية الغالبة ـ التي ليس فيها طاعة ـ يدخل فيها النار، والجامع بين الطاعة والمعصية يدخل النار والجنة؛ لأنه وجد فيه سبب دخول الجنة والنار، فيعطى الحكم جزاء وفاقاً.

وعلى هذا: فالعاصي معصية مطلقة، والمتعدي للحدود تعدياً مطلقاً، يدخل النار ولا يدخل الجنة، والذي جمع بين المعصية والطاعة: إن غلبت الطاعة لم يدخل النار، وإن غلبت المعصية دخل النار بقدر ذنبه وخرج منها.

6 ـ إثبات الخلود في النار، لقوله: { {خَالِدًا فِيهَا} }، وقد ذكر الله سبحانه أن الخلود في النار مؤبد في آيات ثلاث من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ ففي سورة النساء قال الله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا *إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *}} [168، 169] ، وفي سورة الأحزاب قال الله تبارك وتعالى: { {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا *خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا *}} [64 ـ 65] ، وفي سورة الجن قال تعالى: { {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}} [23] ، وإذا كان الله تعالى قد ذكر التأبيد في آيات ثلاث، فإن أي قول يخالف ذلك فهو ساقط؛ لأن من لزوم الخلود لزوم المكان، فإذا قيل: إنه خالد في النار أبداً، لزم أن يكون المكان الذي يخلد فيه مؤبداً، وإلا فلا معنى للتأبيد، فقول بعض العلماء: إنهم خالدون فيها أبداً ما دامت باقية، قول ساقط لا وجه له من النظر؛ لأن الله صرح بتأبيد الخلود، ويلزم من تأبيد الخلود في المكان أبدية المكان، وإلا لم يكن للتأبيد فائدة.

7 ـ أن الذين في النار ـ والعياذ بالله ـ يعذبون عذاباً مهيناً؛ أي: ذا إهانة، وليسوا مكرمين.

فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: { {ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ *ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ *}} [الدخان: 48 ـ 49] ؟

فالجواب من أحد وجهين:

الوجه الأول : إما أن يكون ذلك على سبيل التهكم به.

الوجه الثاني : وإما أن يكون هذا ليذكر حاله في الدنيا، والمعنى: أنت العزيز الكريم في الدنيا؛ حتى يزداد حسرة، وهو أنه في الدنيا كان عزيزاً كريماً، والآن صار ذليلاً مهيناً. وكلا الأمرين يحصلان لهذا الذي يوجه له هذا الخطاب، فإنه يصب من فوق رأسه الحميم، ثم يقال: { {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ *}}، ولا شك أنه سوف يرى أنه يقال له ذلك على سبيل التهكم، ثم يذكر هو أيضاً حاله في الدنيا، وأنه كان في الدنيا عزيزاً مكرماً، والآن وصل إلى هذا الحد من الإهانة والعياذ بالله.

* * *

قال الله تعالى: { {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً *}} [النساء: 15] .

{ {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} } اللاتي: مبتدأ، وخبره جملة { {فَاسْتَشْهِدُوا} }.

وقد اقترنت الفاء بخبر المبتدأ؛ لأنه لما كان المبتدأ اسماً موصولاً كان مشبهاً لاسم الشرط في العموم، فأعطي حكمه، واقترنت الفاء بخبره، ومنه قول النحويين في المثال المشهور: «الذي يأتيني فله درهم»، فإنه نائب مناب قولك: «من يأتني فله درهم»، فالاسم الموصول لما أشبه الشرط في العموم، صار دخول الفاء في خبره كدخول الفاء في جواب الشرط.

وقوله: { {وَاللاَّتِي} } جمع التي، لكنه على غير القياس؛ لأن هذه الأسماء غير مشتقة.

وقوله: { {يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} } الفاحشة: ما يستفحش شرعاً وعرفاً، والذي يستفحش شرعاً يستفحش عرفاً؛ أي: في أعراف المسلمين لا في أعراف غير المسلمين، وإنما قيدنا بذلك؛ لأن الزنا فاحش شرعاً، وفاحش عرفاً في عرف المسلمين، لكنه في عرف الكفار ليس بفاحش، ومن هنا نعرف أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس»[(42)] ، أن هذا خاص بالمسلم الذي يكره الإثم ويخشى أن يطلع عليه الناس في حال إثمه، وإلا فإن الكافر لا يحوك في نفسه الإثم.

والمراد بالفاحشة هنا الزنا، ودليل ذلك قوله تعالى: { {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}} [الإسراء: 32] ، وعلى هذا فتكون «أل» للعهد الذهني؛ لأنه لم يذكر، لكنه معروف شرعاً، وإنما قررنا ذلك لرد قول من يقول ـ كأبي مسلم الخراساني ـ : إن المراد بها السحاق بين النساء. وهذا بعيد عن الصواب، ولم يذهب إليه أحد من الصحابة والتابعين فيما نعلم، والصواب أن المراد بها الزنا.

وقوله: { {مِنْ نِسَائِكُمْ} } المراد به الجنس؛ أي: من جنس النساء، سواء كانت من الزوجات أو من غير الزوجات. و{ {مِنْ} } في قوله: { {مِنْ نِسَائِكُمْ} } بيان للموصول في قوله: { {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} }.

وقوله تعالى: { {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} } أي: اطلبوا شهادة أربعة، وقوله: { {أَرْبَعَةً} } عدد يدل على أن المعدود مذكر؛ لأن العدد المؤنث يكون معدوده مذكراً فيما دون العشرة، فتقول: تسعة رجال، وتسع نساء.

وقوله: { {أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} } الخطاب للمسلمين؛ لأن من شرط الشهادة ـ ولا سيما في هذا الأمر العظيم ـ أن يكون الشاهد مسلماً.

قوله: { {فَإِنْ شَهِدُوا} } أي: على فعل الفاحشة { {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} } والخطاب هنا في قوله: { {فَأَمْسِكُوهُنَّ} } عام، والذي يقصد به ولي الأمر؛ إما الخاص، وإما العام.

وقوله: { {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} } جمع بيت؛ أي: أمسكوها في بيتها واحبسوها حتى لا تخرج؛ لأن ذلك وسيلة إلى تقليل الزنا، حيث تبقى محبوسة في بيتها ولا تخرج فتفتن الناس وتفتتن.

وقوله: { {حَتَّى يَتَوفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} } يتوفاهن: أي: يقبضهن، يقال: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته.

وقوله: { {الْمَوْتُ} } أي: ملك الموت، كما قال تعالى: { {قُلْ يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ}} [السجدة: 11] ، ولكن قد يعبر عن ذلك بالموت توسعاً.

والموت: هو فقد الحياة، وذلك بخروج الروح من البدن؛ لأن الروح في البدن عارية، متى دعيت خرجت.

وقوله: { {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} } { {أَوْ} } حرف عطف، و{ {يَجْعَلَ} } معطوفة على «يتوفى» فهي منصوبة، والمعنى: أو يُصيِّر لهن سبيلاً؛ أي: طريقاً للخلاص من هذا الإمساك، وقد جعل الله لهن سبيلاً بقوله تعالى: { {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»[(43)]، فتبين بهذا أن المراد بالسبيل هو ما شرعه الله تعالى من حد الزاني جلداً وتغريباً، أو جلداً ورجماً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ عظم الزنا، وأنه من الفواحش؛ لأنه بالاتفاق أن المراد بذلك الزنا، والقول بأنه السحاق قول ضعيف لا يعول عليه.

2 ـ أنه لا بد في الزنا من شهادة أربعة رجال عدول، لقوله: { {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} } وقوله: { {مِنْكُمْ} } الخطاب للمؤمنين، والصحابة كلهم عدول، أو نقول: إنه خطاب للصحابة كلهم، ويحمل هذا الإطلاق على العدالة، كما قال تعالى: { {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}} [الطلاق: 2] .

3 ـ الإشارة إلى أن الرجل أقوى في الشهادة من المرأة وأثبت؛ وذلك لأن الله تعالى لم يعتبر في الزنا إلا شهادة الرجال.

4 ـ أن الحد يدرأ بالشبهة، وذلك لأن اشتراط أربعة رجال من أجل إثبات الشهادة، وشهادة النساء الأربع فيها شبهة؛ لأنهن لم يضبطن، كما قال تعالى: { {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى}} [البقرة: 282] ، ولا شك أن الحدود تُدرأ بالشبهات، ولكن يبقى عندنا مناط الحكم، بمعنى: ما هي الشبهة التي يُدرأ بها الحد؟ فمن العلماء من توسع فيها حتى قال: إنه لو استأجر امرأة للزنا فزنى بها فلا حد عليه؛ لأن استئجاره إياها شبهة، كمن استأجر بيتاً يسكن فيه، ومن العلماء من توسط، ومنهم من شدد، والغالب أنَّ الأقوال إذا اختلفت على ثلاثة فإن الوسط هو الصحيح.

5 ـ أنه لا بد من تصريح الشهداء بالشهادة في باب الزنا، لقوله: { {فَإِنْ شَهِدُوا} }، ولهذا يجب أن يقول الشهود: رأينا ذكره في فرجها قد أدخله فيه كما يدخل الميل في المكحلة، فلا يكفي أن يقول الشهود: رأينا رجلاً على امرأة وهما عراة، ورأينا ذكره بين فخذيها، بل لا بد من التصريح بالجماع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لماعز: «أنكتها؟ لا تكني» ، أو قال: «لا يكني»[(44)].

ولهذا قال شيخ الإسلام في زمنه: «إنه لم يثبت حد الزنا بالشهادة إلى يومنا هذا»؛ لأنها صعبة.

فإن قال قائل: هل يمكن أن نثبته بالتقاط الصورة؟

فنقول: كنا نقول بذلك، لكن لما تبين لنا دبلجة المصورين قلنا: لا نثبته، والدبلجة أنهم يلفقون صورة، ويجعلون رجلاً على امرأة قد جامعها، وليس الأمر كذلك، والدبلجة هذه مشكلة كبيرة نسأل الله أن يكفينا شرها، فقد بدؤوا يدبلجون الكلام، ويأخذون مثلاً من بعض كلامي حرفاً في كلمة من الكلمات، وحرفاً من كلمة أخرى، ويركبون بعضها على بعض، فينشؤون خطبة بصوتي على ما يريدونه، والصوت صوتي، ونبرات الكلام نبرات كلامي، فأي إنسان يريد أن يتقول على شخص فإنه يمكنه ذلك، لكن أسأل الله أن يسخر فيروساً لهذه الآلات، كما أن هناك فيروساً للكمبيوتر؛ حتى نسلم ويسلم الناس من شرها.

6 ـ أن حبس المرأة في بيتها من أسباب درء الفتنة، لقوله: { {فَأَمْسِكُوهُنَّ} }؛ لأن هذا نوع من العقوبة من وجه، وكف لأسباب الفتنة من وجه آخر.

7 ـ الإشارة إلى أن البيت خير للمرأة، لقوله: { {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} }، وكما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «بيوتهن خير لهن» [(45)].

8 ـ أنه لا يجوز حبس المرأة في بيتها بحيث تمنع من الخروج، إلا إذا كان هناك فتنة وشر، وإلا فالأصل أنها لا تمنع من الخروج من البيت، ويؤيد هذا أن الله تعالى أوجب بقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في بيتها، فدل ذلك على أن غيرها لا يلزمها البقاء في البيت، وهو كذلك، فالبيت ينبغي أن نرغب النساء في البقاء فيه، ولكن لا نلزمهن بذلك.

9 ـ مشروعية العقوبة بالحبس المؤبد، والأقرب أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصلاً في الشرع؛ أما أن نجعل ذلك مشروعاً وهو قد نسخ، ففي النفس منه شيء.

10 ـ إثبات الجعل لله عزّ وجل، لقوله: { {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} }، والجعل نوعان: جعل شرعي، وجعل كوني قدري، ومن أمثلة الجعل الشرعي: قوله تعالى: { {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ}} [المائدة: 97] ، وقوله: { {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ}} [المائدة: 103] .

فقوله: {{مَا جَعَلَ}} أي: جعلاً شرعياً، أما قدرياً فإنه قد جعل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجودة، وأمثلة الجعل الكوني كثيرة في القرآن؛ كقوله تعالى: { {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا *وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا *وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا *}} [النبأ: 9 ـ 11] والأمثلة كثيرة.

11 ـ إثبات الأفعال الاختيارية لله عزّ وجل؛ أي: إثبات صفة الفعل المتجدد لله، والفعل المضاف إلى الله ثلاثة أنواع: جنس، ونوع، وفرد.

فالأول: الجنس، وهو صفة أزلية أبدية؛ أي: أن الله لم يزل ولا يزال فعّالاً، فهو فعّال في الأزل، كما هو فعال في الأبد، ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: القول بتسلسل الحوادث في الماضي كما هي في المستقبل، لكننا لا نعلم ما تسلسل في الماضي إلا ما أُخبرنا به فقط؛ وإلا فنحن نؤمن بأن الله لم يزل ولا يزال فعّالاً.

والثاني: النوعي، وذلك مثل الاستواء على العرش، وهذا حادث، فإن الله لم يستو على العرش قبل خلق العرش.

والثالث: الآحادي، وذلك كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، والمجيء للفصل بين العباد، والنزول إلى السماء الدنيا عشية عرفة، والغضب عند وجود سببه، والرضا عند وجود سببه، والضحك عند وجود سببه، والعجب عند وجود سببه، وغير ذلك.

وقد أثبت أهل السنة والجماعة ذلك، وأنكره الأشاعرة والمعتزلة ومن سلك سبيلهم، وقالوا: لا يمكن أن يوصف الله بصفة حدوثية أبداً، ولهذا يرون أن القرآن الذي بين أيدينا قديم، وعللوا هذا الحكم الفاسد فقالوا: إن قيام الحوادث بالله عزّ وجل يقتضي أن يكون حادثاً؛ لأن الحوادث لا تكون إلا في حادث، ولا شك أن هذه علة عليلة؛ بل ميتة، فإن كون الحوادث تقوم بالله عزّ وجل وأنه يفعل ما يريد، هذا دليل على كماله، وكمال حياته، ولو تصور الإنسان ربّاً لا يفعل، وربّاً يفعل، لكان مقتضى الفطرة أن الثاني أكمل بلا شك، فالصواب بلا شك أن أفعال الله عزّ وجل كما تكون جنساً، تكون نوعاً، وتكون فرداً آحاداً.

* * *

قال الله تعالى: { {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا *}} [النساء: 16] .

{ {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} } اللذان: في مقابل اللاتي، وتكون للذكور، ولكن المقابلة ليست بتامة، فهنا قال: «اللذان»، وهناك قال: «اللاتي»، وقد قال بعض العلماء: إن المراد باللذان هنا: الزاني والزانية، ولكن الزانية سبق حكمها، وهو أنها تحبس في البيت، والزاني يؤذى ولا يُحبس في البيت. وقال بعض العلماء: المراد بهما اللوطيان؛ أي: الفاعل والمفعول به، وأضاف الإتيان إلى المفعول به مع أنه مأتي؛ لأن القابل الراضي كالفاعل، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»[(46)].

والصحيح أن «اللذان» يراد بهما اللائطان؛ أي: الرجل الذي يلوط بآخر، والعياذ بالله.

ولكن لماذا عبر في حق النساء بـ«اللاتي» وفي حق الذكور بـ«اللذان»؟

لأن فشوَّ الزنا في النساء أكثر من فشو اللواط في الذكور، وقد كانوا في الجاهلية لا يعرفون اللواط، حتى إن بعضهم يقول: لولا أن الله قص علينا ما قص من نبأ قوم لوط، لما كنا نتصور أن هذا يقع؛ لأنه لا يتصور أن رجلاً يرضى أن يُفعل به كما يفعل بالمرأة!!!

هذا شيء مستحيل فطرة، ومستحيل شرعاً، فلذلك عبر عن اللواط بأدنى ما يمكن أن يتحقق به وهو اثنان، بخلاف الزنا في النساء فإنه كثير.

وقوله: { {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} } الضمير في { {يَأْتِيَانِهَا} } يعود على الفاحشة، وفاحشة الرجال هي اللواط، وهي أعظم من فاحشة الزنا؛ والدليل على عظمها: أن لوطاً قال لقوله: { {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ}} [الأعراف: 80] ، وفي الزنا قال الله عزّ وجل: { {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}} [النساء: 22] أي: من الفواحش، أما اللواط فقال عنه: الفاحشة؛ لأنها ـ والعياذ بالله ـ مستفحشة في عقل كل إنسان.

ثم إن الزنا جنسه مما يباح بالعقد، واللواط لا يباح بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغيره، فكان أفحش.

وقوله: { {فَآذُوهُمَا} } أي: بالسب، والتعيير، والضرب، والإعراض على سبيل التعزير، والهجر، وما أشبه ذلك مما يتأذيان به.

وقوله: { {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} } أي: إن تابا مما وقع منهما، وأصلحا عملهما في المستقبل، فأعرضوا عنهما؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيعرض عنه؛ لأن السبب ما دام موجوداً، فإن المسبب يتبعه، فإذا زال السبب زال المسبب.

وقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} } تواباً: صيغة مبالغة، وذلك لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم؛ فالذين يتوب الله عليهم لا يحصون، وتوبته عزّ وجل لا تحصى، فلهذا عبر بصيغة المبالغة، وتوبة الله على العبد نوعان: توبة قبل فعل التوبة، وتوبة بعدها؛ فالتوبة التي قبل فعل التوبة معناها: التوفيق للتوبة، كما قال تعالى: { {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}} [التوبة: 118] ، والتوبة التي بعد التوبة هي: قبول التوبة، كما قال تعالى: { {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}} [الشورى: 25] ، والله سبحانه تواب بهذا المعنى وبهذا المعنى، فهو تواب؛ أي: مهيئ للتوبة لمن شاء من عباده، وتواب؛ أي: قابل للتوبة.

{ {رَحِيمًا}} أي: ذو رحمة يوصلها إلى من شاء من عباده؛ كما قال تعالى: { {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ *}} [العنكبوت: 21] .

وفي هذه الآية شيء من الإشكال، وهو قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} }، فإن المعروف أن «كان» للمضي، ويفهم منها أن هذا الوصف كان فزال، كما لو قلت: كان فلان طالب علم، المعنى: فيما مضى.

وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال: بأن «كان» قد تسلب منها الدلالة على الزمن، ويكون المراد بها تحقق الاتصاف بخبرها، وكل ما أضيف إلى الله من هذا التركيب فإن هذا هو المراد به؛ كقوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}} [الأحزاب: 24] ، وقوله: { {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}} [الأحزاب: 27] ، وقوله: { {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا}} [النساء: 126] وما أشبه ذلك. فالمراد أنه متصف به أزلاً وأبداً، ولكن أتت «كان» لتحقيق اتصافه بهذا الوصف.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن اللواط له حكمان:

الحكم الأول: ما دلت عليه الآية، وهو أن الذي يأتي الفاحشة من الرجال يؤذى بالقول وبالفعل، وبالهجر، وبأنواع الأذى، وكثير من الناس قد تكون أذيته أشد من ضربه، وأشد من حبسه.

الحكم الثاني: ما دلت عليه السنة، وهو قتل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به»[(47)] ، ولا يحمل هنا المطلق على المقيد، فيقال: اقتلوا الفاعل والمفعول به إذا كانا محصنين، كما هو الشأن في الزنا؛ وذلك لأن من شرط حمل المطلق على المقيد: أن يكون الحكم واحداً والسبب واحداً، وهنا اختلف السبب والحكم، فهناك السبب الزنا وهو في فرج يحل في الجملة بعقد النكاح الصحيح، أو ملك اليمين، وهذا استباحة فرج لا يحل أبداً.

وأيضاً فإن هذه الفاحشة ـ والعياذ بالله ـ يصعب التحرز منها ـ بخلاف الزنا ـ ؛ لأنها تكون بين الذكور، ومن يحبس الذكور بعضهم عن بعض؟ فالتحرز منها صعب، فإذا لم يكن لها عقوبة رادعة قوية انتشرت في المجتمع، وإذا انتشرت في المجتمع فسد الرجال والنساء؛ لأن من عقوبة اللوطي أنه لا يشتهي النساء، فإذا لم يشته النساء؛ بقيت النساء متعطلة، وحصل الشر والفساد، والدليل على أن من عقوبة اللوطي أنه ينزع منه شهوة النساء: قول لوط عليه السلام لقومه: { {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ *} {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ}} [الشعراء: 165 ـ 166] ، فهم لم يذروا النساء إلا لأنها سلبت شهوة النساء من نفوسهم، وإلا فإن الإنسان بفطرته يميل إلى النساء، وهذه العقوبة إذا انتشرت في المجتمع فسد رجاله ونساؤه، وتعطلت مصالحه، فلهذا كانت الحكمة تقتضي القضاء على هذه الجرثومة الفاسدة بالقتل.

ولا يصح أن يحمل هذا المطلق على المقيد؛ لما عُلم من اختلاف السبب والحكم، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به، إلا أنهم اختلفوا في كيفية القتل، فمنهم من قال: يلقيان من شاهق من أعلى مكان في البلد ثم يتبعان بالحجارة، ومنهم من قال: يرجمان، ومنهم من حرَّق اللوطي: الفاعل والمفعول به؛ لأن جريمتهما عظيمة منكرة، وقد سماها لوط: الفاحشة، والزنا في كتاب الله سمي: فاحشة، والأول أشد.

2 ـ أن من تاب وأصلح وجب الكف عن عقوبته، وقد صرح الله تعالى في آية المحاربين في سورة المائدة أن ذلك مشروط بما إذا تاب قبل القدرة عليه، قال تعالى: { {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [المائدة: 34] ، أما لو تاب بعد القدرة عليه؛ فإنه لا ترفع عنه العقوبة، لكن الذي يظهر من السنة أن ما ثبت بإقرار ثم تاب فإنه يترك ليتوب، ودليل ذلك حديث ماعز بن مالك رضي الله عنه حين جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وأقر عنده بالزنا، فأمر برجمه، فلما أذلقته الحجارة ـ أي: أصابه مس الحجارة ـ هرب؛ ولكن الصحابة لكون الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمرهم برجمه قالوا: لا بد من تنفيذ أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فنفذوا الرجم، ثم أخبروا النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك، فقال: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟!»[(48)]، فدل ذلك على أن المقر بالذنب إذا تاب ولو في أثناء الحد، فإنه يترك فيتوب الله عليه، وقوله: «هلا تركتموه يتوب» ليس لمعنى أنه يأتي إليَّ فيخبرني بما يريد ثم أقيم عليه الحد، بل المعنى هلا تركتموه بلا حد فيصلح حاله في المستقبل، فالتوبة الأولى لإقامة الحد، ولهذا قال: أريد أن تطهرني، والثانية بإصلاح حاله.

3 ـ أن التوبة من الذنب لا بد أن يقارنها إصلاح، لقوله: { {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا} }.

ولكن كيف تكون التوبة في مثل هذا؟

قيل: إن التوبة في مثل هذا أن يراود فيمتنع، كأن يقال لهذا المفعول به: نريد أن نفعل بك، فإذا امتنع دل ذلك على توبته، ويقال للفاعل: هذا يريد أن تفعل به، فإذا أبى دل ذلك على توبته، وكذلك يقال في الزاني والزانية، لكن هذا القول قول منكر، بعيد عن الصواب؛ لأن المراودة لا تكون إلا في حال السر، فإن كان المراود أهلاً للفعل ـ أي: يتوقع منه أن يفعل ـ فإنه قد يستجيب، وحينئذ تقع الفاحشة، وإن كان المراوِد ليس أهلاً لأن يفعل، فسينتبه المراوَد إلى أن هذا يريد أن يختبره، فيمتنع، وبهذا نعرف أن هذا القول لا أساس له من الصحة، ولكن التوبة من هذه الفاحشة تكون كالتوبة من غيرها من الذنوب، فإذا عرفنا أن الرجل قد عزف عن هذا الشيء، وصار لا يذهب إلى المجالس التي تنتشر فيها هذه الفاحشة، وما أشبه ذلك؛ عرفنا أنه تاب، ولهذا قرن التوبة هنا بالإصلاح، فلا بد من شيء يدل على أنه تاب، وهو إصلاح العمل والبعد عن هذه الفاحشة.

4 ـ إثبات أن الحكم يدور مع سببه؛ وجوداً، وعدماً، ووجهه أنه قال: { {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} } فلما زالت العلة زال الحكم، وهو كذلك؛ فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولكن إن كانت العلة منصوصاً عليها، فإنها إذا تخلفت فلا بد أن يتخلف الحكم، وإن كانت مستنبطة، فلا ينبغي أن يتخلف الحكم بتخلفها؛ لأنه من الجائز أن لا تكون العلة شرعاً هي هذه العلة المستنبطة، فنلغي حكماً من أحكام الله ثابتاً بمجرد الاحتمال، أما لو نص عليها فالحكم يدور معها، مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، من أجل أن ذلك يحزنه»[(49)]، فإن هذا يدل على أنه لو كان لا يحزن بهذا التناجي؛ جاز ذلك.

5 ـ إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، وقد سبق معنى التواب، ولماذا جاء بصيغة المبالغة، وكذلك معنى الرحيم.

* * *

قال الله تعالى: { {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [النساء: 17] .

{ {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} }، { {التَّوْبَةُ} }: مبتدأ مسبوق بأداة الحصر وهي { {إِنَّمَا} }، وخبر المبتدأ قوله: { {عَلَى اللَّهِ} }، أو قوله: { {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} } فيحتمل هذا وهذا.

وقوله: { {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ} } { {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ} } يعني: العمل السيئ؛ كالمنكرات، وفعل المحظورات، أو ترك الواجبات، ولكنه قيدها بقوله: { {بِجَهَالَةٍ} } والمراد بالجهالة هنا: السفاهة، وليس الجهل؛ لأن فاعل السوء بجهل معذور، ولا ذنب عليه؛ لقول الله تعالى: { {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}} [البقرة: 286] ، ولكن المراد بالجهالة هنا السفاهة، ومنه قول الشاعر:

ألا لا يجهلن أحد علينا***فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وقوله تعالى: { {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} } أي: ثم إذا فعلوا السوء بجهالة تابوا إلى الله من قريب، والقريب هنا ما كان قبل الموت، فإذا تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، وسيأتي في الفوائد أنه تجب التوبة فوراً.

وقوله: { {يَتُوبُونَ} } بمعنى: يرجعون إلى الله، وذلك بترك ما قاموا به من السوء، أو فعل ما تركوه من الواجب.

وقوله تعالى: { {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} }، هذه الجملة باعتبار ما قبلها تأكيد؛ لأن هذا الحكم مفهوم من قوله: { {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} }، ولكنه أكد ما التزم به عزّ وجل على نفسه بقوله: { {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} }.

وأشار إليهم بـ«أولئك» مع أنهم باعتبار الحديث عنهم في محل القرب، والقريب يشار إليه بـ«هؤلاء»، لكنه هنا قال: أولئك، فأشار إليهم بإشارة البعيد؛ إشارة إلى علو منزلتهم بالتوبة.

وقوله تعالى: { {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} } أي: ذا علم وحكم وحكمة، فالعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهذا التعريف يخرج الجهلين جميعاً: الجهل البسيط، والجهل المركب؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك مطلقاً، والجهل المركب فيه إدراك الشيء على غير ما هو عليه، فالعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه.

وبالنسبة لعلم الله عزّ وجل فإنه علم شامل كامل، وقولنا: كامل؛ أي: أنه لم يسبق بجهل، ولم يلحق بنسيان، قال موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون حين قال: { {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى}} [طه: 51] قال: { {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى}} [طه: 52] ، { {لاَ يَضِلُّ}}؛ أي: لا يجهل، { {وَلاَ يَنْسَى}} ما علم، وهو كذلك شامل، قال الله تعالى: { {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}} [الطلاق: 12] ، وقد بين الله تعالى علمه في كتابه أحياناً بالإجمال والعموم، وأحياناً بالتفصيل، فقوله تعالى: { {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ *}} [الأنعام: 59] هذا تفصيل، وقوله: { {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}} [لقمان: 34] ، أيضاً فيه شيء من التفصيل، وأما الإجمال فكثير في القرآن.

والعلم أشمل من القدرة وأوسع؛ لأنه يتعلق بكل شيء، حتى بالممتنع، بخلاف القدرة، فإنها شاملة لكل شيء، لكن ما كان مستحيلاً فليس بشيء بالنسبة للقدرة، أما العلم فيشمل حتى المستحيل، فمثلا قول الله تعالى: { {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}} [الأنبياء: 22] ، وقوله: { {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}} [المؤمنون: 91] ، فإن تعدد الآلهة ممتنع مستحيل، ومع ذلك أخبر الله أنه لو كان لكان ما ذكر الله تعالى.

وقوله: { {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} } مشتق من الحكم والحكمة، فهو حاكم إذا جعلناه مشتقاً من الحكم، ومُحكِم إذا جعلناه مشتقاً من الحكمة.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ بيان فضل الله عزّ وجل على عباده بإيجابه التوبة على نفسه بقوله: { {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} }.

2 ـ أن لله أن يوجب على نفسه ما شاء، وليس للعباد أن يوجبوا عليه شيئاً، لقوله تعالى: { {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ *}} [الأنبياء: 23] ، لكن له سبحانه أن يوجب على نفسه ما شاء، وله أن يحرم على نفسه ما شاء، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي»[(50)]، وقال تعالى: { {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}} [الأنعام: 12] ، فهذا إلزام وفرض، ومنه هذه الآية: { {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} }.

3 ـ أن كل عامل سوء فإنما يعمله بجهالة وسفه، والسفه ضد الرشد، فمن عمل سيئاً فقد فُقد منه الرشد.

4 ـ أن الرشد يختلف باختلاف مواضعه، فالرشد في المال: إحسان التصرف فيه، والرشد في الولاية: معرفة ما يجب للولاية، فإن كانت ولاية سلطان وإمارة فلها رشد معين، وإن كانت ولاية نكاح فالرشد في الولي: أن يعرف كفء المرأة ومصالح النكاح، والرشد في معاملة الناس له معنى يخصه، ويجمع هذا كله إحسان التصرف فيما يتصرف فيه، هذا هو الرشد، وضده إساءة التصرف.

5 ـ وجوب المبادرة بالتوبة، لقوله: { {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} }، ووجهه: أن المراد بالقرب هنا الموت، والموت ليس معلوماً وقته، وإذا كان كذلك كانت المبادرة بالتوبة واجبة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له؛ ولأن الإنسان إذا أصر على المعصية فإنه يقسو قلبه، وتكون هذه الصغيرة من صغائر الذنوب كبيرة، ولهذا ذكر بعض العلماء: أن التهاون بالمعاصي والاستمرار في المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة، فإذا فعل الإنسان صغيرة تهاوناً بالله، وبأوامر الله؛ صارت كبيرة؛ لما قام بقلبه من التهاون بها، وإذا فعل الكبيرة مع شدة تعظيمه لله عزّ وجل، وخوفه منه، وخجله منه، لكن سولت له نفسه أن يفعلها، فإن ذلك يجعلها صغيرة، والرجل الذي كان يضرب في الخمر، لما لعنه أحد الصحابة قال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنه يحب الله ورسوله» [(51)]، فالإنسان العاصي قد يكون في قلبه من هيبة الله تعالى وإجلاله وتعظيمه؛ ما يجعله عند فعل المعصية خجلاً من الله، مستحيياً منه، فتنقلب الكبيرة صغيرة بما قارنها من خوف الله وتعظيمه وإجلاله؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. والعكس بالعكس.

6 ـ قبول الله للتوبة إذا تاب الإنسان من قريب، لقوله: { {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} }.

7 ـ إثبات العلم والحكمة، والحكم لله، أيضاً المفهومة من قوله: { {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} }، وقد بينا في التفسير أن علم الله تعالى واسع شامل لكل صغير وكبير، وقريب وبعيد، كما قال تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ *}} [آل عمران: 5] .

8 ـ إثبات هذين الاسمين لله، وهما: العليم والحكيم.

* * *

قال الله تعالى: { {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *}} [النساء: 18] .

{ {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} } هنا قال: { {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ} }، ولم يقل: على الله؛ لأن هذه التوبة منتفية شرعاً، فهي ليست حقيقية، وقوله: { {السَّيِّئَاتِ} }، يحتمل أن يراد بها الجنس، وهو الأظهر، أو الجمع؛ لأنه ظاهر اللفظ.

وقوله: { {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} } فهؤلاء لا توبة لهم؛ لأن توبتهم توبة ضرورة؛ كالمكره على العمل، والمكره على العمل لا حكم لعمله، كما هو معروف بأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يحكم بكفره، وكذلك هذا الذي تاب بعد أن أيس من الدنيا وأيقن أنه راحل، فإن هذه التوبة لا تنفعه. لأنه عندما شاهد الموت أراد أن يتوب، وأي توبة صادقة لشخص علم أنه مفارق الدنيا؟! وهذا نظير قوله صلّى الله عليه وسلّم من بعض الوجوه عندما سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: أن «تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخشى الفقر»، فقوله: «تأمل البقاء» ؛ أي: لصحتك، فإن الصحيح يستبعد الموت، و «تخشى الفقر» ؛ لأنه شحيح، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تمهل ـ يعني: لا تؤخر ـ حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا»[(52)] ؛ أي: للوارث، وهذا يقع كثيراً، فإنه إذا أيس الإنسان من حياته ذهب يوصي، فيقول: أوصيت بكذا لأعمال البر، وبالصدقة على الفقراء، وطبع الكتب، وبناء المساجد، مع أنه قبل أيام لم يوص؛ لأنه الآن آيس من حياته، وعلم أنه مفارق لا محالة.

وقوله تعالى: { {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} } الواو في قوله: { {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ} }: حرف عطف، { {وَلاَ} } زائدة للتوكيد، و{ {الَّذِينَ} } معطوفة على قوله: { {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ} }، والمعنى: وليست التوبة أيضاً للذين يموتون وهم كفار، فإن الذين يموتون وهم كفار لا توبة لهم.

وظاهر الآية مشكل؛ لأن من مات انقطع عمله، فكيف يقول: { {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} }؟

فنقول: المراد بذلك ندمهم يوم القيامة، حيث يندمون ويقولون: { {يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}} [الأنعام: 27] قال الله تعالى: { {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *}} [الأنعام: 28] ، فتوبة الكافر بعد الموت يراد بها: ندمه الذي يظهره يوم القيامة، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأن وقت العمل قد انتهى، وما بقي إلا وقت الجزاء والحساب.

وقوله تعالى: { {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} } المشار إليه بقوله: { {أُولَئِكَ} } هم الكفار الذين ماتوا على الكفر، أما من مات على ما دون الكفر، فهذا أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإعداد النار إنما هو للكافرين، أما العصاة فقد يعفى عنهم ولا يدخلون النار أبداً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن التوبة تنقطع باحتضار المرء؛ أي: بحضور الموت، لقوله: { {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} }.

2 ـ أن المحتضر لا عبرة بقوله؛ لأنه غير كامل الشروط.

3 ـ أنه يشترط لصحة التوبة أن تكون في الزمن الذي تقبل فيه التوبة، وذلك قبل حضور الموت، وحينئذ يحسن بنا أن نأتي على شروط التوبة، وقد تتبعناها فوجدناها خمسة شروط:

الشرط الأول : الإخلاص لله عزّ وجل، بأن لا يكون الحامل له على التوبة إلا محبة الله والقرب منه، والخوف من عذابه، لا لينال شيئاً من الدنيا، أو يدفع عنه مذمة في الدنيا، إنما يحمله على التوبة الإخلاص لله عزّ وجل.

الشرط الثاني : الندم على ما فعل من الذنب، فإن تاب بلا ندم؛ فتوبته: إما فاسدة؛ لعدم تمام شروطها، أو ناقصة جداً.

وقد أورد بعض العلماء على هذا الشرط إشكالاً، وهو أن الندم انفعال، والإنسان يفعل ولا ينفعل فكيف يندم؟

والجواب عن ذلك سهل جداً: فإن الندم أن يشعر بنفسه أنه أساء فيحزن، ويتمنى أن لم يكن فعل ذلك، هذا هو الندم المراد به، وهذا شيء ممكن، ولهذا أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن الانفعال قد يملكه الإنسان، فقال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»[(53)]، مع أن الغضب انفعال، إذا وجد سببه ثار الإنسان، لكن مع ذلك يمكن أن يملك نفسه، فكذلك أيضاً بعث الانفعال ممكن.

الشرط الثالث: الإقلاع عن الذنب، فإن لم يقلع فتوبته كاذبة، وهو إلى الاستهزاء بالله أقرب منه إلى تعظيم الله، إذ كيف يقول: إنه تائب من شرب الخمر، وهو مدمن عليه؟! وكيف يقول: إنه تائب من الربا وهو مصر عليه؟! فإن هذا استهزاء بالله عزّ وجل، ولو أنك أتيت ملكاً من الملوك فقلت: أنا تائب عن سبّك، ولن أقول فيك شيئاً، لكن إذا وجد غفلة من الملك، ولو بتكليم من إلى جنبه، يقول ـ ولو بالإشارة ـ إن هذا ملك لا خير فيه، فهذا ليس توبة أبداً، فكيف بملك الملوك عزّ وجل، كيف تتوب إلى الله من ذنب وأنت مصر عليه؟! إن هذا لا يمكن.

وقول بعضهم: وإذا كان الذنب حقاً لآدمي فلا بد من إيصاله إليه؟!

فنقول: هذا الشرط لا يخرج عما قلنا، وهو الإقلاع عن الذنب، فإذا كان ذنبك حقاً لآدمي، وأصررت على إضاعة هذا الحق، فأنت لم تقلع عن الذنب، فإن كان حق الآدمي مالاً فأعطه إياه، وإن كان دماً فأعطه إياه، وإن كان عرضاً فاستحلله منه.

وإن كان مالاً وقد مات الذي ظلمته فيه، فابحث عن ورثته، فإن لم تجد وتعذر عليك؛ فتصدق به، وحينئذ تتصدق به عن الورثة؛ لأنه إذا مات الميت انتقل حقه إلى الورثة، فأنت إذاً تتصدق به عن الورثة، مع الاستغفار من ظلم الميت، ولذلك؛ لو أنك أديت هذا المال إلى الورثة، فإنك لم تتب توبة تامة حتى تستغفر الله للميت؛ لأنك حقيقة حُلْتَ بينه وبين ماله.

وإذا كان الحق دماً، مثل أن يكون رجل قد دهس شخصاً وهرب خوفاً من السلطة، ثم ندم وتاب، فماذا يصنع؟

الجواب: يذهب إلى أوليائه، ويقول: هذا الذي حصل، وكذلك لو قتله عمداً وندم، فإنه يذهب إلى أوليائه ويقول: لقد قتلت صاحبكم عمداً.

وإذا كان قد ظلم شخصاً في عرضه، فقد قال بعض العلماء: لا بد أن يستحله، بأن يذهب إليه ويقول: إني اغتبتك فحللني، وقد اعترض بعض العلماء على ذلك فقال: إنه إذا ذهب وقال له: إني اغتبتك فحللني، ربما تأخذه العزة بالإثم ويقول: لا. فالتفصيل في ذلك هو: أنه إذا كان قد علم بأنك اغتبته؛ وجب عليك أن تستحله، أما إذا لم يعلم، ولا تخشى أن يعلم، فإنه يكفي أن تستغفر له، كما جاء في الحديث: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له»[(54)]، فتستغفر له، وتذكره بخير في المجالس التي اغتبته فيها.

الشرط الرابع : أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى ما تاب منه، فإن كان قد تاب، وندم وأقلع، لكن في قلبه أنه لو تمكن من فعل الشيء مرة ثانية لفعله، فإن هذا لا تصح توبته؛ لأنه لم يعزم على أن لا يعود، إذاً لا بد أن يعزم على أن لا يعود، فإن كان يحدث نفسه بأنه لو حصل له هذا الذنب لعاد إليه، فإنه لم يتب.

وهناك فرق بين قولنا: «العزم على ألا يعود»، وبين قولنا: «من الشروط ألا يعود»، فإن عدم العود ليس بشرط، بل الشرط أن يعزم على ألا يعود، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه إذا قلنا: يشترط العزم على ألا يعود، وعزم على ألا يعود، ثم سولت له نفسه بعد ذلك فعاد، فإن التوبة الأولى صحيحة، لكن قولنا: يشترط ألا يعود، فإن معنى ذلك أنه إذا عاد بعد ذلك فتوبته غير صحيحة، وهذا غير صحيح، ولذلك فإن العلماء يقولون: يشترط أن يعزم على ألا يعود.

الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل من التائب، فإن كانت في وقت لا تقبل منه ـ كما لو حضر الأجل، أو طلعت الشمس من مغربها ـ فإن التوبة لا تقبل، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنقطع التوبة حتى تنقطع الهجرة، ولا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس من مغربها»[(55)]، فإذا تاب الإنسان عند طلوع الشمس من مغربها، أو عند حلول الأجل؛ لم تقبل منه، فإن فرعون لما أدركه الغرق آمن، وقال: { {آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}} [يونس: 90] ؛ أي: الله عزّ وجل، لكنه لم يصرح باسم الله، وإنما قال: { {الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}}، مبالغة في التذلل، واتباعه لبني إسرائيل بعد ما كان مستعلياً ومتكبراً عليهم، فالآن صار تابعاً لهم، قال: { {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}} [يونس: 90] أي: من المسلمين لله، فقيل له: { {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ *}} [يونس: 91] .

مسألة: اختلف العلماء رحمهم الله هل يشترط لقبول التوبة أن ينزع عن جميع المعاصي أم لا يشترط؟

فمنهم من قال: يشترط أن ينزع عن جميع المعاصي، وأن من تاب من الزنا وهو يرابي، فإن توبته من الزنا لا تقبل؛ لأن التوبة الحقيقية هي التي تملأ قلب العبد خشية لله وتعظيماً له، والذي يتوب من ذنب وهو مصر على الآخر، لا يتحقق ذلك في حقه.

ومنهم من فصل وقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه، فإنه لا تقبل توبته، وإن كان من غير جنسه، فإنها تقبل، مثال ذلك: لو تاب من النظر إلى النساء ـ النظر المحرم ـ، ولكنه يلمس النساء لمساً محرماً، فهنا الجنس واحد، فلا تقبل توبته من النظر المحرم؛ لأنه يمارس جنسه، فالنفس إذاً متعلقة بهذا الجنس من الذنوب، ولم تقلع عنه، أما إذا كان من غير جنسه فإنها تقبل، فلو تاب من الربا وهو يزني، أو يشرب الخمر، فتوبته من الربا صحيحة مقبولة، ولو تاب من شرب الخمر وهو مصر على الزنا، فتوبته منه مقبولة.

والصحيح أن التوبة من الذنب تقبل مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق التائب منه وصف التائبين الوصف المطلق، وإنما هو تائب توبة مقيدة بهذا الذنب المعين، فوصفه بالتوبة من هذا الذنب وصف مقيد؛ لأن هذا هو العدل، والله عزّ وجل أمر بالعدل والقسط، وهو سبحانه أهل العدل والقسط، وهذا القول هو الصحيح.

وقد قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين عندما تكلم عن هذه المسألة، قال: «وبعد: فإن هذه المسألة لها غور بعيد ـ أي: أنها ليست بالأمر الهين الذي تلقى أحكامها على اللسان ـ ؛ لأن لها تعلقاً بالقلوب، والقلوب حساسة كالكرة على سطح الماء، تهتز ولا يمسكها شيء»، فالمسألة في الحقيقة لها غور عظيم، وأصل التوبة: تعظيم الله عزّ وجل، وإجلاله، والخشية منه، والخوف منه، فإذا تحقق للإنسان هذا؛ هانت عليه التوبة، وأما مع عدم ذلك فإن التوبة عليه صعبة المنال.

وهنا إشكال: وهو أنه إذا كانت التوبة لا تنفع عند حضور الأجل، فما الجواب عن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم لعمه أبي طالب حينما حضره الموت: «قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»[(56)]؟

والجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن هذه قضية عين، فكما أن أبا طالب ينتفع بشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام دون غيره من الكافرين، فقد ينتفع بإسلامه دون غيره من التائبين في هذه الحال.

الوجه الثاني: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: «أحاج لك بها عند الله»[(57)]، والمحاج قد تقبل حجته وقد لا تقبل، فإذا كان هذا الحديث لا يدل على أنها تقبل جزماً، فإنه من المتشابه الذي يحمل على المحكم، وهو أن التوبة في هذه الحال لا تقبل.

مسألة: قد يترك بعض الناس الربا، أو شرب الخمر، أو الزنا، ليس توبة إلى الله، وإنما مللاً من هذا العمل، فهل يوصفون بالفسق؟

الجواب: أن نقول: أما باطناً فهم فساق، وأما ظاهراً فلا؛ لأننا نحكم بالظاهر، حتى وإن وجدت قرينة؛ والدليل على ذلك: حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك، فلما أدركه ليقتله قال المشرك: لا إله إلا الله، فقتله متأولاً، فلما بلغ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «قتلته؟» قال: نعم، قال: «فما تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» ؟! فما زال يكرر عليه حتى قال: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد[(58)]، فنحن الآن نوافق أسامة رضي الله عنه على أن الرجل قالها تعوذاً من القتل، لكن مع ذلك لم يجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم القرينة مانعة من الحكم بالظاهر.

4 ـ أن الكافر لو تاب يوم القيامة لم تنفعه توبته، لقوله: { {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} }.

5 ـ وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الله علق قبولها على أمد لا يُعلم، فإذا كان كذلك وجب المبادرة بها.

6 ـ أن الله عزّ وجل أعدَّ للكافرين الذين يموتون على الكفر عذاباً مؤلماً.

7 ـ بطلان قول من يقول: إن أهل النار يتكيفون بها ويتأقلمون عليها، فلا يضرهم حرها؛ لأن الله تعالى قال: { {عَذَابًا أَلِيمًا} }، ولو كان الأمر كما ذكروا لم يكن مؤلماً لهم.

* * *

قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا *}} [النساء: 19] .

{ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } والخطاب إذا ابتدئ بالنداء فإنه دليل على أهميته، والعناية به، وإذا صدر بهذا الوصف: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } كان دليلاً على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وفيه دليل على اتخاذ الاسم المغري بالشيء؛ أي: الحاث على الشيء، لقوله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } فكأنه يغريهم على قبول ما سيوجه إليهم؛ لأن الوصف إذا ذكر على وجه يهيج الإنسان، كان هذا إغراءً به، كما تقول: يا أيها الكريم! لا تبخل على الضيف، يا أيها الرجل! لا تغلبك النساء، فإن هذا يوجب على الإنسان أن يأخذه الحماس حتى يمتثل.

وقوله: { {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ} } نفي الحل يقتضي التحريم، والمحلل والمحرم هو الله عزّ وجل، ولهذا يعبر الله سبحانه أحياناً بالتحريم، وأحياناً بنفي الحل، ففي هذه الآية قال: { {لاَ يَحِلُّ} }، وسيأتي بعدها بآيات التصريح بالتحريم في قوله: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}} [النساء: 23] .

وقوله: { {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} } { {كَرْهًا} } أي: كُرهاً عليهن، بحيث لا يرضين بذلك وأنتم تجبرونهن على هذا الميراث.

وليس المعنى أنهم يرثونهن كما يرثون المال، بمعنى أنهم يسترقونهن، بل المعنى: أنهم يخلفون أزواجهن فيهم دون تملك؛ لأنهم لا يرثون النساء كما يرثون المال، بل يخلفون أزواجهن فيهن، فسماه الله ميراثاً؛ لأن كل من خلف غيره في شيء فهو وارث له، قال الله تعالى: { {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا}} [مريم: 40] ، مع أن الله عزّ وجل مالك لها من قبل، ومالك لمن عليها، لكنه يفني من عليها ويبقى هو سبحانه، وقال تعالى عن زكريا: { {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}} [مريم: 5 ـ 6] أي: يخلفني في قومي في العلم والنبوة، وليس المعنى أنه يرثهم ميراث مال؛ وذلك لأن الأنبياء لا يُورثون.

وقوله: { {كَرْهًا} } هذا القيد لبيان الواقع، وإذا كان لبيان الواقع فلا مفهوم له، ولا يدل على أنهن لو رضين أن يخلف الرجال أزواجهن فإن ذلك جائز؛ لأن هذا لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي، فلا يحل أن يرثوا النساء لا كرهاً ولا اختياراً، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل جاء ورثته من بعده ومنعوا المرأة أن تتزوج إلا بمن يرضون هم، وإذا كانوا من بني عمه اختارها أحدهم فتزوجها قهراً عليها، وهذا لا شك ظلم وعدوان، فلهذا نهى الله عنه فقال: { {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} }.

وقوله تعالى: { {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} } هذه مسألة أخرى تشبه ما سبق، فقوله: { {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} } أي: لا تمنعوهن حقوقهن فتلجئوهن إلى المخالفة، { {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} }، وهذا يقع كثيراً من بعض الأزواج الظلمة، فيعضل زوجته ويمنعها، فإذا ضاقت به ذرعاً اضطرت إلى أن تفتدي نفسها منه بمال، فيكون هذا أخذاً لما أعطاها من قبل، إما الكل وإما البعض.

وقوله: { {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} } فلو عضلها ليأخذ كل ما أعطاها فإنه يدخل في النهي.

وقوله: { {إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} } وفي قراءة «مُبَيَّنَة» أي: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فلكم أن تعضلوهن، والفاحشة المبينة فيها أقوال:

قيل: إنها الزنا، فإذا زنت فله أن يعضلها من أجل أن تفتدي منه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يبقى مع زوجة زانية، ولا تطيب نفسه أن يطلقها هكذا فيذهب ماله، فله في هذه الحال أن يعضلها ويمنعها حقها من أجل أن تخالع وتفتدي نفسها منه.

وقيل: إن المراد بالفاحشة المبينة بذاءة اللسان، بأن تكون سليطة اللسان عليه وعلى أهله وعلى الجيران، فإن ذلك مستفحش عرفاً، فإذا حصل من المرأة هذا فله أن يعضلها حتى تفتدي منه.

وقيل: المراد سوء العشرة، بحيث لا تعطيه حقه على وجه الرضا والانبساط والانشراح، فإذا دعاها إلى فراشه قامت تتقهقر، وتتمنع، ويحمر وجهها ويصفر، ولا تجيبه، وإذا أمرها بحاجة صارت تتكره لبذل هذه الحاجة التي يجب عليها أن تبذلها، فهذا من الفاحشة المبينة.

والقول الأخير يشمل القولين قبله؛ لأنه لا شك أن من سوء العشرة أن تخدع المرأة زوجها فتزني والعياذ بالله، ولا شك أيضاً أن من سوء العشرة بذاءة اللسان، وطول اللسان، فعليه يكون المعتمد: أن المراد بالفاحشة المبينة سوء العشرة بأي شيء كان، سواء كان مما يستفحش شرعاً؛ كالزنا، أو عرفاً، مع أن الزنا يستفحش شرعاً وعرفاً.

وقوله تعالى: { {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} } { {وَعَاشِرُوهُنَّ} } أي: النساء، { {وَعَاشِرُوهُنَّ} } أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، والمعاشرة مفاعلة، فهي تكون من الجانبين؛ لأن الغالب أن الفعل الذي يكون مصدره مفاعلة أنه واقع من الجانبين، مثل: جاهد مجاهدة، قاتل مقاتلة، ياسر مياسرة، عاسر معاسرة، عاشر معاشرة، وقد لا يكون من الجانبين؛ كسافر، فإن السفر لا يكون إلا من واحد.

ومعنى قوله: { {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} } أي: ليعاشر كل منكم الآخر بالمعروف؛ أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، فإن كان مما يتعارفه الناس ولكن الشرع ينكره فإنه لا يجوز، وليس بمعروف بل هو منكر، والمراد: المعاشرة بالقول والفعل والبذل.. بالقول بأن يلين لها القول، وتلين له القول، وبالفعل: بالخدمة وما أشبهها، وبالبذل: بذل النفقات؛ من كسوة، وطعام، وشراب، ومسكن، ولا يلزمها قضاء دينه، ولا يلزمه قضاء دينها، اللهم إلا أن تستدين لنفقة واجبة عليه، فإن استدانت لنفقة واجبة عليه وجب عليه قضاء هذا الدين؛ لأنه لازم له.

وقوله: { {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} } أي: أنه قد يكره الإنسان الزوجة فلا يعاشرها بالمعروف؛ لأن من طبيعة الإنسان أنه إذا كره شيئاً لا ينقاد له، ولا يفرح به، فيقول الله عزّ وجل: { {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ} } أي: لسوء أخلاقهن، أو لغير ذلك { {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} }، وهذا إشارة إلى أن نصبر عليهن؛ أي: إن كرهتموهن فاصبروا { {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} } لا تتوقعونه، ومن الخير أن يقدر الله بينهما ولداً صالحاً، فإن هذا من أعظم الخيرات، ومن الخير أيضاً أن يقلب الله أحوالها وصفاتها التي كان يكرهها من أجلها إلى أحوال وصفات يرضاها، وحينئذ يطمئن إليها ويعيش معها عيشة حميدة.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ تحريم إرث النساء على وجه يكرهنه، كما يجري في الجاهلية، لقوله:

{ {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ}}.

2 ـ أن نفي الحل يراد به التحريم؛ وذلك لأن نفي الشيء إثبات لضده.

3 ـ أنه لو ورث المرأة على وجه ترضى به فلا بأس، لكنه مقيد برضا الشرع، فلو تزوج بعد موت ابن عمه زوجة ابن عمه، فإن ذلك لا بأس به، ولو تزوج زوجة أخيه بعد موته برضاها وبعقد شرعي فلا بأس.

4 ـ تحريم عضل المرأة بغير حق؛ لتفتدي نفسها، لقوله: { {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} }.

5 ـ الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون الخلع بأكثر مما أعطاها، لقوله: { {بِبَعْضِ} }، ولكن قد يناقش في هذه الفائدة فيقال: إن الله نهى عن العضل ليذهب ببعض ما آتاها؛ لبيان أن العضل لأخذ شيء منها ولو قل حرام، وليس فيه التعرض بما إذا أخذ أكثر أو أقل، وقد اختلف العلماء هل يجوز للإنسان في الخلع أن يأخذ أكثر مما أعطاها أم لا يجوز؟ المسألة فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والتحريم، والكراهة.

6 ـ تنويع الخطاب، لقوله تعالى في أول الآية: { {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} }، وبعد ذلك قال: { {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} } هذا إذا جعلنا: { لاَ } ناهية، فإن جعلناها نافية للتوكيد، وجعلنا تقدير الآية: ولا أن تعضلوهن لتذهبوا، صار الكلام على نسق واحد، والآية محتملة لأن تكون { لاَ } ناهية، وقوله: { {تَعْضُلُوهُنَّ} } مجزومة بلا الناهية، وأن تكون «الواو» حرف عطف، و { لاَ } زائدة للتوكيد، وقوله: { {تَعْضُلُوهُنَّ} } معطوفة على قوله: { {أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ} }، والمعنى: ولا أن تعضلوهن، فإن كان الأول؛ ففيه اختلاف في الأسلوب، وإن كان الثاني؛ فالأسلوب على نسق واحد، ولكن لا شك أنه من الفصاحة والبيان والبلاغة أن يتنوع الأسلوب والخطاب إذا اقتضت البلاغة ذلك.

7 ـ أن الصداق للمرأة، لقوله: { {آتَيْتُمُوهُنَّ} } أي: أعطيتموهن، وهو كذلك، وقد سبق في أول السورة ما هو واضح جداً بأن الصداق حق للمرأة في قوله تعالى: { {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}} [النساء: 4] ، وعلى هذا فإذا كانت مكلفة رشيدة، فالأمر إليها، فيما لو أسقطت عن زوجها بعض المهر أو كل المهر، ولا اعتراض لأحد عليها، وأيضاً لا يحل لأحد أن يأخذ من المهر شيئاً؛ لا اختياراً، ولا غصباً، إلا بعد أن يتم العقد، وتملك الزوجة مهرها، فلها حينئذ أن تتبرع بما شاءت لمن شاءت، إذا كانت أهلاً للتبرع.

8 ـ أن سوء العشرة مبيح لعضل المرأة لتفتدي نفسها، تؤخذ من قوله: { {إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} } أي: فلكم أن تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.

9 ـ وجوب معاشرة المرأة بالمعروف، لقوله: { {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} }.

10 ـ اعتبار العرف في إحالة الحكم عليه، لقوله: { {وَعَاشِرُوهُنَّ} }، وقد أحال الله تعالى على العرف في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: { {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}} [البقرة: 233] ، ولكن هذا المعروف ـ الذي هو العرف ـ لا يعتمد ولا يرجع إليه إذا كان مخالفاً لمعروف الشرع؛ لأن الشرع مُحكَّم وحاكم على العادة.

11 ـ الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يصبر إذا رأى من زوجته ما يكره، فإن العاقبة قد تكون حميدة، لقوله: { {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} }.

12 ـ أنه وإن كان الحكم ورد في كراهة الزوجة، فالعلة عامة، فكثيراً ما يكره الإنسان الشيء ويجعل الله عزّ وجل عاقبته حميدة نافعة له، وهذا أمر مشاهد محسوس، وقد تكون العاقبة غير حميدة، لكن الغالب أن وعد الله يتحقق.

فإن قال قائل: { عَسَى } هنا هل هي للتحقق أو للرجاء؟

فنقول: قال العلماء: «عسى» من الله واجبة، فإذا قال الله: «عسى» فهي واجبة، والأمر واجب ويقع، ومن ذلك قوله تعالى: { {فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا *}} [النساء: 99] ، وذلك لأن الرجاء في حقه عزّ وجل غير وارد، إذ أنه هو المتصرف المدبر، والرجاء إنما يكون ممن لا يملك الشيء فيرجوه من غيره، وعلى هذا فتكون الآية وعداً من الله أن من صبر ابتغاء وجه الله على ما يكرهه، واحتساباً لثواب الله، بأن يجعل الله فيه خيراً كثيراً، فإنه يتحقق له هذا الوعد، فإن تخلف هذا الوعد فلوجود مانع، وإلا فإن وعد الله حق.

13 ـ إثبات وصف الله عزّ وجل بالجعل، لقوله تعالى: { {وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} }، والجعل: كوني وشرعي، وأكثر ما في القرآن هو الشرعي، قال تعالى: { {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ}} [المائدة: 97] ، مع أن هذا يحتمل أن يكون جعلاً كونياً، ومن ذلك قوله تعالى: { {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ}} [المائدة: 103] أي: ما جعلها شرعاً وإن كان قد جعلها قدراً، وكذلك قوله: { {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}} [النساء: 15] .

14 ـ جواز ثبوت الكراهة بين الرجل المسلم وأخيه، لقوله: { {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} }، فأثبت الله الكراهة شرطاً وتحقيقاً، ولا شك أن هذا وارد، وهو أن الإنسان قد يكره أخاه المسلم، ولكنه مأمور إذا وجد من قلبه كراهة لأخيه المسلم أن يفكر لأي سبب كرهه، فإذا كان لأمر شرعي فلينصح أخاه عن هذا الشيء حتى يزول؛ فتزول الكراهة، وإذا كان لغير أمر شرعي بأن وجد أنه يكره هذا الرجل كراهة عادية، لا لخلل في دينه أو خلقه، فعليه أن يعالج هذا الداء حتى يزيل عن قلبه كراهة إخوانه؛ لأن من أوثق عرى الإيمان المحبة في الله.

* * *

قال الله تعالى: { {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً *}} [النساء: 20] .

{ {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ} } أي: إن اخترتم، فالإرادة هنا بمعنى: المشيئة والاختيار.

{ {اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ} } أي: أخذ زوج { {مَكَانَ زَوْجٍ} }؛ أي: إن أردتم أن تطلقوا الزوجة الأولى، وتأخذوا بدلاً عنها زوجة جديدة، { {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} } الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل، فإن المبدل منه هو الأولى، والمعنى: وآتيتم إحداهن وهي الأولى، على أنه يصح أن تكون الثانية، بأن يتزوج ثانية ولكن لا يرغب فيها، ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا.

وقوله: { {وَآتَيْتُمْ} } بمد الهمزة، بمعنى: أعطيتم، أما قصر الهمزة «أتيتم» فهو بمعنى: جئتم، وهي تنصب مفعولين، ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وفي هذه الآية المفعول الأول { {إِحْدَاهُنَّ} }، والثاني: { {قِنْطَارًا} }.

فإن قال قائل: ما هي العلامة على أنها نصبت ما ليس بمبتدأ ولا خبر؟

فنقول: العلامة: أنه إن صح الإخبار بالثاني عن الأول؛ فأصلهما المبتدأ والخبر، وإن لم يصح؛ فليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهنا لو قيل: «هن قنطار» فإنه لا يصح.

وقوله تعالى: { {فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} } الفاء رابطة لجواب الشرط، وإنما ربط الجواب بالفاء لأنه طلب { {فَلاَ تَأْخُذُوا} }، و«لا» ناهية، والدليل على أنها ناهية جزم الفعل، وإذا وقع الجواب جملة طلبية وجب اقترانه بالفاء، وقد نظم في ذلك بيت من الشعر:

اسمية طلبية وبجامد***وبما وقد ولن وبالتنفيس

وقوله: { {مِنْهُ} } أي: مما آتيتموهن { { شَيْئًا } } نكرة في سياق النهي، فهي تعم القليل والكثير.

وقد نهى الله عزّ وجل عن أخذ شيء مما أعطيناهن؛ لأن لها المهر بما استحل من فرجها، كما سيأتي في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: { {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *}} [النساء: 21] ، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن استحلال الفرج موجب للمهر كاملاً.

وقوله تعالى: { {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً} } الاستفهام هنا للتوبيخ، فإن الله تعالى يوبخ هؤلاء الذين يحاولون أن يأخذوا منه شيئاً، وينكر عليهم.

وقوله: { {بُهْتَاناً} } أي: كذباً؛ لأنكم لم تستحقوه.

وقوله: { إِثْماً مُّبِيناً } أي: عقوبة، أو معصية بينة واضحة، فمبين هنا بمعنى: بيّن، وإن كانت من الرباعي؛ لأن «أبان» الرباعي يجوز أن يكون لازماً ومتعدياً، فقوله: { {وَإِثْمًا مُبِيناً} } من «أبان» اللازم؛ أي: إثماً بيِّناً.

* * *

قال الله تعالى: { {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *}}.

يقول الله تعالى: { {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} } { كَيْفَ } استفهام للتعجب والإنكار.

وقوله: { {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} } الجملة هنا في موضع نصب على الحال، والمعنى: والحال أنه قد أفضى بعضكم إلى بعض؛ أي: انتهى بعضكم إلى بعض بما لا ينتهي إليه إلا الزوج.

وقوله: { {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} } النون في { {وَأَخَذْنَ} } ليس فيها ألف؛ لأنها نون نسوة، وليست ضمير متكلم، فإنها لو كانت ضمير متكلم لكان: «وأخذنا»، فقوله: { {وَأَخَذْنَ} } أي: النسوة.

قوله: { {مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} } هنا إشكال من جهة أن ما سبقه إما مفرد، وإما مثنى، فكيف عاد الضمير جمعاً لما سبق؟

والجواب عن ذلك أن يقال: إن ما سبق من المفرد أو المثنى يراد به الجنس، وإذا أريد به الجنس؛ صح أن يُجمع باعتبار الجنس.

وقوله: { {مِيثَاقًا غَلِيظًا}} الميثاق: هو العهد، والغليظ: هو المشدد، أو الشديد؛ أي: أخذن منكم ميثاقاً غليظاً وذلك بعقد النكاح، فإن عقد النكاح يستلزم أنه متى ملك العوض ملك المعوض، فأنت عندما ملكت البضع، واستحللت منها ما لا يستحله إلا الزوج؛ وجب لها المهر الذي هو العوض، وهو عهد وميثاق غليظ لا يوجد له نظير من العقود، فإن أشد ما يكون من العقود وأخطر ما يكون منها هو عقد النكاح؛ لأنه يترتب عليه أشياء كثيرة؛ كثبوت المحرمية، ولحوق النسب، ووجوب النفقة، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة، ولهذا احتاط له الشرع ما لم يحتط لغيره، فلا بد فيه من ولي، ولا تستقل به المرأة بنفسها، مع أن بيع مالها ولو كثر تستقل به إذا كانت مكلفة رشيدة، ولا بد فيه من شهود عند كثير من أهل العلم، وعقد البيع لا تجب فيه الشهادة، ولا بد فيه من الخلو من الموانع، وبقية العقود قد تنعقد مع مانع لكن مع الإثم، أما هذا فلا، ثم عند التحلل منه وفسخه ليس هو كغيره من العقود متى شاء فسخ، بل لا بد له من قيود، فلا يفسخه في حيض، ولا يفسخه في طهر جامع فيه، ثم إذا فسخ فإنه يترتب على ذلك آثار؛ كالعدة وغيرها، إذاً: فهو أخطر العقود، ولهذا سماه الله: { {مِيثَاقًا غَلِيظًا}}.

من فوائد الآيتين السابقتين:

1 ـ جواز التزوج بثانية، ولو كان يريد أن تكون بدلاً عن الأولى، لقوله: { {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} } أي: لو أراد أن يتزوج امرأة لتكون بدلاً عن الأولى تخدمه، وتقوم بحوائجه؛ فلا بأس.

2 ـ جواز كثرة المهر، لقوله: { {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} } والقنطار قيل: إنه ألف مثقال من الذهب، وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور من الذهب، وهذا كثير، فهل نقول: إن الآية تدل على جواز الزيادة في المهر؟ أم نقول: إن هذا من باب المبالغة؟ أي: لو آتيتم إحداهن هذا المال الكثير فلا تأخذوا منه شيئاً ولو قليلاً؟

الجواب: إن صحت الرواية عن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس، وقال: «لا يزيد أحد على صداق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا جعلته في بيت المال»، فقامت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين! كيف تقول هذا، والله يقول: { {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} } فقال: «امرأة أفقه منك يا عمر»، وفي لفظ: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»[(59)]، فعدل عن قوله: فإن صحت هذه القصة فإن قوله: { {قِنْطَارًا} } لا يراد به المبالغة التي لا حقيقة لها، وإنما يراد به الكثرة الحقيقية، والأصل أنه يجوز أن يزاد في المهر، ولو بلغ قناطير؛ لأنه عقد بين متعاقدين ولا بد فيه من الرضا، فإذا لم ترض الزوجة وأولياؤها إلا بالكثير؛ فالأمر إليهم.

ولكن يقال: إن الأفضل عدم المغالاة في المهور، وكلما خف المهر كان أكثر لبركة النكاح، وأحسن عاقبة، وأضرب لذلك مثلاً: إذا كان المهر قليلاً، ولم يوفق بين الزوج وزوجته، فإنه من السهل عليه أن يطلقها، سواء بفداء أو بغير فداء، فإن طلب الفداء فإنما يطلب شيئاً يسيراً، وإن لم يطلب الفداء، فارقها وانتهى منها، لكن لو أنه أنفق عليها شيئاً كثيراً، ثم ذهب يستدين من فلان وفلان، فركبه الدين الذي هو ذل في النهار، وهم في الليل، فماذا ستكون قيمة هذه المرأة عنده وقد كانت سبباً لهذا كله؟

سوف يكرهها، ويقول: هذه التي أدت إلى لحوق الدين علي، ثم إذا لم يرد الله التوفيق بينهما، فلن يسهل عليه أن يطلقها إلا بأن ترد إليه مهره، وهي قد أنفقت المهر، وذهب يميناً وشمالاً، فيصعب عليها جداً أن تدرك ذلك، فلهذا لا شك أن فوائد تقليل المهر كثيرة، ولهذا جاء في الحديث: «أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة»[(60)].

3 ـ تحريم أخذ الزوج شيئاً من المهر ولو قليلاً، لقوله: { {فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} } ، وكلمة: { {شَيْئًا} } نكرة في سياق النهي، فتعم القليل والكثير، ولكن لو رضيت الزوجة بأن يأخذ من مهرها شيئاً فالحق لها، إذا كانت مكلفة رشيدة، لقوله تعالى: { {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}} [البقرة: 237] .

4 ـ الإنكار الشديد على من أخذ شيئاً من مهر امرأته بغير رضاها، لقوله: { {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً} {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} }.

5 ـ أن من كمال البلاغة أن يأتي المتكلم بأبشع صورة؛ تنفيراً مما يريد التنفير عنه، لقوله: { {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} }، والعقل يقتضي أنه مع هذا الإفضاء يرجع كل من المتعاقدين إلى ما كان عليه، فالمرأة ترجع بمهرها، والزوج قد جاءه عوضه، وهو استحلال فرجها.

6 ـ الإشارة إلى ستر ما بين الزوجين، لقوله: { {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} }، وهذا الإفضاء معروف أنه إفضاء سري، ولهذا فإن الذي يفشي السر فيما كان بينه وبين زوجته من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة.

7 ـ أن العقود عهود، لقوله: { {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} }، ولا شك أن العقود عهود، وعلى هذا فيدخل الوفاء بالعقد تحت قوله تعالى: { {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ}} [النحل: 91] ، وتحت قوله: { {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}} [الإسراء: 34] ، والوفاء بالعقود يعم الوفاء بأصل العقد وما أضيف إليه من شرط وصفة؛ لأن الشروط التي تشترط في العقود هي من أوصاف العقود، فإذا وجب الوفاء بالأصل وجب الوفاء بالصفة، ويتفرع على هذا التقرير: أن في الآية دلالة على وجوب الوفاء بالشروط في العقود، لكن يستثنى من ذلك ما منع الشرع منه، فإذا منع الشرع من شرط، حرم اشتراطه، وحرم الوفاء به، مثل أن يشترط البائع على المشتري ولاء العبد الذي باعه عليه، فهذا شرط باطل لا يصح، أبطله النبي صلّى الله عليه وسلّم علناً، ومثل أن يشترط البائع على مشتري الأمة أن يطأها لمدة شهر، فإن هذا الشرط باطل؛ لأنه لما باعها انتقل الملك إلى المشتري، فوطء البائع لها ـ لو اشترط أن يطأها وليست ملكاً ـ له من باب الزنا.

فإن اشترط بائع الأمة أن تخدمه لمدة شهر مثلاً، فلا بأس؛ لأن الخدمة تجوز من ملك اليمين وغيره.

8 ـ غلظ عقد النكاح، وأنه عقد يجب أن يهتم به، لقوله: { {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} }، ويدل على هذا قوله تعالى في الطلاق: { {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصَوا الْعِدَّةَ}} [1] أي: اضبطوها بالحساب، لكنه لم يقل: بالحساب؛ لأنه كان من عادتهم أن يضبطوا الشيء بالحصى، فإذا جاء قوم أخذوا حصى بعددهم من أجل الضبط، وعلى هذا جاء قول الشاعر:

ولست بالأكثر منهم حصى***وإنما العزة للكاثر

أي: أن الحصى الذي يعرف به عدد القبيلة إذا كانت كثيرة فيه فائدة، ولهذا قال: وإنما العزة للكاثر؛ أي: لمن يكثر غيره، ويفوق غيره في الكثرة.

إذاً: هذه الآية الكريمة تفيد خطر عقد النكاح، وأهميته، وأنه يجب أن يعتنى به، ويحتفظ به، وبشروطه، وكل ما يلزم فيه؛ حتى لا يقع الإشكال بين الرجل وزوجته، وتحصل أمور لا تحمد عقباها.

* * *

قال الله تعالى: { {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً *}} [النساء: 22] .

صلة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأن الله قال: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}}، ومن جملة النساء زوجات الآباء، التي يخلفها الأب بعد موته، فبين الله عزّ وجل أن زوجات الآباء لا تحل فقال: { {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} }

قوله: { {مَا نَكَحَ} } النكاح في القرآن الكريم يطلق على العقد؛ وعلى الوطء، فإذا وقع على أجنبية فالمراد به العقد، أما إذا وقع على زوجة الإنسان فالمراد به الوطء، فإذا قيل: نكح زوجته، فهو الوطء، وإذا قيل: نكح بنت فلان، فهو العقد.

ففي قوله تعالى: { {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}} [البقرة: 230] ، فهل المراد بالنكاح هنا العقد، أو أن المراد به الجماع؟

الجواب: المراد به الجماع؛ لأن هناك قرينة تدل على ذلك، وهي قوله: {{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}}، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه زوج إلا بعقد، ولهذا لا بد أن يكون العقد صحيحاً حتى تتحقق الزوجية، أما فيما عدا ذلك فالمراد به العقد، مثل قوله تعالى: { {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}}.. { {وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}} [البقرة: 221] .

وقوله تعالى: { {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} } بناء على ما قررناه يكون المراد بالنكاح هنا: العقد؛ أي: ما عقدوا عليهن، سواء حصل الدخول أم لم يحصل، وسواء حصل الوطء أم لم يحصل.

وقوله: { {آبَاؤُكُمْ} } جمع أب، وهو شامل للأب الأدنى ومن فوقه، وهم الأجداد، وشامل للجد من قبل الأب ومن قبل الأم؛ وذلك لأن النكاح يكفي في تحريمه أدنى ملابسة، بخلاف الإرث والنفقات، فإنه في باب الإرث والنفقات لا يدخل في الآباء الأجداد من جهة الأم، أرأيت الرضاع مثلاً فإنه يحرم في النكاح، لكنه لا يوجب أي شيء مما يوجبه النسب، من نفقة، أو تحمل دية، أو صلة، أو غير ذلك.

إذاً: المراد بالآباء: الآباء الأدنون والأعلون، من قبل الأب ومن قبل الأم.

وقوله: { {النِّسَاءِ} } هذا بيان لـ«ما» الموصولة، وذلك أن «ما» الموصولة ـ وكذلك أسماء الشرط ـ مبهمة تحتاج إلى بيان، فيأتي في الغالب البيان بعدها مُصدّراً بـ«من».

وقوله: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} } { {إِلاَّ} } هنا أداة استدراك، وليست أداة استثناء، فهي بمعنى «لكن»، ويعبر بعض العلماء عن مثل هذا بأنه استثناء منقطع، ويعبر آخرون بأن { {إِلاَّ} } هنا بمعنى «لكن»، وليست استثناء أصلاً؛ لأن الاستثناء لا بد أن يكون المستثنى قد دخل في المستثنى منه، ثم أخرج، والاستثناء المنقطع لا يصدق عليه ذلك.

وعلى هذا: فإذا جاء الاستثناء المنقطع، فإننا نجعل { {إِلاَّ} } بمعنى «لكن»، ويكون هذا من باب تناوب الحروف بعضها عن بعض.

وقوله: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} } أي: لكن ما مضى، فإنه لا حرج عليكم فيه، ولا يلحقكم فيه الإثم.

فإن قال قائل: ما قد سلف لن يلحقهم فيه إثم؛ لأن الحكم لم يقرر بعد، فكيف استدرك وقال: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} }.

فالجواب ـ والعلم عند الله عزّ وجل ـ : أنه لما كان عقد النكاح أخطر العقود، وأشدها، استثنى ما سلف؛ لئلا يظن الظان أن ما سلف ينسحب عليه الحكم الذي ثبت أخيراً، فكأنه قال: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، وقد عفا الله عما سلف؛ لتطمئن النفوس، وليس معنى ذلك: أن ما سلف من العقد يبقى، ويقر عليه الإنسان، بل يجب فسخه، والتفريق بين الإنسان والزوجة التي هي زوجة أبيه؛ لأن هذا التحريم باقٍ لم يَزُل وصفه.

وقوله تعالى: { {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً} } الضمير في: { {إِنَّهُ} } يعود على المصدر المفهوم من قوله: { {وَلاَ تَنْكِحُوا} } أي: إن نكاحكم، والضمير قد يعود على المصدر المفهوم من الفعل لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: { {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}} [المائدة: 8] ، فقوله {{هُوَ}} أي: العدل المفهوم من كلمة اعدلوا.

فقوله: { {إِنَّهُ} } أي: نكاحكم ما نكح آباؤكم.

قوله: { {كَانَ فَاحِشَةً} } أي: والآن هو فاحشة، فعلى هذا تكون { {كَانَ} } هنا مسلوبة الزمان وإنما جاءت لتحقق هذا الأمر؛ لأن { {كَانَ} } إذا سلبت الزمان صارت للتحقيق، وهذا كقوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}} [الأحزاب: 24] فليس المعنى: كان فيما مضى، ولكن ثبت ثبوتاً قطعياً أنه غفور رحيم، وهنا نقول: { {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً} } أي: ثبت فحشه.

وقوله: { {فَاحِشَةً} } أي: في نفسه، { {وَمَقْتًا} } أي: عند الله، فنكاح ما نكح الآباء من النساء فاحشة في نفسه، تستفحشه العقول، والشرع، وهو أيضاً مقت، والمقت أشد البغض، كما قال أهل العلم في قوله تعالى: { {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ *}} [الصف: 3] أي: كبر بغضاً، فالمقت أشد البغض.

وقوله: { {وسَاءَ سَبِيلاً} } { سَاءَ {سَاءَ} } فعل ماضٍ من أنواع الأفعال الجامدة، فهو جامد في سياقه على هذا الوجه؛ أي: على أنه إنشاء، وإنما قيدت ذلك لأنه إذا جاء بمعنى الإساءة أو السيئة صار متصرفاً، كما قال تعالى: { {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ}} [الإسراء: 7] ، فيسوءوا مضارع ساء، فساء إذا كان المقصود به إنشاء الذم صار فعلاً جامداً، وإذا كان المقصود به ضد ما يسر، صار متصرفاً، فإذا قلت: إن { سَاءَ {سَاءَ} } فعل جامد، فلا بد من قيد أن تقول: إذا كان المقصود به إنشاء الذم.

وقوله: { {سَبِيلاً} } أي: طريقاً، فوصف الله عزّ وجل نكاح ما نكح الآباء بثلاثة أوصاف: أنه فاحشة، وأنه مقت، وأنه سبيل سيئ.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ تحريم نكاح من نكحه الآباء الأدنون والأبعدون، لقوله: { {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} }.

2 ـ أنه لو وقع هذا العقد لكان فاسداً؛ لقوله: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} }، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»[(61)]، والذي ينكح ما نكح آباؤه من النساء قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله.

3 ـ حل من زنى بها أبوه، ويؤخذ هذا من قوله: { {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} }، والزنا ليس نكاحاً، خلافاً للمشهور عند الحنابلة من أن موطوءة الأب ولو بزنا حرام على الابن، فإن هذا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه في قوله تعالى: { {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}} [النساء: 24] ، ولا يصح قياسه على النكاح؛ لأن النكاح عقد شرعي معتبر، والزنا سفاح بغيض إلى الله غير مشروع عند الله، فلا يصح قياسه عليه، وأغرب من ذلك أن بعضهم يقول: اللواط يجري مجرى النكاح، فلو لاط بالغلام حرمت عليه أم الغلام، وحرمت عليه بنت الغلام، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم.

فالحاصل: أن الصواب في هذه المسألة أنها لا تحرم.

4 ـ تحريم نكاح زوجات الآباء وإن لم يحصل وطء ولا خلوة، ووجه ذلك: صدق النكاح بمجرد العقد، فإن من عقد على امرأة صدق عليه أنه تزوجها.

5 ـ أن الخطيئة المفعولة قبل العلم لا يلحق الفاعل إثمها، لقوله: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} }، وهذه قاعدة شرعية: «أن الشرائع لا تلزم قبل العلم لا إيجاباً ولا تحريماً»، كما قرر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله[(62)]، وعلى هذا فلو أن الإنسان أسلم في بادية بعيدة، ولم يعلم عن وجوب صوم رمضان، ثم علم بعد ذلك، فإننا لا نلزمه بقضاء ما ترك من الصوم؛ لأنه لم يبلغه وجوبه، فلم تقم عليه الحجة به، وكذلك الصلاة: فلو كان لا يصلي، أو يصلي وعليه جنابة، أو بغير وضوء، أو بغير طمأنينة، فإنه لا يلزم بقضاء ما فاته، ولهذا أدلة كثيرة:

منها: حديث المسيء في صلاته، حيث لم يلزمه النبي صلّى الله عليه وسلّم بقضاء ما سبق، مع أنه قال: «فإنك لم تصل» [(63)]، وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة؛ لأنه مطالب بها في الوقت.

6 ـ أن رحمة الله سبقت غضبه، حيث عفا عما سلف من الذنوب، لقوله: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} }، وهذه قاعدة معلومة من قوله تعالى: { {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}} [الأنعام: 54] ، ومن قوله تعالى في الكتاب الذي كتبه عنده فوق العرش: «إن رحمتي سبقت غضبي»[(64)]، وينبني على هذه القاعدة: أن العفو أقرب إلى السلامة من العقوبة، ولهذا جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «لأن أخطئ في العفو أحب إليّ من أن أخطئ في العقوبة»[(65)]، وينبني على ذلك قاعدة مهمة: لو تنازع العلماء في مسألة من المسائل بين محرم ومحلل، وتكافأت أدلة الطرفين، فإننا نأخذ بالأيسر والأسهل، بناءً على هذه القاعدة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وأنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وبأن الأصل براءة الذمة. فهذه ثلاثة أمور.

7 ـ أن نكاح المحارم أشد من الزنا، لقوله: { {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً}}، وفي الزنا قال تعالى: { {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً *}} [الإسراء: 32] ، ولم يقل: { {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً}}؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن من زنى بامرأة من محارمه أو تزوجها، فإنه يرجم ولو كان غير محصن؛ لأن نكاح ذوات المحارم أعظم من الزنا وأشد.

8 ـ قبح هذا المسلك، لقوله: { {وَسَاءَ سَبِيلاً} }.

9 ـ بيان نعمة الله عزّ وجل علينا في هذه الشريعة، حيث جنبنا سلوك السبل السيئة المذمومة، لقوله: { {وسَاءَ سَبِيلاً} }.

10 ـ ويؤخذ من ضدها: أن السلوك الإسلامي أو المنهج الإسلامي هو خير السبل وأفضلها وأحسنها.

* * *

قال الله تعالى: { {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا *}} [النساء: 23] .

{ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ} } المحرِّم هو الله عزّ وجل، وقد حذف الفاعل للعلم به، وأصل الحرام في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها مما يكون حماية لها، ويمنع غير مالكها من تملكه، فأصل الحرام في اللغة: المنع، والمعنى: مُنعتم من أمهاتكم.

وقوله: { {أُمَهَاتُكُمْ} } «أمهات» جمع أم، أو أمهة، ويقال في جمع أم في العاقل: «أمهات»، وفي غير العاقل: «أُمَّات» بحذف الهاء .

وقوله: { {أُمَهَاتُكُمْ} } يشمل الأم الدنيا والأم العليا؛ كالجدة أم الأب، وأم الأم، وأم الجد، وأم الجدة، ونقول فيها كما قلنا في قوله: «آباؤكم»، فهي تشمل القريب والبعيد من الأمهات، من جهة الأب ومن جهة الأم.

وقوله: { {وَبَنَاتُكُمْ} } البنات: جمع بنت، ويشمل البنت، وبنت الابن، وبنت البنت وإن نزلن، ويشمل أيضاً البنت من الزنا على قول جمهور أهل العلم، وإن كانت لا تنسب إليه شرعاً، لكنها خلقت من مائه، فهي على القول الراجح داخلة، كما سنبين ذلك في الفوائد.

وقوله: { {وَأَخَوَاتُكُمْ} } الأخوات: جمع أخت، وهن فروع الأب الأدنى.

وقوله: { {وَعَمَّاتُكُمْ} } العمات: جمع عمة، وهن فروع الأب الأعلى؛ أي: فروع الجد، وفروع أب الجد، وفروع جد الجد، وهلم جرا.

وليعلم أن عمة الرجل عمة له ولذريته من بنين وبنات، ولهذا فعمة أبيك عمة لك، ولأولادك وبناتك، وأولاد أبنائك وأولاد بناتك.

وقوله: { {وَخَالاَتُكُمْ} } الخالات: فروع أب الأم وإن علا، وهن: أخوات أمك.

وقوله: { {وَبَنَاتُ الأَخِ} } وإن نزلن، ويشمل الأخ الشقيق، والأخ لأب، والأخ لأم، ونسبتك إلى بنات الأخ: عم.

وقوله: { {وَبَنَاتُ الأُخْتِ} } وهن من تكون خالاً لهن، فبنات الأخوات حرام على الإنسان وإن نزلن.

إذاً: هؤلاء المحرمات من النسب، وهن سبع: أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، ويقال في حصرهن على طريقة الفقهاء: الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى دون فروعهن، فالأصول مثل: الأمهات والجدات، والفروع: كالبنات وإن نزلن، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن هن: الأخوات وبنات الأخوات، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة: العمات والخالات، وقولنا: «لصلبهم خاصة» أي: دون من نزلوا، فبنت العمة مثلاً حلال، وبنت الخالة حلال. فهذه طريقة الفقهاء.

أما على طريقة العد الذي هو أفصح شيء، وهو كلام الله عزّ وجل، فلا يحتاج إلى كبير تأمل، ولذلك لو قيل للعامي: يحرم عليك نكاح الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، لذهب مطمئناً متضحاً له الأمر، لكن لو قيل له: تحرم عليك الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة دون من نزلن، لقال: إن هذا شيء معقد، وذهب يطلب تفسيراً لهذا الكلام، ولذلك فإن القرآن أبلغ شيء مهما كان، فمهما تكلم أحد في بلاغته، فإن القرآن أبلغ منه، وأوضح، وأبين.

وقوله تعالى: { {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} } هذا صنف آخر؛ لأن المحرمات أصناف: بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة، وهنا المحرمات بالرضاع، فقوله: { {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} } والرضاع: امتصاص الرضيع للثدي، أو إسقاؤه إياه بعد انفصاله عن الثدي، كما لو جعل في إناءٍ أو في ثدي صناعي، أو ما أشبه ذلك.

وقوله: { {اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} } كلمة «أرضع» فعل، والفعل في الأصل للإطلاق، والإطلاق يصدق بمرة واحدة، فإذا قلت مثلاً: ضربت، فإنه يصدق بمرة واحدة، إذن قوله «أرضعنكم» يصدق بمرة واحدة؛ أي: برضعة واحدة، فالآية تدل على أن مطلق الرضاع يثبت به التحريم، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان أن السنة قيدت ذلك.

وقوله: { {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} } الأخوات من الرضاعة: هن بنات المرأة التي أرضعتك، وبنات زوجها منها أو من غيرها؛ لأن بنات زوجها يكن أخواتك من الأب، وبنات التي أرضعتك أخوات لك من الأب والأم؛ أي: شقائق، أو من الأم؛ لأنها قد ترضعك بلبن زيد، ولها بنات من عمرو، فتكون بناتها من عمرو أخوات لك من الأم، فقوله تعالى: { {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} } يشمل الشقيقات، واللاتي لأب، واللاتي لأم.

وقوله تعالى: { {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} } هذا هو الصنف الثالث: وهن المحرمات بالمصاهرة، والأم إذا أطلقت فهي التي ولدت الإنسان، قال الله تعالى: { {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاََّّئِي وَلَدْنَهُمْ}} [المجادلة: 2] ، فأمهات النساء؛ أي: اللاتي ولدن نساءكم.

وقوله: { {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} } أي: زوجاتكم، ولا تكون المرأة زوجة إلا بعقد صحيح، فلا بد من أن يكون العقد صحيحاً؛ لأنه إذا لم يكن صحيحاً لم تكن المرأة من نسائه، فلا تكون من نسائه إلا بعد صحة العقد.

وقوله: { {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} } «ربائب»: جمع ربيبة؛، كصحائف: جمع صحيفة، وقوله: { {اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} } صفة لربائب، وقوله: { {مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} } بيان لها؛ أي: أن الربائب من هؤلاء النساء اللاتي دخلتم بهن، وقوله: { {مِنْ نِسَائِكُمُ} } أي: زوجاتكم اللاتي عقدتم عليهن عقداً صحيحاً، إذ لا تكون المرأة من نساء الرجل إلا بعقد صحيح.

وقوله: { {مِنْ نِسَائِكُمُ} } صفة لقوله: { {مِنْ نِسَائِكُمُ} }، والمراد بالدخول بهن: الجماع دون الخلوة، وهنا لا بد أن نفرق بين الدخول الذي هو الجماع، وبين الخلوة، فإن الخلوة لا تؤثر.

إذاً: الربائب ذكر الله فيهن قيدين:

القيد الأول : أن تكون في حجر الإنسان، فيتزوج امرأة ولها بنت من غيره، ويضم البنت مع الأم فتكون عنده في حجره.

القيد الثاني : أن تكون المرأة قد دخل بها الزوج؛ أي: جامعها.

فهل هذان القيدان معتبران؟

هناك قولان للعلماء:

القول الأول : أنهما معتبران، وأن الربيبة إذا لم تكن في حجر الإنسان، أو لم يكن قد دخل بأمها فهي حلال، وأنها لا تحرم إلا إذا اجتمع القيدان: أن تكون في حجره، وقد دخل بأمها.

القول الثاني : وهو قول الجمهور، أن المعتبر هو القيد الثاني، وهو قوله: { {مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} }، وأما القيد الأول فليس بمعتبر، وإنما ذكر بناءً على الأغلب، أو بياناً للحكمة، واستدل الجمهور لرأيهم هذا بأن الله تعالى صرح بمفهوم القيد الثاني ولم يصرح بمفهوم القيد الأول، بل سكت عنه، فقال: { {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} }، ولو كان القيد الأول معتبراً لقال: فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لم يكنّ في حجوركم؛ فلا جناح عليكم.

ولو سكت الله عن المفهوم ولم يقل: { {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} }؛ لكان القيد معتبراً، وكانت الحجة مع من جعله شرطاً.

فالمراتب ثلاث:

المرتبة الأولى: أن يقال: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم يكن في حجوركم أو لم تدخلوا بأمهاتهن، فلا جناح عليكم، ففي هذه المرتبة يكون القيدان معتبرين.

المرتبة الثانية : أن يقال: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فهنا القيدان معتبران.

المرتبة الثالثة : أن يرد القيدان في الآية: { {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} }، فهذا يؤذن بأن القيد الثاني معتبر، والقيد الأول غير معتبر، وهذا هو رأي الجمهور، وهو الصحيح، والله أعلم.

وقوله تعالى: { {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} } «حلائل»: جمع حليلة، وتشمل الزوجة، والمملوكة، لكن الزوجة تحرم على أبي الزوج بمجرد العقد، وأما السرية فلا تحرم على أبي السيد إلا بالوطء؛ وذلك لأن السرية قبل أن يجامعها يحتمل أن تكون سلعة تباع وتشرى، فإذا جامعها فقد اختارها لنفسه، فالحلائل إذن: جمع حليلة، وهي الزوجة التي استحلها بالعقد، أو الأمة التي استحلها بالوطء.

ولم يذكر الله عزّ وجل هنا قيداً، فتشمل كل زوجة؛ سواء دخل بها الابن أم لم يدخل بها، وعلى هذا فزوجة الابن حرام على أبيه، وإن طلقها قبل الدخول، وإن طلقها قبل الخلوة؛ لعموم الآية.

وقوله: { {الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} } «أصلاب»: جمع صلب، وهو الظهر، والمراد: الأبناء الذين ولدوا من مائكم؛ لأن هذا هو ابن الصلب، وهذا قيد يخرج به جمهور العلماء أبناء التبني، فقد كان من عادة الناس في الجاهلية أن يتبنى الإنسان ابناً له، ويقول له: أنت ابني، ويجعله كابنه في الميراث وغيره، فقيد الابن هنا بكونه من الصلب ليخرج ابن التبني، هذا هو رأي الجمهور، ولكن لا مانع من أن يقال: إنه يشمل ابن التبني، وابن الرضاع؛ لأن ابن الرضاع ليس ابناً لك من صلبك، وابن الرضاع يسمى ابناً شرعاً، لكن ابن التبني قد أبطله الشرع، فقال الله تعالى: { {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}} [الأحزاب: 4] ، فإذا كان قد أبطل شرعاً فلا حاجة إلى قيد يخرجه؛ لأنه غير داخل شرعاً في معنى البنوة عند الإطلاق، ولا حساً كذلك أيضاً؛ لأنه ليس من مائه، وعلى هذا فيكون هذا القيد لإخراج ابن الرضاع أظهر منه لإخراج ابن التبني؛ لأن ابن التبني غير معترف به شرعاً، فلا حاجة إلى قيد يخرجه من معنى البنوة.

وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن كان يظن أنه خالف الناس في هذا، لكن قوله عند التأمل هو الصواب، وهو أن المصاهرة لا تجري في الرضاع، ولا علاقة للرضاع بها؛ لأن الحديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»[(66)]، وأبو الزوج، وابن الزوج إنما هو حرام بالمصاهرة، فكيف ندخل في الحديث ما لم يدخل فيه، وكذلك في الآية الكريمة؟

وقوله تعالى: { {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} }، وهذا المحرم ليس عيناً، ولكنه عمل، وهو الجمع، والمعنى: وحُرِّم علينا أن نجمع بين الأختين، ولهذا لا يصح التعبير بأن نقول: تحرم أخت الزوجة، أو تحرم عمة الزوجة؛ لأن ذلك ليس وارداً لا في القرآن ولا في السنة، ففي القرآن: { {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} }، وفي السنة: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»[(67)]، فالحكم معلق بعمل، وهو الجمع، وليس بعين وهي الأخت أو العمة، ولهذا نقول: إن تعبير بعض العلماء رحمهم الله: تحرم أخت الزوجة وعمتها وخالتها، فيه تساهل.

فالصواب أن يقال: يحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.

وقوله: { {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} } يشمل الأختين الشقيقتين، والأختين لأب والأختين لأم؛ لأن الآية مطلقة.

قوله: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} } نقول فيها كما قلنا في قوله تعالى: {{وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}} [النساء: 22] أي: لكن ما قد سلف معفو عنه، وإنما ذكره الله عزّ وجل لعظم المقام، ولئلا ينشغل الإنسان بفعله السالف الذي وقع على الوجه المنهي عنه، ومن الحكم بيان حكم الولد الحاصل من النكاح فيما سلف بمعنى: أنه لو نكح الإنسان زوجة أبيه في الجاهلية، وأتت منه بولد، ثم أسلم وفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم باقٍ، لكن الولد الذي حصل من النكاح الأول ينسب إليه شرعاً، فهذا ـ والله أعلم ـ هو الحكمة من قوله تعالى: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} } لأجل أن يزول ما في قلب الإنسان نهائياً؛ لأنه قد يقول: إذا كان ذلك حراماً عليّ، فما موقفي أمام الولد الذي خلق مني في ذلك الوقت، فطمأن الله العباد بقوله: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} }، فهذا هو الحكمة في استثناء واستدراك ما سبق، وإلا فقد يقول قائل: ما سبق كيف يرجع التحريم إليه بما يسمى أثراً رجعياً؟ فنقول: الحكمة من ذلك هو عظم المقام، والثاني: أنه لو ولد ولد في ذلك النكاح، فالولد ولد شرعي؛ لأنه معفو عنه ـ أي: عما سلف ـ وعن آثاره.

وقوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} } سبق الكلام على هذه الآية كثيراً، وفيها تأكيد اسمين من أسماء الله بمؤكدين: { {إِنَّ} } و{ {إِنَّ} }؛ لأن و{ {إِنَّ} } كما أسلفنا مسلوبة الزمان، فتفيد تحقيق الوصف.

و«الغفور» صيغة مبالغة من الغفر، وهو ستر الذنوب، وعدم المؤاخذة عليها، و«الرحيم» كذلك صيغة مبالغة من الرحمة، والرحمة صفة ذاتية لله عزّ وجل، ولكن لها آثار، مثل: نزول المطر، وسعة الرزق، وكثرة العلم، واتجاه الناس اتجاهاً سليماً، وما أشبه ذلك، فهذه الأشياء هي من آثار رحمة الله، ولكن ليست هي الرحمة، إنما يطلق عليها الرحمة لأنها آثار رحمة الله كما قال الله تعالى في الجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء»[(68)].

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ تحريم نكاح هؤلاء السبع بالنسب، وكلهن قريبات، لقوله: { {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} }.

فإن قال قائل: إضافة التحريم هنا إلى الأعيان، فما الذي خصصه بالنكاح، ألا يجوز أن يقول قائل: { {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ} } أي: لا تنظروا إليهن، أو لا تقتلوهن، فما الذي يقيد التحريم بالنكاح؟

فنقول: يفهم ذلك من سياق الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: {{وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}} [النساء: 22] ، فالسياق في الآية التي قبلها وفيها أيضاً كل ذلك في النكاح، فتعين أن يكون المراد به النكاح، وما زعمه بعض العلماء من أن في الآية إجمالاً متردداً بين كذا وكذا، فهذا لا وجه له.

2 ـ ثبوت التحريم بالرضاع، لقوله: { {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} }.

مسألة: ضوابط المحرمات من المصاهرة:

يحرم على الزوج خاصة أصول زوجته وفروعها، لكن الأصول بمجرد العقد، والفروع لا بد من الدخول، والفروع سماها الله: ربائب، والأصول سماها الله: أمهات نسائكم.

ويحرم على الزوجة خاصة أصول زوجها وفروعه، فالمحرمات بالمصاهرة أربعة: أصول الزوج على الزوجة خاصة، وفروع الزوج على الزوجة خاصة، وأصول الزوجة على الزوج خاصة، وهذه الثلاث يثبت فيها التحريم بمجرد العقد، والرابع: فروع الزوجة على الزوج خاصة، لكن بشرط الدخول.

مسألة: بناء على ذلك هل يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه؟

هذه المسألة فيها تفصيل، فإن كانت زوجة أبيه هي أمه، فلا يجوز؛ لأن بنتها أخته، وأما من غيرها فنقول: يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه.

مسألة: هل يجوز أن يتزوج أم زوجة أبيه؟

قلنا: إن التحريم يتعلق بالزوج خاصة، أو بالزوجة خاصة، فيحرم على الزوج أصول الزوجة وفروعها، ويحرم على الزوجة أصول الزوج وفروعه، وهذا الرجل أراد أن يتزوج أم زوجة أبيه، فيجوز؛ لأن أصول الزوجة إنما يحرمون على الزوج خاصة؛ أي: أن التحريم يتعلق بالزوج فقط، وبالزوجة فقط، هذا هو الضابط في المحرمات بالمصاهرة، والقرآن واضح في هذا.

3 ـ أن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاعة، ووجه ذلك: أنه لو كانت الأم من الرضاع تدخل في الأم عند الإطلاق، لما احتيج إلى قوله: { {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} }؛ لأنها تدخل في قوله: { {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ} }، ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أم الزوجة من الرضاع لا تدخل في قوله: { {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} }؛ لأنه عند الإطلاق لا تدخل فيها الأم من الرضاع، فإذا قال قائل: أم الزوجة من الرضاع حرام، لدخولها في عموم قوله: { {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} }.

فنقول: لا نسلم بهذا؛ لأن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها الأم من الرضاع، بدليل قوله: { {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ} } { {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} }، ولو كانت الأم عند الإطلاق تدخل فيها الأم من الرضاعة لكان في الآية تكرار منافٍ للبلاغة.

4 ـ ثبوت الأمومة بالرضاع، وعلى هذا فيصح أن يقول القائل لمن أرضعته: أمي، لكن لا ينبغي أن يقولها إلا مقيدة؛ لأن الله قيدها، فقال: { {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} }، فيقول: أمي من الرضاعة؛ لئلا يتوهم السامع أنها أم من النسب.

ويتفرع عن هذه الفائدة: أن ما يطلقه كثير من الناس على زوجة الأب أنها عمة، وبعضهم يسميها خالة، على الإطلاق، وكذلك ما يفعله بعض الناس من إطلاق اسم العم أو الخال على أبي الزوجة، فيقول: عمي، أو خالي، وهذا غلط؛ لأنها تسمية لا تصح لغة، ولا شرعاً، وتُوهم، ولهذا نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن تسمية العشاء بالعتمة، فقال: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء»[(69)] يقول الله: { {وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ}} [النور: 58] .

فالحقائق لا ينبغي أن تطلق على خلاف الحقائق الشرعية.

5 ـ أن المرضعة تحرم بمطلق الرضاعة، لقوله: { {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} }، والرضاع يصدق بمرة، بل بمصة؛ لأن من مص من ثدي المرأة قيل: إنه رضع، وعلى هذا فيثبت التحريم بمجرد رضعة واحدة، وإلى هذا ذهب الظاهرية، وقالوا: إن التحريم بالرضاع يثبت بالرضعة الواحدة؛ لأنه جاء مطلقاً في القرآن، والمطلق يصدق بمرة واحدة.

ولكن الصحيح أن هذا الإطلاق في القرآن قد قيدته السنة، فيما صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «لا تحرم المصة ولا المصتان» وفي حديث آخر: «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان»[(70)]، ومنطوق هذا الحديث: أن المصة والمصتين لا تحرم، ومفهومه: أن ما زاد عليهما يحرم، وإلى هذا ذهب أيضاً كثير من علماء أهل القياس، وقالوا: إن الثلاث محرمة؛ لمفهوم الحديث.

وقال بعض العلماء: لا يحرم إلا خمس رضعات، لما صح في مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهي فيما يقرآ من القرآن»[(71)]، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأجاب عن الحديث: «لا تحرم المصة ولا المصتان» بأن تحريم الثلاث بالمفهوم، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق فيقدم المنطوق؛ لأن المفهوم واسع يصدق بصورة واحدة، فمثلاً: لا تحرم المصة ولا المصتان والثلاث، والأربع، والخمس، والعشر مسكوت عنها، وبالمفهوم أنه إذا رضع خمس رضعات ثبت التحريم، وإذا قلنا: يثبت التحريم بخمس رضعات، فإننا لم نخالف المنطوق؛ لأن مفهومه أن الثنتين لا تحرم، وما زاد فيصدق بصورة واحدة، ولهذا نقول: إننا نقدم دلالة المنطوق.

لكن بعض العلماء طعن في هذا الحديث طعناً موجعاً، وقال: إن هذا الحديث لا يصح ولو كان في صحيح مسلم، إذ كيف يتوفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهي فيما يتلى من القرآن، ولم نجدها الآن في القرآن؛ لأنها إذا كانت بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام موجودة في القرآن، فيجب أن تبقى، ولو فتح هذا الباب لكان هذا سبيلاً إلى تصحيح قول الرافضة بأن في القرآن شيئاً محذوفاً.

وبناء على ذلك: فإن المتن منكر، ونأخذ بحديث: «لا تحرم المصة ولا المصتان»[(72)] أو نأخذ بالإطلاق.

ولكن عند التأمل لا يتبين أن هذا طعن في الحديث؛ لأن عائشة رضي الله عنها صرحت بالنسخ، ولكنها كانت فيما يتلى من القرآن عند وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لعدم علم التالي لها بالنسخ، وهذا أمر واقع، فالحديث يدل على أن النسخ وقع متأخراً ولم يعلم به بعض الناس، فصار يقرؤه فيما يتلو من القرآن، وإذا زال الإشكال فإنه لا ينبغي أن نتجرأ على الطعن في الرواة؛ لأنك إذا حكمت بنكارة المتن حكمت بوهم الرواة وخطئهم، وهذا شيء صعب، فمهما أمكن قبول خبر الثقة فإنه يقبل، أما إذا لم يمكن وكان مخالفاً للقرآن؛ فلا يقبل، لكن إذا كان غير مخالف وأمكن الجمع فإنه يجمع.

وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله هو الصحيح؛ أن المحرم خمس رضعات، وفي الحديث: «معلومات» ، فلو وقع الشك في عددها هل هي خمس أو أربع؟ فلا عبرة بهذا الرضاع؛ لأن الحديث قيد الرضعات بأن تكون معلومات، ومع الشك لا يثبت الحكم، وهذا مما يطمئن الإنسان لما يفتي به الناس في هذه المسألة؛ لأن كثيراً من الناس يأتي ويقول: إن الرضاع ثابت، لكن لا ندري كم كان الرضاع.

فنقول: ما دام أن الحديث: «خمس رضعات معلومات» فإن ما شك فيه ليس معلوماً، وحينئذ فلا يثبت به الحكم.

بقي أن ننظر: هل يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة؟

والجواب: نعم، يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة، كما يخصص عموم القرآن بالسنة، وأما نسخ القرآن بالسنة فالصحيح أنه ينسخ القرآن بالسنة إذا صحت؛ لأن الكل من عند الله عزّ وجل، فقد ينسخ الله قوله بقوله، وقد ينسخ الله قوله بقول رسوله صلّى الله عليه وسلّم، إذاً: المحرم «خمس رضعات معلومات» .

وما هي الرضعة؟ الرضعة هي على الأصح المشبعة، وليس في الحديث: خمس رضعات مشبعات، ولذلك قال بعضهم: الرضعة هي المصة، لقوله: «لا تحرم المصة ولا المصتان» ، ومعلوم أن الطفل إذا مص فقد رضع، وأتاه اللبن بمصته، وعلى هذا فيمكن أن تكون الخمس في مجلس واحد، وفي نَفَس واحد، فإن الطفل يمكن أن يمص خمس مرات في نفس واحد، والثدي في فمه، ولكن هذا فيه شيء من الاشتباه؛ لأن الإحاطة بهذا صعبة.

وقال بعض العلماء: المراد بالرضعة التقام الثدي، فما دام الصبي ملتقماً للثدي فهذه رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب من الأسباب فقد تمت الرضعة، سواء أطلقه لتنفس، أو لسماع صوت أزعجه، أو لنقل أمه له من الجهة اليمنى إلى اليسرى، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الرضعة التقام الثدي، فما دام الطفل ملتقماً للثدي فهي رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب فقد تمت الرضعة.

وعلى هذا فيمكن أن تتم الخمس الرضعات في مجلس واحد.

وقال بعض العلماء: إن الرضعة هي فَعْلة مما يعد رضعة؛ أي: وجبة في الرضاع، كما تقول: أكلة، كما جاء في الحديث: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها» [(73)]، فالحمد يكون عند الانتهاء من الأكل، فتكون الرضعة كالأكلة تماماً، فلا بد أن تكون الرضعة الأخرى منفصلة عن الأولى بزمن يعد انفصالاً، كأن تكون واحدة في الصباح، وواحدة في المساء، وواحدة في الليل، وواحدة في السحر، وما أشبه ذلك، وهذا هو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: أن المراد بالرضعة ما انفصلت عن أختها انفصالاً بيِّناً، لتكون رضعة كاملة.

وإذا قدرنا أن الحديث يحتمل المعاني الثلاثة، وهي: المصة، والتقام الثدي، والوجبة من الرضاع، فإن الأصل الحل حتى يقوم دليل بيِّن على أن هذا الرضاع محرم، وبناءً على هذا الأصل يكون الراجح هو القول الثالث؛ لأن دلالة الحديث على المعنى الأول مشكلة وفيها اشتباه، وعلى المعنى الثاني فيها أيضاً اشتباه، وعلى المعنى الثالث تتفق الأقوال وليس فيها اشتباه، وحينئذ فنأخذ بهذا؛ لأن الأصل الحل، حتى يثبت التحريم بيقين ليرفع هذا الأصل.

إذاً: قوله تعالى: { {اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} } مطلق قيدته السنة بخمس رضعات، وفي الآية أيضاً إطلاق آخر؛ فإن ظاهر الآية أنه يشمل الإرضاع في الصغر، والإرضاع في الكبر، فهل هذا الظاهر مراد؟

نقول: هو مراد عند بعض العلماء؛ كالظاهرية، فعندهم أن إرضاع الكبير كإرضاع الصغير، واستأنسوا لقولهم بحديث سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه، حيث كان متبنى عند أبي حذيفة ـ أي: من أبنائه الذين تبناهم في الجاهلية ـ ومعلوم أنه إذا كان ابناً فسوف يدخل على البيت ليلاً ونهاراً، وفي أقصى البيت وأدناه، فهو كالولد تماماً، فلما أبطل الله التبني جاءت امرأة أبي حذيفة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: «إن سالماً كان يدخل علينا ـ أي: ويشق علينا أن نتحرز منه ـ فقال: «أرضعيه تحرمي عليه» »[(74)]، يعني: وإذا حرمتي عليه جاز أن ينظر إليك، وأن يخلو بك، وهو كبير، وهذا الحديث مطابق لظاهر الآية، فيكون شاهداً للإطلاق.

وقال بعض العلماء: إنه لا يعتبر في الرضاع إلا إذا كان في الحولين؛ لأن قوله: { {وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} } أي: الإرضاع المعتبر شرعاً، وقد قال الله تعالى: { {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}} [البقرة: 233] ، فما كان في الحولين فهو رضاع معتبر، وما كان بعد الحولين فلا عبرة به؛ لأن هذا هو زمن الإرضاع الذي قال الله تعالى فيه: { {اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} }.

وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، أن العبرة بالحولين، فما كان قبلهما فهو رضاع معتبر، وما كان بعدهما فليس بمعتبر، قالوا: وهذا حد فاصل لا يبقي اشتباهاً، وعليه: فلو أرضعته ثلاث مرات في يوم السبت، والرابعة في ضحى يوم الأحد، والخامسة بعد ظهر يوم الأحد، وولادته عند زوال الشمس فيتم السنتين عند زوال الشمس، فإن هذا الرضاع غير معتبر؛ لأن الخامسة وقعت بعد الحولين، مع أن الرابعة لم تنهضم بعد في المعدة، فلا زالت باقية في معدته، ولكن تمت السنتان، كما أن الرجل قبل تمام خمس عشرة سنة غير بالغ، وبعدها يصير بالغاً، فلو أنه فعل شيئاً يشترط فيه البلوغ ضحى اليوم الذي بلغ فيه، فإنه لا يؤاخذ به، وآخر النهار يؤاخذ به.

وقال بعض العلماء: إن المعتبر هو الفطام، فما كان قبل الفطام فهو معتبر، وما كان بعده فليس بمعتبر؛ لحديث: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»[(75)]، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً، لكن يؤيده النظر؛ لأن الإرضاع قبل الفطام يؤثر في نمو الولد، وليس له إلا هذا الغذاء، وبعد الفطام لا فرق بين الصغير والكبير في تأثير الرضاع؛ لأنه إذا فطم وصار لا يأكل إلا الطعام، فلا فرق بينه وبين من له عشر سنوات، فإن تأثير الغذاء عنده باللبن كتأثيره عند صاحب العشر سنوات، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أن العبرة بالفطام، وهذا من حيث المعنى أصح، لكن فيه شيء من العسر، وذلك لعدم انضباطه في بعض الأحيان؛ لأن الطفل لا يفطم مرة واحدة، بل يفطم شيئاً فشيئاً؛ لصعوبة الفطام عليه.

ولو قال قائل: باعتبار الأكثر من الفطام، أو السنتين؛ لم يكن هذا القول بعيداً، فإذا فطم قبل السنتين امتد الحكم إلى السنتين، وإن تمت السنتان قبل فطامه امتد الحكم إلى فطامه، فلو قيل بهذا لكان جيداً، لكن تعليقه بالفطام أصح من حيث المعنى؛ لأنه إذا فطم فلن يتغذى باللبن، وليس معنى قولنا: «لا يتغذى باللبن» أنه لا يستفيد منه، فإن الإنسان يستفيد من اللبن حتى ولو كان له خمسون سنة، لكنه ليس غذاء له إذا فطم.

فإن قال قائل: ما الجواب عن إطلاق الآية وعن قصة سالم؟

فنقول: أما إطلاق الآية فقد ذكرنا أنها مقيدة بعدد خمس رضعات، فلتقيد بالزمن أيضاً، وهو الحولان، ثم إن ظاهر الآية يؤيد اشتراط الفطام؛ لأنه قال: { {اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} }، ومعلوم أن الكبار ليسوا من المراضيع، فقد فطموا وانتهوا، فظاهر قوله: { {أَرْضَعْنَكُمْ} } يعني في وقت الرضاع، أما قصة سالم مولى أبي حذيفة فالجواب عنها بأحد ثلاثة أوجه: فإما أنها منسوخة، أو خاصة به عيناً، أو خاصة به نوعاً.

أما القول بأنها منسوخة، فهذا ليس بشيء؛ لأن الأصل عدم النسخ، ولا بد من إثبات التاريخ، وتعذر الجمع.

وأما القول بأنها خاصة به عيناً فضعيف أيضاً؛ لأن الله عزّ وجل لا يمكن أن يخص أحداً بحكم إلا لمعنى فيه، حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما خص بما خص به من الأحكام إلا لأنه نبي، لا لأنه محمد بن عبد الله، فلا بد من علة يتغير بها الحكم، ويخصص به من اتصف بها، وما هو المعنى الذي يخص به سالم حتى نقول: إن الحكم لا يتعداه، وأنه خاص به؟ لأننا إذا قلنا: إن الحكم لا يتعداه، وأنه خاص به؛ صار معناه: أنه حكم له بذلك؛ لأنه سالم مولى أبي حذيفة، وهذا لا معنى له، وعلى هذا فيضعف هذا القول أيضاً.

بقي الوجه الثالث، وهو أنه خاص به نوعاً، فإذا وجد حال مثل حال سالم ثبت الحكم، وهذا لا يمكن أن يكون الآن؛ لأن ابن التبنِّي قد بطل شرعاً، وعلى هذا فلا يرد علينا أبداً، ما دمنا قررنا أنه لا أحد يخصص عيناً بحكم من شريعة الله، ولا بد أن يكون هناك معنى يتعدى إلى نوعه، وهذا لا يمكن.

لكن شيخ الإسلام رحمه الله له في هذه المسألة قولان:

القول الأول: يوافق ما قلت، من أنه لا بد من مراعاة التبني. والقول الثاني: يعتبر الحاجة، وأنه متى ما احتيج إلى إرضاع الكبير رضع، وثبت حكم الرضاع، ولكن قوله هذا ضعيف كقول الذين يرون رضاع الكبير؛ وقد قلنا: إن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إياكم والدخول على النساء!» فقالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ ـ والحمو أخو الزوج أو عمه أو خاله؛ أو ما أشبه ذلك ـ قال: «الحمو الموت» [(76)]، ومعلوم أن الحمو يحتاج إلى الدخول إلى بيت أخيه، لا سيما إذا كانوا في بيت واحد، فلو كان إرضاع الكبير مؤثراً لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه؛ ليزول الحرج، فلما لم يقل ذلك، علم أن مطلق الحاجة لا يؤثر في ثبوت حكم الرضاع في الكبير، وأنه لا بد أن تكون حاجة خاصة نمشي فيها على كل ما حصل في قضية سالم مولى أبي حذيفة.

وإذا اعتبرنا ذلك صارت هذه الحالة الآن غير موجودة، وبهذا تسلم الأدلة من التعارض، ويحصل الجمع بينها.

مسألة: هل لا بد من مباشرة الإرضاع، بحيث لو صب اللبن في إناء وشربه الطفل فإنه لا يؤثر، أم ليس ذلك بلازم؟

نقول: ليس من الشرط أن يلتقم الثدي، بل لو صب في إناء وشربه، وفرق له ذلك خمس مرات، ثبت الحكم؛ لأن المعنى موجود في هذا كما هو موجود في التقام الثدي، هذا من حيث تغذي الطفل باللبن، لكن يفقد منها الحنان، والمحبة، فإن الرضيع إذا كان يلتقم الثدي حصل من حنان المرضعة ومحبتها له ما لم يحصل فيما لو صب لبنها في إناء وأسقي الطفل، فهل هذا معتبر؟ وأن الشرع لاحظ التحريم بالرضاع؛ لأنه يحصل من المرضعة مثل ما يحصل من أم النسب من المحبة والحنو، ولذلك صارت هذه العلاقة مؤثرة، أو أن المقصود تغذي الطفل باللبن؟ هذا هو موضع الخلاف، لكن الظاهر العموم، وهو أنه لا فرق بين أن يرضعه من ثدي المرضعة، أو أن يصب له في إناء ويشرب؛ لأن الجسم يتغذى بهذا، والله أعلم.

6 ـ أن لبن الفحل محرم؛ أي: أن الأخت من الأب من الرضاعة حرام؛ لعموم قوله: { {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} }، وهذا ـ والله أعلم ـ من فائدة ذكر الأخوات دون البنات من الرضاعة، فإن البنات من الرضاعة لم يذكرن، وكذلك العمات لم يذكرن؛ لأن الأخوات تغني عن العمات؛ لأنهن حواشي، وهن أقرب الحواشي إلى الإنسان.

إذاً: يستفاد من هذه الآية أن الأخوات من الأب، أو الأخوات من الأم، أو الأخوات من أم وأب من الرضاع كلهن حرام.

8 ـ أن أم الزوجة حرام بدون شرط، لقوله: { {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} }، فبمجرد العقد على المرأة عقداً صحيحاً تحرم أمها، وكذلك جداتها وإن علون.

9 ـ أن أم المزني بها لا تحرم على الزاني، خلافاً لما ذهب إليه كثير من أهل العلم، لقوله: { {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} }، والمزني بها ليست من نساء الرجل، ولا يمكن قياسها على نسائه؛ لأن نساءه حللن له بعقد شرعي صحيح، والمزني بها لم تحل له، فكيف يقاس السفاح على النكاح الصحيح؟!

10 ـ بطلان قول من قال: إن اللواط بالذكر ـ والعياذ بالله ـ كعقد النكاح، وأن من لاط بذكر؛ حرمت عليه أمه كأم الزوجة، وهذا منكر من القول؛ إذ كيف تجعل هذه الفاحشة العظيمة بمنزلة النكاح الصحيح؟! فأم الملوط به حلال وليست حراماً، لكن اللائط والزاني لا يحل أن يزوج من أي امرأة حتى يتوب.

11 ـ تحريم الربيبة، لكن الله تعالى اشترط لتحريم الربيبة شرطين:

الشرط الأول: أن تكون في حجره، والشرط الثاني: أن يكون قد دخل بأمها، ولكن دلت الآية الكريمة على أن كونها في الحجر غير مقصود، إنما هو لبيان الواقع، وليس شرطاً للحكم، بدليل قوله: { {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} }.

12 ـ تحريم حلائل الأبناء من زوجات أو مملوكات، لقوله: { {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ} }، لكن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، ولذلك فلو أن شخصاً اشترى أمة ولم يطأها، ثم ملكها أبوه، فإنها تحل لأبيه، لكن لو عقد على امرأة ولم يطأها، ثم طلقها، فلا تحل لأبيه؛ لأن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، وأما الزوجة فتكون حليلة بمجرد العقد الصحيح.

13 ـ أن حليلة ابن الرضاع لا تحرم، لقوله: { {الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} }، وقد اختلف العلماء: هل هذا القيد مخرج لابن التبني أو لابن الرضاع؟ وقد ذكرنا أن الصواب: أنه مخرج لابن الرضاع، أما ابن التبني فليس ابناً شرعياً، فلا يحتاج إلى قيد لإخراجه.

14 ـ تحريم الجمع بين الأختين، لقوله: { {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} }، وعمومه يشمل الأختين من النسب، والأختين من الرضاع، فلا يجوز أن يجمع الإنسان بين أختين من الرضاع، ولا بين أختين من النسب.

مسألة: هل هذا الحكم شامل لملك اليمين أو خاص بعقد النكاح؟

اختلف في ذلك السلف، والصحيح أنه شامل لملك اليمين وعقد النكاح، وأن الإنسان إذا كان عنده مملوكتان أختان ووطئ إحداهما، فإن الأخرى محرمة عليه، حتى يحلَّ الموطوءة بإخراجها عن ملكه، كأن يبيعها مثلاً، أو يزوجها بعد الاستبراء، أما ما دامت عنده وقد وطئها، فإنه لا يحل له أن يطأ الأخرى.

وبالنسبة للنكاح، لا يشترط لتحريم الأخت أن يطأ التي عنده، بل تحرم الأخت بمجرد العقد، ولهذا يجوز أن يجمع بين الأختين في ملك اليمين بعقد بيع أو غيره، ولا يجوز أن يجمع بينهما بعقد نكاح، والفرق: أن ملك اليمين يراد للوطء ولغيره، والنكاح إنما هو للوطء، فصار الحكم ثابتاً بمجرد العقد للنكاح، أما في الإماء فبالوطء.

15 ـ أن ما سلف من الذنوب قبل الشرع فلا يؤاخذ به، لقوله: { {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} }، وكذلك ما حصل من الذنوب بعد الشرع قبل علم الفاعل فإنه لا يؤاخذ به، لقول الله تعالى: { {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}} [البقرة: 275] ، ولكن إذا كان مفرطاً في ترك السؤال؛ فترك واجباً من أجل هذا التفريط، فإنه يلزمه قضاؤه.

16 ـ إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، فبالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب، والمغفرة للذنوب والرحمة للحسنات، فيرفع الله بها الدرجات، ومن هذين الاسمين نأخذ صفتين هما: المغفرة والرحمة؛ لأن من طريقة أهل السنة والجماعة: أن كل اسم من أسماء الله دال على ذات الله والصفة المشتقة منه، فالغفور دال على الذات وعلى الصفة، وهي المغفرة، والرحيم دال على الذات وعلى الصفة، وهي الرحمة.

وقد قسم العلماء ـ رحمهم الله ـ الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة:

فالعامة: هي الشاملة لجميع الخلق، ولكنها رحمة لا تتصل بها رحمة الآخرة، إنما يتصل بها عدل الآخرة، وهذه للكافرين والمؤمنين.

والخاصة: هي الرحمة الخاصة بالمؤمنين، وهذه تتصل فيها الرحمة في الآخرة بالرحمة في الدنيا، فيكون الإنسان مرحوماً فيهما؛ أي: في الدنيا والآخرة.

ومن الرحمة العامة: قوله تعالى: { {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ}} [الكهف: 58] ، وقوله: { {الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ}} [الفاتحة: 3] .

ومن الرحمة الخاصة: قوله تعالى: { {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}} [الأحزاب: 43] .

* * *

قال الله تعالى: { {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [النساء: 24] .

{ {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } أي: وحرمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.

وقوله: { {وَالْمُحْصَنَاتُ} } اسم مفعول من فعل رباعي وهو «أحصن»؛ لأن اسم المفعول يكون فعله مبنياً للمفعول، والإحصان يطلق على عدة معانٍ: فيطلق على الحرائر، ويطلق على العفيفات، ويطلق على المتزوجات، وكل هذا جاء في القرآن، قال الله تعالى في الأول: { {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}} [النساء: 25] فالمراد بالمحصنات هنا الحرائر، ومن الثاني قوله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}} [النور: 23] والمراد بالمحصنات هنا: العفيفات عن الزنا.

ومن الثالث ـ أي: المتزوجات ـ هذه الآية: { {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }.

فإن قال قائل: مثل هذه الألفاظ المشتركة لعدة معانٍ كيف نعرف تعيين المعنى المقصود من هذه المعاني؟

فنقول: نعرفه بالسياق، فإن لم يكن سياق يعيِّن، فالصحيح أنه يجوز استعمال الاسم المشترك في جميع معانيه، ويكون شاملاً لها، كما يشمل اللفظ العام جميع أفراده، فاللفظ المشترك بين معنيين فأكثر يكون عاماً للمعنيين إذا لم يوجد قرينة تعين أحدهما.

ولننظر الآن في هذه الأمثلة الثلاثة السابقة:

فالمثال الأول على أن المراد بالمحصنات: الحرائر، والسياق الذي يعين ذلك هو قوله تعالى: { {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}} [النساء: 25] إذاً: المحصنات غير مملوكات، فهن حرائر.

المثال الثاني على أن المراد العفيفات قوله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}} [النور: 23] ويعينها قوله: {{الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ}} أي: غافلات عن الزنا، ولم يطرأ لهن على بال، فهن عفيفات.

والمثال الثالث على أن المراد المتزوجات، وليس في اللفظ الذي في الآية الكريمة ما يعين المراد، لكن السنة جاءت به، فالمسألة وقعت في شيء معين، وهو المرأة المسبيِّة في القتال مع الكفار، إذا كانت ذات زوج ثم ملكها المسلمون فإنها تحل؛ لانفساخ نكاح زوجها الأول بسبيها.

إذاً: معنى المحصنات هنا: المتزوجات اللاتي يسبين في الجهاد في قتال الكفار، فإذا سبين في الجهاد صرن ملكاً للسابي، وحينئذ تحل له.

أما قتال المؤمنين فإنه لا سبي للنساء، ولو كان قتالاً محرماً؛ كأهل البغي مثلاً، فإن نساءهم لا يسبين، لكن المراد نساء الكفار.

وقوله تعالى: { {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } أي: فإنهن حلال، لكن يجب أن يلاحظ أنهن حلال ما لم يكن من المحرمات، فقد تكون أخت الإنسان، أو عمته، أو ما أشبه ذلك.

وقوله: { {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} } { {كِتَابَ} } قيل: إنه مفعول لفعل محذوف؛ أي: الزموا كتاب الله عليكم؛ أي: الزموا فريضة الله عليكم ولا تتجاوزوها؛ لأن الكتاب هنا بمعنى مكتوب أي: مفروض، والكَتْب يأتي بمعنى الفرض، كما في قوله تعالى: { {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}} [البقرة: 183] ، وأكد الله ذلك لأهميته، ويحتمل أن يكون «كتاب الله» مصدراً لفعل محذوف؛ أي: كُتِب كتاب الله عليكم، فيكون مصدراً لفعل محذوف دل عليه السياق، ولكن المعنى الأول كأنه أوضح.

فقوله: { {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} } أي: فرضه، فهو مفروض عليكم.

وقوله: { {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} }، وفي قراءة سبعية «أَحَلَّ» فالقراءة السبعية «أَحَلَّ» أليق بالسياق في قوله: { {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} }، والقراءة الأخرى السبعية «أُحِلَّ» أليق بالسياق في قوله: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ}} [النساء: 23] فإن: «حُرم» مبني للمفعول، و«أُحل» مبني للمفعول، فيكون هناك تناسب بين اللفظين الدالين على هذين الحكمين.

وعلى كل حال: فالقراءة التي فيها البناء للمفعول حذف الفاعل لأنه معلوم؛ لأن الخلق أو الشرع إذا بني للمفعول فإنما ذلك للعلم بالفاعل؛ لأنه لا خالق إلا الله، ولا شارع إلا الله عزّ وجل.

وقوله: { {مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} } { {مَا وَرَاءَ} } هنا بمعنى: دون، أو سوى، والمعنى: ما سوى ذلك فهو حلال، وهذا لفظ عام، فإن { {مَا} } اسم موصول للعموم، فتشمل كل ما سوى ذلك.

وحينئذ نرجع إلى الآية لننظر هل العمة من الرضاع حلال؟ وهل ذكرت في الآية؟

والجواب: أن نقول: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»[(77)]، فيكون هذا الحكم مما جاءت به السنة، وما جاء عن رسول الله فهو كما جاء عن الله، {{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}} [النساء: 80] ومن يعص الرسول فقد عصى الله، فتحريم العمة من الرضاع والخالة من الرضاع يستفاد من السنة.

إذاً: قوله تعالى { {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} } دخله تخصيص، وهو العمة من الرضاع، والخالة من الرضاع.

وكذلك لو جمع الإنسان بين المرأة وعمتها فإنه لا يجوز، وهذا مما جاءت به السنة: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»[(78)]، والله تعالى يقول: {{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}} [النساء: 23] ، ولا شك أن بين الأختين من الروابط ما ليس بين غيرهما، فنقول:

إذاً: هنا أربع محرمات: العمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، وكل ذلك مما جاءت به السنة، فيكون مخصصاً لعموم قوله تعالى: { {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} }.

وتحريم الجمع بين الأختين إلى أن تموت الزوجة أو تطلق، فإذا طلقت طلاقاً رجعياً وجب الانتظار بالإجماع حتى تنتهي العدة، وإذا كان الفراق بائناً بطلاق ثلاث، أو طلاق على عوض، أو فسخ، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه يجب الانتظار حتى تنتهي العدة؛ لأنها إلى الآن مشغولة بحق من حقوق الزوج.

وقال بعض العلماء: إذا كان الفراق بائناً بفسخ أو طلاق على عوض، أو طلاق ثلاث، فإنه يصح أن يتزوج أختها؛ لأنها الآن ليست زوجة له، والله تعالى يقول: {{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}} [النساء: 23] ، والآن ليس هناك جمع، فقد بانت منه، ولو قال قائل بالتفريق بين البينونة الكبرى والصغرى لكان له وجه، بأن يقال: إن كانت بائناً بطلاق ثلاث، أو بفرقة لعان، فإنه يجوز أن يتزوج أختها بمجرد الفراق؛ لأنه لا يمكن أن يرجع إليها، وإن كانت البينونة بغير ذلك؛ كالطلاق على عوض، والفسخ، فإنه لا يتزوجها؛ لأنه في هذه الحال يمكنه أن يراجعها بعقد، فلو قال قائل بهذا لكان له وجه، وكان بعض قول من يقول بالجواز مطلقاً، لكن الجواز مطلقاً أقرب إلى القواعد؛ أي: إذا كان الطلاق بائناً سواء كان مما يمكن الرجوع فيه أو لا، فإنه يحل له أن يتزوج أختها؛ لأنه لم يجمع بين الأختين.

مسألة: هل يجوز أن يجمع بين عمتين، كل واحدة عمة للثانية؟ وكذلك هل يجوز أن يجمع بين خالتين، كل واحدة خالة للثانية؟

نقول: الجمع بينهما حرام؛ لأن الله يقول: {{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}} [النساء: 23] ، فإذا كان لا يجوز الجمع بين المرأة وبنت أخيها، فكذلك بين المرأة وعمتها التي كل واحدة عمة للأخرى، فالحكم ليس فيه إشكال، لكن التصوير هو الذي قد يستبعده الإنسان، وهو أدنى من شراك نعله، وهو أن يتزوج رجلان كل واحد منهما أم الآخر، فتكون بنتاهما عمتين، وإذا تزوج كل واحد بنت الآخر صارتا خالتين.

ومعنى قوله: { {وَأُحِلَّ} } بمعنى: أباح لكم، ولم يلحقكم حرج، { {مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} } أي: ما وراء هذه المذكورات، فالإشارة لما سبق، وقوله: { {ذَلِكُمْ} } هذه هي اللغة الفصحى، فإذا جاء اسم الإشارة مقروناً بكاف الخطاب فيراعى فيه المخاطب، فإن كان مفرداً مذكراً فهو مفرد مفتوح، مثل: «ذلكَ»، وإن كان مفرداً مؤنثاً فهو مفرد مكسور، مثل «ذلكِ»، وإن كان مثنى فهو بالتثنية مثل: {{ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي}} [يوسف: 37] ، وإن كان لجماعة الذكور فهو لجماعة الذكور { {ذَلِكُمْ} }، وإن كان لجماعة الإناث فهو لجماعة الإناث «ذلكن» { {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}} [يوسف: 32] ، وهنا قال: { {مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} } فالخطاب لجماعة الذكور.

وجاء فيه لغة أخرى بالإفراد والفتح للمذكر مطلقاً، مفرداً كان أو مثنى أو جمعاً، وبالكسر للمؤنث مطلقاً، مفرداً كان أو مثنى أو جمعاً، وهناك لغة ثالثة بالفتح مطلقاً، ووجهها: أن المخاطب شخص، فصح أن تأتي بلفظ الإفراد والتذكير، وأما الثانية فوجهها: مراعاة المعنى دون مراعاة المخاطب، فالمذكر مفتوح، والمؤنث مكسور، وأما اللغة الفصحى فالأمر فيها واضح.

وقوله تعالى: { {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} }: { {أَنْ} } مصدرية، ولهذا نصب الفعل { {تَبْتَغُوا} } بها فحذفت النون، والمعنى: أحل لكم بهذا الشرط، وهو أن تبتغوا بأموالكم؛ أي: تطلبوا النكاح بأموالكم، والمال: كل ما يُتَمَّول من أعيان ومنافع.

وقوله: { {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} } { {مُحْصِنِينَ} } حال من فاعل { {تَبْتَغُوا} }؛ أي: حال كونكم محصنين؛ أي: محصنين لفروجكم، محصنين لفروج زوجاتكم، والإحصان في اللغة: المنع، ومنه سمي «الحصن» للقصر المنيع؛ لأنه يحصن ما فيه، والنكاح الشرعي سبب لمنع الزنا، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج»[(79)].

وقوله: { {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} } المسافحة: مفاعلة من السفح، وهو: الزنا. وسمي الزنا سفاحاً؛ لأن المقصود به سفح الماء؛ أي: نيل الشهوة، فالزاني لا يريد أولاداً، ولا يريد العشرة، وإنما يريد أن يسفح هذا الماء الذي ضيق عليه حتى تبرد شهوته، والسفح في الأصل: هو الصب والدفق، قال الله تعالى: { {إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا}} [الأنعام: 145] .

وقوله: { {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ} } أي: بالعقد { {مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} } أي: أعطوهن أجورهن، والأجور هنا: جمع أجر وهو المهر؛ أي: المال الذي طلبتموهن به، والمعنى: فإذا ابتغيتم بأموالكم وعقدتم النكاح؛ فأعطوهن أجورهن، وسمي المهر أجراً؛ لأنه في مقابلة منفعة، فهو كالرجل يستأجر أجيراً ليبني له بيتاً فيعطيه أجره، وكذلك الزوج مع زوجته، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ التنبيه على شيء من النكتة في قوله: { {أُجُورَهُنَّ} } عند ذكر الفوائد.

وقوله: { {فَرِيضَةً} } أي: حال كونها ـ أي: الأجور ـ { {فَرِيضَةً} }، بمعنى: مفروضة؛ أي: ما فرضتم من المهور فأعطوهن.

وقوله: { {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} } أي: لا إثم عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة بزيادة أو نقص، فإذا سمى المهر وفرضه، وعرفت الزوجة نصيبها، فلا جناح عليه ولا عليها فيما تراضيا به من بعد الفريضة بزيادة أو نقص، فقد تعفو المرأة عن شيء مما فرض لها، أو عن كل ما فرض لها، وقد تطلب الزيادة ويعطيها الزوج، فكل هذا لا بأس به؛ لأن الله قال: { {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} }.

وقوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} } هذه الجملة مؤكدة بـ: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} } و:{ {كَانَ} }؛ لأن «كان» مسلوبة الزمان هنا، فتفيد الثبوت والتحقق، وعلم الله عزّ وجل واسع كامل لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لا في الحاضر، ولا في الماضي، ولا في المستقبل.

وقوله: { {حَكِيمًا} } أي: ذا حكمة، والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، سواء كانت مما يتعلق بالقدر، أو مما يتعلق بالشرع، فإن أقدار الله ومشروعات الله كلها حكمة، ولكن معنى «حكيم» أوسع من كونه دالاً على الحكمة، بل هو دال على الحكمة والإحكام، ودال على الحكمة والحكم، فمعنى «حكيم» أي: حاكم محكِم، من الإحكام الذي هو الحكمة.

ثم إن حكم الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، والحكمة والإحكام حكمة في صورة الشيء، وحكمة في غاية الشيء والمراد منه، وكل ذلك ثابت من قوله: { {حَكِيمًا} }، وعلى هذا فتكون أربعة أقسام: حكم كوني، وحكم شرعي، وإحكام في صورة الشيء، وإحكام في غاية الشيء.

ووجه ختم الآية بهذا هو أن هذه أحكام عظيمة، فدل هذان الاسمان الكريمان على أن هذه الأحكام صادرة عن علم تام بما يصلح الخلق، وعن إحكام تام.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن النساء المسبيات يكن رقائق بمجرد السبي، وعليه عمل المسلمين، فإن سبيت مع زوجها؛ فإنها تبقى معه، ولكن بدونه تكون رقيقة.

2 ـ أنه ينفسخ نكاحها من زوجها؛ لأن المسلمين قد ملكوها.

فإن قال قائل: وهل يقاس على ذلك ما لو انتقل ملكها وهي مع زوج أن تطلق بهذا الانتقال؟

فالجواب: في هذا قولان للعلماء: الأول: أن بيع الأمة طلاقها، والثاني: لا تطلق، بل تبقى على زواجها، ويكون للمشتري إذا لم يعلم بأنها مزوجة الخيار؛ لأنه يفوت عليه الاستمتاع بها، وهذا هو القول الصحيح: ودليله أن بريرة لما أُعتقت؛ خيرها النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أن تبقى مع زوجها، أو أن تفسخ النكاح، ولو كان البيع سبباً للطلاق أو الانفساخ لانفسخ بدون تخيير؛ إذن لا يصح أن يقاس بيع الأمة على سبيها، وإن كان قد انتقل ملكها.

3 ـ إثبات الرق، لقوله: { {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين، ولا يمكن لأحد الإنكار؛ لأنه في القرآن، وفي السنة، وبإجماع المسلمين.

ولكن نقول: لا يجوز أن يسترق الإنسان لأي سبب، بل لا بد من سبب شرعي، وعلى هذا فكثير من الأرقاء الذين كانوا يوجدون لا حقيقة لرقهم؛ لأن أهلهم كانوا يبيعونهم لحاجة ولغير حاجة، فيشتريهم المشتري ويسترقهم، وهذا ليس سبباً شرعياً للرق، لكن إذا ثبت السبب الشرعي ثبت المسبب وثبت الرق، ولا يجوز إلغاؤه بأي حال من الأحوال لأنه حكم شرعي.

ولو قال قائل: هؤلاء الأرقاء الموجودون استرقوا بغير سبب شرعي. فنلغي الرق هنا لأجل بطلان سببه، ولكن يجب أن لا يكون التعبير: إلغاء الرق؛ لأن هذا مصادمة للنص والإجماع، ولكن يقال: الرق الموجود الآن ليس على سبب شرعي، فلا يجوز اعتماده.

4 ـ صحة إطلاق البعض على الكل، لقوله: { {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }؛ لأن «أيمان» جمع «يمين» وهي اليد، والملك في الحقيقة ملك للإنسان كله، لكن عبر باليمين؛ لأن الغالب أن الأخذ والإعطاء يكون بها.

5 ـ وجوب التزام ما فرض الله علينا، لقوله: { {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} }، وكتاب الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي؛ كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: { {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}} [البقرة: 183] ، وكتاب كوني؛ كما في قوله تعالى: { {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا *}} [النبأ: 29] أي: الكتاب القدري، وكما في قوله تعالى: { {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ *}} [الأنبياء: 105] .

6 ـ أن المحللات من النساء أكثر من المحرمات، ويؤخذ من قوله: { {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} } ووجه ذلك: أنه حصر المحرمات وعمم في المحللات.

7 ـ أن من ادعى تحريم امرأة فعليه الدليل؛ فلو خطب إنسان امرأة فقال له بعض الناس: إن هذه المرأة من المحرمات عليك، فلا بد أن يقيم دليلاً على ذلك؛ لأن المحرمات محصورات، والمحللات الأمر فيهن مطلق.

8 ـ أننا إذا شككنا في سبب التحريم فالأصل عدم التحريم؛ أي: أن الأصل الحل، ومن أمثلة ذلك: لو شككنا في رضيع: هل رضع خمس مرات أو أربع مرات؟ فالأصل أربع، ولو كانت هذه المرأة قد رضعت من أم الرجل، وشككنا: هل رضعت خمساً أم أربعاً؟ فالأصل الحل، وأنها لا تحرم عليه حتى يثبت سبب التحريم.

9 ـ أن رحمة الله أوسع وأسبق من غضبه، أما كونها أسبق؛ فللحديث الصحيح: «إن رحمتي سبقت غضبي»[(80)]، وأما كونها أوسع؛ فلأن ما أحل الله لعباده أكثر مما حرم عليهم.

10 ـ وجوب بذل المال في النكاح، وأنه لا نكاح إلا بمال، لقوله: { {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} }، وعلى هذا فلا بد في النكاح من مال، وفي هذا ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يشترط معيناً، فيقال: المهر ألف ريال، وهذا جائز ولا إشكال فيه.

الحالة الثانية : أن يشترط عدمه، فيقول: زوجتك بنتي، فيقبل الزوج ويقول: بشرط أن لا مهر، فيزوجه بشرط أن لا مهر، ففي هذا للعلماء قولان:

القول الأول : أن النكاح صحيح، ولها مهر المثل؛ وهذا هو المذهب.

القول الثاني : أن النكاح غير صحيح؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنه يقول: لأن الله اشترط للحل أن يكون ذلك بالمال، وإذا شرط عدمه؛ انتفى المشروط وهو الحل. وقول شيخ الإسلام رحمه الله قول قوي، ولعل نكاح الشغار مأخذه من هنا، أنه ليس فيه مال، وإذا ذكر فيه المال فإنه مذكور وغير مقصود.

الحالة الثالثة : أن يُسكت عنه، فلا يشترط ويعين، ولا يشترط عدمه، فيقول: زوجتك بنتي، فيقول: قبلت، ففي هذه الحال النكاح صحيح، ولها مهر المثل، كما جاء في القرآن والسنة، قال الله تعالى: { {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ}} [البقرة: 236] ، هذا إن طلقت قبل الدخول، فإن طلقت بعد الدخول؛ فلها مهر المثل، كما صح ذلك في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه[(81)].

11 ـ أن الطالب للنكاح هو الزوج، لقوله: { {أَنْ تَبْتَغُوا} }، فهل يمكن أن تطلب الزوجة النكاح؟ نقول: يمكن للمرأة أن تخطب نفسها إلى شخص، فقد وهبت امرأة نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا عمر رضي الله عنه عرض ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، فلا بأس في ذلك، لكن الغالب أن الطالب هو الزوج.

12 ـ أن المهر إذا كان مغصوباً فإنه لا يعتد به، ويؤخذ ذلك من قوله: { {بِأَمْوَالِكُمْ} }، فهو مال، لكنه ليس له، والله أضاف المال إليه.

13 ـ أنه لو كان المهر خمراً، فإنه لا يصح؛ لأنه ليس بمال.

14 ـ جواز جعل المنفعة مهراً، وتؤخذ من قوله: { {بِأَمْوَالِكُمْ} } إذا جعلنا المال يشمل العين والمنفعة، أو من قوله: { {أُجُورَهُنَّ} }، فنقول: إن الله سماه أجراً، والأجرة تكون على المنافع والأعيان، إذاً: المهر يصح أن يكون منفعة، فإن عادت المنفعة إلى الزوجة فالأمر ظاهر، وإن عادت إلى غيرها بإذنها فلا بأس، كما في قصة موسى مع صاحب مدين؛ لأن المهر أن يرعى غنمه ثمان سنوات، فالمنفعة لوالدها، لكن برضاها، فإذا رضيت فالحق لها، وإلا فالمهر للمرأة.

وهل يصح أن يجعل الزوج مهرها خدمته لها؟ كأن: يغسل ثوبها، ويفرش فراشها، ويقدم لها السجاد لتصلي عليها؟

في ذلك خلاف بين العلماء، فقال بعضهم: يصح لأن في هذا منفعة، وقال بعض العلماء: لا يصح ذلك؛ نظراً إلى أن استخدامها إياه نوع من الإذلال، وعكس ما يريد الشرع من كون الرجال قوامين على النساء، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن النساء عوان» [(82)] أي مثل الأسرى، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس، كأن لا يجد امرأة يتزوجها إلا بهذه الحال، أما لو جعلت المهر رعي غنمها، وإصلاح بستانها مما لا يكون خدمة مباشرة، فهذا لا شك في جوازه.

15 ـ تحريم المتعة، لقوله تعالى: { {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} }، وصاحب المتعة لا يريد الإحصان، بل إنه يريد السفاح؛ لأن من أراد الإحصان فإن الإحصان لا يحصل إلا بالملازمة، أما أن يبقى عندها يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً، فهذا لا يحصل به الإحصان، بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأن كون الإنسان قد كف نفسه وأيس، فإنه ربما يتحصن بعض الشيء، لكن إذا استمتع مدة يومين أو ثلاثة فإنه يزداد شبقاً، وبهذا لن يحصل الإحصان، والله سبحانه اشترط أن يكون محصناً، وزواج المتعة إنما هو للسفاح فقط؛ أي: لسفح هذا الماء الذي ضيق عليه، ولذلك فلا يثبت به شيء من أحكام النكاح، فليس فيه طلاق، ولا نسب، ولا عدة، ولا إحصان، فكل أحكام النكاح لا تترتب عليه، حتى عند القائلين بجوازه، لا يترتب عليه شيء من أحكام النكاح، فدل هذا على أنه سفاح.

وقد دلت السنة على أنه حرام، فعن سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في غزوة الفتح عن المتعة: «ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة»[(83)]، وهذا التحريم خبر مؤبد، فهي حرام إلى يوم القيامة، وإنما قلنا: إنه خبر مؤبد؛ لئلا يدعي مدعٍ أنه نسخ؛ لأن جعل غايته يوم القيامة معناه أن نسخه غير ممكن، ولو أمكن نسخه؛ لأمكن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا مستحيل.

وقد أجاز بعض العلماء المتعة للضرورة، فقال: إذا خاف الإنسان على نفسه الزنا، لكونه شديد الشهوة، ولكون الزنا متيسراً ـ كما يوجد في بلاد الكفر ـ ؛ فلا حرج أن يتمتع، ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما، فقد قال: «إنه كالميتة»، فإذا اضطر الإنسان إليه؛ فعله، وإلا فلا، وحجته: أن فيه ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وهو الزنا، الذي يشعر الإنسان بأنه تيس وجد عنزاً في الطريق فأقرعها ومشى، هذا هو الزنا، لكن المتعة فيها نوع من الارتباط بين الرجل والمرأة، وهو ارتباط إلى المدة التي اتفقا عليها، ففيها شيء من العلاقة التي لا يشركه فيها أحد، لكن الزنا على خلاف ذلك.

ولكن القول الراجح: أنها لا تحل مطلقاً؛ لقول الله تعالى: { {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}} [النور: 33] ، وقد أنكر عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على ابن عباس رضي الله عنهما إنكاراً عظيماً في هذه المسألة، ومحل إنكار هذا القول؛ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم عمم فقال: «حرام إلى يوم القيامة»[(84)]، وأطلق، ولأن حقيقة المتعة استئجار المرأة ليزني بها لمدة معينة، فإذا تمت المدة خرجت من الباب الذي دخلت منه، ولا تعتد، ولا يترتب على ذلك شيء أبداً، وهل الزنا إلا هذا؟! أما الضرورة فقد جعل الشارع لها حلاً، فقال عليه الصلاة والسلام: «.. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»[(85)]، وأما ارتكاب أدنى المفسدتين فيقال: هذه مفسدة مثل الأولى ـ أي: مثل الزنا ـ ولا فرق بينهما، والعلاقة الحاصلة ـ كما لو اتفق مع امرأة ليزني بها ليالي معينة ـ إنما هي علاقة يسيرة منقطعة في هذه الليالي، فالصواب التحريم مطلقاً، وقد سبق أن علماء السنة كلهم يقولون بتحريمها، لكن خالف في ذلك الرافضة، وإنك لتعجب أن يخالفوا في ذلك، ومن يزعمون أنه إمامهم يقول بتحريمها ويعلن ذلك! لكن هذا ليس بغريب على من يتبع هواه، فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو من جملة من روى المسح على الخفين، ومع ذلك فإن الرافضة لا يقولون بالمسح على الخفين، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه هو من جملة من روى تحريم المتعة، وهم لا يقولون بالتحريم، وعلي رضي الله عنه يقول ويعلن على منبر الكوفة بأن خير هذه الأمة أبو بكر وعمر، وهم يقولون: ليسا خير هذه الأمة، بل بعضهم يقول: إنهما ماتا على النفاق، وبعضهم يقول: إنهما كافرين، وما أشبه ذلك.

ومما يدل على أن مبنى عقيدتهم ليس على هدى ـ ولكنه على هوى ـ : أنهم لو كانوا يتشيعون لآل البيت حقيقة؛ لما صاروا إلى مخالفة علي رضي الله عنه الذي هو أفضل آل البيت.

إذاً: المتعة حرام، ولكن هل من المتعة أن يتزوج الإنسان بنية الطلاق إلى مدة معينة؟ النكاح بنية الطلاق ليس متعة؛ لأنه ليس فيه شرط، لكن فيه محذور، وهو الغش للزوجة وأهلها؛ لأن الزوجة وأهلها لو علموا أن هذا الرجل يريد أن يطلقها إذا سافر مثلاً، أو إذا طهرت امرأته من النفاس؛ فلن يزوجوه، وقد وجدت للشيخ محمد رشيد رضا كلاماً يؤيد هذا، ويقول: إن فيه مثلبة على المسلمين، فيعرف الناس عنهم أنهم متلاعبون في أنكحتهم، ثم إن فيه سداً لباب التزويج؛ لأن كل إنسان يعرف أن هؤلاء يتزوجونهن ثم يطلقونهن عند السفر، فإنه لا يثق بهم، ولا يأمن أن يفعل مثلما فعلوا، وحينئذ فيكون فيه سد لباب التزويج، ولهذا ينبغي لنا إذا لاحت لنا مصلحة أن لا نتعجل في الأخذ بها حتى نرى ما يترتب عليها، فقد يترتب عليها من المفاسد ما هو أعظم من المصلحة.

والذين قالوا بالجواز، يقولون: لأن كل إنسان إذا لم تتلاءم معه زوجته فإنه يطلقها، ولكن نقول: هناك فرق بين شخص لم يدخل إلا على أنه سيطلق في يوم معين، وبين شخص آخر دخل على أنها زوجته، ولكنه وجد عارضاً يمنع الاستمرار في الزوجية، وهذا فرق عظيم.

ثم إننا نقول: ألستم تقولون: إن الرجل إذا تزوج المرأة بنية التحليل للزوج الأول ـ لا بشرط التحليل ـ فإن النكاح فاسد، فهذا مثله، لأن هذا نوى أن يطلق بعد زمن معين، وذاك نوى أن يطلق بعد زمن معين، والأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فإذا قالوا: إن هذا يمكن أن يرغب ويبقى، قلنا: والمحلل يمكن أن يرغب ويبقى.

فعلى كل حال: أنا أرى أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج بنية الطلاق إذا سافر.

لكن هل يصح النكاح أم لا يصح؟

المذهب عند الحنابلة أن النكاح غير صحيح؛ لأن نية المتعة كشرطها، كما أن نية التحليل كشرطه، والمخرج أن لا يفعل، وهناك الآن شيء أخف من هذا كله، وهو: أن هناك عقاقير تخفف الشهوة، ولا تقضي عليها؛ لأن الذي يقضي عليها لا يجوز، وهناك أمر آخر، وهو الاستمناء مثلاً؛ فإن الاستمناء أهون من المتعة ومن الزواج بنية الطلاق للضرورة.

16 ـ أن المهر يثبت باستمتاع الزوج بزوجته، لقوله: { {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} }، وعلى هذا فيثبت المهر بالجماع وبالاستمتاع بالمرأة استمتاعاً لا يكون إلا من الزوج مع زوجته؛ كالتقبيل والضم ونحو ذلك، ويثبت أيضاً بالخلوة، كما جاء ذلك عن الخلفاء الراشدين.

17 ـ تسمية المهر أجراً، ووجهه: أنه عوض في مقابل منفعة، لا في مقابل عين، فلو كان في مقابل عين لسمي بيعاً، لكنه في مقابل المنفعة، وهو استمتاع الزوج بالزوجة، فصار مثل الإجارة.

18 ـ أن المهر لازم كلزوم الأجرة على المستأجر، ولكن إذا سمح من له الحق فإنه يسقط، لقوله تعالى: { {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}} [البقرة: 237] .

وقد سمى الله عزّ وجل المهر أجراً، لا لأن الزوج يعامل زوجته وهو يشعر أنها كالأجير، بل إن معاشرة الزوج لزوجته ومعاملته لها أسمى من ذلك وأعلى؛ لأنه إذا شعر بأنها كأجير استأجرها ليستمتع بها؛ لم يحصل مقصود النكاح، وهو: المودة والرحمة، قال الله تعالى: { {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}} [الروم: 21] ، ولأنه لو شعر هذا الشعور، لغضب عليها حينما تمتنع منه لسبب أو لغير سبب، وربما طلقها، لكن إذا شعر بأن الأمر أعلى وأسمى من ذلك فإنه سيقدر الحياة الزوجية قدرها.

نعم، إن المهر أجر؛ لأنه في مقابل منفعة، ولكن الذي سيق إليه المهر ليس كالأجير، فالعوض ـ وإن سمي أجراً ـ لكن المعوض له ليس كالأجير.

19 ـ وجوب إيتاء النساء مهورهن، لقوله: { {فَرِيضَةً} } أي: مفروض عليكم أن تؤتوهن أجورهن.

20 ـ أنه إذا تراضى الزوج والزوجة على زيادة أو نقص أو إسقاط، فلا حرج؛ لقوله: { {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} }.

21 ـ نأخذ من ذلك قاعدة مهمة وهي: «أن ما أوجبه الله عزّ وجل لحق الإنسان وأسقط حقه، فلا إثم على من لم يقم به» فإذا أوجب الله علينا حقاً لإنسان وأسقط حقه، فلا إثم علينا إذا لم نقم به، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة:

منها: إجابة دعوة الوليمة، فهي واجبة لحق الزوج، فإذا أسقطها فلا إثم على المدعو إذا لم يجب؛ لأن الحق له، والشيء الذي أوجبه الله من باب الحقوق على الناس بعضهم لبعض إذا أسقطه من له الحق سقط.

ومنها: أن من سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم وجب قتله ولو تاب، ومن سب الله فإنه إذا تاب لا يقتل، مع أن سب الله أعظم، لكن الله أخبرنا عن نفسه أن من تاب إليه تاب عليه، ولكن حق الرسول عليه الصلاة والسلام لا نعلم أنه أسقطه، فإنه حق آدمي، فيقتل لحق الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع قبول توبته، فإذا قتلناه غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين؛ لأنه تاب، لكن القتل لا بد منه.

22 ـ إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العليم والحكيم، وقد سبق تفسيرهما.

* * *

قال الله تعالى: { {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [النساء: 25] .

يقول الله تعالى: { {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ} } «مَنْ» اسم شرط جازم، وقوله: { {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ} } جواب الشرط، وقد اجتمع في هذه الجملة موجبان للجزم: أحدهما { مَن }، والثاني { {يَكُنْ} }، فهل الفعل مجزوم بـ{ مَن } أو مجزوم بـ{ {يَكُنْ} }؟

نقول: الفعل المجزوم بـ{ {يَكُنْ} }؛ لأنها المباشرة، وعلى هذا فنقول: يستطع: فعل مضارع مجزوم بلم، وهو فعل الشرط.

وقوله: { {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً} } الطول: هو الغنى؛ أي: ومن لم يستطع منكم غنىً يكفي لمهر المحصنات.

وقوله: { {أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} } أي: الحرائر: { {الْمُؤْمِنَاتِ} } ضد الكافرات.

وقوله: { {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } أي: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، والخطاب هنا للجميع باعتبار المجموع لا باعتبار كل فرد، وإنما قلنا ذلك لأن المالك لا يصح أن ينكح مملوكته، فالسيد لا يمكن أن يتزوج مملوكته، وإنما يتسراها تسرياً؛ لأن الله جعل ملك اليمين معادلاً للزوجية، فقال: { {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}} [المؤمنون: 6] فدل هذا على أن ما ملكت اليمين غير الأزواج.

وقال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يتزوج السيد مملوكته؛ لأن استباحته بضعها كان بعقد أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد الملكية يفيد ملكها بجميع أنواع الاستمتاعات، وعقد النكاح يفيد ملك الاستمتاع بها فقط، فالأمة يملك سيدها منافعها كلها، فيملك أن تخدمه، وأن يؤجرها، وليس لها مال بل مالها له، ويملك الاستمتاع بها، والزوجة ليست كذلك.

إذاً: فملك منفعة البضع بملك اليمين أقوى من عقد النكاح، فلا يرد الأقوى على الأضعف، هذا من حيث التعليل.

أما من حيث الدليل فيقول الله تعالى: { {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}} [المؤمنون: 6] ، وجه الدلالة: أن الله جعل ملك اليمن قسيماً للزوجية.

{ {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} } من بيان لـ{ {مَا} } في قوله: { {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } وفتيات جمع فتاة؛ وهي الأمة المملوكة وتطلق على الشابة إذا أضيفت إلى الحرة. واشترط الله عزّ وجل فيها الإيمان، فقال: «المؤمنات»؛ أي: لا بد أن تكون مؤمنة، فإن كانت كتابية فإنها لا تحل، حتى وإن كان ممن لا يجد طول الحرة.

وقوله تعالى: { {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} } الجملة هنا جملة اعتراضية، يعني: أن الله سبحانه أعلم بالإيمان، فإذا اشترط الله الإيمان فليس لنا إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه عند الله، ولهذا كان الحساب في الدنيا على الظاهر وفي الآخرة على الباطن.

وقوله: { {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} }: البعضية هنا بعضية إنسانية، يعني: أن الله أباح لنا الإماء لأنهن منا بشر مثلنا، فبعضنا من بعض، وإن كان الحر أشرف وأعلى، وأتى بهذه الجملة المؤكدة للتساوي في البشرية؛ لأنه يوجد عند العرب أنفة عظيمة أن يتزوج الحر أمة فخفف الله ذلك عنهم وقال: { {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} } فأنت لست تنكح إلا إنسانة فأنت معها: { {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} }.

قوله: { {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} }: الهمزة في قوله: { {فَانْكِحُوهُنَّ} } همزة وصل؛ لأنها من «نكح»، أما قوله تعالى: { {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ}} [النور: 32] فهي همزة قطع؛ لأنها من الرباعي «أنكح».

وقوله: { {فَانْكِحُوهُنَّ} } أصل النكاح الاجتماع؛ لأن بعقده يكون اجتماع الزوج والزوجة، وكذلك اجتماع الأصحاب بعضهم إلى بعض، وقد قال الله تعالى: { {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}} [الفرقان: 54] .

وهمزة: { {فَانْكِحُوهُنَّ} } همزة وصل؛ لأنها من الثلاثي «نكح».

قوله: { {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} }؛ أي: برضاهم، والإذن بمعنى السماح والرضا، والمراد بأهلهن أسيادهن، وذلك أن الأمة لا تملك نفسها، ولا يملكها وليها في النسب، وإنما يملكها وليها بالسبب، أي مالكها، ولذلك يزوج الأمة سيدها ولا يزوجها أبوها؛ لأن ولاية السيد أقوى من ولاية الأب، ولذلك قال: { {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} }، وهم أسيادهن.

قوله: { {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} }؛ أي: أعطوهن؛ لأنها من الرباعي وآتى الرباعي بمعنى أعطى، كما قال تعالى: { {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}} [البقرة: 177] أي: أعطى المال، بخلاف أتى فإنها بمعنى جاء، قال الله تعالى: {{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ}} [النمل: 18] .

وقوله: { {أُجُورَهُنَّ} } أي: مهورهن، وسمي أجراً لأنه عوض عن منفعة، والإضافة هنا في قوله: { {أُجُورَهُنَّ} } إضافة اختصاص لا إضافة ملك؛ كإضافة سرج الدابة إليها، فيقال: سرج الفرس، لا لأن الفرس يملكه لكن لأنه مختص به، وذلك لأن الأمة لا تملك، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم «من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه»[(86)].

وقوله: { {بِالْمَعْرُوفِ} } أي: بالمعروف شرعاً وعادة، والمعروف شرعاً أن يكون المهر متمولاً شرعاً، سواء كان من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو الثياب أو الفرش أو الأبواب أو غير ذلك.

والمعروف عادة أن لا يماطل، بل يعطي الأمة مهرها كما يعطي الحرة، وإنما ذكر الله ذلك لأنه ربما يحتقر الأمة ولا يؤتيها حقها كما ينبغي، ولهذا قال: { {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} }.

{ {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} }:

قوله: { {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} }: حال من الضمير في قوله: { {فَانْكِحُوهُنَّ} }، يعني: انكحوهن حال كونهن محصنات، أو من ضمير المفعول به في قوله: { {وَآتُوهُنَّ} }؛ أي: آتوهن أجورهن حال كونهن محصنات، ولا تعطوهن أجورهن أجور زنا، بل أجور إحصان.

وقوله: { {مُحْصَنَاتٍ} } هنا أي: متزوجات: لا زانيات، وهو من باب التوكيد لما سبق؛ لأنه يغني عنه قوله: { {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} }؛ لأن نكاحهن الشرعي بإذن أهلهن يجعل العقد معهن عقد إحصان لا زنا، لكن لخطر هذا الأمر أكده الله سبحانه بقوله: { {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} }، والمسافح الزاني والعياذ بالله، وسمي مسافحاً لأنه ليس له هم إلا سفح الماء في القبل، فلا يريد أولاداً، ولا عشرة، ولا مودة، وإنما هو كالتيس يريد أن يقضي نهمته فقط.

قوله: { {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} }، الأخدان: جمع خِدْن أو خَدَن، والمراد به ما يعرف عند الكفرة بالصديق والصاحب، فإنه في بلاد الكفر تتخذ المرأة صديقاً صاحباً يفعل بها ما يفعل الرجل بامرأته ما عدا الجماع، وربما تصل الحال إلى الجماع، والإماء لما كن لا يهتممن بهذا الأمر، قيد الله ذلك بقوله: { {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} }، أما الحرائر فإنه يبعد فيهن الزنا، حتى قيل: إن هنداً بنت عتبة لما بايعت النبي صلّى الله عليه وسلّم النساء: «على ألا يسرقن ولا يزنين» قالت: «يا رسول الله! أو تزني الحرة»[(87)]، وهو ضعيف لكن ذكره بعض العلماء.

قوله: { {فَإِذَا أُحْصِنَّ} }؛ أي: أحصنهن من يُحصِّنهن، وفي قراءة «أَحْصَنَّ» أي: أحصن أنفسهن.

واختلف المفسرون في المراد بالإحصان، فقال بعض العلماء: إنها على قراءة الفتح «أَحْصَنَّ» بمعنى أسلمن، و{ {أُحْصِنَّ} } بمعنى نُكحن، وقال بعض العلماء: هما بمعنى واحد، وأن معنى أَحصَنَّ؛ أي: صرن ذوات إحصان، كما يقال أنجد أي دخل نجداً، أما على قراءة الضم { {أُحْصِنَّ} } فالأمر ظاهر بأن المراد نُكِحن فأحصن فروجهن بهذا النكاح، والصواب أنهما بمعنى واحد، وكونها بمعنى أسلمن بعيد؛ لأن السياق هنا في سياق الفتيات المؤمنات في قوله: { {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} }، والمؤمنة مسلمة.

قوله: { {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} }:

هذا شرط داخل في شرط: { {فَإِذَا أُحْصِنَّ} }: هذا الشرط الأول، وقوله: { {فَإِنْ أَتَيْنَ} }: هذا الشرط الثاني، { {فَعَلَيْهِنَّ} }: جواب الشرط الثاني، فهو شرط في شرط، يعني إذا أحصنت الأمة وأتت بفاحشة فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب.

وقوله: { {الْمُحْصَنَاتِ} }: الحرائر، ولا يصح أن يقال: فإذا أُحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من الإماء، فهذا لا يستقيم، ولكن معنى { {نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ} } أي: الحرائر.

قوله: «من العذاب» والعذاب هو الحد، قال الله تبارك وتعالى: { {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ}} [النور: 8] ، وقال سبحانه: { {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *}} [النور: 2] ، فيكون المراد بالعذاب هنا الحد، والحد للمحصنة الحرة هو الرجم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رجم الغامدية، وإن كانت الحرة غير محصنة فهو الجلد، لقوله تعالى: { {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}}، والحد للمحصنة الذي يمكن أن يتنصف في حق الأمة هو الجلد. أما الرجم فلا يتنصف؛ لأن الرجم يحصل به الموت والموت لا يتنصف، فيكون المراد بنصف العذاب خمسين جلدة.

والحرة تعذب تعذيباً آخر، وهو التغريب، والتغريب قد جاء في صحيح السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لأبي العسيف: «على ابنك جلد مائة وتغريب عام»[(88)] وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»[(89)]، ولكن العلماء اختلفوا في تغريب الحرة، هل تغرب أو لا تغرب؟

فمنهم من قال: إنها لا تغرب؛ لأن التغريب إنما هو لصيانة الإنسان عن الزنا، والمرأة إذا غربت ربما يزداد زناها، لا سيما إذا لم يكن معها محرم، فلا تغرب المرأة، فإذا لم تغرب فالأمة يكون عليها خمسون جلدة بلا تغريب؛ لأن الحرة لا تغرب.

ولكن إذا قلنا بالقول الثاني: أنها تغرب، فهل تغرب الأمة كما تغرب الحرة؟

قال بعض العلماء: تغرب نصف سنة، وقال بعض العلماء: لا تغرب؛ لأن تغريبها إضرار بمالكها، وقد قال الله تعالى: { {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}} [فاطر: 18] ، ولكن هذا التعليل عليل؛ لأننا نقول: إذا قلنا بأن التغريب حد فإنه كما يكون إضراراً بالسيد فالجلد إضرار بالسيد أيضاً؛ لأنها ربما تتأثر صحتها بذلك، وستتأثر سمعتها بذلك وتنقص قيمتها.

وإذا قلنا بأن التغريب يرجع إلى اجتهاد الإمام في الحرة وليس بحد واجب، فإنا نقول أيضاً: يرجع التغريب في الأمة إلى اجتهاد الحاكم.

والصواب: أن عليها نصف ما على الحرة من العذاب في الجلد والتغريب، هذا إذا أحصنت لقوله: { {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} }.

وإذا لم تحصن.

فقال بعض العلماء: ليس عليها شيء؛ لأن مفهوم الآية الكريمة أنها إذا لم تحصن فليس عليها شيء من العذاب، وإذا سكت الله عن شيء فهو مما عفا عنه، ولا شك أن زنا من أحصنت أقبح من زنا من لم تحصن؛ أي: من لم تتزوج.

وقال بعض العلماء: إذا أُحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب، وإذا لم تحصن فعليها العذاب كاملاً، وقال: نأخذ بالآيتين قوله تعالى: { {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] ، فهذا عام في الحرة والأمة، وخرج منه الأمة إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب، وبقيت الأمة غير المحصنة فحدها كالبكر التي لم تتزوج من الحرائر، والبكر التي لم تتزوج من الحرائر حدها مائة جلدة، وعلى هذا فإذا أحصنت الأمة فزنت فعليها خمسون جلدة، وإذا لم تحصن فعليها مائة جلدة.

وأحق الناس بهذا المذهب الظاهرية، فإن الظاهرية قالوا بهذا، وقالوا: ما لنا إلا الظاهر.

ومن العلماء من قال: إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة، وإذا لم تحصن وجب تأديبها بالجلد المطلق، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر»[(90)]؛ أي: ولو بحبل، فقال: «فليجلدها» وأطلق، فعلى هذا إذا زنت قبل أن تحصن وجبت عقوبتها بالجلد الذي ليس بحد، وهذا القول هو الصحيح: فإذا تزوجت فعليها نصف ما على الحرة وهو خمسون جلدة، ولا يمكن أن نقول عليها نصف الرجم لأنه لا يتبعض، وإذا لم تحصن فإنه يجب جلدها تعزيراً لها؛ لأننا لو تركناها فهو مشكل أيضاً.

وأما القول بأنها إذا زنت قبل الإحصان فإنها تحد حداً كاملاً، فهذا قول ضعيف بلا شك؛ لأن علة التنصيف هو الإحصان؛ أي: التزوج، فإذا زالت العلة زال الحكم.

ثم قال الله تعالى في بيان شروط نكاح الأمة: { {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} }:

{ {ذَلِكَ} }: المشار إليه الحكم المذكور وهو جواز نكاح الإماء، { {لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} } الجار والمجرور متعلق بخبر المبتدأ { {ذَلِكَ} }، والخبر محذوف والتقدير ثابت أو كائن.

{ {خَشِيَ} } أي: خاف، والخشية والخوف يترادفان، فيحل أحدهما مكان الآخر، لكنهم فرقوا بينهما بأن الخشية إنما تكون عن علم، لقوله تعالى: { {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}} [فاطر: 28] ، وبأن الخشية يكون سببها عظم المخشي وإن كان الخاشي عظيماً، وأما الخوف فسببه ضعف الخائف وإن كان المخوف ضعيفاً، فهي أقوى وأشد، فقوله: { {خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} } أي: خافه خوفاً مؤكداً.

والعنت: المشقة، ومنه قوله تعالى: { {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}} [التوبة: 128] أي: ما شق عليكم.

وقوله: { {مِنْكُمْ} }، بيان { {لِمَنْ} } في قوله: { {لِمَنْ} }.

قوله: { {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} }: الجملة مبتدأ وخبر، لكن المبتدأ مؤول، فإن معنى { {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} } أي: وصبركم، ومثلها قوله تعالى: { {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}} [البقرة: 184] أي: وصومكم خير لكم، فالمبتدأ هنا هو المصدر المؤول من أن والفعل.

وقوله: { {تَصْبِرُوا} } أي: تحبسوا أنفسكم؛ لأن الصبر هو الحبس، والمعنى تحبسوها عن نكاح الإماء حتى مع وجود الشرطين، وهما: عدم استطاعة الطول وخوف العنت.

{ {خَيْرٌ لَكُمْ} } أي: من أن تنكحوا الفتيات، والخيرية هنا مطلقة، وإذا أطلق الله سبحانه الشيء صار عاماً؛ أي: خير لكم على كل حال، لكن إن عجز الإنسان عن الصبر فالأمر واسع.

قوله: { {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} }: ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: «الغفور الرحيم» يشير إلى أنه يجب على الإنسان أن يتحرز في هذه المسألة احترازاً بالغاً لئلا يقع في الإثم، وأن الله سبحانه إنما أباح لنا ذلك من أجل أنه موصوف بهذين الوصفين اللذين دل عليهما الاسمان الكريمان، وهما المغفرة والرحمة.

والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر وهو ما يوضع على الرأس من الحديد من أجل وقاية الرأس من السهام، ويحصل به ستر ووقاية، فالمغفرة مشتملة على هذين المعنيين: الستر والوقاية من العذاب، فليست ستراً فقط ولا وقاية من العذاب فقط، بل ستر ووقاية.

وأما الرحمة فهي صفة من صفات الله عزّ وجل تقتضي الإحسان إلى الخلق ودفع الضرر عنهم، والله سبحانه سمى نفسه بالرحمن وبالرحيم، ووصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقال: { {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ}} [الأنعام: 133] ، وهي صفة مستقلة عن الإرادة وعن الإحسان، فهي عند السلف وأئمة أهل السنة صفة زائدة أو مستقلة عن الإرادة أو الفعل.

وحَرَّف معناها من لا يرى ثبوت الرحمة لله، وقال: إن المراد بالرحمة إرادة الإنعام، أو الإنعام نفسه، وإنما حرفوها إلى هذا المعنى لأنهم يثبتون الإرادة، فقالوا: إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؛ لأن الإحسان منفصل عن الذات، فلا يمتنع عندهم وقوعه من الله عزّ وجل، وهؤلاء هم الأشاعرة، وفي الحقيقة أنهم لو رجعوا إلى أنفسهم لوجدوا أن تفسيرهم الرحمة بهذا يستلزم ثبوت الرحمة؛ لأن إرادة الإحسان لا تكون إلا رحمة لمن استحقها، ومحبة للإحسان، والإحسان نفسه الذي هو المنفصل عن الله لا يكون إلا من آثار الرحمة.

على كل حال: مذهبنا ـ ولله الحمد ـ مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما سمى الله به نفسه أو وصف به نفسه فهو ثابت له على وجه الحقيقة، لكن بدون تمثيل، وبدون تكييف.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ الحث على تزوج الحرائر المؤمنات، ووجه ذلك: أن الله لم يرخص في العدول عن نكاحهن إلا لحاجة وعذر، لقوله: { {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} }.

2 ـ أنه لا بد في النكاح من مال، لقوله: { {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً} }.

3 ـ أنه لا ينبغي لمن لم يستطع الطول أن يستدين، فليعدل إلى طريق آخر دون الطول الذي عجز عنه، لقوله: { {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }.

ويؤيد ذلك من السنة قصة الرجل الذي طلب من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يزوجه الواهبة نفسها للرسول صلّى الله عليه وسلّم حين قال: زوجنيها، فطلب النبي صلّى الله عليه وسلّم منه مهراً، فقال: ليس عندي شيء ولا خاتم من حديد، ولم يقل: استقرض، بل سأله: هل معه شيء من القرآن؟ قال: نعم، قال: «ملكتكها بما معك من القرآن»[(91)].

ويؤيد ذلك أيضاً قوله تعالى: { {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}} [النور: 33] .

ويؤيده أيضاً قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»[(92)].

4 ـ أنه يجوز للحر أن يتزوج الأمة بالشرطين المذكورين: أن لا يجد طول حرة مؤمنة، وأن يخشى العنت.

5 ـ أنه لو قدر على مهر حرة كتابية لا حرة مؤمنة، فله أن يتزوج الفتاة المؤمنة، وتؤخذ من قوله: { {الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} }، فإذا كان الإنسان عنده خمسة آلاف ريال لا تكفي لنكاح الحرة المؤمنة ولكنها تكفي لنكاح الحرة الكتابية، أو لنكاح الأمة المؤمنة، فهل يعدل إلى نكاح الأمة أو يجب أن يتزوج الحرة الكتابية؟

الجواب: له أن يعدل إلى نكاح الأمة المؤمنة دون الحرة الكتابية، وهذا ظاهر القرآن.

وقال بعض العلماء: بل الحرة الكتابية أولى من الأمة المؤمنة، وذلك لأن أولاد الحرة الكتابية ينشؤون على أنهم أحرار، وأولاد الأمة المؤمنة ينشؤون على أنهم أرقاء مملوكون لسيدها، وهذا الثاني هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله؛ أي: أنه لو قدر على نكاح أمة أو نكاح كتابية، فإنه لا يجوز أن يتزوج الأمة بل يتزوج الكتابية، ولكن ظاهر القرآن مقدم؛ لأن الله تعالى قال: { {وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}} [البقرة: 221] .

ولأن الكتابية لا يؤمن أن تضل زوجها، لا سيما إذا كانت ذات شهادة عالية وليس عنده مثل هذه الشهادة، أو كانت فصيحة اللسان قوية البيان فإنها قد تؤثر على الزوج فيرتد، ويكون يهودياً أو نصرانياً.

ولا سيما أيضاً إذا كان عندها مال وهو فقير، فإنها تؤثر عليه، وإذا لم تؤثر عليه ربما تؤثر على أولاده، ولهذا كان ظاهر القرآن هو الواجب الاتباع، فنقول: إذا قدر على مهر حرة كتابية أو مهر أمة دون حرة مؤمنة، فالواجب أن يقدم الأمة؛ لأن الله تعالى قال: { {الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} }.

6 ـ نقص مرتبة الرق عن مرتبة الحرية، وهو كذلك، فإن الرقيق مملوك يباع ويشترى ولا يملك نفسه، حتى أنه إذا قتل فإن ديته قيمته وليس دية حر، فتختلف الديات في العبيد باختلاف صفات المقتولين، فربما إذا قتل عبد تكون ديته مليون ريال، وعبد آخر تكون ديته عشرة ريالات، فلهذا لا شك أن مرتبة الحرية أعلى من مرتبة الرق.

7 ـ أنه لا يحل لمن لا يجد طول الحرة المؤمنة أن يتزوج أمة كتابية، وتؤخذ من قوله: { {فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} }؛ أي: فلا يحل أن يتزوج أمة كتابية.

وإذا لم يعجز عن طول الحرة المؤمنة، فلا يتزوج أمة كتابية من باب أولى، وبهذا يتبين أن الأمة الكتابية لا يحل للمؤمن تزوجها، ويؤيد هذا قوله تعالى: { {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}} [المائدة: 5] ، فالمحصنات هنا الحرائر، ويحتمل أن يكون المراد بهن العفيفات عن الزنا، لكن هذه الآية تدل على أن المراد الحرائر، وأن الإماء من أهل الكتاب لا يحل تزوجهن مطلقاً.

8 ـ إثبات علم الله عزّ وجل لما كان غيباً خفياً، لقوله: { {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} }.

9 ـ جواز استعمال صيغة التفضيل في صفات الله عزّ وجل، فيقال الله أعلم، الله أكبر، الله أعز، الله أعظم، وما أشبه ذلك، خلافاً لمن قال إن هذا لا يجوز، وأنه يجب أن نفسر اسم التفضيل باسم الفاعل، فيقول هذا القائل في مثل قوله: { {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} } أي: عالم بإيمانكم، وما علم هذا القائل أن قوله: «والله عالم بإيمانكم» أدنى من قوله: { {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} }؛ لأن «عالم» اسم فاعل لا تمنع المشاركة في الوصف ولا في الرتبة، لكن أعلم اسم تفضيل تمنع المشاركة في الرتبة، فمن الأفهام الخاطئة، أن نجعل اسم التفضيل بالنسبة لصفات الله بمعنى اسم الفاعل؛ لأن هذا لا شك أن فيه نقصاً عما أراد الله عزّ وجل.

10 ـ إثبات الملك الذي هو الرق، لقوله: { {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }، وهذا الحكم ثابت إلى يوم القيامة، لا يمكن أن يرفع بأي حال من الأحوال، فمتى وجدت أسبابه الشرعية فإنه ثابت، نعم إذا لم توجد، مثل أن ينهب الإنسان من بني آدم من ينهب، ويأتي بهم إلى أسواق الناس يبيعهم، فهنا لا يمكن أن نثبت الرق بهذه الطريقة، لكن إذا ثبت بطريق شرعي فإنه ثابت ولا يمكن رفعه، لقوله: { {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }.

وملك الإنسان لما يملك من آدمي أو بهيمة أو عقار أو غيره ليس ملكاً تاماً، ولذلك لا يتصرف الإنسان فيما يملك كما يحب، بل تصرفه مقيد بالشرع، ولكن العلماء رحمهم الله جعلوا من ملك التصرف الذي جعل له على وجه كامل جعلوه مالكاً، ومن ملكه على وجه مقيد جعلوه مستأجراً مثلاً أو مستعيراً أو ما أشبه ذلك.

11 ـ جواز إطلاق البعض على الكل، وتؤخذ من قوله: { {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }، والمراد مما ملكتم؛ لأن اليد وحدها لا تملك.

12 ـ استعمال ما يكون سبباً لقبول الحكم، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بتخفيف الأمر على المحكوم عليه، لقوله: { {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} }، وذلك أن العرب كانوا يأنفون أنفة كبيرة بالنسبة للأرقاء، ويرون أن من نكح رقيقة فقد أتى شيئاً فاحشاً عظيماً، ويقولون: الرقيقة مملوكة والبعير مملوك، فإذا نكحت الرقيقة فهم يرونها كبيرة جداً، ولهذا أرشد الله إلى هذا الأمر بقوله: { {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} }، لتهوين الأمر على الناس.

فيؤخذ من هذا أنه ينبغي للمتكلم أن يخاطب المخاطب بما يهون عليه الحكم.

13 ـ اشتراط إذن الأهل في تزويج الإماء لقوله: { {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} }، ويترتب على هذه الفائدة، فائدة أخرى وهي: أن المرأة لا تزوج نفسها، فإن قال قائل: هذا ظاهر فيما إذا كانت أمة أنها لا تزوج نفسها لأنها مملوكة، لكن إذا كانت حرة؟ فنقول: إذا كانت حرة فهناك أدلة أخرى تدل على أنها لا تزوج نفسها، وأنه لا بد من ولي.

14 ـ أن الأمة تملك مهرها، لقوله: { {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} }، والمراد بها المهور، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقال: إن مهر الأمة لها لأنها تحتاجه للتزين لزوجها، ولإعداد المكان، والبيت والمطبخ وغيره للزوج، فلا يكون مهرها لسيدها؛ لأن هذا مما تتعلق بها حاجاتها.

ولكن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك؛ أي: على أن مهر الأمة لسيدها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله للذي باعه»[(93)]، قالوا: وإضافة الأجور إليهن من باب الاختصاص، أو من باب مراعاة السبب؛ لأنهن كن السبب في هذا المهر، فلولاها ما حصل مهر لسيدها، وهذا أقرب إلى القواعد الشرعية العامة.

15 ـ الرجوع إلى العرف، وتؤخذ من قوله: { {بِالْمَعْرُوفِ} }، وهذه قاعدة للشيء الذي لم يحدده الشرع أن نرجع فيه إلى العرف.

16 ـ اشتراط أن يكون النكاح نكاح إحصان لقوله: { {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} }، ونكاح الإحصان: هو الذي تمت شروطه وانتفت موانعه، فإن لم تتم شروطه فهو سفاح، وإن وجدت موانعه فهو سفاح.

مثال الأول: لو تزوج امرأة مكرهاً، فهذا النكاح سفاح، لفوات الشرط.

ومثال الثاني: لو تزوج امرأة في عدتها فهنا النكاح سفاح لوجود المانع وهو العدة.

17 ـ أن الإحصان يطلق على العفة، وتؤخذ من قوله: { {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} }، فجعل المسافحة مقابل الإحصان.

18 ـ تحريم اتخاذ الأخدان من الرجال، لقوله: { {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} }، وحتى لو لم يحصل الزنا، فإن اتخاذ الأخدان ـ يعني: الأصحاب والأصدقاء ـ سبب للزنا، ولهذا نهي عن الخلوة بالمرأة خوفاً من ذلك، ونهي أن تخضع بالقول خوفاً من ذلك.

ويتفرع من هذه الفائدة: بيان ما عليه المجتمع الغربي من مجانبة الأخلاق، حيث إن كثيراً منهم يكون له صاحبة وصديقة يخرج معها، ويبيت عندها، وتبيت عنده، لكن لا يجامعها نظراً إلى أنهم لا يستحلون الجماع إلا بعقد نكاح، وربما يجامعها، فمعلوم أن الإنسان إذا خلا بامرأة وأطال معها المقام وقعا في الحرام، وفي الحديث: «فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»[(94)]، فيغويهما جميعاً ويحصل الشر.

19 ـ أن الأمة إذا زنت فإنها تحد، لقوله: { {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} }.

20 ـ أنه لا حد عليها إلا بعد الإحصان، لقوله: { {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} }؛ أي: فإن زنت قبل الإحصان فلا حد عليها وإنما تجلد جلد تعزير.

وأما ما ورد في بعض روايات مسلم: «فليجلدها الحد»[(95)]، فقد ذكر أهل العلم أن كلمة «الحد» وَهمٌ من الراوي، كأنه توهم أنه لا جلد إلا بحد، فقال: فليجلدها الحد.

ويدل لهذا أنه في الروايات الأخرى «فليجلدها» دون أن يقيد ذلك بالحد، وهذا هو ظاهر القرآن أنه لا حد عليها إلا إذا أحصنت، أما قبل ذلك فعقوبتها التعزير.

21 ـ أنه لا رجم على الأمة إذا زنت ولو بعد أن تتزوج، وجه ذلك: أن الرجم لا يتنصف، والله عزّ وجل قال: { {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} }، ولهذا اشترط العلماء للرجم أن تكون الزانية حرة.

22 ـ أن الأمة إذا زنت بعد الإحصان تغرب نصف سنة، لعموم قوله: { {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} }، وهذا مبني على ثبوت التغريب للمرأة الحرة، وهو موضع خلاف بين العلماء، فإن من العلماء من يقول: التغريب إنما هو للرجل فقط دون المرأة، وعلل ذلك بأن تغريب المرأة إغراء لها بالمفسدة؛ لأنها إذا غربت انفردت عن أهلها ومن يراقبها، وصار لها من الشر أعظم مما لو كانت عند أهلها، وعلى هذا القول لا تغرب الأمة من باب أولى.

ثم على القول بأن الحرة تغرب كما هو ظاهر حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»[(96)]، يبقى النظر هل تغرب الأمة أو لا؟

إن أخذنا بعموم قوله: { {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} } فإنها تغرب نصف سنة، وإن قلنا: بأن لدى الأمة مانعاً من التغريب وهو حق السيد؛ لأنها إذا غربت فقد تهرب ولا ترجع إلى سيدها، ثم إن لديها من خسة المكانة ما لا يمنعها من الفاحشة، بخلاف الحرة، فلهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تغريب في حق الإماء، ولا في حق العبيد، للسبب الذي ذكرنا، وهو أن تغريبهم يغريهم في فعل الفاحشة؛ لأنهم دون الأحرار في الشرف، ولا يهمهم أن يفعلوا الفاحشة، وهذا القول أعني أنها لا تغرب قول قوي جداً.

23 ـ أنه يشترط لجواز نكاح الإماء أن يلحق الإنسان مشقةٌ بترك ذلك، لقوله: { {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} }.

24 ـ حسن الترتيب في سياق القرآن؛ لأن الله سبحانه ذكر مسألة الزنا بين الشروط في نكاح الأمة، للإشارة إلى أن عند الأمة من دنو المنزلة ما لا يمنعها من الزنا، فهذا من حكمة النهي عن نكاح الإماء إلا بالشروط.

إذاً: يشترط شرطان:

الشرط الأول: أن لا يجد مهر حرةٍ مؤمنة.

والشرط الثاني: أن يخاف المشقة بترك النكاح.

واشترط بعض العلماء ومنهم فقهاء مذهب الامام أحمد ـ رحمهم الله ـ : أن لا يجد ثمن أمة، قال: فإن وجد ثمن أمة فإنه لا يحل أن يتزوج الأمة، وأخذ هذا الشرط من المعنى، وإن كان لا يوجد في الآية الكريمة، فقال: إذا كان قادراً على ثمن الأمة فإنه يشتري أمة ويطؤها بملك اليمين لا بالنكاح، والوطء بملك اليمين شرف وعز حتى عند العرب، ثم إذا أتت منه بولد فالولد حر وليس عبداً.

ولنضرب لهذا مثلاً: لو أن مهر الحرة المؤمنة عشرة آلاف، ومهر الكتابية ثمانية آلاف، وقيمة الأمة المؤمنة ستة آلاف، ومهر الأمة خمسة آلاف مثلاً، فهو الآن عنده ستة آلاف، فتحقق الشرط الأول وهو عدم القدرة على مهر الحرة، لكن هنا يستطيع أن يشتري أمة ويتسراها، فهل نقول: لك أن تعدل عن هذا فتتزوج أمة بخمسة آلاف؟

الجواب: إن قلنا إنه شرط، قلنا: لا تملك هذا، فاشتر أمة وتسرها، وإن قلنا إنه ليس بشرط كما هو ظاهر القرآن، قلنا: أنت مخير: إن شئت فاشتر وإن شئت فلا تشتر؛ لأنه قد يقول: أنا إذا اشتريت أمة صار علي من الواجبات ما ليس علي فيما لو كانت زوجة؛ لأنها إذا كانت زوجة ولم يقدر بينهما ألفة فإنه يطلقها ويتولاها سيدها، لكن إذا كانت أمةً له وأتت منه بولد فعلى المشهور من المذهب أنه لا يجوز بيعها، فمعناه أنه يلزم بالإنفاق عليها وهو لا يريده.

وعلى كلٍ فالأخذ بظاهر القرآن أولى، فنقول: إن الشرط أن لا يقدر على مهر الحرة، وأنه لو قدر على ثمن الأمة فإن له أن يتزوج الأمة.

25 ـ أن الصبر عن نكاح الأمة أولى من نكاحها ـ وإن جاز ذلك ـ، لقوله تعالى: { {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} }.

26 ـ أنَّ المباح قد يكون مستوي الطرفين كما هو الأصل، وقد يكون مرجوحاً كما هنا؛ لأن الله تعالى أحل لنا نكاح الإماء بالشرطين، لكن قال: { {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} }.

27 ـ أن الأمر بالشيء قد يستفاد من الثناء على فاعله، لقوله: { {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} }، فكأنه قال: اصبروا، لكنه جعله على وجه الترغيب.

28 ـ إثبات هذين الاسمين لله عزّ وجل وما تضمناه من صفات، وهما «الغفور، الرحيم».

* * *

قال الله تعالى: { {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *}} [النساء: 26] .

قال الله تعالى: { {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} }:

يريد: الإرادة هنا إرادة شرعية، فإن إرادة الله سبحانه تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، والفرق بينهما:

أن الإرادة الشرعية: تتعلق بما يحبه ويرضاه فقط، وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع.

وأما الإرادة الكونية: فتتعلق بكل ما شاءه، وقد يكون محبوباً لله وقد يكون مكروهاً له، ولا بد أن يقع فيها المراد؛ لأنها بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.

فإذا كانت الإرادة بمعنى المحبة؛ أي: بمعنى أنه يصح أن يحل محلها «أحب أو يحب» فهي إرادة شرعية، وإذا كان يحل محلها «يشاء أو شاء» فهي إرادة كونية.

يقول الله عزّ وجل: { {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} } أي: يحب ذلك، وقد فعل الله سبحانه وبيّن لنا غاية البيان، بلسان عربي مبين.

واللام في قوله: { {لِيُبَيِّنَ} } زائدة قد تفيد التعليل، وقد لا تفيد التعليل وتكون للتعدية، لكنها لو حذفت فقيل: يريد الله أن يبين لكم؛ كقوله: {{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}} [النساء: 27] لصح الكلام، لكنها وجدت، ويقولون: كل لام جر بعد الإرادة فهي زائدة تقول: أردت لكذا؛ أي: أردتُ كذا.

وقوله: { {لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} }: البيان هنا يشمل البيان اللفظي والبيان المعنوي، وكلاهما واقع، قال الله عزّ وجل لرسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم { {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *}} [القيامة: 16 ـ 19] أي: إظهاره، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا ألقى عليه جبريل القرآن يتعجل ـ يسرع ـ يختطفه منه حباً له وشفقة عليه[(97)]؛ أي: حبَّاً للقرآن وشفقة عليه، فقيل له: { {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *} }، وقوله: علينا: الضمير يعود على الله والمراد جبريل، فإنه هو الذي يقرأ على النبي صلّى الله عليه وسلّم، { {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} } أي: قرأه جبريل { {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *}} البيان اللفظي والمعنوي.

قوله: { {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} }:

يهديكم هداية الدلالة وهداية التوفيق، أما هداية الدلالة فهي ما أنزله من الوحي والشرع، وأما هداية التوفيق فهي أن يوفق من شاء من عباده للزوم هذه الهداية.

ومن أمثلة الهداية التي بمعنى الدلالة: قوله تعالى: { {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}} [فصلت: 17] أي: دللناهم على طريق الحق، لكنهم استحبوا العمى على الهدى.

وأما الهداية بمعنى التوفيق، ففي قوله تعالى: { {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}} [القصص: 56] ؛ أي: لا توفقه لسلوك طريق الهداية؛ لأن ذلك إلى الله.

قوله: { {سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} }:

{ {سُنَنَ} }: جمع سنة وهي الطريقة، والمراد بسننهم ما كانوا عليه من الشرائع، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم واختلاف الأزمنة والأمكنة: { {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}} [المائدة: 48] ، لكن الناس سواء في الأصل.

وقوله: { {سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} }؛ يعني: اليهود والنصارى وغيرهم ممن نزل عليهم الوحي.

{ {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} } بالنصب { يَتُوبَ } عطف على { يُبَيِّن }؛ أي: ويريد ليتوب عليكم؛ أي: يوفقكم للتوبة.

وتوبة الله على العبد نوعان: توبة توفيق للتوبة، وتوبة قبول للتوبة، فمن الأول قوله تعالى: { {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ}} [التوبة: 117] أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا.

ومن الثاني: قوله تعالى: { {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}} [الشورى: 25] والتوبة في قوله: { {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} } تشمل المعنيين.

قوله: { {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} }: العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فخرج بقولنا «إدراك»: الجهل؛ لأنه ليس بإدراك، وخرج بقولنا «على ما هو عليه»: الجهل المركب؛ لأن الجاهل المركب يدرك الشيء على خلاف ما هو عليه.

فالله سبحانه عليم؛ أي: ذو علم، وقد بيّن الله سبحانه في آية أخرى أن علمه واسع شامل محيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، قال تعالى: { {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ *}} [الأنعام: 59] .

{ {حَكِيمٌ} }؛ أي: ذو حُكم وحكمة، وقد سبق لنا شرح ذلك، وبينا أن حكمة الله عزّ وجل تكون في الحكم الشرعي والحكم الكوني، وأنها تكون على صورة الشيء وعلى الغاية منه؛ أي: صورية وغائية.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ إثبات الإرادة لله، لقوله: { {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} }، وهل هذه الإرادة أزلية أو هي حادثة؟

نقول: الإرادة نوعان: إرادة أزلية، وإرادة حادثة، فالإرادة المقارنة للفعل إرادة حادثة، والإرادة السابقة إرادة أزلية، ويظهر هذا بالمثال، أنت الآن تريد أن تصلي العشاء، فهذه إرادة سابقة على الفعل، فإذا أذن قمت إلى الصلاة فصليت، فهذه إرادة مقارنة للفعل، فإرادة الله المقارنة لفعله حادثة، وإرادته الأزلية السابقة لفعله غير حادثة، وهو مريد سبحانه لكل ما سيكون، وهذه إرادة أزلية.

2 ـ سعة رحمة الله عزّ وجل بعباده حيث أراد أن يبين لهم؛ لأن من لطفه وكرمه أن لا يدع الناس على جهلهم.

3 ـ أنه ليس في الشرع شيء مجهول لكل أحد، لقوله: { {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} }، فالشرع لا يمكن أن يكون خفياً على كل أحد، لكنه يخفى على الإنسان لأسباب: إما قلة العلم، وإما قصور الفهم، وإما التقصير في الطلب، وإما سوء القصد، فهذه أربعة أسباب لخفاء الحكم الشرعي على الإنسان.

فقلة العلم، مثل أن يوجد إنسان لم يراجع ولم يطالع ولم يستوعب كتب العلماء، فهذا تخفى عليه الأحكام الشرعية لقلة علمه.

أو قصور فهمه: يكون عنده علم واسع، لكنه لا يفهم، فهذا أيضاً يفوته كثير من الأحكام الشرعية.

أو لتقصيره في الطلب: إنسان مقصر، عنده علم وعنده فهم، لكن لا يحرص على أن يحقق المسائل وينقحها ويحررها، فيفوته شيء كثير.

أو سوء القصد: بحيث لا يريد إلا نصر رأيه فقط، فهذا والعياذ بالله يحرم الخير، ويحرم الصواب.

وما دواء هذه العلل والآفات؟

الأول : وهو قلة العلم: دواؤه كثرة العلم، بأن يراجع الإنسان ويطالع كتب العلماء وكتب الحديث والتفسير.

الثاني : قصور الفهم: وهذا مشكل؛ لأنه غريزة، لكن بالتمرن يحصل المرء على قوة الفهم، وأضرب مثلاً: لو أن الإنسان راجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فأول ما يراجعها يقول: هذه فيها ردم يأجوج ومأجوج فلا يمكن فهمها، لكن مع التمرن عليها يفهمها.

إذاً: الفهم يحتاج إلى تمرين، ومن تمارين الفهم المناقشة مع الناس؛ لأنه كثيراً ما يغيب عنك شيء من العلم، وبالمناقشة يتبين لك الشيء الكثير.

الثالث : التقصير في الطلب: دواؤه الجد والاجتهاد، فاجتهد ولا تتوان.

ثم التقصير في الطلب ليس معناه قلة الطلب، بل يشمل عدم الترتيب في الطلب، وهذا أيضاً يضر بالإنسان فينقص علمه، فبعض الناس مثلاً إذا أراد أن يراجع مسألة في الكتب الكبيرة صار يستعرض الفهرس، فيجد بحثاً ثم يبحث فيه، وينسى الحاجة الأولى، وهذا خطأ، وهو الذي يقطع الأوقات عليك تقطيعاً، فما دمت تريد تحقيق مسألة فأغمض عينيك عما سواها، وإلا فستكون كالذي يلقط الجراد من أرض جرداء فلا تحصل شيئاً.

افرض أنك تريد أن تطالع مسألة في الطهارة، وأنت تراجع الفهرس مرت عليك مسألة غير التي تريد أن تراجع، فتقول هذا مبحث طيب فأرى ما يقول المؤلف، فيضيع عليك الوقت، فهذا من التقصير في الطلب، فليس هو تقصيراً كمياً؛ لكنه تقصير كيفي.

الرابع: سوء القصد: وسوء القصد يحتاج إلى إخلاص لله عزّ وجل، فإذا قصد الإنسان حفظ الشريعة، ونفع الخلق، وأن يرث الأنبياء، سهل عليه حسن القصد؛ لأنه إذا علم أن الإنسان إذا طلب العلم لغير الله فإنه يحرم الخير، وعليه الوعيد، وأن الله ينزع منه بركة العلم؛ حرص على أن يكون قصده حسناً.

فهذه الأمور الأربعة هي التي يحرم الإنسان بسببها تبين الأحكام الشرعية، وإلا فالله عزّ وجل تكفل فقال: { {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} }.

4 ـ كمال هذه الأمة وشريعتها، لقوله: { {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} }، فما من خير كانت عليه الأمم إلا ولهذه الأمة منه نصيب، وقد مثل النبي عليه الصلاة والسلام نفسه مع الأنبياء قبل بقصر مشيد، يعجب الناظرين، إلا أنهم إذا طافوا به قالوا: هذا القصر كامل إلا موضع هذه اللبنة، قال: «فأنا اللبنة، وأنا خاتم الأنبياء»[(98)]، تمم الله به مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، فكمل القصر ـ به عليه الصلاة والسلام ـ.

ويدل لذلك أيضاً قوله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}} [البقرة: 183] فقال: { {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} }، إشادةً بهذه الأمة وأنها كملت فيها الفضائل التي لغيرها، وتسلية لها أيضاً؛ أي: لا تظنوا أن تكليفنا إياكم الصيام خاص بكم، بل لكم ولغيركم.

5 ـ أن الله عزّ وجل يحب التوابين، وقد قال الله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}} [البقرة: 222] ، ويتفرع على هذا: غاية الكرم من الله عزّ وجل، ووجهه: أن التوبة يعود نفعها علينا لا عليه، وهو يحبها لمصلحتنا، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الله يفرح بتوبة عبده، كما يفرح الرجل الذي أضل ناقته في أرض فلاة، فطلبها فلم يجدها، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت قد أيس من الحياة فإذا بخطام ناقته فأخذ به وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح»[(99)].

6 ـ إثبات اسمين من أسماء الله، وهما العليم والحكيم، وما تضمناه من الوصف، فالعليم تضمن العلم، والحكيم تضمن الحكم والحكمة؛ لأنه مشتق من الحكم والحكمة.

7 ـ اقتناع الإنسان بما يجري الله عزّ وجل من حكم شرعي وحكم كوني.

وجه ذلك: أن ما يجريه الله عزّ وجل من الأحكام مقرون بالحكمة، وإذا علمت ذلك اقتنعت، سواء كان هذا في الأحكام الكونية أو في الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لا شك أن لها حكمة ينبغي أن يقتنع الإنسان بوجودها، ولا يعترض على الله تعالى بها.

8 ـ مراقبة الله في السر والعلانية، وتؤخذ من ثبوت صفة العلم؛ لأنك متى علمت أن الله عالم بك، فإن ذلك يوجب لك مراقبة الله سبحانه، فلا يفقدك حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك.

9 ـ الإشارة إلى التوبة، وقد سبق أن شروط التوبة خمسة.

* * *

قال الله تعالى: { {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا *يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا *}} [النساء: 27 ـ 28] .

{ {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} }:

قد يقول قائل: هذا مع ما قبله تكرار؛ لأنه قال: {{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ}} {{وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ}} فكيف قال: { {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} }؟

والجواب: نقول: الفائدة من ذلك شيئان:

الأول : التوكيد، وإذا أكد الله عزّ وجل أنه يريد التوبة علينا، فإن ذلك مما يسرنا ويزيدنا نشاطاً في التعرض لتوبة الله عزّ وجل.

الفائدة الثانية : التوطئة لقوله: { {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} } فهي: تمهيد وتوطئة لما ذكر بعدها، وهو أن الله له هذه الإرادة، وللذين يتبعون الشهوات تلك الإرادة، ولهذا كررها: { {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا *} }.

وقوله: { {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} } يشمل الكافر والفاسق؛ لأن الكافر يريد الشهوات ويتبعها، والفاسق كذلك، قال الله تعالى: { {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا *} {إِلاَّ مَنْ تَابَ}} [مريم: 59، 60] ، فالذين يتبعون الشهوات هم الكفار والفساق.

قوله: { {أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا} } أي: تنحرفوا عما يريد الله سبحانه بكم من أسباب التوبة، وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فالله يريد شيئاً وهم يريدون شيئاً بخلافه.

ثم قال تعالى: { {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا *} }.

وقوله: { {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} } الإرادة هنا شرعية، وليست كونية؛ لأن الله يقدر على العبد أشياء تثقل عليه العبادات بسببها، لكنه شرعاً لا يريد منا أن نشق على أنفسنا، بل إنه لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت، نهاه الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: «إن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً»[(100)].

وقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه أيضاً: «اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا»[(101)] فالإرادة إذاً إرادة شرعية.

{ {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} }: التخفيف ضد التثقيل، وتخفيفه سبحانه تخفيف في الأوامر وتخفيف في النواهي، أما التخفيف في الأوامر فإن الله سبحانه لما ذكر ما يجب علينا من طهارة الوضوء والغسل والتيمم قال: { {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}} [المائدة: 6] ، وكذلك خفف في النواهي فقال: { {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}} [الأنعام: 119] أي: فليس بحرام، وهذا تخفيف على العباد ولله الحمد.

ثم قال: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} }: الواو هنا يحتمل أن تكون استئنافية لبيان حال الإنسان الموجبة للتخفيف، ويحتمل أن تكون الواو للحال، والجملة على تقدير قد؛ أي: وقد خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً.

وعلى الاحتمالين فالجملة فيها نوع تعليل لقوله: { {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} } كأن قائلاً يقول: ولماذا أراد ذلك؟ فقال: لأن الإنسان خلق ضعيفاً؛ أي: خلقه الله عزّ وجل ضعيفاً في كل أموره: ضعيفاً في جسمه، ضعيفاً في إرادته، ضعيفاً في علمه، ضعيفاً في كل شيء، والدليل على ذلك أنه لا يتحمل البرودة في الشتاء، ولا الحر في الصيف، ولا الأتعاب، فهو ضعيف؛ فكانت الشرائع مناسبة لحاله.

وتأمل الفرق بين قوله هنا: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} }، وبين قوله: { {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}} [النساء: 76] !

فالشيطان في كيده العظيم ضعيف، فإذا كان كيد الشيطان ضعيفاً، فإن هذا يقتضي منا أن نكون أقوياء على الشيطان وإن كنا ضعفاء؛ لأن الشيطان كيده ضعيف، ونحن وإن كنا ضعفاء لكن يجب أن نكون أقوى منه، وأن نثق بقوله تعالى: { {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا *وَأَكِيدُ كَيْدًا *}} [الطارق: 15 ـ 16] .

وقوله: { {ضَعِيفًا} }: منصوبة لأنها حال، حيث إنها وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة حال، والوصف بعد النكرة نعت؛ أي: صفة.

من فوائد الآيتين الكريمتين:

1 ـ تأكيد فضل الله عزّ وجل على عباده، حيث كرر قوله: { {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} } لأن التوكيد تزداد به الطمأنينة، ويزداد به معرفة قدر فضل الله عزّ وجل.

2 ـ علم الله سبحانه بما في القلوب، لقوله: { {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ} }؛ لأن الإرادة محلها القلب، ومع ذلك أخبرنا الله تعالى عنهم، فهو عالم بما في قلوب أهل الخير وأهل الشر، كما قال: { {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}} [ق: 16] .

3 ـ الحذر من الذين يتبعون الشهوات؛ لأنهم يريدون منا أن نميل ميلاً عظيماً، والشهوات قد تكون شهوة بطن وفرج، وقد تكون شهوة فكر وقلب، وكلا الأمرين مراد هنا.

4 ـ الحذر من أهل البدع؛ لأن أهل البدع ينقسمون إلى قسمين: قسم عندهم شبهات، وقسم عندهم شهوات، فالجاهل منهم عنده شبهات حتى يلتبس عليه الحق بالباطل، والعالم منهم عنده شهوات، فهو يريد ما لا يريد الله ورسوله، ففي الآية التحذير من هؤلاء وهؤلاء.

5 ـ الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يتبعون الشهوات، حيث جعلهم الله أتباعاً تقودهم الشهوات، ومن الذل أن يكون الإنسان تابعاً للشهوات؛ لأن العزة أن يكون الإنسان متبوعاً، فإذا كان تابعاً فمعناه أن شهواته ملكته حتى صار تابعاً، وكأنه مجبر على ذلك.

6 ـ أن إرادة المتبعين للشهوات بنا لا تقتصر على أدنى ميل، وتؤخذ من قوله: { {أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا} }، فإذا كان كذلك فإننا إذا ملنا قليلاً تابعوا حتى نميل ميلاً عظيماً، نسأل الله السلامة!!

7 ـ أن الله سبحانه يريد التخفيف على العباد بالإرادة الشرعية.

8 ـ أن اليسر إلى الله أحب إليه من العسر، لقوله تعالى: { {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}} [البقرة: 185] .

9 ـ الحث على اتباع رخص الله؛ لأن الرخص من التيسير، وقد أيد ذلك ما جاء في الحديث: «إن الله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»[(102)].

10 ـ أنه إذا تعارضت الأدلة عند المستدل بين التيسير والتعسير، فالأولى أن يؤخذ بالتيسير؛ لأن هذا هو مراد الله عزّ وجل.

11 ـ الإشارة إلى العلة بإرادة التخفيف على العباد، وهي قوله: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} }.

12 ـ أن الإنسان ينبغي له إذا شمخت به نفسه وعلا أنفه أن يذكر حقيقة نفسه، وهي الضعف، حتى لا يطغى أو يزيد، لقوله: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} }.

13 ـ حذف الفاعل إذا علم، لقوله: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ} }، فإن الخالق هو الله عزّ وجل، وذلك معلوم بالضرورة.

14 ـ أن ما كان مكروهاً للعبد فإن الله يعبر عنه بالبناء للمفعول: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ} } ولم يقل: خلق الله، مع أن ذكر الله وارد في الجملة التي قبلها.

ويؤيد هذا قول الجن: { {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا *}} [الجن: 10] .

ويؤيده أيضاً ما في سورة الفاتحة: { {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} } فأضاف النعمة إلى الله، وقال في الغضب: { {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} }، ولم يقل: الذين غضبت عليهم، مع أن أول من غضب عليهم هو الله عزّ وجل.

* * *

قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا *}} [النساء: 29] .

{ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} }: النداء ـ كما سبق ـ يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك: أن النداء تنبيه للمنادى، فإنه يُفرَّق بين أن يأتي الخطاب مرسلاً وبين أن يأتي مصدراً بالنداء.

وتوجيه النداء إلى المؤمنين بقوله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}} يفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك: أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الامتثال، ويفيد أيضاً أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضاً أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان.

فقوله عزّ وجل: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}} هذا النداء يجب علينا أن نعتني به وأن ننتظر ما سيوجهنا الله إليه، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا قال الله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}} فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه»[(103)].

وهنا جاء النهي: { {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} }، فإن { {لاَ} } هنا ناهية، فجزم الفعل بعدها بحذف النون.

وقوله: { {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ} } أي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، فهي عامة لكل الأموال.

وقوله: { {بَيْنَكُمْ} } أي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعداً، أما إذا كان من واحد فهذا قد أكل مال نفسه.

قوله: { {بِالْبَاطِلِ} } الباطل في اللغة: الضائع سدى، والهالك الذي ليس فيه خير.

والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل الربا والغش والكذب والتدليس، وما أشبه ذلك.

قوله: { {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ} }، إلا: أداة استثناء، لكن المراد بها الاستدراك، يعني: لكن إن كانت تجارة بينكم عن تراض منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا إن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: { {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} } ليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بحق، والاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه.

وقوله: { {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} } فيها قراءتان سبعيتان «تِجَارَةٌ» بالرفع، و«تِجَارَةً» بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيها، والمعنى: إلا أن تحدث تجارة بينكم، وهنا تكون «كان» تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن «كان» ناقصة، و«تجارة» خبرها، واسمها مستتر، وحينئذ يُشكِل أن يكون الاسم مستتراً، وتقديره «هي» مع أن الأكل من قوله: { {لاَ تَأْكُلُوا}} مذكر، إذ لا يصح أن أقول: إلا أن تكون الأكل تجارة.

ولكن ها هنا فائدة؛ وهي أنه إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس، فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني، فجاز أن يُذَكِّر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنثَ باعتبار مرجعه اللاحق، يعني: إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراض منكم.

والتجارة: هي التبادل بين الناس من أجل الربح، ومنه قول الفقهاء: «عروض التجارة»، أما ما يهدى أو يرهن أو يعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل، فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح.

وحينئذ يبقى في مدلول الآية إشكال: وهو أنه إذا كانت المعاملات بغير قصد التجارة أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟

فقيل: إنها لم تذكر لأن الغالب في تعامل الناس هو التجارة، وهي التي يقع فيها المشاحة، وأما غيرها: فالإهداء يصدر عن طيب نفس من المهدي، وكذلك العارية، وكذلك الرهن، وما اشتري للحاجة فالغالب أنه لا يحصل فيه تشاحن؛ لأن الإنسان يقصد به دفع الحاجة لا حصول الربح، فلهذا ذكرت التجارة، وإلا فمن المعلوم أن العقود التي تقع عن تراض أكثر من عقود التجارة.

قوله: { {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} }:

عن تراض: الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: صادرة عن تراض منكم، أو: حاصلة عن تراض منكم. و{ {تَرَاضٍ} } هنا صيغة تفاعل يتبين بها أن المراد التراضي من الطرفين: الآخذ والمعطي.

وقوله: { {مِنْكُمْ} } يعني: صادر منكم أنتم أيها المتعاملون لا من غيركم، فلو رضي الأب ببيع مال ابنه والابن لم يرض والملك للابن، فلا عبرة برضا الأب.

ثم قال: { {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} }: القتل معروف، وهو إزهاق النفس، ولكن قوله: { {أَنْفُسَكُمْ} } هل المراد بذلك نفس القاتل ويكون هذا بمعنى الانتحار، أو المراد بأنفسكم: إخوانكم، كما في قوله تعالى: { {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}} [الحجرات: 11] ، فإن الإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز أخاه، فأيهما المراد؟

نقول: الآية شاملة لهذا وهذا، فلا يقصر على من يقتل نفسه ولا على من يقتل غيره.

فإن كان المراد: لا تقتلوا أنفسكم أنتم، فلا إشكال في الآية، وإن كان المراد: لا تقتلوا غيركم، فنقول: عبر عن الغير بالنفس؛ لأن المؤمن مع أخيه كالجسد الواحد، كما ضرب لذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم مثلاً: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»[(104)].

وأيضاً فالتعبير عن الأخ بالنفس فيه إغراء وحث، يعني: كأنه هو نفسك، ففيه إغراء للإنسان عن تجنب قتل الغير، وحمل له على التحنن على أخيه.

وقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} } الجملة تعليل لما قبلها، فهي تعليل للحكمين: أكل الأموال وقتل النفوس.

فالله سبحانه بنا رحيم، ومن رحمته: النهي عن أكل الأموال بيننا بالباطل، والنهي عن قتل أنفسنا، فإن هذا من رحمة الله بنا، وجهه في الأول: أن أكل الأموال بالباطل يؤدي إلى التشاحن والنزاع، وربما يؤدي إلى الصدام المسلح. وقتل النفس واضح.

وقوله: { {بِكُمْ} } الخطاب يعود إلى المؤمنين؛ لأنه يخاطب المؤمنين: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}}، ويؤيد هذا قوله تعالى: { {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}} [الأحزاب: 43] .

ولم يرد في القرآن إضافة الرحمة إلى الله تعالى منسوبة إلى الكافرين، فالرحمة التي اتصف الله بها إما أنها ذكرت في القرآن على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص بالمؤمنين، أما على سبيل الخصوص بالكافرين فلم ترد.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ العناية بحفظ الأموال، وعدم العدوان، لقوله: { {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} }.

2 ـ تحريم أخذ مال الإنسان بغير رضا منه، لقوله: { {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} }.

3 ـ تحريم التعامل المحرم ولو كان برضا من الطرفين؛ لأن التعامل المحرم أكل للمال بالباطل، وعلى هذا فلو تراضى الطرفان على تعامل ربوي فإن ذلك محرم.

4 ـ أن من مقتضى الإيمان تجنب أكل المال بالباطل؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين.

5 ـ اشتراط الرضا في عقود المعاملات، لقوله: { {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} }.

والرضا إذا كان سابقاً على العقد فلا إشكال في جواز العقد وصحته، ولكن إذا كان لاحقاً فهل ينفذ العقد أم لا؟ وذلك فيما يسمى عند أهل العلم بالتصرف الفضولي، مثاله: لو باع مال شخص بدون إذنه ورضاه، ولكن أذن فيما بعد ورضي؛ فهل يقع العقد السابق صحيحاً أو باطلاً؟

إذا نظرنا إلى عموم قوله: { {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} } قلنا: إنه يكون صحيحاً؛ لأن هذه التجارة صار مآلها إلى التراضي، وهذا القول هو الراجح؛ أي: أن تصرف الفضولي إذا أذن فيه صاحب المال فإنه جائز نافذ؛ وذلك لأن عموم قوله: { {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} } يدخل فيه هذه الصورة.

ولكن قال بعض أهل العلم: لا يصح مطلقاً، سواء أذن أو لم يأذن، وسواء تصرف في ذمته أو في عين المال، وسواء كان في الشراء أو في البيع.

وبعض العلماء فصّل وفرق بين الشراء وبين البيع فقال: إذا اشترى له في ذمته ولم يسمه في العقد ثم رضي فلا بأس، وإلا فلا.

ولكن القول الراجح، أنه متى رضي ولو بعد العقد، فإنه يقع العقد صحيحاً.

6 ـ تحريم قتل الإنسان نفسه، لقوله: { {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} }.

وعلى التفسير الثاني:

7 ـ أن المؤمنين كنفس واحدة، وأن قتل الإنسان غيره كقتل نفسه.

8 ـ أن الله عزّ وجل أرحم بالإنسان من نفسه؛ لأنه نهاه أن يقتل نفسه، فصار أرحم به من نفسه.

9 ـ إثبات صفة الرحمة لله، لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} }، والرحمة عند السلف صفة حقيقية ثابتة لله عزّ وجل، وأنكرها المعطلة إنكار تأويل لا إنكار تكذيب؛ أي: لم يقولوا إن الله ليس له رحمة، بل قالوا: إن المراد برحمته كذا وكذا، متعللين بأن الرحمة فيها شيء من الرقة واللين، والله عزّ وجل لا يوصف بهذا.

ويفسرون الرحمة بإرادة الإنعام والإحسان، أو بالإحسان، أما أن تكون هناك رحمة بها يريد الإحسان فيحسن، وهذا لا يجوز. ولا شك أنهم بذلك التفسير خالفوا ظاهر القرآن وإجماع السلف.

وقد يقول قائل: أين إجماع السلف؟

فنقول: إن القرآن نزل باللغة العربية، وفهموه على مقتضى اللغة العربية، فإذا أثبت الله لنفسه الرحمة أثبتوا له الرحمة لأن هذا هو الأصل.

ونقول لمن قال إنه لا إجماع: ائت بحرف واحد عن السلف أنهم يفسرون الرحمة بغير ظاهر القرآن، وهذه فائدة مهمة تندفع بها شبهة من شَبَّه ولَبَّس وقال: أين إجماع السلف؟

فنقول: كان القرآن بين أيديهم، ولم يفسروه بخلاف ظاهره، والأصل أنهم فهموه على ظاهره بمقتضى اللسان العربي.

ثم نقول لهم: أنتم تفسرونه بالإرادة فراراً من مشابهة المخلوق بزعمكم، والمخلوق له إرادة، قال تعالى: { {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ}} [آل عمران: 152] ، { {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ}} [الأنفال: 67] ، وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات»[(105)]، ولا أحد يشك في أن المخلوق له إرادة.

فإذا قالوا: إرادة المخلوق تليق به وإرادة الخالق تليق به، قلنا لهم: ورحمة الخالق تليق به ورحمة المخلوق تليق به.

وكذلك إذا فسرتم الرحمة بالإنعام الذي هو مخلوق، أو بالنعمة التي هي مخلوقة. قلنا: النعمة لا تكون إلا بإرادة، والإرادة لا تكون إلا برحمة، فمن لم يرحم لم يرد النعمة ولم ينعم، وبهذا تبين بطلان تحريفهم، ونسميه تحريفاً لا تأويلاً على كل تقدير.

وتحريف القرآن والسنة فيما يتعلق بصفات الله، أعظم منه فيما يتعلق بالأحكام التكليفية المتعلقة بأفعال العبيد.

لأن الأول لا مجال للعقل فيه، فالواجب إجراؤه على ظاهره، أما الثاني فهي أحكام تكليفية للعقل فيها مجال بالقياس مثلاً، فيكون التحريف فيها أهون، وتجد هؤلاء المعطلة ينكرون أشد الإنكار على من حرف النصوص فيما يتعلق بفعل المكلف، ولا ينكرون على أنفسهم تحريف النصوص فيما يتعلق بصفات الرب عزّ وجل.

10 ـ جواز التجارة والاتجار؛ لأن الله أقر ذلك في قوله:: { {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} }، وظاهر الآية العموم، وأن الاتجار جائز لذوي الجاه والشرف، وللسوقة من الناس، ولمن دونهم، فلا عيب على الإنسان أن يتجر ويطلب الرزق، ولهذا وجه الله الأمر للمؤمنين بالسعي إلى الجمعة عند ندائها، ثم قال: { {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}} [الجمعة: 10] ، فأمرنا بطلب الرزق بعد الانصراف من الجمعة، وذكرنا أن لا ننسى ذكر الله، فقال: { {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ}} [الجمعة: 10] .

على كل حال: التجارة جائزة ولا عيب على الإنسان فيها، ويذكر في التاريخ أن أبا بكر رضي الله عنه لما ولي على المسلمين خليفة نزل إلى السوق يبيع ويشتري، فقالوا له: كيف تبيع وتشتري وأنت خليفة مسئول؟ قال: لا بد من ذلك، فضربوا له نصيباً معيناً من بيت المال بقدر كفايته رضي الله عنه.

والتجارة المذمومة هي ما صدت عن ذكر الله، ولهذا امتدح الله الرجال الذين { {لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ}} [النور: 37] ، قال بعض أهل العلم: والتجارة التي يقصد بها التكثر من الدنيا هي أيضاً مذمومة؛ لأن الغالب أن من كانت هذه نيته أن تصده التجارة عن ذكر الله، فإذا رأيت من نفسك جشعاً وطمعاً وشحاً في التجارة فأمسك؛ لأنه يخشى أن يكون ذلك على حساب الدين.

* * *

قال الله تعالى: { {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *}} [النساء: 30] .

الإعراب في هذه الآية «مَن» شرطية، وفعل الشرط { {يَفْعَلْ} } وجوابه { {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} } وارتبطت جملة الجواب بالفاء لوجود ما يقتضي ذلك، وهو «سَوْفَ»، والجواب الذي يحتاج إلى ربط بالفاء مجموع في قول الشاعر:

اسمية طلبية وبجامد***وبما وقد وبلن والتنفيس

وسوف تدخل في قوله: «وبالتنفيس».

قوله: { {ذَلِكَ} } المشار إليه ما ذكر في الآية السابقة فقط، خلافاً لبعض العلماء الذين قالوا: إن قوله: { {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} } أي: كل ما نهي عنه من أول السورة، فإن هذا لا وجه له، بل نقول: الإشارة تعود إلى أقرب مذكور؛ أي: من يأكل الأموال بالباطل إلا ما استثني، ومن يقتل النفس عدواناً وظلماً.

{ {عُدْوَاناً} } أي: اعتداءً، بأن يفعله عن قصد.

{ {وَظُلْمًا} } قيل: إنها من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن الظلم عدوان والعدوان ظلم.

وقيل: بل بينهما فرق؛ فالعدوان ما فعل عن قصد، والظلم يعود إلى نفس الفاعل، فهو إذا خالف أو فعل ما ذكر من المناهي فقد اعتدى على غيره فأكل ماله، واعتدى على غيره فقتله، وظلم نفسه، فيكون عدواناً باعتبار الغير، وظلماً باعتبار النفس. والثاني أصح لا شك؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على الترادف؛ لأنك إذا جعلتهما مترادفتين صار ذلك تكراراً، لكن إذا قلت هذه لها معنى وهذه لها معنى فهذا هو الأصل.

وعليه فنقول: { {عُدْوَاناً} } أي: عن عمد وقصد، وهو عدوان على الغير، { {وَظُلْمًا} } أي: للنفس؛ لأن جميع المعاصي ظلم للنفس.

قوله: { {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} } أي: ندخله ناراً يصلاها تحرقه، والفعل «نصلي» نصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فيكون من باب كسى وأعطى.

قوله: { {وَكَانَ ذَلِكَ}} المشار إليه إدخاله النار التي يصلاها. كان { {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *}} أي: سهلاً؛ لأنه لا يمانعه أحدٌ في ملكه، فالتعذيب بالنار قد يصعب على بعض ملوك الدنيا مثلاً، لكنه على الله يسير سهل: { {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *}} [يس: 82] .

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ التحذير من فعل هذه المنهيات؛ وذلك بالوعيد عليها بالنار.

2 ـ أن فعل هذه المنهيات من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بالنار، وكل ذنب توعد عليه بالنار فهو من كبائر الذنوب.

3 ـ بيان عظمة الله وتمام سلطانه وقدرته، لقوله تعالى: { {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} }.

4 ـ تعظيم الله نفسه، لقوله: { {نُصْلِيهِ نَارًا} }؛ لأن الضمير هنا تقديره «نحن»، وهو ضمير العظمة، وليس من المتشابه إلا على من طمس الله قلبه؛ كالنصراني الذي يقول: إن ضمير الجمع يدل على التعدد، وينسى الآيات المحكمات الدالة على أن الله إله واحد؛ لأن الله تعالى طمس على قلبه، ومن طمس الله على قلبه فإنه لا يتبين له الحق.

* * *

قال الله تعالى: { {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا *}} [النساء: 31] .

{ {إِنْ تَجْتَنِبُوا} } هنا عدول عن الغيبة إلى الخطاب، فالغيبة: في قوله: { {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ}} [النساء: 30] وأما { {إِنْ تَجْتَنِبُوا} } فهذا للخطاب.

يخاطب الله سبحانه العباد بقوله: { {إِنْ تَجْتَنِبُوا} } أي: تبتعدوا عن كبائر ما تنهون، وقوله { {كَبَائِرَ}}: جمع كبيرة

قوله: { {مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} } النهي: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء؛ أي: ما ينهاكم الله عنه.

قوله: { {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} }.

{ {نُكَفِّرْ} }: مأخوذ من الكَفْر، وهو الستر، فالتكفير إذاً معناه ستر السيئات، وذلك بالعفو عنها.

وقوله عزّ وجل: { {سَيِّئَاتِكُمْ} } جمع سيئة، والمراد بها هنا الصغيرة، والدليل على أن المراد بها الصغيرة أنها جاءت في مقابلة الكبائر في قوله: { {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} }، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة.

ومن بلاغة القرآن أن يعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى: { {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}} [النساء: 71] ، فمعنى ثبات: فرادى، والدليل أنه قوبل بقوله: {{أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}}، مع أنك لو ذهبت تراجعها في القاموس أو غيره من كتب اللغة لأخذت وقتاً، لكن إذا عرفت أن الله عزّ وجل يذكر الشيء وما يقابله كما في هذه الآية، عرفت أن المراد بالثبات الفرادى.

وقوله تعالى: { {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا} }: المدخل الكريم هو الجنة؛ لأنها دار الكرم، ودار الفضل، ودار الإحسان، ودار السلام، وهنا قال: «مُدْخَلاً» ولم يقل «مَدْخَلاً» لأنه من الرباعي، واسم المكان أو الزمان والمصدر الميمي إذا كان من الرباعي فهو على وزن «مُفْعل» لا على وزن «مَفْعل»، ولهذا تقول: أقام الرجل عندنا مُقاماً، وتقول قام الرجل فينا مَقاماً؛ لأنه من الثلاثي، وعلى هذا كان قوله: { {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً} } بضم الميم لأنه من الرباعي: أدخل يُدخِل أي: ندخلكم في مكان دخول كريم، بناءً على أن «مُدخل» هنا اسم مكان، ويجوز أن تكون مصدراً ميمياً؛ أي: ندخلكم إدخالاً كريماً، ويجوز أن يراد بها هذا وهذا؛ أي: أن الكرم وصف للإدخال ولمكان الدخول.

فإذا قال قائل: ما هي الكبائر؟

قلنا: الكبائر جمع كبيرة، وقد جاءت الأحاديث بعدِّها بثلاث، وأربع، وسبع، وتسع، وتفاوتت الأحاديث في هذا، ففي حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله! قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» ، وكان متكئاً فجلس، وقال: «ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور»[(106)]، وورد عنه أيضاً: «اجتنبوا السبع الموبقات»[(107)] وعدها، وسئل عن الكبائر فقال: «تسع..»[(108)] وعدها.

ومن ثم اختلف العلماء، فمنهم من قال: ما نص أنه من الكبائر فهو كبيرة، وما لا فهو صغيرة.

وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر هل هي سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع[(109)]، وفي رواية أخرى قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، ولكن لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: الكبيرة محدودة لا معدودة، فما كان فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة، وما لا فلا، فالزنا مثلاً كبيرة.. والسرقة كبيرة..والقذف كبيرة، «ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» [(110)]، فهو كبيرة.

قال ابن عبد القوي رحمه الله في منظومته الدالية التي تقع في نحو أربعة عشر ألف بيت في الفقه:

فما فيه حد في الدنا أو توعد***بأخرى فسمِّ بكبرى على نص أحمد

الدنا: أي الدنيا، سم: سمِّه أو أعلمه؛ لأنه يجوز أن تكون من السمة والعلامة؛ أي: صفه بأنه من كبائر الذنوب على نص أحمد.

ثم قال رحمه الله:

وزاد حفيد المجد أو جَاْ وعيدُه***بنفيٍ لإيمانٍ ولعنٍ مؤبد

وحفيد المجد: هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

أو جا وعيده بنفي لإيمان: أي مثل: لا يؤمن من فعل كذا وكذا، ليس منا من فعل كذا وكذا.

ولعن مؤبد: هو ما ذكر فيه اللعن مثل: «لعن الله من لعن والديه»[(111)]، وأشباه ذلك، فزاد ثنتين مع الثنتين الأوليين فتكون أربعاً.

ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام آخر قال فيه: ما رتب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية فهو من كبائر الذنوب، وما كان فيه مجرد التحريم أو مجرد النهي فهو من الصغائر، ووجه ذلك: أن تخصيص الذنب بالعقوبة يدل على عظمه، وإلا لاكتفى بالعقوبات العامة على الذنوب، فكونه ينص على عقوبة خاصة فيه يدل على عظمه.

وهذا الضابط الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله ضابط لا بأس به، لكنه سوف يدخل فيه ذنوب كثيرة، ولكننا لم نجد فارقاً يفرق بين الصغائر والكبائر إلا بمثل ذلك، فإذا رتبت عقوبة خاصة دنيوية أو دينية أو أخروية على ذنب فهو كبيرة.

فالدينية: مثل أن يقال: «والله لا يؤمن.. من لا يأمن جاره بوائقه»[(112)] فهذه دينية بنفي الإيمان.

والدنيوية: كالحد.

والأخروية: كالوعيد: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم»[(113)]، وهذا تعريف للكبيرة بالحد.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن ما نهي عنه ينقسم إلى كبائر وصغائر، لقوله تعالى: { {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} }.

2 ـ تفاضل الناس في الإيمان، وجهه: أن الإيمان يزداد بزيادة العمل كمية أو كيفية أو نوعاً، وهنا قسم الله المعاصي إلى قسمين، وكلما كان الإنسان في معصية أشد كان إيمانه أنقص وأقل، فيؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل السنة، بدليل الكتاب والسنة والواقع.

قال الله تبارك وتعالى: { {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً}} [التوبة: 124] وقال الله تعالى: { {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً}} [المدثر: 31] ، وفي الآيتين دليل على النقص؛ لأنه لا تتصور زيادة إلا بما نقص دون عنها.

وفي السنة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»[(114)] ـ يعني النساء ـ.

وأما الواقع فظاهر، أن الأعمال عند أهل السنة من الإيمان، والأعمال تتفاضل بالزيادة، فمن صلى عشر ركعات لا يساويه من صلى ست ركعات، وهذا ظاهر محسوس.

كذلك أيضاً في القلب: فالإيمان يزيد وينقص في القلب، دليل ذلك أن إبراهيم عليه السلام قال: { {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}} [البقرة: 260] أي: ليزيد ثباتاً وإيماناً.

وأنت بنفسك تحس أن إيمانك بالشيء يزداد في القلب، فإذا جاءك مخبر بخبر وهو عندك ثقة آمنت بخبره، فإذا جاء آخر مثله وأخبرك بنفس الخبر ازداد إيمانك بلا شك، ولو أخبرك بعكسه ضعف إيمانك الأول الذي أخبرك به الثقة، وهذا الشيء مشاهد.

كذلك أيضاً بالنسبة لمراقبة الله عزّ وجل، يجد الإنسان من نفسه أحياناً أن قلبه حاضر بين يدي ربه، وأنه في أحلى ما يكون وألذ ما يكون، وأنه قد ذاق طعم الإيمان، حتى يتمنى أنه لا يكون إلا في هذا السرور، ولا يريد لا دنيا ولا آخرة، فلا يرى أحسن ولا أطيب من الساعة التي هو فيها، سواء كان في صلاة، أو في قراءة قرآن، أو في تدبر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.

وأحياناً تستولي عليه الغفلة، فيصلي بنفس القراءة التي قرأها بالأمس ولكن كأن قلبه حجر ما يلين، والوقت هو الوقت، والمكان هو المكان، والعمل هو العمل.

يصلي الإنسان في آخر الليل مثلاً، ليلة يجد لذة عظيمة في الصلاة، وهو يحس أنه قريب من الله عزّ وجل، وليلة أخرى بالعكس فلا يذوق معنى من المعاني، فالإيمان بالأمس، أشد بكثير من الإيمان اليوم، حتى الصحابة قالوا: يا رسول الله! إذا كنا عندك وسمعنا ـ يعني: ما يقول ـ كأننا نرى رأي العين، ولكن إذا ذهبنا وعافسنا الأهل والأولاد نسينا، فقال: «لو كنتم على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة، ولكن ساعة وساعة»[(115)].

إذاً: فالإيمان يزيد حساً بلا شك، ولكن الطاعة لا شك أنها تزيد في الإيمان، بشرط أن تكون مصحوبة بعمل القلب، أما عمل الجوارح إذا لم يكن مصحوباً بعمل القلب فإنه لا يزيد في الإيمان، وربما ينقص الإيمان والعياذ بالله؛ لأنه يصبح عبثاً، لكن إذا كانت أعمال الجوارح مصحوبة بعمل القلب، من الخوف والرغبة واحتساب الثواب، فإنه بلا شك يزداد قلبه بالطاعة، لهذا يجب النظر في هذه المسألة.

والذين قالوا إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى : المرجئة، قالوا: لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال الصالحة وغير الصالحة لا دخل لها في الإيمان، فالناس عندهم في الإيمان شيء واحد كالمشط، كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية:

والناس في الإيمان شيء واحد***كالمشط عند تماثل الأسنان

فالناس عندهم سواء.

فالإيمان عندهم مجرد التصديق والإقرار، حتى الشيطان عندهم مؤمن؛ لأنه مصدق، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:

واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الـ***خلاق أم أصبحت ذا نكران

وأبو الجن اللعين يعرف الخلاق ويدعوه، يقول: رب أنظرني، ومع ذلك هو أكفر خلق الله.

الطائفة الثانية : الخوارج، وما أدراك ما الخوارج؟ أصحاب الأعمال الظاهرة وخراب القلوب الباطنة، الخوارج تقول: إذا فعل الإنسان كبيرة خرج من الإيمان، وأبيح دمه وماله؛ لأنه كافر مرتد، فعندهم أن الإيمان لا يزيد، فإما أن يوجد كله وإما أن يعدم كله، إن سلم الإنسان من الكبائر والإصرار على الصغائر وقام بالواجبات والمفروضات فمعه الإيمان كله، وإن أتى كبيرة واحدة انهدم الإيمان كله.

الطائفة الثالثة : المعتزلة، أشبهوا الخوارج من جهة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لكنهم لا يقولون بكفر فاعل الكبيرة، فهم يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فإما مؤمن كامل وإلا ليس بمؤمن ولا كافر.

ففاعل الكبيرة عندهم ليس بمؤمنٍ ولا كافر؛ لأنهم نظروا بعين عوراء، فنظروا إلى أن معه أصل الإيمان فقالوا: ذهب عنه الإيمان بالكبيرة، ولكنه بقي معه أصل الإيمان، فلا نقول إنه كافر ولا نقول إنه مؤمن، بل نقول إنه في منزلة بين منزلتين.

والمنزلة ليس لها ذكر في القرآن والسنة، وهم الذين أحدثوها، قالوا: كما لو خرج رجل من مكة متجهاً إلى المدينة ووقف في أثناء الطريق، فليس من أهل مكة ولا المدينة، وهو في منزلة بين منزلتين، لكن اتفقوا مع الخوارج في أنه يكون مخلداً في النار، فأحكامه في الآخرة كأحكامه عند الخوارج.

أما أهل السنة والجماعة ـ نسأل الله أن يثبتنا جميعاً على قولهم إلى الممات ـ فقالوا: الإيمان يزيد وينقص، والكفر درجات، والإنسان قد يكون معه خصال إيمان وخصال كفر، ولا يخرج فاعل الكبيرة من الإيمان، فلا نعطيه الاسم المطلق ولا نسلبه مطلق الاسم، بل نقول: معه إيمان ناقص، أو: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل والميزان، أن يوصف الإنسان بما يقتضيه عمله من إيمان أو كفر.

3 ـ أن الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله: { {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} }؛ أي: فإن لم يجتنب الكبائر أخذ بالصغائر؛ لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفراً.

فالفائدة من قولهم يؤخذ بها أنه إذا اجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر فهو تحت المشيئة والخطر.

4 ـ إثبات عظمة الله عزّ وجل لقوله: { {نُكَفِّرْ} } { {وَنُدْخِلْكُمْ} }؛ لأن النون هنا للتعظيم، وقد قال النصراني الخبيث إن هذا يدل على تعدد الآلهة؛ لأن الضمير هنا للجمع، فنحن أحق بالحق منكم أيها الموحدون. فنقول له: إن هذا من باب التعظيم، وأنت قد طبع الله على قلبك وغفلت عن قول الله تعالى: { {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *}} [البقرة: 163] .

5 ـ سعة فضل الله سبحانه، وذلك بتكفير السيئات باجتناب كبائر الذنوب، وإلا لو جازى الناس بالعدل لعاقبهم على الصغائر وعلى الكبائر كل منها بحسبه، فالكبائر عقوبتها شديدة والصغائر دون ذلك، ولكن من فضله عزّ وجل جعل الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، وهذا من أثر قوله سبحانه كما في الحديث القدسي: «إن رحمتي سبقت غضبي»[(116)].

6 ـ أن من كفر الله عنه السيئات فهو من أهل الجنة لقوله: { {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا} }.

7 ـ بيان أن الجنة هي أعلى ما يكون، بل هي من المداخل الكريمة، والكريم في كل شيء بحسبه، فكرائم الأموال أحاسنها، وكرائم المساكن أحاسنها، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «إياك وكرائم أموالهم»[(117)].

* * *

قال الله تعالى: { {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا *}} [النساء: 32] .

{ {وَلاَ تَتَمَنَّوْا} } لا ناهية، وجزم الفعل بها بحذف النون، وقوله: «ما فَضَّل» مفعول تتمنوا، والتمني: هو الطمع فيما يتعسر نيله أو يتعذر نيله، كقول الشاعر:

ألا ليت الشباب يعود يوماً***فأخبره بما فعل المشيب

فهذا طمع فيما يتعذر نيله، وقول الفقير: يا ليت لي مالاً فأتصدق منه، فهذا طمع فيما يتعسر نيله.

وقد يطلق التمني ويراد به مطلق الرجاء، بأن يطمع الإنسان في أمر يسهل نيله وإن كان لا يحصله، ولكنه يسهل نيله لو شاء الله، فقوله: { {وَلاَ تَتَمَنَّوْا} } أي: لا تطمعوا في أمر فضل الله به بعضكم على بعض.

وقوله: { {فَضَّلَ اللَّهُ} } أي: زاد { {بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} }، سواء كان ذلك في العلم، أو في المال، أو في الولد، أو في الجاه، أو في الملك، أو في غير ذلك، فلا تتمن ما فضل الله به غيرك عليك؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

ثم قال: { {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا} }: وذلك النصيب هو ما يعطيهم الله إياه من الثواب على الأعمال الصالحة.

{ {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} } أي: من الأعمال الصالحة لهن نصيب، فكلٌ بحسب ما قدر الله له، فللرجال الجهاد، وللنساء حفظ البيوت، وهناك فرق بين الجهاد وحفظ البيوت، لكن الذي فضل هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا، أو خص هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا، هو الله.

إذاً: ما دام الأمر إلى الله؛ فالله سبحانه حكم عدل، يعطي كل واحد من الجنسين ما يليق به، وسيأتي أيضاً بيان ما فضل الله به الرجال في قوله: { {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}} [النساء: 34] .

فالمهم: أن ما فضل الله به بعض الناس على بعض، سواء بسبب الذكورة، أو بسبب الغنى، أو العلم، أو الصحة، أو المال، أو غير ذلك؛ فهو من فضل الله، وعليك ألا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك.

ثم قال: { {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} }، وفي قراءة: «سلوا الله»، وكلاهما قراءتان سبعيتان.

{ {مِنْ فَضْلِهِ} } أي: من الذي فضل بعضكم على بعض اسألوه، وإذا سألتم الله من فضله أعطاكم.

فمثلاً: إذا رأيت شخصاً قد فضلك في المال فلا تتمنى هذا المال الذي أعطاه الله هذا الرجل، ولكن اسأل الله من فضله، وإذا وجدت رجلاً فضلك في العلم فلا تتمن هذا العلم الذي أعطاه الله غيرك، ولكن اسأل الله من فضله ودع علمه وماله يبقى له.

قوله: { {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} } هل السؤال هنا سؤال عطاء أم سؤال علم؟ سؤال العطاء؛ أي: طلب منه أن يعطيه مالاً، كما في قوله تعالى: { {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}} [الذاريات: 19] ، وسؤال العلم بمعنى استخبره، فهو: يريد أن يخبره، فهل هذا سؤال مال أو سؤال علم؟

الجواب: هو سؤال عطاء؛ ومنه المال، والمعنى: اسألوا الله أن يعطيكم، وعدلنا عن قولنا سؤال مال لأن الإنسان قد يسأل الله غير المال كالعلم والجاه والذكاء والعقل وما أشبه ذلك.

قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} } هذه الجملة استئنافية، والدليل على أنها استئنافية أن همزة: { {إِنَّ} } كسرت، وهمزة { {إِنَّ} } تكسر في الابتداء، وعلى هذا فهي جملة استئنافية لبيان قطع التمني؛ أي: تمني الإنسان ما فضل الله به غيره عليه، يعني: أن ما فضل الله به الغير فهو صادر عن علم بأن هذا المفضل أهل للتفضيل، فالرجال أهل للجهاد، أهل لحماية الأوطان، أهل لحماية الدين، وما أشبه ذلك، بخلاف النساء فإنهن قاصرات.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ نهي الإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه، لقوله: { {وَلاَ تَتَمَنَّوْا} }، وهل النهي للتحريم؟

الجواب: نعم هو للتحريم؛ لأن هذا النوع من التمني هو الحسد بعينه؛ لأنه قال: { {مَا فَضَّلَ اللَّهُ} } ولم يقل: مثل ما فضل الله، ولو قال: ولا تتمنوا مثل. لكان في المسألة إشكال، وصار أول الآية يناقض آخرها في قوله: { {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} }، لكن المعنى: لا تتمنوا أن يكون ما فضل الله به الغير لكم ويُحرم إياه الغير، وعلى هذا فنقول: النهي هنا للتحريم، وهذا النوع هو الحسد.

ولكن ينبغي أن يعلم أن تمني ما أعطاه الله الغير ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول : أن يتمنى زواله لغير أحد.

والثاني : أن يتمنى زواله لغيره، لغير المتمني.

والثالث : أن يتمنى زواله لنفسه.

والذي في الآية هنا في قوله: { {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ} } هو الثالث بلا شك، وهو أن يتمنى ما أعطى الله غيره من الفضل، ولكن الأول والثاني معلومان من أدلة أخرى أنه يحرم على الإنسان أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره، سواء تمنى أن تزول إلى شخص أو أن تزول مطلقاً، وهذا هو الحسد عند جمهور أهل العلم، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الحسد كراهة ما أعطى الله هذا الرجل من فضله، سواء تمنى زواله أم لم يتمن زواله، فإذا كرهت ما ينعم الله به على غيرك فهذا هو الحسد.

2 ـ حكمة الله سبحانه في العطاء والمنع، حيث يفضل بعضاً على بعض، ولا شك أن هذا صادر عن حكمة وليس مجرد اختيار، خلافاً لمن أنكر حكمة الله، وقال: إن فعله لمجرد الاختيار، بل هو لاختيار صادر عن حكمة.

3 ـ إثبات أن الأحكام تدور مع عللها، لقوله: { {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} }، فنصيب الرجال يليق بهم، ونصيب النساء يليق بهن.

4 ـ جواز أن يتمنى الإنسان مثلما فضل الله به غيره عليه، وجهه قوله: { {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} }، فنحن لا نقول لك: لا تتمن أن يعطيك الله مثلما أعطى فلاناً، بل نقول: لا بأس، ولكن لا تتمن ما أعطاه الله فلاناً، وبينهما فرق.

5 ـ الفرق بين الجنسين: الرجال والنساء، وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب قول بعض النساء لما أنزل الله تعالى: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] فقال بعضهن: يا ليتني كنت ذكراً حتى يكون لي مثل الذكر ولا أنقص عنه.

وسواء صح هذا السبب أم لم يصح، فإن الآية تدل أن بين الجنسين فرقاً، خلافاً لمن يحاول أن يجعل الجنسين على حكم واحد، بل يحاول أن يفضل النساء على الرجال.

6 ـ سعة فضل الله عزّ وجل وكرمه، لقوله: { {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} }، فهو سبحانه لم يأمرنا بالسؤال إلا ليعطينا؛ لأنه لو أمرنا بالسؤال من غير أن يعطينا لكان هذا عبثاً لا فائدة منه، ولكنه عزّ وجل كريم، هو الذي يتعرض لعباده ويقول: اسألوني.

وينبغي في السؤال أن يكون على الأدب المطلوب:

أولاً : أن تسأل الله سبحانه سؤال مفتقر لا سؤال مستغن.

ثانياً : أن تسأل الله سبحانه سؤال من يثق بربه أنه قادر، لا سؤال تجربة، بل سؤال من يثق بوعد الله وأنه قادر على الإعطاء يعطي السائل ما سأله.

ثالثاً : ينبغي أن يختار الإنسان الأزمان والأماكن والأحوال التي تكون سبباً في الإجابة.

مثال الأزمان : آخر الليل، وما بين الأذان والإقامة.

ومثال الأماكن: أن يكون في الأماكن الفاضلة، ومثال الأحوال: حال السجود، وحال السفر، وحال نزول المطر.

فينبغي أن يختار الإنسان ما يكون أقرب إلى الإجابة.

رابعاً : أن يكون مجتنباً للحرام؛ لأن أكل الحرام حائل يمنع من قبول الدعاء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» فقال: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}} [البقرة: 172] وقال تعالى: { {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}} [المؤمنون: 51] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك»[(118)] فقوله: «أنى» هذه استفهام استبعاد؛ أي: بعيد أن يستجاب لهذا الرجل.

خامساً: أن لا يعتدي في الدعاء، قال الله تعالى: { {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *}} [الأعراف: 55] ، فإن اعتدى في الدعاء بأن سأل ما لا يحل له، أو سأل ما يمتنع شرعاً أو قدراً؛ فإنه لا يجاب.

فلو سأل إثماً، بأن قال والعياذ بالله: اللهم يسر له امرأة يزني بها، أو كأس خمرٍ يشربه؛ فهذا لا يستجاب له؛ لأنه عدوان واستهزاء بالله عزّ وجل، فهذا لا يحل شرعاً ولا يمكن قبوله لأنه محرمٌ وممتنع شرعاً.

والممتنع قدراً مثل أن يقول: اللهم اجعلني نبياً؛ لأن هذا ممتنعٌ قدراً بخبر الله، لا لأنه مستحيل لذاته، فهو غير مستحيل، لكن بخبر الله صار مستحيلاً لقوله تعالى: { {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}} [الأحزاب: 40] .

كل هذه آداب ينبغي على الإنسان أن يراعيها في الدعاء.

6 ـ إثبات عموم علم الله، لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} }.

7 ـ الاقتناع بما حكم الله به شرعاً أو قدراً، وذلك لأني إذا علمت أنه صادر عن علم الله اقتنعت، وقلت: لولا أن المصلحة في وجود هذا الشيء ما فعله الله؛ لأن الله سبحانه لا يفعل إلا عن علم، فيزيدني هذا اقتناعاً بما قضاه الله شرعاً أو قدراً.

8 ـ وجوب مراقبة الله؛ لأن العاقل إذا علم أن الله سبحانه يعلمه فسوف يراقب ربه بلسانه وجنانه وأركانه.

بلسانه: بأن لا يقول ما حرم الله. وجنانه: بأن لا يعتقد شيئاً حرمه الله أو يقول شيئاً حرمه الله بالقلب؛ لأن قول القلب هو حركته وعمله، وأركانه جوارحه: لأن الإنسان إذا آمن حقيقة بهذا فسيراقب الله؛ لأن الله يعلمه، قال تعالى: { {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}} [البقرة: 235] .

* * *

قال الله تعالى: { {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا *}} [النساء: 33] .

لما نهى الله سبحانه عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض، ومنه تفضيل الرجال على النساء في الميراث، بيَّن عزّ وجل أنه جعل لكل ذكر وأنثى موالي.

قول الله تعالى: { لِكُلٍّ } جار ومجرور متعلق بـ{ {جَعَلْنَا} }، وهو المفعول الثاني مقدماً، و{ {مَوَالِيَ} } المفعول الأول.

وقوله: { لِكُلٍّ } هذه من الكلمات التي لا تقع إلا مضافةً لفظاً أو تقديراً، أما لفظاً فهو كثير، ومنه قوله تعالى: { {فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ}} [الحجر: 30] ، وأما تقديراً فيقدر له مضاف إليه مناسب للمقام، والمناسب في هذا: ولكل أحد من الذكور والإناث جعلنا موالي؛ أي: صيرنا.

وقوله: { {مَوَالِيَ} } جمع مولى، والمولى يطلق على عدة معان، والذي يعين المعنى السياق وقرائن الأحوال، فالسياق قرائن لفظية، والأحوال قرائن حالية تبين المراد، واللفظة الواحدة إذا تعددت معانيها تسمى عند أهل العلم بالمشترك، وقد انتقد بعض الناس ـ ولا سيما الزنادقة ـ اللغة العربية، وقال: إن اللغة العربية فقيرة بسبب الأسماء المشتركة، وإن العرب عجزوا عن أن يجعلوا لكل معنىً لفظاً مستقلاً.

وهذا القائل جائر في حكمه؛ لأنه إذا زعم أن الاشتراك في اللفظ إعواز في اللغة، وعجز عن إعطاء كل معنىً لفظاً خاصاً به؛ فإنه قد أغفل شيئاً آخر ضده، وهو: الترادف، فإن الترادف فيه إثراء للغة العربية وسعة للغة العربية، حيث تطلق كلمتان فأكثر على معنى واحد، فالإنسان العادل ينظر هذا وهذا.

ثم إن في الأسماء المشتركة دليلاً على فطنة العرب وذكائهم وحذقهم، حيث يفسرون كل لفظ بما يناسبه بالسياق، فالعين مثلاً تأتي في سياق ويراد بها شيء، وفي سياق آخر يراد بها شيءٌ آخر، فهذا دليل على أن العرب عندهم حذق وفطنة قوية، بحيث يتعين المعنى في اللفظة الواحدة ذات المعاني المتعددة بحسب السياق.

وهو أيضاً فتح بابٍ للتأمل والتفكر، فإن الإنسان يقف عند الكلمة التي تطلق على عدة معان لينظر معناها المراد في هذا السياق، فيقتضي أن ينتبه الإنسان ويتأمل وينظر، ولكن بعض الناس يكون مغرضاً أو سطحياً، فيرمي اللغة العربية بما هي بريئة منه.

فقوله: { {مَوَالِيَ} } تطلق على معان:

منها: الناصر: مثل قوله تعالى: { {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ}} [التحريم: 4] أي: هو ناصره.

ويطلق على الذي يتولى على غيره، مثل: { {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}} [الأنفال: 40] .

ويطلق على المعتق لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الولاء لمن أعتق»[(119)].

ويطلق على العتيق، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مولى القوم من أنفسهم»[(120)]، أي: عتيقهم منهم.

ويطلق على متولي الأمور، من ملك أو أمير أو وزير أو ما أشبه ذلك، ويسمى ولي الأمر أيضاً.

ومن معنى المولى: المشائخ. لأنهم يتولون أمور الناس بالعلم.

بقي الإطلاق الأخير الذي هو المراد في هذه الآية، فالمولى هنا هو من يتولى ملك من بعدك، وهو الوارث، ودليله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر»[(121)] ومنه قوله تعالى: { {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}} [الأنفال: 75] .

فقوله: { {جَعَلْنَا مَوَالِيَ} } أي: يلون تركته من بعده، ولهذا قال: { {مِمَّا تَرَكَ} }.

وقوله: { {الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}} { {الْوَالِدَانِ}} مبتدأ، { {وَالأَقْرَبُونَ}} معطوف عليها، وهي بيان للموالي، وهذا أحد التفسيرين في الآية، وعلى هذا فيكون الوقف على قوله: { {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ} }.

القول الثاني: أن { {الْوِلْدَانِ} } فاعل { {تَرَكَ} }؛ أي: جعلنا وارثين من المتروك من الوالدين والأقربين.

والمعنيان متلازمان، لكن أيهما أقرب إلى اللفظ؟

يرى بعض العلماء أن الأقرب الثاني، وأن تكون { {الْوَالِدَانِ} } فاعل { {تَرَكَ} } { {وَالأَقْرَبُونَ}} معطوفة عليها، والمعنى: لكل أحد من الناس جعلنا موالي أي: وارثين من الذي ترك الوالدان والأقربون، فعلى هذا يكون الوالدان موروثين، وعلى الأول يكونان وارثين، والمعنيان متلازمان؛ لأنه ما من وارث إلا وله موروث، فسواء كان المعنى: جعلنا موالي مما ترك أي: يلونه مما ترك، وهم الوالدان والأقربون؛ أي: الوارثون، أو مما ترك الوالدان والأقربون، وهم الموروثون.

وقوله: { {وَالأَقْرَبُونَ}} إنما جاءت باسم التفضيل دون القريبون؛ لأنه يبدأ في الأقارب بالأقرب فالأقرب.

وقوله: { {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}}: هذه متعلقة بشيء محذوف، ولا يستقيم المعنى إذا جعلناها متعلقة بموالي، فالشيء المحذوف مقدر بما يناسب المقام، فـ:{ {تَرَكَ}} يناسبها الإرث، قال الله تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] ، وقال في الآية التي تليها: { {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}} [النساء: 12] ، فلما قال: { {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ}} علمنا أن المقدر: يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، ويؤيد هذا التقدير قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(122)]، إذاً قوله: { {مِمَّا تَرَكَ} } «من» بيانية أو تبعيضية، والمتعلق محذوف، والتقدير: يرثون.

وقوله: { {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ}} وهما الأب والأم، { {وَالأَقْرَبُونَ}} وهم من عدا الوالدين، وإنما فسرنا الأقربين بمن عدا الوالدين مع أن الوالدين أقرب الناس؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فالله تعالى جعل «موالي» يرثون مما ترك الوالدان، وهؤلاء الموالي الذين يرثون مما ترك الوالدان هم الفروع، إذاً: الوارث هو المولود، وهم الفروع، وقد بين الله سبحانه في كتابه كيف يرثون إذا انفرد الذكور أو انفرد الإناث أو اجتمعوا.

فإذا انفرد الإناث فإرثهم بالفرض فقط، وإذا انفرد الذكور فإرثهم بالتعصيب فقط، وإذا اجتمعوا فإرثهم بالتعصيب لكن تختلف جهته، فالذكور عصبةٌ بالنفس والإناث عصبةٌ بالغير، وهم الذكور؛ أي: عصبة بسبب غيرهم.

وقوله: { {وَالأَقْرَبُونَ}} هذه كلمة واسعة، ولم يقل: القرابات، بل قال: { {وَالأَقْرَبُونَ}}؛ لأن الميراث يكون للأقرب فالأقرب، حتى ذوو الفروض يفضل الأقرب على الأبعد، فالبنت مع بنت الابن لها النصف، ولبنت الابن السدس، والبنتان يسقطان بنات الابن، والأخت الشقيقة مع الأخت لأب لها النصف، والأختان الشقيقتان تسقطان الأخوات لأب، وهلم جرّا.

ولهذا قال: { {وَالأَقْرَبُونَ}} أي: الأقرب فالأقرب.

وقوله: { {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} } فيها قراءتان سبعيتان «عقدت» و«عاقدت»، من المعاقدة وهي المعاهدة، وسميت المعاهدة عقداً لأنها إبرام لميثاق بين المتعاهدين، وكانوا في الجاهلية يتعاقدون على الولاء والإرث على حسب شروط بينهم، إما أن يقول: لك أنت سدس ما ورائي، أو ثلث أو ربع.. حسب ما يتفقون عليه.

قوله: { {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} } أي: أعطوهم، وفي اللغة العربية «أتى، وآتى»، فالتي بالمد بمعنى الإعطاء، والتي بالقصر بمعنى المجيء، والتي بمعنى الإعطاء تنصب مفعولين كلاهما فضلة ليس عمدة؛ أي: ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فقوله: { {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} } هذه نصبت مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر وهما مفعولان.

ونصيبهم مقدر بحسب ما يتفق المتعاقدان عليه؛ لأن هذا من الوفاء بالعهد، والوفاء بالعهد مما جاءت به الشريعة، حتى أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم حذر من إخلاف الوعد، وبين أنه من خصال المنافقين.

وقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}} الجملة خبرية مؤكدة بـ{ {إِنَّ} }.

و{ {كَانَ}} فعل ماض تفيد اتصاف اسمها بخبرها على وجه الدوام والاستمرار، فهي مسلوبة الزمان؛ أي: ليست دالة على زمن مضى كما هو شأن الفعل الماضي، بل هي دالة على ثبوت الاتصاف بهذا الوصف أزلاً وأبداً.

وقوله: { {شَهِيدًا}} أي: رقيباً مطلعاً على كل شيء، وهذه الجملة استئنافية تفيد تهديد من أخفى شيئاً مما يستحقه الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانهم؛ لأنه إذا أخفاه فلن يغيب عن الله سبحانه، بل هو على كل شيء شهيد.

وهذه الآية نسخت بآيات المواريث، وهل هو نسخ مقيد أو نسخ مطلق؟ على قولين للعلماء:

فمنهم من قال: إنها نسخ مقيد بما إذا وجد ذوو الأرحام، فإن لم يوجد توارث المتعاقدان بما اتفقا عليه.

ومنهم من قال: إنه نسخ مطلق، فلا إرث بالموالاة مطلقاً.

والثاني هو الذي عليه جمهور العلماء، والأول عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ إثبات الجعل لله عزّ وجل، وهذا من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته.

ثم إن الجعل الذي نسبه الله لنفسه عزّ وجل ينقسم إلى قسمين: جعل شرعي، وجعل كوني، فقوله تعالى { {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا}} [الإسراء: 6] هذا الجعل كوني، وكذلك قوله: { {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا *وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا *}} [النبأ: 10 ـ 11] وما أشبهها، كلها جعل كوني.

وقوله تعالى هنا: { {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} } هذا جعل شرعي، وكذلك قوله تعالى: { {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ}} [المائدة: 103] ، هذا جعل شرعي، ولا يصح أن يكون جعلاً كونياً؛ لأنها موجودة في الواقع منفية في الآية، إذاً: ما جعلها شرعاً ولكن جعلها قدراً.

والفرق بين الجعل الشرعي والجعل القدري كالفرق بين الإرادة الكونية والارادة الشرعية، فالجعل الشرعي محبوب إلى الله، وقد يقع من العباد وقد لا يقع، والجعل الكوني لا يتعلق بما يحبه الله فقط، بل يكون فيما يحبه وفيما لا يحبه، وهو واقع ولا بد.

2 ـ أن إثبات الإرث يكون بالنسب والسبب، بالنسب لقوله: { {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}}، وبالسبب لقوله: { {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} }، فإن هذا سببه فعل الإنسان؛ كالزوجية فإنها سبب وليست بنسب، والإرث بالعتق سبب وليس بنسب.

3 ـ الإشارة إلى أن الأقرب مقدم على الأبعد في باب الميراث من قوله: { {وَالأَقْرَبُونَ}}.

4 ـ كمال الشريعة الإسلامية بإيجاب الوفاء بالعهود والعقود، لقوله تعالى: { {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} }.

5 ـ وقوع النسخ في الشريعة؛ لأن هذه الآية منسوخة، إما نسخاً مطلقاً وإما نسخاً مقيداً.

وقد اختلف علماء الملة في النسخ، فأكثر الأمة على أن النسخ ثابت في الشريعة، لقوله تعالى { {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}} [البقرة: 106] ، ولقوله تعالى: { {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا}} [البقرة: 187] إلى آخرها، وقد كان قبل ذلك حراماً، ولقوله تعالى: { {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا}} [الأنفال: 66] وهذا صريح في النسخ، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»[(123)].

وقال بعض العلماء ومنهم أبو مسلم الأصفهاني: لا نسخ في الشريعة، وحمل النسخ على التخصيص، وقال: إن مقتضى الحكم الأول استمراره إلى يوم القيامة، فإذا ألغي فهذا تخصيص في الزمن؛ أي: أنه بعد أن كان شاملاً للزمن كله صار خاصاً بالزمن الذي قبل النسخ.

ولكن هذا تكلف، وما الذي يجعلنا نفر من كلمة نسخ وهي موجودة بلفظها، وموجودة بمعناها في القرآن، وموجودة بمعناها في السنة أيضاً؟!

وأنكر اليهود النسخ وقالوا: لا يمكن أن ينسخ الله حكماً بحكم؛ لأنه إن كانت المصلحة في الحكم الثاني فلماذا كان الحكم الأول، وإن كانت المصلحة في الحكم الأول فلماذا كان الحكم الثاني، وإن كان في الأول قد خفيت الحكمة على الله، فهذا يستلزم وصف الله بالجهل، وإذا لم تخف فهذا يستلزم وصف الله بالسفه والعياذ بالله؛ لأنه فعل خلاف الحكمة.

فيقال لهم: المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان والأمة، وإذا كان كذلك فالله عزّ وجل يثبت هذا الحكم ما دام فيه مصلحة للأمة، وينسخه إذا كان ليس بمصلحة، وهذا غاية الحكمة، وأنتم يا بني إسرائيل كان حلاً لكم اللحم، وبظلمكم حرم الله عليكم طيبات أحلت لكم، بعد أن كانت حلالاً، ثم إن شريعتكم ناسخة للشريعة التي قبلها، وإذا قلتم: لا نسخ، أبطلتم شريعتكم؛ لأنها تنسخ ما قبلها.

إذاً: في الآية الكريمة { {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} } إثبات النسخ.

6 ـ وجوب الوفاء بالعهد، لقوله: { {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} }.

فإذا قال قائل: كيف نؤتيهم نصيبهم وهذه المعاقدة باطلة؟ قلنا: لم تبطل إلا بعد النسخ؛ أي: بعد نزول الآية، أما ما ثبت قبل ذلك فالواجب أن يؤتوا نصيبهم.

7 ـ إثبات شهادة الله عزّ وجل على كل شيء، وأن كل شيء مهما بطن فإنه مشهود لله، ويترتب على ذلك: التحذير من مخالفة الله سبحانه؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله شاهد عليه أمسك عن كل ما يغضب الله وقام بما يجب لله.

وهذه الأسماء التي تختم بها الآيات ينبغي للإنسان ألا يكون جامداً فيفهم منها المعنى فقط، بل ينبغي أن يتربى عليها، ويكون مسلكه على حسب ما تقتضيه هذه الأسماء، فمثلاً: إذا علمت أن الله علام الغيوب، ليس معناه أن تدرك بأن الله يعلم بكل شيء فقط، فهذا الإدراك يستوي فيه الكافر والمسلم، حتى الكفار الذين يعرفون اللغة العربية يعرفون مثل هذا اللفظ، لكن المهم هو التربي بمقتضى هذا الوصف وهو علم الغيب، وهذه مسألة مهمة لا يفطن لها كثير من الناس.

8 ـ إن الإنسان إذا آمن بأن الله على كل شيءٍ شهيد، فإنه يحذر ويخاف ويتقي الله عزّ وجل، و«الشهيد» من أسماء الله.

* * *

قال الله تعالى: { {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا *}} [النساء: 34] .

قوله: { {} } جمع رجل، وهو جمع تكسير، والرجل هو البالغ من ذكور بني آدم، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ، ولهذا جاء في الحديث: «فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(124)]، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصباً، لكن جاءت كلمة «ذكر» ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.

وذكر الرجل زيادة لها معنى، وهو الإشارة إلى أنه ـ أي: الذكر ـ كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسئوليات لا تترتب على المرأة.

قوله: { {قَوَّامُونَ} }: جمع قوَّام، وقوام صيغة مبالغة من قائم، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة { {قَوَّامُونَ} }؛ لأن قوله: { {قَوَّامُونَ} } صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال، فالمراد بقوله: { {قَوَّامُونَ} } إما صيغة مبالغة أو نسبة، والمراد بالقيام هنا ليس هو القيام الذي هو الوقوف على الرجلين، ولكنه قيام الولاية، فمعنى { {قَوَّامُونَ} } أي: بالولاية والسلطة، فيحتمل أن تكون نسبة ويحتمل أن تكون مبالغة، ويحتمل المعنيين معاً، فالرجال قوامون على النساء، ولذلك تكون لهم الولاية والقضاء والإمارة وغير ذلك مما فيه سلطة دون النساء.

وقوله: { {عَلَى النِّسَاءِ} }، { {النِّسَاءِ} }: جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع امرأة، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحياناً يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فإبل جمع لا واحد له من لفظه، فهي جمع بعير.

قوله: { {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} } الباء هنا للسببية، و«ما» يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلت موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذٍ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول، فيكون العائد محذوفاً تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض.

وحذف العائد مشهور في اللغة إذا اتفق الحرفان لفظاً ومعنى، ومنه قوله تعالى: { {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ}} [المؤمنون: 33] أي: منه، وإن كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد، ويكون تقدير الكلام بتفضيل الله بعضهم على بعض.

وقوله: { {فَضَّلَ} }: زاد، والفضل هو الزيادة؛ أي: زاد بعضهم على بعض، والمزيد هو الرجال، والمزيد عليه هن النساء، إذاً قوله: { {بَعْضَهُمْ} } تعود على الرجال، وقوله: { {عَلَى بَعْضٍ} } تعود على النساء، والذي فضل الله به الرجال على النساء: القوة الظاهرة والباطنة، فالقوة الظاهرة قوة البدن، ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم أقوى من الأنثى، وأكبر عضلات وأشد.

والقوى الباطنة : التحمل والصبر والذكاء والعقل والشجاعة وما إلى ذلك، المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة، وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلاً: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا لا يعني أن كل واحد من التابعين أفضل من كل واحد من تابعي التابعين، إذ يوجد في أتباع التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين.

فقوله: { {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} } أي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد.

قوله: { {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} } هذه عطف على قوله: { {بِمَا فَضَّلَ} } أي: وبالذي { {أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} }؛ لأن المنفق على النساء هم الرجال؛ لأنهم هم الذين يكتسبون؛ فالزوج ينفق على زوجته ولو كانت غنية، والأب ينفق على أهله، فمن أجل ذلك صار لهم القِوامة لتفضلهم خلقة، وخلقاً، وعقلاً، وفكراً، ولفضلهم على النساء بالإنفاق.

فهم قوامون بتفضيل الله إياهم وبفضلهم هم على النساء، وبما أنفقوا من أموالهم.

وقوله: { {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} } أي: من أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي بالقوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال؛ صار الرجل أفضل من المرأة.

ثم قسم الله عزّ وجل النساء إلى قسمين: فقال: { {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} }:

{ {فَالصَّالِحَاتُ} }: مبتدأ، وقوله: { {قَانِتَاتٌ} }: خبره، وقوله: { {حَافِظَاتٌ} }: خبر ثان.

ومعنى: { {فَالصَّالِحَاتُ} } أي: الموصوفات بالصلاح، وهنا يمكن أن نقول: إن { {فَالصَّالِحَاتُ} } صفة لموصوف محذوف، والتقدير: فالنساء الصالحات، والصالحة ضد الفاسدة، وهي التي قامت بحق الله وحق زوجها.

وقوله: { {قَانِتَاتٌ} } أي: مديمات للصلاح؛ لأن القنوت يراد به الدوام، وهو المراد هنا، ويحتمل أن المراد بالقانتات هنا المطيعات لله، ويكون من باب التوكيد، وبطاعتهن لله يكن طائعات لأزواجهن.

وقوله: { {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} } يعني يحفظن ما غاب عن الناس، وهو السر الذي يكون في بيت الزوج، ويكون بينها وبين زوجها أيضاً، فتجد المرأة الصالحة لا يمكن أن يطلع على ما في بيتها أحد، بل إذا سئلت عما في بيتها قالت: نحن بخير.

وانظر إلى إحدى امرأتي إسماعيل عليه السلام، لما سألها إبراهيم عليه السلام عن حالهم شكت وتضجرت، فقال لها: قولي له يغير عتبة بابه، والثانية أثنت خيراً، فقال: إذا جاء الزوج فقولي له يمسك عتبة بابه[(125)].

فمن النساء من تكون شاكية فاضحة، تحدث الناس بكل ما يكون في بيتها، بل بعضهن والعياذ بالله يتجرأن أكثر من ذلك، فتحدث بما يكون بينها وبين زوجها حتى في أمور السر التي لا يطلع عليها إلا الزوج، وهذه ليست من الصالحات، وقد فقدت من الصلاح بمقدار ما فقدت من الحفظ.

قوله: { {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} } أي: بحفظ الله عزّ وجل، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه وعدم إفشائه، فهن { {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} } أي: لا يظهرن بحفظ الله لهن ومنته عليهن بالحفظ، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه، والمعنيان متلازمان.

القسم الثاني: على خلاف ذلك، قال الله فيهن: { {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} }:

{ {وَاللاَّتِي} } يعني: والنساء { {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} }، وذلك بظهور أماراته، والنشوز هو الارتفاع، ومنه الأرض النشز؛ أي: المرتفعة.

والمراد بالنشوز ترفع المرأة عن زوجها، بحيث لا تبذل ما يجب عليها من حقوقه، أو تبذله لكن متبرمة متكرهة متمللة لا يأنس بها ولا يركن إليها، فإذا نشزت المرأة سقطت الحقوق التي لها من نفقة وغيرها؛ لأن النفقة معاوضة، إذا لم يوجد عوضها سقطت، فالنشوز داء، وذكر الله له دواء على ثلاث مراحل:

الأولى : { {فَعِظُوهُنَّ} }.

والثانية : { {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} }.

الثالثة : { {وَاضْرِبُوهُنَّ} }.

الرابعة : لم يذكرها الله لأنها مكروهة عنده، وهي الطلاق.

وهذه الأخيرة ـ مع الأسف ـ هي أول مرحلة عند كثير من الناس، فكثير من الناس إذا خالفته زوجته بأدنى شيء طلقها، لكن المراحل الثلاث التي ذكرها الله هي المراحل الشرعية.

أولاً : الموعظة، فيعظها بأن يذكرها بما يلين به قلبها، بأن يذكرها بحق الزوج، وما لها من ثواب إذا قامت به، وما عليها من عقاب إذا خالفت، ويقول لها مثلاً: أنتِ إذا كنت مطيعة قائمة بما يجب عليك، فإني سوف أقابلكِ بالمثل أو بأحسن، فيعدها خير الدنيا وخير الآخرة، ويخوفها من الله عزّ وجل إذا نشزت، فإن امتثلت، فهذا المطلوب.

وإلا؛ قال الله: { {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} }.

والهجر هو الترك، ومنه الهجرة، وهي ترك الإنسان وطن الكفر إلى وطن الإسلام، والمعنى: اتركوهن في المضاجع أي: لا تضاجعوهن، فيكون في فراش وهي في فراش، أو هو في حجرة وهي في حجرة، فإن استقامت فهذا هو المطلوب، وإلا فننتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي قوله:

{ {وَاضْرِبُوهُنَّ} } وهذا من فائدة القوامة على النساء، ولكن يكون المقصود من الضرب هو التأديب، فيضربها ضرباً يحصل به تأديبها ولا يحصل به جرحها، فتضرب ضرباً غير مبرح، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في خطبة حجة الوداع: «ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح»[(126)].

ويجب أن يتقي في ضربها ما أمر باتقائه كالوجه مثلاً؛ فإنها لا تضرب فيه، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد.

قوله: { {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} } أي: قمن بما يجب عليهن من الطاعة، { {فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} } بمعنى: لا تطلبوا عليهن سبيلاً؛ أي: اتركوا الماضي، فإن قوله: { {فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} } ليس للمستقبل فقط، بل حتى الماضي اتركوه وتناسوه، ولا تأتوا له ببحث أو إثارة؛ لأن تذكير الماضي يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية، { {فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} } وكأن شيئاً لم يكن.

قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} } الجملة هنا استئنافية للتحذير من التعالي والكبرياء على النساء؛ لأن الرجل إذا شعر بأنه قائم على المرأة وذو سلطة عليها، إلى حد أن الشرع مكنه من ضربها في المرحلة الثالثة، ربما يتعالى عليها ويتكبر، فقال عزّ وجل: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} } أي: فاعلموا أن علوكم على النساء يوجد فوقه ما هو أعلى منه، وهو علو الله عزّ وجل؛ وكبرياء الله عزّ وجل، فلا تتعالوا عليهن ولا تتكبروا عليهن؛ لأن فوقكم من هو أعلى وأكبر، وهو الله عزّ وجل.

* * *

قال الله تعالى: { {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا *}} [النساء: 35] .

وهذه هي المرحلة الرابعة بعد المراحل الثلاث، وهي أننا إن خفنا الشقاق، ولم تثمر المراحل الثلاث؛ فحينئذ يوجه الخطاب للأمة: { {فَابْعَثُوا حَكَمًا} }، ولم يقل: فليبعثا حكماً، فهنا انعزل الزوجان، وصار المجال مجال الحاكم الشرعي الذي يمثل الأمة، وعلى هذا فيكون قوله: { {فَابْعَثُوا} } خطاباً للأمة، لكن ليس المعنى كل واحد في السوق وفي المسجد، بل يبعث من ينوب عن الأمة، وهو الحاكم الشرعي، فيكون الخطاب هنا للأمة مراداً بها من يمثلها وهو الحاكم الشرعي.

وقوله: { {فَابْعَثُوا} } أي: أرسلوا، والبعث بمعنى الإرسال.

{ {حَكَمًا} }: الحَكَم ذو الحكم النافذ؛ أي: المحكم، فهو أخص من الحاكم، لأنه ذو الحكم النافذ فهو المحكم.

وقوله: { {مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} }: والحكم لا بد أن يكون ذا علم وأن يكون ذا بصيرة بالواقع، ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً، عالماً بالحكم الشرعي، وعالماً بواقع الزوجين، وما هي المشاكل، وما الذي أثار هذه المشاكل.

أما أن يأتي إنسان عامي أو غشيم ثم يريد أن يكون حكماً بين الزوجين، فهذا لا يصلح.

فإذا اجتمع الحكمان فهنا تأتي النية ويكون لها تدخل، فإما أن يريد الحكم من أهل الزوج أن ينتصر الزوج، والحكم من أهل الزوجة أن تنتصر الزوجة، وفي هذه الحال لا يوفق الرجلان؛ لأن النية هنا غير سليمة، وإما أن يريد الحكم من أهل الزوج، والحكم من أهل المرأة الإصلاح بينهما، فحينئذ يقول الله عزّ وجل، وهو الصادق في قيله: { {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} }.

والضمير في قوله: { {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا} } يعود إلى الحكمين؛ لأنهما اللذان يحكمان، ونية الإصلاح تكون منهما لا من الزوجين؛ لأن الزوجين بينهما شقاق، وكل واحد منهما يريد أن ينتصر لنفسه، فالغالب أنهما لا يريدان الإصلاح، لكن الذي يريد الإصلاح هما الحكمان.

وقوله: { {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} } الضمير في { {بَيْنَهُمَا} } هل يعود على الزوجين اللذين خفنا الشقاق بينهما، أو يعود على الحكمين اللذين يدلي كل واحد منهما بما يرى أنه حجة؟ فيه احتمالان:

الاحتمال الأول : أن يعود إلى الزوجين؛ لأن القضية في شأنهما، والحكمان إنما ينظران في شأن الزوجين، فيكون الضمير عائداً إلى الزوجين.

الاحتمال الثاني : أن يكون الضمير عائداً إلى الحكمين؛ لأن الحكمين سيأتي كل واحد منهما بما يقابل الآخر، فيكون المراد بأن يوفق الله بينهما: أن تلتقي أقوالهما ولا يحصل بينهما نزاع، فلا ينتصر الحكم من أهل الزوج للزوج، ولا الحكم من أهل الزوجة للزوجة.

ونقول بأنه عام لهذا وهذا فعندما يوفق الله بين الحكمين، فإن الله تعالى أيضاً بمنه وكرمه يوفق بين الزوجين.

قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} } أي: عالم خبير، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، والعلم بالظواهر والبواطن هو العلم، وعلى هذا فيكون ذكر الخبير بعد العليم من باب ذكر الخاص بعد العام، والجملة استئنافية لبيان لطف الله عزّ وجل فيما يجري من الحكمين؛ لأنه عزّ وجل عالم خبير بما يحدث بينهما من الحكم بين الزوجين.

من فوائد الآيتين الكريمتين:

1 ـ فضل الرجال على النساء، ووجهه: أن الله جعل الرجال قوامين على النساء.

2 ـ بيان أن أحكام الله عزّ وجل الكونية والشرعية معللة بعلل، فيلزم من كون أفعال أو أحكام الله الشرعية معللة بعلل: إثبات الحكمة وأن الله تعالى حكيم.

3 ـ التفضيل بين البشر { {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} }.

فإن قال قائل: هل للمفضل عليه أن يحتج على الله فيقول: يا رب! لم فضلت هذا علي؟ فالجواب: ليس له ذلك.

فإن قيل: لماذا؟

فالجواب: أن يقال: للمفضل عليه: هل منعك الله حقك؟ إن كان الأمر كذلك فلك الحجة، وإلا ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما ضرب النبي صلّى الله عليه وسلّم مثلاً لليهود والنصارى وهذه الأمة، برجل استأجر أجراء من الصباح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فأعطى كل واحد قيراطاً، ومن العصر إلى المغرب وأعطاهم على قيراطين قيراطين، فقال الأولون: لماذا نعطى قيراطاً ونحن أكثر عملاً، فقال: هل نقصتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء[(127)].

إذاً: لا حجة للمفضل عليه على الله عزّ وجل بالتفضيل، ولكن ماذا يصنع المفضل عليه؟

أشار الله إليه في آية سبقت فقال: { {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}} [النساء: 32] .

4 ـ أن للمنفق على المنفَق عليه فضلاً، وتؤخذ من قوله: { {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}}.

5 ـ كراهة سؤال الناس، لقوله: { {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} }، فكون المنفق له فضل على المنفق عليه، فيكون سؤالك إياه ذلاً؛ لأنك إذا سألته فقد أثبت له فضلاً عليك، ولهذا بايع النبي صلّى الله عليه وسلّم أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً مطلقاً، حتى كان سوط أحدهم يسقط من على ظهر بعيره فينزل فيأخذه ويركب، ولا يقول للناس: أعطوني إياه[(128)]؛ لأن سؤالك للناس ذل.

6 ـ أنه لا ولاية للنساء على الرجال، لا في قضاء، ولا إمارة، ولا أي شيء لقوله: { {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} }، فمن جعل للمرأة الولاية فقد خالف سنة الله.

فإن قال قائل: أليست الأم تكون ولية على أولادها وعلى أموالهم؟ قلنا: هذه ولاية خاصة، وولاية طارئة، بخلاف الولاية العامة، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»[(129)].

فإن قال قائل: نجد بعض النساء تكون رئيسة للوزراء، أو رئيسة الجمهورية، أو تكون ملكة؟

قلنا: ولكن انظر إلى حال المولى عليهم، لو لم تقم عليهم هذه المرأة لكانوا أصلح حالاً بلا شك، ولكانوا أفلح وأنجح، ولكن تأخروا بمقدار ما تولت عليهم هذه المرأة، وانظر مثلاً إلى بريطانيا، فقد كانت أكبر دول المستعمرين استعماراً، حتى قيل: إنها لا تغيب الشمس عن مستعمراتها، والآن تقلصت حتى صارت في المرتبة الثالثة، كل ذلك لأنها تستولي عليها النساء.

7 ـ كراهة سؤال المال؛ لأن الله تعالى جعل للمعطي فضلاً على المعطى، ويشهد لهذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اليد العليا خير من اليد السفلى»[(130)]، واليد العليا يد المعطي واليد السفلى يد الآخذ.

8 ـ أن هؤلاء لا ينفقون إلا مما تيقنوا أنه مالهم، وأنهم لا يعتدون على أموال أحد، لقوله: { {مِنْ أَمْوَالِهِمْ}}، والمال كما هو معروف كل ما يتمول من أعيان ومنافع وغيرها، فيؤخذ منه

9 ـ أن النساء ينقسمن إلى قسمين: صالحة مطيعة لزوجها وناشزة.

10 ـ الثناء على حفظ الغيب أي: على ما كان سراً بينك وبين أخيك، تؤخذ من قوله: { {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} }.

11 ـ أن للزوج السلطة على زوجته، وتؤخذ من قوله: { {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} }.

12 ـ التدرج في التأديب: فعظوهن.. واهجروهن.. واضربوهن.

13 ـ الإشارة إلى أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، حيث إنه ربما لا يفيد الوعظ، فينتقل إلى الهجر في المضاجع، أو الضرب؛ لأنه قد يكون أكثر نتيجة.

14 ـ أنه إذا أمكن التأديب بالخطاب الديني الشرعي، فإنه لا يرجع إلى التأديب بالفعل المحسوس؛ لأنه بدأ بالموعظة التي هي تليين القلب بالشرع، فإذا لم يمكن فبالعقوبة.

15 ـ الإشارة إلى أن فراش الزوج والزوجة واحد { {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} }، فدل ذلك على أن هجر الإنسان لفراش زوجته، لا يكون إلا عند النشوز.

16 ـ تحريم نشوز المرأة على زوجها، حيث قوبل هذا النشوز بالموعظة ثم الهجر ثم الضرب.

17 ـ الإشارة إلى أنه لا يجوز الهجر بالكلام، وإنما يجوز في خلال ثلاثة أيام فقط، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»[(131)].

18 ـ بطلان قول بعض علماء التربية المعاصرين الذين يقولون: إنه لا تحصل التربية بالضرب، تؤخذ من قوله: { {وَاضْرِبُوهُنَّ} }، وفي السنة شاهد على ذلك أيضاً، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «واضربوهم عليها لعشر»[(132)] وبهذا يبطل قول علماء التربية الذين قالوا: إن الضرب لا يفيد وإنما يقسي القلب.

19 ـ المكافأة بالمثل عند الطاعة، فلا يجوز للإنسان أن يبغي عليها سبيلاً.

20 ـ التغاضي عما مضى؛ أي: أن قوله: { {فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} } يشمل الماضي والمستقبل.

21 ـ الإشارة إلى أن الذي له العلو المطلق هو الله، فلا تتعال على غيرك، تؤخذ من قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} }، ورأى النبي صلّى الله عليه وسلّم رجلاً يضرب غلامه فقال له عليه الصلاة والسلام: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد»، فالتفت فإذا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعتق العبد[(133)]، ففي هذا الإشارة لكل إنسان يتعالى بنفسه أن يتذكر علو الله عزّ وجل.

22 ـ إثبات هذين الاسمين لله عزّ وجل وهما: العلي الكبير.

وعلو الله حسي ومعنوي، فيشمل علو الذات وعلو الصفات وعلو القدر والقهر، ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، أنهم يثبتون لله المعنيين: علو الذات، وعلو الصفات، وخالفهم طائفتان متطرفتان: طائفة أثبتت أن الله في كل مكان، وطائفة نفت أن يكون الله في مكان.

طائفة قالت: نقول: إن الله لا فوق العالم، ولا تحته، ولا داخله، ولا خارجه، ولا هو متصل، ولا منفصل، ولا مباين، ولا نصفه بأي شيء من هذا، وهؤلاء في الحقيقة كما قال محمود بن سبكتكين لابن فورك: بيِّن لي الفرق بين إلهك وبين العدم؟

والذين قالوا إن الله بذاته في كل مكان أيضاً لم يقدروا الله حق قدره؛ لأنهم جعلوه في أماكن القذر، وأماكن الشرف، وأماكن اللغو، وفي كل مكان.

ونحن نؤمن بأن الله عالٍ بذاته فوق جميع الخلق، وأن كل الخلق بالنسبة إليه ليس إلا كحبة خردل في كف أحدنا، وليست بشيء بالنسبة لله عزّ وجل.

23 ـ أن لله الكبرياء الذي هو الكبر المعنوي، كما قال تعالى: { {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}} [الجاثية: 37] ، وقال سبحانه: { {الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ}} [الحشر: 23] ، وكذلك أن كل شيء بالنسبة إلى ذاته ليس بشيء، وهذا المراد بالكبير في قوله: { {عَلِيًّا كَبِيرًا} }.

24 ـ وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع، من قوله: { {فَابْعَثُوا} } والخطاب هنا لولاة الأمور.

25 ـ أن المبعوثين حكمان وليسا وكيلين، كما قاله بعض العلماء، تؤخذ من قوله: { {فَابْعَثُوا حَكَمًا} } والحكم مستقل.

26 ـ أنه لا بد أن يكون عند الحكمين علم بالشرع؛ لأن الحكم لا يمكن أن يحكم إلا بعد العلم، ولا بد أن يكون لديهما أمانة وثقة دينية؛ لأن غير الثقة لا يؤمن، وقد قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}} [الحجرات: 6] والحاكم مخبر وملزم وفاصل، فهو مخبر عن حكم الله ملزم بما يحكم به فاصل بين الخصمين، فلا بد أن يكون عدلاً في دينه.

27 ـ الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالماً بأحوال من يحكم فيهم، لقوله: { {مِنْ أَهْلِهِ} }.. { {مِنْ أَهْلِهَا} }؛ لأن الذي من أهله وأهلها أقرب إلى العلم بحالهم من الرجل الأجنبي، وعلى هذا فلا ينبغي أن يُولَّى قاض على قوم لا يعرف طبائعهم، ولا يعرف لسانهم، ولا يعرف أحوالهم، فإن هذا يحصل به شيء كثير من الغلط.

28 ـ جواز حكم القريب لقريبه أو عليه، أما حكمه عليه فلا إشكال فيه لانتفاء التهمة، وأما حكمه له فقد يكون فيه تهمة، فما هو الشيء الذي يمكن أن تكون فيه التهمة التي تمنع من نفوذ الحكم؟

قال بعض العلماء: إن الإنسان لا يحكم لأصله، ولا لفرعه، ولا لزوجه؛ لأنه متهم بقوة الصلة، ففرعه بعض منه لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنما فاطمة بضعة مني»[(134)] وأصله هو بعض منه، وعلى هذا فلا يحكم لأصله ولا لفرعه.

والقول الصحيح أنه يحكم لأصله وفرعه إذا قويت الثقة، ونتأكد هنا في الثقة أكثر مما نتأكد من الأجنبي أو من القريب البعيد.

29 ـ الإشارة إلى حسن النية في الحكم، لقوله تعالى: { {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} } وأنه يجب على الإنسان المحكَّم أن يكون رائده الإصلاح لا غير، لا إرضاء فلان ولا فلان.

30 ـ أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل، لقوله تعالى: { {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} }، وعلى هذا سنأخذ فائدتين متعاكستين:

31 ـ تحريم سوء النية في الحكم، وأن سوء النية يفضي إلى فساد الأمر؛ لأن ما حصل بشيء فات بفواته.

32 ـ أن الأمور بيد الله عزّ وجل حتى الأمور الجزئية، لقوله: { {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} }، فيكون في هذا رد على المعتزلة الذين يرون أن العباد يخلقون أفعالهم ولا علاقة لله بها، وهم قدرية، فالمعتزلة قدرية.

33 ـ أن الجزاء من جنس العمل، وجهه: أنه لما أرادا الإصلاح أثابهم الله عزّ وجل، بالتوفيق لقوله: { {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} }.

34 ـ إثبات صفتي العلم والخبرة، من قوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} }، والخبرة أخص من العلم؛ لأنها علم ببواطن الأمور، ولا يستفاد من قوله: { {كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} } أنه الآن ليس كذلك، بل كان ولا زال، والمراد بها تحقيق الصفة، فهي مسلوبة الزمان.

35 ـ أن للحكمين التفريق والتوفيق بين الزوجين اللذينِ خيف الشقاق بينهما، سواء بعوض أو بدون عوض.

36 ـ أن حكمهما ملزم؛ لأن الله سماهما حكمين، والحكم قوله لازم وحكمه فصل.

* * *

قال الله تعالى: { {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا *}} [النساء: 36] .

{ {وَاعْبُدُوا} } العبادة التذلل والتطامن، والخضوع والتواضع، وما أشبه ذلك، وكلها تدور على الذل، ومنه قولهم: طريق معبد أي: مذلل للسالكين مهيأ لهم، والمراد بعبادة الله سبحانه: القيام بأمره.

قوله: { {وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ} } لا: ناهية، والشرك: أن يساوى غير الله بالله فيما هو من حقوقه فيجعل نداً له.

وقوله: { {شَيْئًا} } نكرة في سياق النهي، فتعم أن لا تشركوا بالله نبياً ولا رسولاً، ولا ملكاً ولا أي شيء، ثم النهي عن الشرك يشمل أي نوع من أنواع الشرك، وسيأتي إن شاء الله في استنباط الفوائد ما فيه الكفاية.

قوله: { {وَبِالْوَالِدَيْنِ} }: عطف حق الوالدين على حق الله عزّ وجل؛ لأن حق الله أعظم الحقوق، وحق الرسول صلّى الله عليه وسلّم أعظم من حق الوالدين، لكنه داخل في حق الله؛ لأن العبادة لا تتم إلا بإخلاص ومتابعة، والمتابعة هي أداء حق الرسول عليه الصلاة والسلام.

وقوله: { {وَبِالْوَالِدَيْنِ} }: تثنية والد وهما الأم والأب، ويدخل في ذلك الجد والجدة، ولكن حق الأقرب أولى من الأبعد.

وقوله: { {إِحْسَاناً} } مصدر أحسن يحسن، وهل الجار والمجرور متعلق به، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه المصدر؟

فعلى الأول يكون تقدير الكلام وإحساناً بالوالدين، ويكون المصدر هنا بمعنى الفعل، وعلى الثاني يكون التقدير: وأحسنوا { {إِحْسَاناً} } مفعول مطلق عامله محذوف، والتقدير: أحسنوا { بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }.

ومعاملة الوالدين لا تخلو من إحدى حالات ثلاث: إساءة، وإحسان، ولا إساءة ولا إحسان، والمأمور به هو الإحسان، وضده الإساءة، أو لا إساءة ولا إحسان، فلا بد من الإحسان بالوالدين.

و قوله: { {وَبِذِي الْقُرْبَى} } ذي: بمعنى صاحب، والقربى بمعنى القرابة، والدليل على أن القربى بمعنى القرابة قوله تعالى: { {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}} [الشورى: 23] أي: المودة في القرابة؛ أي: بسبب القرابة؛ أي:{ {لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا}} ولكن ودوني بسبب قرابتي منكم لأنني ابنكم.

فهنا قوله: { {وَبِذِي الْقُرْبَى} } أي: بصاحب القرابة، فنص على الوالدين أولاً، وثنى بالقرابة، وذلك لأنه لا قرابة لك إلا بواسطة الوالدين، فمن الذي وصلك بعمك أو بخالك أو بأخيك أو بأختك إلا الوالدان، فلهذا جعلت منزلة القرابة بعد منزلة الوالدين.

قوله: { {وَالْيَتَامَى} }: جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، وإنما أمر بالإحسان إلى اليتامى لانكسار قلوبهم بفقد مربيهم وهو الأب، فأما من ماتت أمه دون أبيه فليس بيتيم.

قوله: { {وَالْمَسَاكِينِ} }: جمع مسكين، وهو المعدم من المال، ويدخل فيه هنا الفقير؛ لأن الفقير والمسكين كلمتان إن ذكرتا جميعاً اختلف المعنى فيهما، وإن انفصلت إحداهما عن الأخرى صارت كل واحدة بمعنى الأخرى.

وسمي المعدم مسكيناً لأن الفقر أسكنه وأذله، فالإنسان الفقير ذليل، ولهذا لا يطمع أن يصل إلى المرتبة التي وصل إليها الأغنياء إلا إذا كان فيه وصف يصعد به إلى درجة الأغنياء.

فمثلاً: الإنسان الفقير يعرف نفسه أنه ضعيف الرتبة عن الأغنياء، لكن لو فرض أن هذا الإنسان الفقير شجاع مقدام، صار هذا الوصف الذي فيه يرقيه إلى أن يكون في مرتبة الأغنياء أو أكثر، ولو فرضنا أن هذا الفقير ذو علم، صار في منزلة ترقيه إلى درجة الأغنياء أو أكثر، لكن مجرد كونه آدمياً وهو فقير لا يطمع في أن ينال مرتبة الأغنياء، ولهذا وصى به الله عزّ وجل.

قوله: { {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} } الجار: هو من كان قريباً منك في المنزل، ومن المعلوم أنه يختلف قربه بحسب المسافة، ولكن الجار القريب إما أن يكون قريباً منك في النسب أو بعيداً، وأشار الله تعالى إلى الصنفين، فقال: { {ذِي الْقُرْبَى} } أي: ذي القرابة، { {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} } أي: البعيد؛ لأن الجيم والنون والباء كلها مادة تدل على البعد، فالمعنى الجار البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة.

وقيل: { {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} } أي: القريب منك في السكن، { {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} } البعيد في السكن، ولكن المعنى الأول أصح، والمعنى الثاني يغني عنه قوله: { {وَالْجَارِ} }؛ لأن الجار هو من قرب منك في المنزل، ويعلم منه أنه كلما قرب منك في المنزل كان أقرب جواراً.

قوله: { {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} } يعني: الذي يصاحبك في جنبك، وقد اختلف المفسرون فيه، فقيل: إنه الزوجة، وقيل إنه صاحبك في السفر، واللفظ يحتمل المعنيين فيحمل عليهما، فالإنسان مأمور بأن يحسن بـ{ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } أي: بالزوجة أو بالصاحب في السفر؛ لأن كلاً منهما له حق للصحبة.

قوله { {وَابْنِ السَّبِيلِ} } أي: المسافر، والسبيل الطريق، وسمي المسافر ابن سبيل لملازمته له، كما يقال: «ابن الماء» لطير الماء الملازم للماء، فهناك طيور تلازم الماء، وتحوم على البحار تلتقط ما يحصل من سمك وغيره، فيسمى هذا الطير ابن الماء، ويسمى المسافر الذي جد به السير ابن السبيل؛ لأنه ملازم للطريق.

قوله: { {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } أي: أحسنوا بما ملكت أيمانكم، وكلمة «ما» اسم موصول؛ أي: والذي { {مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }، والاسم الموصول يفيد العموم، فيشمل ما ملكت أيماننا من الإنسان وما ملكت أيماننا من الحيوان، وكلاهما مأمور بالإحسان إليه، والإحسان إلى الإنسان أوكد من الإحسان إلى البهائم، ولهذا نجد أننا نكفل البهائم من أجل مصلحتنا، ونذبح الشاة نتفكه بها لحماً، وعلى هذا نقول: ما ملكت الأيمان يشمل الإنسان والحيوان، ولكنه بالإنسان أوكد؛ لأن حق الإنسان أعظم من حق الحيوان.

ثم قال الله عزّ وجل في ختام الآية: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} } أي: إن الله لا يحب الذي كان مختالاً، و{ {كَانَ} } هنا فعل ماض لكنها مسلوبة الزمنية، والمراد لا يحب من اتصف بالاختيال والفخر، والمختال في هيئته، والفخور بلسانه، فالاختيال يكون بالفعل والفخر يكون باللسان، فمن كان مختالاً في فعله فإن الله لا يحبه، ومن كان فخوراً بقوله فإن الله لا يحبه أيضاً.

وختم الآية بهذه الجملة لأن الغالب أن من يستكبر عن عبادة الله، وعن هذه الوصايا النافعة؛ فالغالب عليه أنَّ فيه اختيالاً، وفيه فخراً واستنكافاً واستكباراً، فلهذا ختم الله هذه الآية المشتملة على هذه الوصايا العظيمة بهذه الجملة { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} }.

فهذه الآية فيها بيان حقوق: حق الله، وحق غيره من الناس، وغير الناس.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ وجوب عبادة الله، لقوله: { {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} }، والأمر هنا للوجوب بالإجماع، ولا أحد يمكن أن يقول إن هذا الأمر للاستحباب.

2 ـ تحريم الشرك، لقوله: { {وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} }.

3 ـ أن الشرك بأنواعه: صغيره وكبيره، خفيه وجليه، كله محرم، لقوله: { {وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} } فهو عام، وعليه: يكون الرياء حراماً؛ لأنه شرك، ويكون الحلف بغير الله حراماً لأنه شرك، ويكون تسوية الله بغيره حراماً بمثل: ما لي إلا الله وأنت، وما أشبه ذلك؛ لأنه شرك.

والعلماء رحمهم الله كتبوا في هذا الموضوع ـ أي: في الشرك وأنواعه ـ كتابات كثيرة، من أحسنها كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فإنه بيَّن أنواعاً كثيرة من الشرك.

4 ـ أن الإثبات المحض لا يدل على التوحيد، ويؤخذ ذلك من أنه لما أمر بالعبادة قال: { {وَلاَ تُشْرِكُوا} }، وذلك أن الإنسان قد يعبد الله لكن يعبد غيره، فنقول: إذا عبد مع الله غيره فإنه لم يخلص العبادة لله، والمطلوب إخلاص العبادة له.

5 ـ وجوب الإحسان إلى الوالدين، لقوله: { {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} }، ولكن التعبير القرآني يقول: { {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} } ولم يقل: وإلى الوالدين؛ لأن المطلوب مباشرة الإنسان بالإحسان إلى والديه لا إيصال الإحسان فقط، ولو قال: إلى الوالدين أحساناً كان المطلوب إيصال الإحسان فقط.

6 ـ أن أعظم حقوق البشر حق الوالدين؛ لأن الله جعله في المرتبة الثانية بعد حقه، ولا يرد على هذا حق الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن حق الرسول داخل في حق الله، ووجهه: أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإذا تحققت متابعة الرسول فقد أديت حقه، والرسول لا يسألنا أجراً إنما يسألنا أن نتعبد لله بما شرع.

7 ـ تحريم الإساءة إلى الوالدين؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.

8 ـ أن من لم يحسن ولم يسئ فهو مقصر؛ لأن الله أمر بالإحسان، وخلاف الإحسان شيئان: إساءة وعدم إساءة وإحسان، وهذا خلاف ما أمرنا الله به.

9 ـ الأمر بالإحسان إلى القرابة، لقوله { {وَبِذِي الْقُرْبَى} }، وفائدة إعادة حرف الجر { {وَبِذِي الْقُرْبَى} } الإشارة إلى أن الإحسان إلى القرابة مستقل، بمعنى أنه لو فرض أن الرجل ليس له والدان فحق القرابة ثابت، ولا نقول: إن حقهما مبني على حق الوالدين تابع له؛ لأن الوالدين قد يكونان ميتين، فحق القرابة باق.

10 ـ أن الأقرب فالأقرب أولى بالإحسان، ويؤخذ من أن الله قدم الوالدين وهما أقرب القرابات، فقياساً على ذلك نقول: من كان أقرب من بقية القرابات فهو أحق، هذا وجه، والوجه الثاني: أن المعلق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، والحكم هنا معلق على القرابة، فكل من كان أقرب كان حقه أوكد، فصارت الدلالة على أننا نقدم الأقرب فالأقرب من وجهين: الوجه الأول قياسي، والثاني معنوي.

11 ـ الأمر بالإحسان إلى الأيتام، لقوله: { {وَالْيَتَامَى} }، والإحسان إلى الأيتام يكون بالمال ويكون بالقول ويكون بالفعل.

12 ـ الأمر بالإحسان إلى المساكين، لقوله: { {وَالْمَسَاكِينِ} }، ونقول في المساكين كما قلنا في القربى بأن من كان أشد مسكنة كانت الوصية به أوكد؛ لأنه علق على وصف، أما اليتيم فلا يتنوع؛ لأن اليتم واحد، يعني أن من له أربع عشرة سنة ومن له سنة واحدة فهما سواء في اليتم.

13 ـ الأمر بالإحسان إلى الجار سواء كان قريباً أم بعيداً، لقوله تعالى: { {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} }، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»[(135)]، فعلق الرسول صلّى الله عليه وسلّم كمال الإيمان على إكرام الجار، والإكرام ضد الإهانة.

14 ـ الأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب: الزوجات والأصحاب في السفر، لقوله: { {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} }.

ويمكن أن نقول ما قلنا فيما سبق في الأوصاف ولا شك، فالنساء ـ أعني: الزوجات ـ تختلف صحبتهن لأزواجهن، وكذلك المسافرون أصحاب السفر تختلف صحبته معك في السفر، فكل من كان أقوم بهذه الصحبة كان أحق بالإحسان.

15 ـ الأمر بالإحسان إلى ابن السبيل؛ لأن الغالب أنه يكون محتاجاً، وإذا قدر انتفاء حاجته بغناه فإنه يكون غريباً في البلاد، والغريب يحتاج إلى عناية؛ فيحتاج إلى من يدله على الطريق، وإلى من يدله على ما فيه مصالحه، فهو في حاجة.

16 ـ الأمر بالإحسان إلى ما ملكت الأيمان، لقوله: { {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } أي: من آدمي أو حيوان؛ لأنه كله ملك لأيماننا.

17 ـ جواز التعبير بالبعض عن الكل، لقوله: { {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }، والمراد ما ملكتم؛ لكن هذا شيء معلوم.

18 ـ تحريم الإساءة إلى من ذُكر، وجهه: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا كان الله تعالى أمر بالإحسان إلى هؤلاء فالإساءة إلى هؤلاء حرام، ومن أشد ما يكون الإساءة إلى الوالدين، ثم ذوي القربى، ثم اليتامى، ثم المساكين، ثم الجيران، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والذي نفسي بيده! لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه»[(136)] يعني: ظلمه وغشمه، فنفى الإيمان عن الشخص الذي لا يأمن جاره بوائقه، فكيف بمن أصابته بوائق جاره فذلك يكون أشد، نسأل الله السلامة.

19 ـ عناية الله سبحانه بعباده، من وجوه في هذه الآية:

أولاً : من جهة القيام بحق الوالدين والقرابات.

وثانياً : من جهة جبر النقص الذي يحصل على بعض الناس مثل المساكين واليتامى.

وثالثاً : أن حسن الجوار سبب للالتحام وللالتئام بين الناس وعدم الكراهية والبغضاء، ولهذا يوجد في وقتنا أن كثيراً من الجيران لا يعرف جاره ولا يدعوه في المناسبات، ولا يرسل إليه الهدايا، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك»[(137)]، وهذا مع الأسف غير موجود، مع أن فيه فائدة اجتماعية عظيمة، فهو من عناية الله بالخلق.

20 ـ أن الله تعالى أرحم بالإنسان من أولاده، ويؤخذ من قوله: { {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} } حيث أمر الولد أن يحسن إلى والده، وهذا يدل على أن الله أرحم بالإنسان من أولاده، كما أن قول الله تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}} [النساء: 11] يدل على أن الله أرحم بالإنسان من والديه، وهذا هو الواقع.

كانت امرأة فقدت صبياً لها في السبي، فجاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة تنظر في السبايا وقد زاغ عقلها، فلما وجدت صبيها أخذته وضمته إلى صدرها، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا يا رسول الله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها»[(138)]، ولا يصيبنا ما يصيبنا مما يخالف الرحمة إلا بأسباب ذنوبنا: { {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}} [الشورى: 30] .

21 ـ إثبات المحبة لله، وتؤخذ من قوله: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} }.

فإذا قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات.

فالجواب: أن نقول: لو كانت المحبة منتفية ولا تجوز على الله لم يكن لنفيها فائدة هنا، وعلى هذا فإنها تدل على إثبات المحبة لله، ومذهب السلف وأهل السنة إثبات المحبة لله حقيقة، وأنه جل وعلا يحب، وأن محبته تتعلق بالأعمال، وتتعلق بالأشخاص، وتتعلق بالأزمنة، وتتعلق بالأمكنة، فقد سئل الرسول عليه الصلاة والسلام: «أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها»[(139)] وهذا تعليق المحبة بالأعمال.

وقال الله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا}} [الصف: 4] هذا تعليق لها بالأشخاص المعينين بالوصف، وتكون متعلقة بالأشخاص المعينين بالشخص كقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً»[(140)]، والخلة أعلى أنواع المحبة، وتكون معلقة بالأماكن، «أحب البقاع إلى الله مساجدها»[(141)]، وربما تكون معلقة بالزمن، مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»[(142)]، فإن كان الزمن محبوباً إلى الله فيها فإن الله يحبها، وفي هذا الاستدلال ضعف، لكن على كل حال محبة الله عزّ وجل تكون مقيدة بما قيدها الله به، فهي ثابتة لله حقاً.

وأنكر المحبة المعطلة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن شابههم، وقالوا: لا يمكن أن الله يحب، والمحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فيحب الرجل زوجته، ويحب ابنه، ويحب صديقه، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق، فكيف يحب الله الشخص؟ كيف يحب الرسول؟ قالوا: والمراد بالمحبة في القرآن إرادة الثواب، أو الثواب نفسه.

ونقول لهم: إذا قلنا هي إرادة الثواب فإرادة الثواب لا تكون إلا على شيء محبوب، وهل يريد الله أن يثيب أحداً وهو يكرهه؟ لا يمكن، إذاً: ما دمتم أثبتم الثواب فيلزمكم أن تثبتوا المحبة، إذ لا يمكن أن تكون إرادة الثواب أو الثواب نفسه إلا على شيء محبوب لله.

وأما قولكم: إن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فقول باطل، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أُحد جبل يحبنا ونحبه»[(143)]، والجبل كومة من الأحجار والأتربة وغيرها، فهو جماد، ومع ذلك قال: «يحبنا ونحبه».

وكذلك أيضاً الحيوان يحبه الإنسان وهو يحب الإنسان، وكون الإنسان يحبه واضح، فكثيراً ما تحب بعيرك على بعير غيرك، أو شاتك على شاة غيرك.

وهي تحبك أيضاً، وهذا مشاهد فالناقة تأتي إلى صاحبها من بين الناس، تأتي إليه وتستجديه، وقد شوهد في الإبل أن الإنسان إذا أراد أن ينام في الليالي الباردة يجعل البعير بينه وبين الريح، وينام تحت الناقة في حضنها، وأن الناقة تميل عليه لتكون عليه كالغطاء، يحدثنا بذلك أهل الجمال، يقول: تنحني عليه حتى يدفأ منها وتقيه البرد، وهذا يدل على أنها تحبه، ولو كانت تكرهه لطحنته ولم تقه البرد.

* * *

قال الله تعالى: { {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِيناً *}} [النساء: 37] .

قال الله تبارك وتعالى في ختام آية الحقوق السابقة: {{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا}}: مختالاً في هيئته، فخوراً في لسانه بقوله، والمراد بالفخور الذي يتحدث بما عليه من الصفات افتخاراً على الناس لا إخباراً بنعمة الله عزّ وجل، فأما إذا كان إخباراً بنعمة الله فإنه تحدث بنعمة الله، وهو مشروع.

وبين صفات الله هذا المختال الفخور فقال: { {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} }.

فقوله: { {الَّذِينَ} } يجوز أن تكون بدلاً من «مَنْ» في قول الله تعالى: { {مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} } باعتبار المعنى؛ لأن { {مَنْ} } مفردة اللفظ مجموعة المعنى؛ أي: صالحة للجمع والمفرد، ولفظها: «مَن» مفرد، ويجوز أن يوصف بالجمع باعتبار المعنى.

فقوله: { {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} } يجوز أن تكون صفة لـ«مَن»، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هم الذين { {يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} }.

وقوله: { {بِالْبُخْلِ} } فيها قراءتان، بالبُخْلِ وبالبَخَل.

والبخل هو إمساكُ ما يجب بذله من مال أو علم أو جاه أو عمل، فكل ما يجب بذله من هذه الأشياء فمنعه بخل، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصل علي»[(144)] اللهم صل وسلم عليه. فهذا بخل بما يجب من عمل، وما يجب من جاه؛ كالشفاعة الواجبة إذا بخل بها الإنسان فإن هذا بخل، وما يجب من مال وأعلاه الزكاة، فهذا بخل بما يجب من المال.

والرابع: ما يجب من العلم، فمنعه بخل، وهو من أشد أنواع البخل قال الله: { {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}} [آل عمران: 187] وفي الحديث: «من سُئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة»[(145)]، فهذه أنواع البخل.

وأيضاً: البخل بالبدن إذا وجب عليك إعانة مسلم؛ كإنقاذه من حريق أو غرق أو هدم أو غير ذلك فلم تفعل، فإنك تكون من أهل البخل.

إذاً: تعريف البخل: هو منع ما يجب بذله من مال أو علم أو عمل أو جاه أو بدن.

وإن شئنا أدخلنا كلمة البدن بالعمل؛ لأنه في حقيقة الأمر هو عمل.

قوله: { {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} } أي: فيتعدى ضررهم إلى غيرهم، فإذا جاءهم من يستشيرهم في أمر فيه بذل قالوا: ليس له داع؛ ادخر مالك فربما تحتاجه في المستقبل!

بل إذا رأوا من يريد أن ينفق وإن لم يستشرهم ذهبوا يأمرونه بالبخل.

قوله: { {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} } أي: يسترونه، وقوله: { {مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} } يشمل ما آتاهم من فضله من المال أو ما آتاهم الله من فضله من العلم، أو غير ذلك، فكل ما آتاهم الله من فضله يتسترون به، لئلا يلومهم الناس إذا بخلوا، فإنهم إذا كتموا ما عندهم مما آتاهم الله من فضله لم يعلم الناس أن عندهم فضلاً يمكن أن يبذلوه، فيكتمون لئلا يلومهم الناس إذا بخلوا به.

وقوله: { {مِنْ فَضْلِهِ} } أي: من عطائه وإفضاله.

قوله: { {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِيناً} } أعتدنا أي: هيأنا وأعددناه لهم، والكافرون هم الذين كفروا بالله ورسوله، والكفر أنواع كثيرة، منه أصغر ومنه أكبر، والأكبر قولي وفعلي وجحدي، وهو أنواع معروفه عند أهل العلم ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد، وذكره المتكلمون على التوحيد في أبواب التوحيد.

وقوله: { {عَذَابًا مُهِيناً} } أي: ذا إهانة يهينهم ويذلهم؛ لأنهم إذا دخلوا النار وُبِخوا على أعمالهم، وقيل لهم: { {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ}} [الأنعام: 130] وفي هذا إهانة لهم مع ما هم عليه من العذاب الأليم.

وفي هذه الآية إظهار في موضع الإضمار، وهو قوله: { {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ}} ولم يقل: أعتدنا لهم، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد:

منها: إرادة العموم، فإن قوله: { {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ}} يشمل هؤلاء وغيرهم.

ومنها: الحكم على هؤلاء بما يقتضيه هذا الوصف، وهو وصف الكفر، فيكون الذين ذكرهم الله هم الكافرون.

ومنها: إفادة عِلِّية الحكم المذكور لهؤلاء؛ لأن الوصف الذي علق عليه الحكم يكون علةً لذلك الحكم، ومن القواعد المقررة: أن الحكم إذا علق بوصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعف ذلك الوصف.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ ذم البخل، وهو أنواع، والبخل بما يجب شرعاً أعظم من البخل بما يجب عرفاً، والبخل بالفضل دون البخل بالواجب، فالضيافة مثلاً تجب يوماً وليلة، فالبخل فيها أشد من البخل في كامل الضيافة وهو ثلاثة أيام، فمن بخل بيوم وليلة أشد ذماً ممن بخل بثلاثة أيام.

2 ـ أن هؤلاء الذين أساءوا في عملهم كانوا دعاة سوء، يأمرون الناس بالبخل، والأمر بالبخل أشد من الدعوة للبخل، وعلى هذا فيكونون آمرين، ومن باب أولى داعين للبخل، فيكونون دعاة سوء.

3 ـ ذم من يكتم ما آتاه الله من فضله، والكتمان نوعان: كتمانٌ فعلي، وكتمانٌ قولي: فالكتمان الفعلي: أن لا يرى أثر نعمة الله على العبد، فيعطيه الله المال فيخرج إلى الناس بلباس الفقراء وبمركوب الفقراء، لا تعففاً ولكن بخلاً.

والكتمان القولي: أن يتحدث عند الناس فيقول: أنا ليس عندي مال، أنا متوسط الحال، أو يزيد ويقول: أنا فقير، أو ما أشبه ذلك. والآية تدل على ذم كتمان ما آتى الله من فضله.

4 ـ الثناء على الكرماء الآمرين بالكرم المظهرين للفضل، وتؤخذ من أنه إذا ذم الشيء فضده ممدوح، فالكرماء والآمرون بالكرم، والمظهرون لفضل الله لا شك أنهم يمدحون على هذا، ولهذا جاء في الحديث: «إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه»[(146)].

5 ـ أن ما بنا من النعم فهو من الله، لقوله: { {مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} }، فالنعم كلها من الله، كما قال الله تعالى: { {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}} [النحل: 53] .

6 ـ أن هذه الصفات صفات كفر، لقوله: { {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِيناً} }.

7 ـ إثبات وجود النار، ويؤخذ من قوله: { {وَأَعْتَدْنَا} } بمعنى: هيأنا، إذاً: فالنار وعذاب الكافرين مهيأ الآن، ومذهب أهل السنة والجماعة أن النار والجنة موجودتان الآن وأنهما لا تفنيان.

* * *

قال الله تعالى: { {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً *}} [النساء: 38] .

{ {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} }: هذا وصف قبيح أيضاً، وعطف الصفات بعضها على بعض مع أن الموصوف واحد يفيد إثبات ما سبق، وأن هذا أمر زائد عليه، والصفات المتكررة لموصوف واحد يجوز فيها وجهان في اللغة: إسقاط حرف العطف، وإثبات حرف العطف.

فقوله تعالى: { {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى *وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *}} [الأعلى: 1 ـ 4] فهذه الآيات جمعت بين الأمرين بين حذف حرف العطف وبين إثباته، فالصفة الأولى فيها إسقاط حرف العطف {{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *}}، والصفة الثانية والثالثة فيها إثبات حرف العطف، مع أن الموصوف واحد، ولكن التغاير هنا بين المعطوف والمعطوف عليه تغاير صفة لا تغاير ذات، ولكن حرف العطف يفيد إثبات ما سبق.

هنا قول الله سبحانه: { {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} }، «ينفقونها»: يبذلونها، و{ {رِئَاءَ النَّاسِ} }: مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن يراهم الناس فيمدحوهم على البذل، وليس ذلك من أجل التقرب إلى الله، لقوله: { {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} }، فلا يؤمنون بالله فيتقربوا إليه، ولا باليوم الآخر فيرجوا ثوابه، بل هم منكرون لله ولليوم الآخر، وهذا فيمن كان كفره تماماً، أما من كان كفره ظاهراً فإنه قد ينفق رئاء الناس ولكن لا يصل ذلك إلى حد نفي الإيمان بالله واليوم الآخر.

قوله: { {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} }: والإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه منفرد بذلك.

وقوله: { {وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} }: اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسمي يوماً آخر لأنه لا يوم بعده، فكل ما سبق فإن بعده شيئاً، فالدار الأولى البطن، وبعدها الخروج إلى الدنيا، وبعد الخروج إلى الدنيا البرزخ، ثم اليوم الآخر النهاية، ولهذا نقول: إن القول عن الميت «إنه حُمِل إلى مثواه الأخير» ، كلمة خطيرة جداً، مضمونها إنكار البعث؛ لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير فمعناه أنه ليس بعده بعث، وهذه الكلمة يكثر ذكرها في الجرائد والمجلات، وعلى ألسنة بعض من يدَّعون أنهم مثقفون، لكنها في الواقع غير صحيحة إلا لإنسان لا يؤمن بالبعث.

قوله: { {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} }: هنا إشكال نحوي وهو جر الفعل المضارع، في قوله: { {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ} } والمعروف أن الجر إنما يكون في الأسماء، لكنه غير مجرور؛ وإنما محرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولولا الساكن الذي بعده وهو همزة الوصل، لكان مجزوماً.

وقوله: { {وَمَنْ يَكُنِ} } ولم يقل: ومن يكون لأن «مَن» شرطية تجزم فعلين، الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.

قوله: { {الشَّيْطَانُ} } المراد به الجنس؛ لأن كل واحد من الناس له قرين، فالمراد الشيطان الذي هو القرين السوء، قال الله تبارك وتعالى: { {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ *}} [الزخرف: 36] أي: يقارنه دائماً، فإذا عشى عن ذكر الرحمن وأعرض عن ذكر الله، جاءه الشيطان فصار يأمره بالمنكر وينهاه عن المعروف.

وقوله: { {فَسَاءَ قَرِيناً} }: الجملة جملة إنشاءٍ للذم، واقترنت بالفاء في جواب مَن لأن الفعل جامد، وقد قيل فيما يجب اقترانه بالفاء إذا وقع جواباً للشرط:

اسميةٌ طلبيةٌ وبجامدٍ***وبما وقد وبلن وبالتنفيس

فإذا وقع جواب الشرط واحدة من هذه الجمل السبع وجب قرنه بالفاء، وقد تحذف قليلاً كقول الشاعر:

من يفعل الحسنات الله يشكرها

والتقدير: فالله يشكرها، لكن هذا قليل.

وكلمة «ساء» تحتاج إلى فاعل، والفاعل هنا محذوف تقديره: فساء قريناً قرينه.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ابتلوا بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، على أنهم يبذلونه رئاء الناس، وهذا وجه لا خير فيه، بل إذا وقع تعبداً كان شراً.

ـ ويترتب على هذه الفائدة أن من عدل عن المشروع ابتلي بالممنوع، فانظر قوم لوط لما عدلوا عن النساء ابتلوا بالذكران، فأتوا الذكران شهوة، وانظر إلى البخيل الذي يبخل بالزكاة كيف تجده يبذل ماله وبكل سهولة ويسر في غير فائدة، فيبذله للتنزه خارج البلاد الإسلامية، فيستهلك من الأموال أضعاف أضعاف ما يجب عليه بذله من الزكاة والنفقات الواجبة.

2 ـ ذم من ينفق ماله لمراءاة الناس، ولكن لو أنفق الإنسان ماله علناً ليراه الناس فيقتدوا به، فلا يدخل في الآية؛ لأن هذا أنفقه لله، لكن جعله علانية لمصلحة الإنفاق، وفرق بين من ينفق لا لشيء إلا ليراه الناس فيمدحوه، وبين من ينفق علناً ليقتدي به الناس، ولهذا امتدح الله الذين ينفقون أموالهم سراً وعلانية.

3 ـ أن الشيطان يلعب بابن آدم، فهؤلاء الذين بذلوا ما يحبون من الأموال بذلوها في شيء لا ينفعهم، وثناء الناس على المرء في غير ما يحبه الله سينقلب بعد ذلك ذماً ولا بد، ودليله: «من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس»[(147)]، ولذلك تجد الذين يراءون في الإنفاق إن حمدوا فإنهم يحمدون ساعتهم فقط، ثم ينقلب هذا الحمد ذماً، فالشيطان يلعب بالإنسان ويغره وينفخه، حتى يظن أنه إذا أنفق أو عمل مراءاة للناس رفعه ذلك عند الناس.

4 ـ أن المرائي عنده نقص في الإيمان بالله واليوم الآخر، لقوله: { {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} }؛ لأن الذي حملهم على المراءاة ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر، ولو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر قوياً ما ابتغوا بالإنفاق إلا وجه الله والدار الآخرة.

5 ـ ذم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه كافر والعياذ بالله، ومدح من آمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه مؤمن.

6 ـ الثناء على من آمن بالله واليوم الآخر، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر من أسباب الإخلاص واجتناب الرياء، لقوله: { {يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} }.

7 ـ أن الله قد يبتلي العبد بمقارنة الشيطان له، لقوله: { {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} }.

8 ـ الحذر من مقارنة الشيطان للإنسان.

فإن قال قائل: وأي شيءٍ أصل به إلى العلم بأن الشيطان كان قريناً؟

فالجواب: أن نقول: بما يأمرك به، قال الله تعالى: { {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ}} [البقرة: 268] ، فإذا وجدت في نفسك من يأمرك دائماً بالمعصية والبخل والفحشاء، فهذا هو الشيطان، فعليك أن تلجأ إلى الله عزّ وجل؛ لأن الله أمرك بذلك، قال الله عزّ وجل: { {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *}} [الأعراف: 200] فهو يسمع استعاذتك ويعلم حالك، ويعلم كيف يدفع الشيطان عنك.

9 ـ تقبيح وذم مقارنة الشيطان للإنسان، لقوله: { {فَسَاءَ قَرِيناً} }، وقد جاء في الحديث: «أن كل إنسان له قرين، ولكن القرين قد يسلم ويستسلم ولا يأمر بشر» ؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما سئل: قيل: ولا أنت يا رسول الله! قال: «ولا أنا، ولكن الله أعانني عليه فأسلم»[(148)] يقال: إنه روي بضم الميم: «فأسلمُ»، وروي بفتحه: «فأسلمَ»، أما على رواية الضم فالمعنى: أعانني الله فأنا أسلم منه، وأما على رواية الفتح فليس المراد أن القرين أسلم لله، ولكنه أسلم استسلاماً ظاهراً، فهو من الاستسلام وليس من الإسلام لأنه شيطان، فإذاً: على الوجه الثاني يكون الله تعالى أعان الرسول صلّى الله عليه وسلّم عليه حتى ذل وخضع واستسلم، فلا يأمر إلا بخير.

* * *

قال الله تعالى: { {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا *}} [النساء: 39] .

قال الله تبارك وتعالى موبخاً أولئك القوم الذين يختالون ويفخرون ويبخلون ويأمرون الناس بالبخل، أو الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر: { {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} }.

فقوله: { مَاذَا } استفهام، لكن هل «ماذا» كلها استفهام، أو «ما» استفهام و«ذا» بمعنى الذي؟ في هذا قولان لعلماء النحو، مع اتفاق الجميع على أن الجملة استفهامية.

والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ، والمعنى: أي شيء عليكم إذا آمنتم؟ الجواب: لا شيء عليهم، وكما قال مؤمن آل فرعون: { {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}} [غافر: 28] ، فلو آمنوا وجربوا فماذا يكون عليهم؟

وقوله: { {لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} } { {لَوْ} } هنا شرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، وقيل: إنها في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب؛ أي: ما كان جوابه مذكوراً في غير محله بأن كان مقدماً، فإنه لا يحتاج إلى جواب، وهذا الذي نرى أنه أصح؛ لأنه ما دام قد تقدم ما يدل عليه أصبح ذكره مستغنياً عنه، وحينئذٍ لا حاجة إلى تقديره؛ لأن الأصل عدم التقدير.

وقوله: { {لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} } سبق الكلام على مثلها فلا حاجة للإعادة.

{ {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} }؛ أي: أنفقوا مما رزقهم الله إخلاصاً لله لا رئاء الناس، والإنفاق بمعنى البذل، والرزق بمعنى: العطاء؛ أي: لو بذلوا مما أعطاهم الله على حسب ما يرضي الله عزّ وجل، وأعظم ما ينفق هو الزكاة، وما دون ذلك فهو دونها.

قوله: { {وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} } أي: بما هم عليه من كفر، وبما هم عليه لو آمنوا بالله، ففي الجملة هنا ترغيب وترهيب؛ أي: لو آمنوا بالله وصدقوا الله لعلم الله بإيمانهم وأثابهم، ولو بقوا على كفرهم لكان الله بهم عليماً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ توبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، لقوله: { {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} }.

2 ـ أن الإنسان يجب أن يوازن في الأمور بين النافع والضار، فينظر ماذا يترتب على إيمانه أو على كفره، حتى يختار خير الطريقين.

3 ـ وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر لتوبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، والتوبيخ لا يكون إلا على شيءٍ محرم.

4 ـ فضيلة الإنفاق، لقوله: { {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} }.

5 ـ أن المنفق لا ينفق من كيسه، لكنه منفق مما رزقه الله، فالفضل كل الفضل لله عزّ وجل.

6 ـ أن من أنفق أخلف الله عليه، لقوله: { {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} }؛ أي: فالله تعالى سيعطيهم بقدر ما أنفقوا بل أكثر، ويشهد لهذا قوله تبارك وتعالى: { {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}} [سبأ: 39] أي: يعطيكم خلفه، وفي الحديث: «أنفق ينفق عليك»[(149)].

7 ـ بيان منَّة الله سبحانه على عباده بما أعطاهم، وأن العطاء عطاؤه.

ـ ويتفرع على هذه الفائدة: أن تعتمد على الله في حصول الرزق، ولكن إذا قلنا بهذا فلا يعني أن لا نفعل الأسباب التي نصل بها إلى الرزق، فلا بد أن نفعل الأسباب، لكن مع الاعتماد على الله عزّ وجل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً»[(150)] تغدو في أول النهار وهو الغداة خماصاً جائعة، وتروح في آخر النهار بطاناً شبعانة، ولم يقل: كما يرزق الطير تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، ولكن قال: تغدو وتروح.

إذاً: لا بد من عمل مع الاتكال على الله عزّ وجل.

8 ـ إثبات العلم لله تعالى بأحوال عباده، لقوله: { {وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} }.

ـ ويتفرع على هذه الفائدة: الرغبة والرهبة، وذلك لأنك إذا علمت أن الله عليم بك خفت من مخالفته، ورجوت في موافقته، إذ لا يضيع شيءٌ على الله عزّ وجل، والإيمان بعلم الله عزّ وجل يكسب الإنسان مراقبة الله سبحانه تماماً؛ لأن أي شيء تفعله فهو عليم بك، فهذا يحمل الإنسان على الرجاء في فعل ما يحبه الله، وعلى الخوف من فعل ما يكرهه الله عزّ وجل.

* * *

قال الله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا *}} [النساء: 40] .

{ {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ} }: أصل الظلم النقص، لقوله تعالى: { {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا}} [الكهف: 33] أي: لم تنقص منه شيئاً، فهذا أصل الظلم، فالله لا ينقص الناس شيئاً، ولا ينقص الناس حقهم، كما قال: { {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا *}} [طه: 112] أي: ظلماً بعقوبته على شيءٍ لم يفعله، ولا هضماً: أي نقصاً من ثواب حسناته.

وقوله: { {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} } أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولا دونه، وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فإنه لا مفهوم له، كما قيل به في قوله تعالى: { {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}} [التوبة: 80] قيل إن المراد بذلك التكثير، وأن الرسول لو استغفر لهم سبعمائة ألف مرة ما غفر لهم، وحينئذٍ لا يكون له مفهوم، كذلك { {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}} المقصود بها المبالغة في التحقير، وما كان المقصود به المبالغة في التحقير فإنه لا مفهوم له.

وعلى هذا فلو سألنا سائل: هل يظلم الله دون مثقال ذرة: قلنا: لا.

قوله: { {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً} } فيها قراءتان «وإن تك حسنةٌ»، { {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً} } ويختلف الإعراب على الوجهين، فعلى الرفع «وَإن تَكُ حَسَنَةٌ» تكون «كان» على هذه القراءة تامة؛ أي: لا تحتاج إلى خبر، والمقصود بكان التامة مجرد الدلالة على الحدوث لا على صيرورة شيءٍ إلى شيءٍ آخر، وأما «كان» الناقصة فإنها تدل على صيرورة شيءٍ إلى شيءٍ آخر، مثل: كان الرجل قائماً؛ أي: بعد أن لم يكن قائماً.

وبالنصب على أنها ناقصة، واسمها مستتر تقديره هي؛ أي: وإن تكُ الفعلةُ التي يفعلها الإنسان حسنة يضاعفها.

وفي قوله: { {يُضَاعِفْهَا} } أيضاً قراءتان «يُضْعفها» و{ {يُضَاعِفْهَا} } وهي على القراءتين ساكنة الفاء؛ لأنها جواب الشرط المذكور في قوله: { {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً} }.

ومعنى «يضعفها» أو { {يُضَاعِفْهَا} }: يجزي أكثر من الحسنة، وقد دلت النصوص على أن الحسنة تكون بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، وأن السيئة بمثلها.

قوله: { {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} } هذا معنى قوله في الحديث: «إلى أضعافٍ كثيرة»[(151)].

فقوله: { {وَيُؤْتِ} }: معطوفة على يضاعف، ولهذا جاءت مجزومة بحذف الياء.

وقوله: { {مِنْ لَدُنْهُ} }: أي من عنده.

والفائدة من ذكر قوله: «من لدنه» الإشارة إلى أن هذا الأجر عظيم جداً، وذلك لأن العطاء يعظم بعظم المعطي، ونظير هذا ما علمه الرسول صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر رضي الله عنه قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً..» إلى قوله: «فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني..»[(152)].

{ {أَجْرًا} }: أي ثواباً.

{ {عَظِيمًا} }: أي ذا عظمةٍ كثيرة لا يتصورها الإنسان.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ انتفاء الظلم عن الله عزّ وجل، لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} }، وهذا النفي يتضمن إثبات كمال العدل، وليس المراد به مجرد انتفاء الظلم؛ لأن مجرد انتفاء الظلم لا يدل على كمال، وقد قال الله تعالى: { {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى}} [النحل: 60] أي: الوصف الأعلى.

وانتفاء الظلم المجرد لا يدل على الكمال؛ لأن انتفاء الظلم قد يكون لعدم قبول المنفي عنه لهذا الظلم، بمعنى: أنه ليس مما يقبل انتفاء الظلم أو ثبوت الظلم، فإذا نفي الظلم عما لا يقبله فإنه لا يعد مدحاً، فلو قلت: إن الجدار لا يظلم فليس في هذا مدح للجدار، لأن الجدار لا يمكن أن يظلم فلا يكون نفي الظلم عنه مدحاً؛ لأنه أصلاً لا يظلم، وربما يكون نفي العيب بعدم قدرة الشيء على هذا العيب، ولنجعل المثل الظلم، فقد يكون نفي الظلم عن شخص لا لكمال عدله ولكن لعجزه عن الظلم، وحينئذٍ لا يكون ذلك مدحاً بل يكون ذماً، فصار انتفاء الظلم عما لا يقبل الظلم ليس مدحاً ولا ذماً، وانتفاء الظلم عما يمكنه الظلم ولكنه عاجز يعتبر ذماً، ومن ذلك قول الشاعر:

قبيلة لا يغدرون بذمةٍ***ولا يظلمون الناس حبة خردلِ

فقوله: لا يغدرون بذمة لا يعني أنهم أوفياء بالذمم، وقوله: ولا يظلمون الناس حبة خردل لا يعني أنهم ذوو عدل، بل هذا تحقير لهم بأنهم لا يستطيعون أن يغدروا، ولا يستطيعون أن يظلموا، وقرينة ذلك قوله: «قبيلة» فإنها للتصغير، والتصغير يدل على التحقير.

ومنه قول الحماسي يهجو قومه:

لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍ***ليسو من الظلم في شيءٍ وإن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً***ومن إساءة أهل السوء إحسانا

وهذا ظاهره المدح، ولكن المراد به الذم، ولهذا قال:

فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا***شنوا الإغارة فرساناً وركباناً

ليت لي بهم؛ أي: بدلهم، فصار نفي الظلم عنهم وكونهم يجزون بالسوء مغفرة وبالإساءة إحساناً لعجزهم، وليس لكمال أخلاقهم.

إذاً: فقوله عزّ وجل: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} } ليس المراد به مجرد نفي الظلم عن الله، بل المراد به إثبات كمال العدل، وأنه لكمال عدله لا يظلم، قال الله تعالى: { {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا *}} [طه: 112] ، وهذه القاعدة تكون في جميع ما نفى الله عن نفسه، فكل ما نفى الله عن نفسه، فإنه لا يراد به مجرد النفي، إنما المراد به إثبات كمال الضد، وإنه لكماله في ضد هذه المسألة انتفت عنه، ومن ذلك قوله: { {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}} [ق: 38] أي: من تعب، لكمال قوته.

2 ـ أن ما ذكر على سبيل المبالغة لا مفهوم له، لقوله: { {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} } فلا مفهوم لقوله: مثقال ذرة أنه يظلم دون ذلك، بل لا يظلم مثقال ذرة ولا دونها، لكن عادة العرب ضرب المثل في الشيء الحقير بمثقال الذرة.

3 ـ إثبات علم الله عزّ وجل لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ} }، فإنه يستلزم علمه بالظلم ومن يستحقه ومن لا يستحقه، مع أن الله تعالى لا يظلم أبداً.

4 ـ أن الله تعالى يضاعف الحسنات، لقوله: { {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} }، وقد بين الله هذه المضاعفة بأن الحسنة بعشر أمثلها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة.

5 ـ أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ لأن الحسنات تضاعف والسيئات لا تزاد فقوله: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} }، هذا نفي زيادة السيئات، والتضعيف في الحسنات: { {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} }.

6 ـ أن الله تعالى يجزي على الحسنة ثواباً أكثر من المقابلة، فلا يقال: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فقط، بل هناك شيء فوق هذا وهو قوله: { {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} }.

7 ـ أن الحسنة تجذب الحسنة، وتؤخذ من قوله: { {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} }؛ لأن هذا الأجر قد يكون سببه زيادة الحسنات بسبب الحسنة الأولى، فمن نعمة الله عزّ وجل أن الإنسان إذا عمل العمل الصالح وفق لعمل آخر.

* * *

قال الله تعالى: { {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا *}} [النساء: 41] .

لما ذكر أن الله عزّ وجل لا يظلم مثقال ذرة، قال: { {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} }، والاستفهام هنا للتعظيم أو للتعجب؛ أي: كيف تكون الحال { {إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} }، وذلك يوم القيامة، حيث يأتي الله تعالى من كل أمة بشهيد.

والشهيد هو الرسول، يشهد على أمته بأنه بلغ رسالة ربه، فهذا شهيد كل أمة.

وهناك شهادة عامة وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم، كما قال الله تعالى: { {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}} [البقرة: 143] .

وقوله: { {مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ} }: أمة جاءت في القرآن الكريم لعدة معان:

المعنى الأول : الطائفة، كهذه الآية؛ وكقوله تعالى: { {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ}} [القصص: 23] .

المعنى الثاني : الإيمان؛ كقوله تعالى: { {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا}} [النحل: 120] .

المعنى الثالث : الزمن؛ كقوله تعالى: { {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}} [يوسف: 45] أي: بعد زمن ومقداره بضع سنين، كما قال تعالى: { {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}} [يوسف: 42] .

المعنى الرابع : الدين؛ كقوله: { {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}} [المؤمنون: 52] .

وقوله: { {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا} }:

{ {عَلَى هَؤُلاَءِ} } المشار إليه أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ أي: إذا جئنا بك شهيداً على هؤلاء ماذا تكون الحال؟ ولما بلغ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذه الآية حين أمره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقرأ عليه، حيث قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اقرأ»، قال: كيف أقرأ وعليك أنزل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إني أحب أن أسمع القرآن من غيري» ، فقرأ حتى إذا بلغ هذه الآية قال: «حسبك» ، قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان[(153)].

فالله عزّ وجل سوف يستشهده على أمته يوم القيامة أنه بلغ البلاغ المبين، ولهذا استشهدهم هو عليه الصلاة والسلام ليقروا على أنفسهم بذلك، استشهدهم في حجة الوداع حين خطبهم وقال: «ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، فرفع إصبعه إلى السماء وجعل ينكتها إلى الناس ويقول: «اللهم اشهد، ألا هل بلغت» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، ألا هل بلغت» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد»[(154)].

ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم يمثلون الأمة كلها، فإقرارهم بأنه بلغ هو إقرار من الأمة جميعاً، ونحن نشهد أنه بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، وأنه ترك الأمة على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

وقوله عزّ وجل: { {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا} }:

{ {شَهِيدًا} }: حال من الكاف في قوله: { {وَجِئْنَا بِكَ} }.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ بيان عظمة هذه الشهادة، ويؤخذ ذلك من الاستفهام الدال على التفخيم والتعظيم.

2 ـ أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد يشهدون عليهم بأنهم بلغوا.

3 ـ أن كل رسولٍ يشهد على قومه بأنه بلغهم، لقوله: { {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} }.

فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن عيسى عليه السلام: { {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}} [المائدة: 117] ؟

فالجواب: أن هذا لا يعارض ما ذكر هنا، فإنه شهد على أمته الذين باشر إبلاغهم، أما بعد موته فإن الأمر إلى الله عزّ وجل، وهو الذي يتولاهم ويتولى من بعدهم.

4 ـ أن نبينا صلّى الله عليه وسلّم سيكون شهيداً علينا، لقوله: { {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا} }.

فإن قال قائل: هل الذين ورثوا النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ وهم العلماء ـ يكونون شهداء على الأمة؟

الجواب: نعم، يكونون شهداء على الأمة؛ لأنهم هم الذين بلغوا رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا جاء في الحديث: «أن العلماء ورثة الأنبياء»[(155)].

* * *

قال الله تعالى: { {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا *}} [النساء: 42] .

{ {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} } هذا موقع الاستفهام والتفخيم.

وقوله: { {يَوْمَئِذٍ} }: يعني يوم إذ نأتي من كل أمةٍ بشهيد وبك شهيداً على هؤلاء، يود الذين كفروا، والمودة: هي التمني وهي أعلى المحبة؛ أي: يحبون محبة هي أعلى المحبة.

قوله: { {كَفَرُوا بِآيَاتِنَا} } أي: جحدوا ما يجب الإيمان والإقرار به.

قوله: { {وَعَصَوُا الرَّسُولَ} } أي: خالفوا أمره فلم يمتثلوا الأمر ولم يجتنبوا النهي؛ لأن المعصية هنا تشمل التفريط في الأوامر وكذلك فعل النواهي.

وقوله: { {وَعَصَوُا الرَّسُولَ} } الرسول هنا المراد به الجنس، وليس المراد به العهد؛ لأنه يشمل كل رسول.

قوله: { {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ} } { {تُسَوَّى} }: فيها قراءتان { {تُسَوَّى} } و«تَسَوَّى»، فعلى قراءة الضم { {تُسَوَّى} } تكون الأرض نائب فاعل، وعلى قراءة الفتح تكون الأرض فاعلاً، ومعنى { {تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ} } أي: يدفنون فيها ولا يظهرون فيها، فيكونون كأنهم جزء من الأرض ولا يحاسبون.

وقوله: { {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} } الواو حرف عطف، وجملة { {وَلاَ يَكْتُمُونَ} } معطوفة على قوله: { {يَوَدُّ} } وليست على قوله: { {تُسَوَّى} }، وذلك لأنها لو كانت عطفاً على { {تُسَوَّى} } لفسد المعنى، إذ يكون المعنى: يودون لو أنها تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً، فعلى هذا التقدير يكونون قد أقروا بما هم عليه، وكتموا الحديث لو جعلناها معطوفة على { {تُسَوَّى} }، والواقع أنهم لم يكتموا الله شيئاً، ولهذا يودون لو تسوى بهم الأرض والحال أنهم لا يكتمون الله حديثاً؛ أي: يقرون بالكفر والشرك.

وقوله: { {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} } أي: ما يحدثون به عن أنفسهم، بل يقرون إقراراً كاملاً بأنهم كفروا وعصوا الرسول.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ بيان ما تؤول إليه حال الكفرة العاصين للرسول صلّى الله عليه وسلّم، حيث يتمنون أنهم لم يخلقوا وأن الأرض سويت بهم.

2 ـ الحذر من معصية الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لقوله: { {وَعَصَوُا الرَّسُولَ} }.

3 ـ وجوب العمل بما في السنة وإن لم يكن في القرآن، وتؤخذ من قوله: { {وَعَصَوُا الرَّسُولَ} }؛ لأن هناك أوامر صدرت من الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولم تكن في القرآن، فيجب العمل بها.

4 ـ شدة حسرة أولئك الكفار يوم القيامة، أنهم يتمنون أنهم لم يخلقوا وأن تسوى بهم الأرض ويدفنون فيها، ولكن هذا لا ينفعهم.

5 ـ أن هؤلاء الكافرين العاصين يقرون بما هم عليه، فلا يكتمون الله حديثاً.

6 ـ أنهم لا يكتمون أي حديث كان؛ لأن { {حَدِيثًا} } نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، فهم يقرون بكل ما عملوا، ولهذا: { {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}} [الملك: 8] فيقولون: { {بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ *}} [الملك: 9 ـ 10] .

فإن قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وقوله تعالى: { {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ *}} [الأنعام: 23] ، فإن هذا صريح في أنهم ينفون أن يكونوا مشركين، وهذه آية صريحة في أنهم لا يكتمون؟

فالجواب: أن القيامة ليست ساعةً أو ساعتين حتى تتصادم الأقوال فيها، بل القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير وتتبدل، فهم أحياناً يقولون كذا وأحياناً يقولون كذا؛ لأنهم يريدون الخلاص، فكل وسيلة يظنونها سبباً للخلاص يسلكونها حتى وإن تناقضوا، فهم لا يكتمون الله حديثاً، ولكن إذا رأوا نجاة أهل التوحيد { {قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}} [الأنعام: 23] ، من أجل أن تحصل لهم النجاة، ولكنها لا تحصل إذا قالوا: {{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}}، والذي يفضحهم:

{ {تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}} [النور: 24] ، وكذلك الجلود، حتى إنهم يوبخون جلودهم: { {لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}} [فصلت: 21] .

إذاً: فالجمع بينهما: أن أحوال القيامة تتغير. وهكذا تأتي آيات يظن أن فيها تعارضاً، مثل قوله تعالى: { {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}} [آل عمران: 106] ، { {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ}} [الزمر: 60] وفي آية أخرى: { {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا}} [طه: 102] فنقول: يوم القيامة أحواله تتغير حيث تسود الوجوه، ويحشرون زرقاً وتتغير؛ لأن المدة خمسون ألف سنة، فنحن بيننا وبين الرسول صلّى الله عليه وسلّم ألف وأربعمائة، وهذا خمسون ألف سنة، أعاننا الله على أهواله، فالمسألة ليست هينة، فتختلف الأحوال وتتغير.

7 ـ أن هؤلاء المجرمين الكافرين العاصين يسألون عن ذنوبهم سؤال توبيخ، بدليل قوله: { {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} }، لكنهم لا يحاسبون كحساب المؤمن، ولا توزن أعمالهم، فالمؤمن تعرض عليه أعماله فإذا أقر بها قال الله عزّ وجل: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»[(156)]، ولا مناقشة؛ لأنه لو نوقش لهلك، أما هؤلاء فإنهم ينادى على رءوس الأشهاد يوم القيامة: { {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}} [هود: 18] .

ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: إنهم لا يحاسبون حساب من توزن أعماله وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم، فلا توزن لهم أعمال، لقوله تعالى: { {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً}} [الكهف: 105] .

* * *

قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا *}} [النساء: 43] .

إذا صدر الله الآية بـ{ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } دل ذلك على أهمية الموضوع؛ لأن النداء يسترعي الانتباه، فإذا خاطبك أحد وناداك يا فلان، فإنه يريد منك أن تنتبه، والذي ينادينا هو الله رب العالمين. ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه»[(157)].

ثم إن الله تعالى إذا صدر هذا النداء بوصف الإيمان دل ذلك على أن امتثاله إن كان أمراً، وتصديقه إن كان خبراً من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا ينادى شخص بوصف ثم يوجه إليه الأمر أو الخبر إلا لأنه أهل لقبول هذا الأمر، وتصديق هذا الخبر بما معه من هذا الوصف.

ويفيد أيضاً: أن مخالفة هذا نقص في الإيمان، فإذا كان أمراً فخولف أو خبراً فكذب، فإن هذا ينافي الإيمان.

ويفيد أيضاً معنى ثالثاً: وهو ما يعرف بالإغراء؛ أي: تحبيب الشيء إلى الإنسان؛ لأنه إذا قيل: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } كأنه قيل: إن كنت مؤمناً فافعل، كما تقول للرجل: يا أيها الكريم قد نزل بك ضيف، تعني: فأكرمه.

قوله: { {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} } أي: لا تصلوا ولا تتهيئوا للصلاة والحال أنكم سكارى، ولا تأتوها إلا وأنتم على أتم ما يكون من الإحساس واليقظة، ولهذا نعرب الواو في قوله { {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} } حالية، والجملة { {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} } في محل نصب على الحال من الواو في قوله: { {لاَ تَقْرَبُوا} }، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، والمصلي يناجي الله عزّ وجل ويخاطبه، ويحاوره، فإذا قال: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} } يقول الله: « حمدني عبدي » وإذا قال:

{ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}} [الفاتحة] ، فيقول: أثنى علي عبدي، ويقول: { {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *} } [الفاتحة] فيقول: مجدني عبدي، ويقول: { {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} [الفاتحة] فيقول: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، ويقول: { {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}} [الفاتحة] فيقول: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»[(158)]، فما كان هذا شأنه فإنه يجب أن يعتنى به، وأن يدخل الإنسان فيه وهو على أتم ما يكون صحوة، وأتم ما يكون يقظة.

والصلاة: اسم جنس تشمل صلاة الفريضة وصلاة النافلة.

وقوله: { {سُكَارَى} } جمع سكران، والسكران: من زال عقله على سبيل الطرب والنشوة، وبهذا يظهر الفرق بين السكران والمغمى عليه والمبنج وما أشبهه، فالسكران يتغطى عقله لكن يجد طرباً ولذة ونشوة حتى يتخيل أنه ملك من الملوك، كما قال شاعر الجاهلية:

ونشربها فتتركنا ملوكاً

وكما وقع لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين شرب الخمر، قبل أن تحرم حتى سكر، فمر به بعيران ناضحان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان عنده مغنية تغنيه فقالت:

ألا يا حمزُ للشرف النواء

فهيجته فأخذ السيف وجب أسنمة البعيرين وبقر بطونهما، وأخرج أكبادهما، فجاء علي رضي الله عنه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يشتكي، فقام النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى حمزة رضي الله عنه، فلما جاء إليه وجده لم يفق بعد فكلمه، فقال له حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لآبائي[(159)].

إذاً: تصور أنه ملك، وأن هؤلاء عبيد أبيه، فرجع النبي عليه الصلاة والسلام وعرف أن الرجل لا يدري ما يقول، وتركه.

فالسكارى جمع سكران، وهو من تغطى عقله على وجه اللذة والطرب، وذلك بشرب المسكر، أما البنج فليس بسكر، والإغماء ليس بسكر وإن تغطى العقل.

والسكر يكون بالشراب، ويكون بالشم، ويكون بالأكل، فكل ما أسكر فهو خمر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام»[(160)].

وقوله: { {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} } لفظاً ومعنىً، وما تفعلون كذلك من باب أولى، لأن الذي لا يعلم القول لا يعلم الفعل، وكثير من الناس لا يفهم من الفعل شيئاً، وبعض الناس يفهم من الفعل أكثر مما يفهم من القول، و{ {حَتَّى} } تأتي للتعليل وتأتي للغاية، ففي قوله تعالى: { {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}} [طه: 91] لا شك أنها للغاية؛ لأن بقاءهم عاكفين على العجل لا يستلزم مجيء موسى.

وفي قوله تعالى: { {لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا}} [المنافقون: 7] ، هذه للتعليل؛ لأننا لو جعلناها للغاية كان المعنى: لا تنفقوا حتى ينفضوا فإذا انفضوا فأنفقوا، ولكن المعنى: لا تنفقوا على من عند رسول الله لأجل أن ينفضوا عنه، وهذا هو المعنى بلا شك؛ لأنهم ليسوا على استعداد إذا انفضوا عن رسول الله أن ينفقوا عليهم.

وهذه الآية التي معنا: { {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} } هل المعنى: «إلى أن تعلموا ما تقولون» أو المعنى: «لتعلموا ما تقولون»؟ فيها وجهان، وتصلح لهذا وهذا، وإذا كانت صالحة للوجهين ولا منافاة بينهما فإنها تحمل عليهما، فنقول: السكران لا يقرب الصلاة حتى يعلم ما يقول؛ أي: حتى يصحو صحواً تاماً، ولا يقرب الصلاة لأجل أن يعلم ما يقول في صلاته وما يفعل.

قوله: { {وَلاَ جُنُبًا} } يعني: ولا تقربوا الصلاة جنباً، والحال هنا صارت مفردة، وفي الأول قال: { {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} }، فالله أعلم هل هذا من باب اختلاف التنوع في الألفاظ، أو لسبب يظهر بالتأمل.

وقوله: { {وَلاَ جُنُبًا} } كلمة «جنب» مفردة لفظاً، ولكنها صالحة للجماعة وللواحد، ولهذا قال: { {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} } ولم يقل: إلا عابر سبيل، إذاً: «جنب» حال من فاعل { {تَقْرَبُوا} }، أو معطوفة على الجملة الحالية من فاعل { {تَقْرَبُوا} }.

قوله: { {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} } أي: مجتازين مارين، وكيف يتفق هذا مع الصلاة؟

الجواب: نقول: إن الله لم يقل لا تصلوا، بل قال: { {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ} }، وأماكن الصلاة هي المساجد، وعلى هذا يكون المعنى: ولا تقربوا أماكن الصلاة وأنتم جنباً إلا عابري سبيل؛ أي: مارين بها مروراً، والعبور بمعنى التجاوز، والسبيل بمعنى الطريق.

وقوله: { {حَتَّى} } للغاية، وهو غاية لقوله: { {وَلاَ جُنُبًا} }، أما { {سُكَارَى} } فغايتها { {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} }.

قوله تعالى: { {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}}، هذا كالاستثناء من قوله: { {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} }، ففي هذه الأحوال لا يجب الغسل، ويغني عنه التيمم.

وفي قوله: { {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ} } قراءتان: الأولى بتحقيق الهمزتين { {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ} } والثانية: بحذف إحداهما «أو جا أحد».

وفي قوله: { {لاَمَسْتُمُ}} قراءتان أيضاً: الأولى بالمد { {لاَمَسْتُمُ}}، والثانية بحذف المد: «لَمَسْتُم».

قوله: { {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} } وأطلق الله المرض، فلم يقل وأعجزكم عن الاغتسال، لكن يؤخذ من آيات أخرى أن المراد بالمرض: المرض، الذي يؤثر عليه استعمال الماء.

وقوله: { {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} } أطلق أيضاً ولم يقيد، لكن نقول: إن قوله: { {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} } قيد هذا الإطلاق؛ أي: على سفر ولم تجدوا ماء.

قوله: { {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ} } { {أَوْ} } هذه أشكلت على أهل العلم؛ لأن ظاهرها التنويع مع قوله: { {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} } والتنويع مشكل؛ لأنها ليست قسيماً لما سبق، ولا نوعاً مما سبق.

والجواب عن هذا الإشكال: أن نقول: إن «أو» بمعنى الواو، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، وعلمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»[(161)] فقوله: «سميت به نفسك أو أنزلته...» الإنزال ليس قسيماً للتسمية، ولا نوعاً من التسمية، لكن معنى الحديث: «سميت به نفسك وأنزلته في كتابك وعلمته أحداً من خلقك، واستأثرت به في علم الغيب عندك» فالآية معناها والله أعلم: «أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء».

وقوله: { {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} } الغائط: المكان المطمئن المنخفض من الأرض، وعبر به عن الخارج المستقذر وهو البول والغائط؛ لأنهم كانوا فيما سبق ليس عندهم كنف ولا حمامات، وإنما يخرج الإنسان إلى البر، فيختار مكاناً مطمئناً من أجل أن يقضي حاجته، فحال الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، البيوت ليس فيها بيوت خلاء، ولا مراحيض إلا فيما بعد، وكان الناس ينتابون المكان المنخفض لقضاء الحاجة، والمكان المنخفض يسمى غائطاً؛ أي: نازلاً، وفي اللغة العامية يقولون: ماء غويط، ومعناه: نازل منقعر.

قوله: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ}} وفي قراءة: «لَمَسْتُم»، اختلف المفسرون في معناهما على قولين: القول الأول: أن معناهما واحد فالمراد الجماع، وقيل: لامستم للجماع، ولمستم لمجرد اللمس، ولكن الصحيح أن معناهما واحد، ولكن الفرق بينهما أن اللمس من جانب واحد، والملامسة من جانبين؛ كالقتل من جانب واحد، والمقاتلة من جانبين.

والمراد باللمس: الجماع، وإنما اخترنا ذلك من أجل أن تكون في مقابل قوله: { {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} } الذي فيه اشارة إلى سبب الوضوء؛ لأنه لو كان المراد اللمس باليد لكان في الآية تكرار وإهمال؛ أي: تكرار لحدث أصغر؛ لأن المجيء من الغائط هو الحدث الأصغر، ولمس النساء باليد حدث أصغر، وفيه إهمال للحدث الأكبر، فإذا قلنا الملامسة الجماع في قوله: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} } صارت الآية تذكر الحدثين جميعاً الأصغر والأكبر.

أما لو قلنا { {لاَمَسْتُمُ}} بمعنى اللمس باليد، وأن اللمس باليد ناقض للوضوء، لم يكن في الآية إلا ذكر سببين لحدث واحد، وهو الحدث الأصغر، وهذا نوع من التكرار.

وقوله: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} } النساء اسم جنس يشمل الأحرار والعبيد، ويشمل الجميلة وغير الجميلة، ويشمل الصغيرة، ولكنه لا يشمل الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك في الفوائد.

وقوله تعالى: { {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} }: الفاء هذه حرف عطف على قوله: { {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} } ونفي الوجدان يدل على الطلب؛ لأنه لا يقال لم يجد إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، وأما من لم يطلب، فلا يصح أن يقال: إنه لم يجد.

قوله: { {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} } تيمموا: أي اقصدوا؛ لأن التيمم في اللغة بمعنى القصد، كما قال تعالى: { {وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ}} [البقرة: 267] أي: لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، وقال الشاعر:

تيممتها من أذرعات وأهلها***بيثرب أدنى دارها نظر عال

تيممتها؛ أي: قصدتها.

وأما الصعيد: فهو وجه الأرض؛ لأنه صاعد ظاهر بيِّن، وكل ما على وجه الأرض، أو وجه الأرض؛ سواء كان أحجاراً أو رمالاً أو تراباً أو غير ذلك.

وأما قوله: { {طَيِّبًا} }، فالطيب ضد الخبيث، وإذا كان المقصود من هذا التيمم التطهر صار الطيب هو الطهور، وإن شئت فقل: الطاهر، وهو كذلك، فالطيب هنا هو الطاهر.

قوله: { {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} } معطوف على قوله: { {فَتَيَمَّمُوا} }.

وحد الوجه من الأذن إلى الأذن عرضاً، ومن منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية طولاً، هذا هو الوجه.

وأما قوله: { {وَأَيْدِيكُمْ} } فهنا أطلق الله اليد، وإذا أطلقت اليد فالمراد بها الكف فقط، ولا يراد بها ما زاد على ذلك.

قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} } الجملة هذه تعليل لما سبق من الأحكام؛ أي: لعفوه ومغفرته شرع لكم التيمم عند عدم وجود الماء أو عند المرض، والعفو هو التجاوز عن عباده في ترك الواجب وفعل المحرم، وعفو الله عزّ وجل عفو كامل مقرون بالقدرة، لقوله تعالى: { {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا}} [النساء: 149] ، بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز؛ أي: العجز عن الأخذ بالثأر.

وقوله: { {غَفُورًا} } الغفور: هو الساتر للذنوب المتجاوز عنها، فإذا أضيف العفو إلى المغفرة حصل الكمال، وهو أن العفو لترك الواجب، والمغفرة لفعل المحرم.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أهمية الصلاة والعناية بها، وجه ذلك: أن الله تعالى صدر الحكم المتعلق بالصلاة بالنداء لاسترعاء الانتباه.

ـ ومما يدل على العناية بها أن الله صدر الخطاب بذلك بوصف الإيمان: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} }، فدل هذا على أهمية الصلاة، وعلى العناية بها.

2 ـ حل الخمر بقوله: { {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} }، فإن هذا رخصة للناس أن يشربوا الخمر في غير أوقات الصلاة، وهذه إحدى المراحل التي كانت في الخمر؛ لأن الخمر له أربعة مراحل: الإباحة، والتعريض بتركه، والنهي عن شربه قرب وقت الصلاة، والنهي عن شربه مطلقاً، وقد أجمع المسلمون على تحريم الخمر، وصار تحريمه من الأمور الظاهرة المجمع عليها، حتى قال العلماء: إن من أنكر تحريمه فإنه كافر، إلا أن يكون ناشئاً في بلد بعيد عن بلاد المسلمين، فإنه يعرَّف، ثم بعد ذلك يبين له.

3 ـ أنه لا حكم لقول السكران، لقوله: { {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} }، فإنه يدل على أن السكران لا يعلم ما يقول، وإذا كان لا يعلم ما يقول صار قوله لغواً لا عبرة به، وهذا هو القول الراجح، حتى لو طلق فإنه لا يقع طلاقه، ولو أعتق فإنه لا ينفذ عتقه، ولو وقف لا ينفذ إيقافه، وأيّ قول يقوله فإنه لا عبرة به؛ لأنه لا يعلم ما يقول.

ـ ويتفرع على هذه الفائدة أن الإنسان إذا غضب غضباً شديداً حتى صار لا يعلم ما يقول فإنه لا عبرة بقوله، حتى لو كان كفراً وحمله على ذلك شدة الغضب فإنه لا عبرة بقوله، لقوله: { {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} }، فدل ذلك على أن جهل الإنسان بما يقول له أثر في تغير الحكم، وكذلك لو طلق في شدة الغضب وهو لا يعلم ما يقول، بل لو أنه طلق وهو يعلم ما يقول لكن صار كالمكره من شدة الغضب، فإنه لا حكم لقوله، ولا تطلق المرأة بذلك.

4 ـ الحث على حضور القلب في الصلاة، لقوله: { {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} }، والقلب إذا غاب فإن الإنسان لا يعلم ما يقول، وإنما يقول على سبيل العادة فقط، وإلا لو أنه رجع إلى نفسه لتبين له أنه لا يدري ما يقول؛ أي: لا يدري معنى ما يقول، وإن كان قد يدري أنه لفظ.

5 ـ أن فيه شاهداً لنهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الصلاة في حضرة الطعام، أو وهو يدافعه الأخبثان[(162)]، ووجه ذلك: أن الصلاة في هذه الحال ينقصها العلم بما يقول المصلي.

6 ـ ومنها ما ذهب إليه بعض العلماء: من أن الوسواس إذا غلب على أكثر الصلاة فإنها لا تصح، يعني لو غلب الوسواس والهواجس في الصلاة أو على أغلبها، فإنها لا تصح، لقوله تعالى: { {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} }.

ولكن هذه المسألة الصحيح فيها أن الصلاة تصح، لكنه لا ينال الثواب الكامل، ودليل ذلك ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول له: اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى»[(163)] ، وهذا يدل على أن الوسواس في الصلاة لا يبطلها، لكن لا شك أنه ينقصها، لقوله: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها»[(164)].

7 ـ تحريم مكث الجنب في المسجد، لقوله: { {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} }، وهذا هو أصح الأقوال في هذه الآية؛ أي: أن المراد بذلك النهي عن قربان الجنب للمساجد إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا توضأ الجنب، فإنه إذا توضأ يجوز له المكث في المسجد؛ لأن هذا ورد فيه آثار عن الصحابة رضي الله عنهم، أنهم كانوا يفعلون هذا في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم[(165)].

8 ـ أن العبور ليس كالمكث، وعليه: فإن الإنسان لو مر عابراً بالمسجد فإننا لا نلزمه أن يصلي تحية المسجد لأنه عابر، بخلاف ما إذا مكث وجلس فإننا نقول له: لا تجلس حتى تصلي ركعتين.

9 ـ أن منع الجنب من دخول المسجد يزول إذا اغتسل، لقوله تعالى: { {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} }، ويزول بالوضوء، للآثار الواردة عن الصحابة.

10 ـ الإشارة إلى القاعدة المعروفة المتفق عليها، وهي أن المشقة تجلب التيسير، ووجهه: أن الله تعالى أجاز للمريض أن يتيمم، ولكن هل يتيمم لكل مرض، أو يتيمم إذا كان استعمال الماء يؤدي إلى الموت؟

الجواب: من العلماء من يقول: لا يتيمم إلا كان يخاف الموت، أما إذا كان يخاف طول المرض، أو تشويه الجسم، فإنه لا يتيمم.

ومنهم من قال: يتيمم لكل مرض، والصواب أنه لا هذا ولا هذا، فيتيمم لكل مرض يخشى باستعمال الماء فيه أن يطول مرضه، أو يزيد مرضه، أو يسري الجرح حتى يؤثر في البدن، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه متى حصل شيء يضره، فإنه يتيمم ولا بأس.

11 ـ أن المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم، ولا ينتظر حتى يجد الماء في البلد، لقوله: { {أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} }.

12 ـ أنه لا يجوز التيمم في الحضر عند عدم الماء؛ لأن الله تعالى شرط للتيمم شرطين: الأول: عدم الماء، والثاني: السفر، والصحيح أنه جائز؛ لأنه ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تيمم في الحضر، وذلك في قصة الرجل الذي جاء وسلم على النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم يرد عليه حتى تيمم على الجدار، وقال: «إني أحببت ألا أذكر الله إلا على طهر»[(166)]، وهذا نص في النزاع، ولأن العلة واحدة وهي عدم الماء، فلو فرض أن الماء انقطع عن البلد ولم يجد الإنسان ماء يتطهر به فإنه يتيمم؛ لأن العلة واحدة، لكن ذكر السفر لأنه مظنة العدم، وكما مر علينا أن القيد إذا كان أغلبياً فإنه لا مفهوم له.

13 ـ أن السفر ليس له حد معين، ووجهه: الإطلاق في قوله: «أو على سفر»، ولم يقل مسافة كذا، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، ولا يحد بثمانين كيلو، ولا مائة كيلو، ولا أربعين كيلو، بل حده أن يقع عليه اسم السفر، فإذا وقع عليه اسم السفر ثبتت له أحكام السفر، ولم يحدد الله ولا رسوله السفر بمسافة معينة.

14 ـ أن البول والغائط ناقضان للوضوء، لقوله: { {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} }، وهناك نواقض أخرى سوى ذلك:

منها: النوم إذا كان عميقاً، بحيث لو أحدث الإنسان لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يحس الإنسان بنفسه لو أحدث، فإنه لا ينقض الوضوء، وفيه خلاف، ولكن الصحيح أنه ينقض الوضوء إذا كان عميقاً.

ومنها: أكل لحم الإبل، فإنه ناقض للوضوء، ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه حديثان صحيحان، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما.

ومنها: الخارج من غير السبيلين إذا كان نجساً كالدم، وفيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا ينقض الوضوء، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانت تصيبهم الجراحة في سبيل الله، وتصيبهم الجراح أيضاً في غير القتال، ولم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه أمرهم بالوضوء من ذلك، ومثل هذا تتوافر الدواعي على نقله.

ولأننا نقول: الوضوء ثبت بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة التي حصلت في الوضوء إلا بدليل شرعي، وليس هناك دليل يدل على أن خروج الدم من البدن أو غيره من النجاسات من غير السبيلين ناقض للوضوء، وعلى هذا فالرعاف ولو كثر، والجرح إذا كثر حتى نزف الدم منه لا يكون ناقضاً للوضوء.

ومنها: مس الذكر، وإن شئت فقل: مس الفرج، وفيه للعلماء أقوال: أنه ناقض مطلقاً، وأنه غير ناقض مطلقاً، والتفصيل، وهو الأظهر، وهذا هو مقتضى التعليل الذي علل به النبي صلّى الله عليه وسلّم عدم النقض، فإنه لما سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء، قال: «لا، إنما هو بضعة منك»[(167)] أي: جزء منك، فإذا مسه الإنسان بغير شهوة، فهو كما لو مس بقية أعضائه فليس عليه وضوء ولا إشكال في هذا، لكن إذا مسه لشهوة فهل الوضوء واجب، أو الوضوء مستحب؟

فيه قولان للعلماء: منهم من قال إنه مستحب؛ لأن الشهوة تثير البدن، ومنهم من قال: إنه واجب، والأحسن بل والأحوط أن يتوضأ.

ومنها أيضاً: مما اختلف فيه العلماء: تغسيل الميت، ومس المرأة، والقيء والصحيح في هذا أنه لا ينقض.

وعلى هذا فالنواقض التي نرى أنها ناقضة والتي دلت عليها النصوص عندنا هي: من البول، والغائط والريح، والنوم العميق، وأكل لحم الإبل، ومس الذكر لشهوة على سبيل الاحتياط.

15 ـ أن مجامعة النساء حدث، لقوله: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} }، وهو حدث أكبر كما دلت على ذلك آية المائدة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا جامع المرأة أن يغتسل، سواء أنزل أم لم ينزل.

وكان في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع ولم ينزل، فإنه يغسل ذكره وما أصاب المرأة منه، ولا يجب عليه الغسل، ثم بعد هذا نسخ، فصار الاغتسال من الجماع واجباً وإن لم يحصل إنزال، أما إذا حصل إنزال من جماع أو غير جماع فإن الغسل واجب، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الماء من الماء»[(168)].

16 ـ أنه يشترط في جواز التيمم عدم الماء، أو التضرر باستعماله، وعدم الماء مأخوذ من قوله: { {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} }، والتضرر باستعماله من قوله: { {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} }، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون تيمم إلا إذا تعذر استعمال الماء لعدم أو لضرر باستعماله.

17 ـ جواز التيمم على وجه الأرض كله؛ من رمل، أو حصى، أو تراب، أو سبخة، أو جص، أو غير ذلك، لقوله تعالى: { {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} } ولم يقيد، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين»[(169)].

واختلف العلماء فيما إذا كان من غير جنس الأرض كالشجرة، هل يجوز التيمم به، أو لا؟ فمنهم من أجاز التيمم به، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كان متصلاً بالأرض، فأما الغصن المنكسر المرمي في الأرض فإنه لا يتيمم به، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلو تيمم الإنسان بجذع شجرة متصل بالأرض فلا بأس، ولكن لا شك أن تيممه على نفس الأرض أولى وأحوط وأبعد عن الخلاف.

واختلف العلماء رحمهم الله: هل يشترط أن يكون له غبار أو لا؟

فقال بعض العلماء: لا بد أن يكون له غبار، لقوله تعالى في آية المائدة: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}} [المائدة: 6] و«من» للتبعيض، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يمسح به.

ومنهم من قال: لا يشترط أن يكون له غبار، واستدلوا بهذه الآية: { {بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} } ولم يقل: «منه»، واستدلوا بأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه لما أرى عمار بن ياسر رضي الله عنه كيف يتيمم «أنه ضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما»[(170)]، ولو كان الغبار شرطاً لم ينفخ؛ لأن النفخ يلزم منه أن يطير الغبار، والصواب أنه لا يشترط الغبار وأن الإنسان إذا تيمم على الأرض صح تيممه، سواء كان فيها غبار أم لم يكن.

18 ـ أنه لا بد مع المسح من القصد، لقوله: { {فَتَيَمَّمُوا} } { {فَامْسَحُوا} }، وعلى هذا فلو هبت الريح وحملت تراباً ووقف الإنسان أمام الريح حتى ملأت وجهه من الغبار، ومسح وجهه، فقال بعض أهل العلم: إنه يجزئ، والأحوط أن لا يجزئ، وذلك لأن الله أمر بأن نقصد وجه الأرض، ونمسح منه.

19 ـ الحكمة في التشريع، ووجه ذلك: أن الله فرق بين طهارة الماء وطهارة التيمم، فطهارة الماء من الجنابة لا بد أن تعم جميع البدن، ومن الحدث الأصغر لا بد أن تعم الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين.

أما طهارة التيمم فإنها لا تكون إلا في عضوين فقط، وهما: الوجه، واليدان، ولا فرق فيها بين الطهارتين الكبرى والصغرى، والحكمة من ذلك: أن الطهارة بالماء فيها تطهير حسي واضح، وطهارة التيمم فيها تطهير معنوي، وهو كمال التعبد والتذلل لله عزّ وجل، بحيث إن الإنسان يمسح بالتراب وجهه وكفيه، وهذا دليل على كمال التعبد.

20 ـ وجوب الترتيب بين مسح الوجه في التيمم ومسح اليدين، بحيث يقدم الوجه، والدليل على هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أقبل على الصفا وقرأ: { {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}} [البقرة: 158] ، «أبدأ بما بدأ الله به»[(171)]، وفي لفظ للنسائي رحمه الله: «ابدءوا بما بدأ الله به»[(172)]، وإذا كان الله بدأ هنا بالوجوه، فإننا نبدأ بها، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:

فمنهم من قال: يشترط الترتيب في التيمم مطلقاً، سواء تيمم عن حدث أصغر أم عن حدث أكبر.

ومنهم من قال: لا يشترط الترتيب مطلقاً، سواء تيمم عن حدث أصغر، أو عن حدث أكبر.

ومنهم من قال: إن كان عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن كان عن حدث أكبر لم يجب، قالوا: لأنه إذا كان عن حدث أصغر كان بدلاً عن طهارة يجب فيها الترتيب، والبدل له حكم المبدل، وإن كان عن غسل فالغسل لا يشترط فيه الترتيب، فيكون بدله لا يشترط فيه الترتيب وهو التيمم.

والأحوط أن يرتب فيبدأ بالوجه ثم باليدين.

21 ـ أنه لا يجب في التيمم مسح الذراع، لقوله: { {بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} } وأطلق، واليد عند الإطلاق هي الكف، ودليل ذلك قوله تعالى: { {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ، وقد أجمع العلماء على أن السارق لا تقطع يده إلا من مفصل الكف ولا تقطع من المرفق، وهنا أطلق الله تعالى اليد كما أطلقها في القطع في السرقة، وإذا أطلقت فالمراد الكف.

فإن قال قائل: أفلا يجب المسح إلى المرفق قياساً على الوضوء؟

فالجواب: أن نقول: القياس لا بد فيه من مساواة الفرع للأصل، وهنا لا يمكن تساوي الفرع والأصل للتباين العظيم بين طهارة التيمم وطهارة الماء، فطهارة التيمم أخف بكثير من طهارة الماء، فلا يجب إلا أن نطهر عضوين فقط، والطهارة متساوية في الحدث الأصغر والأكبر.

والطهارة هذه أيضاً ليس فيها مضمضة ولا استنشاق، ولا إيصال التراب إلى ما تحت الشعور ولو كان خفيفاً، والفرق بين طهارة الماء والتيمم كبير جداً، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.

22 ـ إثبات هذين الاسمين لله عزّ وجل «العفو والغفور» : لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} }.

23 ـ إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من الصفة وهي: العفو والمغفرة.

وهذا الوصف لا يدل على أنه كان لله ثم زال؛ لأن «كان» فعل ماض، لكنها في هذا السياق وشبهه قد سلبت عنها الدلالة على الزمن، وكان المراد بها تحقيق الاتصاف بما دلت عليه، وهذا في القرآن كثير بالنسبة لأسماء الله وصفاته.

* * *

قال الله تعالى: { {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ *}} [النساء: 44] .

{ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ}} الاستفهام هنا للتقرير؛ أي: يقرر الله سبحانه ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي، والخطاب في قوله: { {أَلَمْ تَرَ} } يحتمل أن يكون للرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب.

قوله: { {إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا} } أي: أعطوا نصيباً، فـ{ {أُوتُوا} } هنا تنصب مفعولين، المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: { {إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا} }، والذي آتاهم نصيباً من الكتاب هو الله عزّ وجل، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى، لكن هو في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: { {يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ} } أي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى يحصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشراء ينبئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد.

وقوله: { {يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ} } أي: { {بِالْهُدَى}} كما قال الله تعالى في آية أخرى: { {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى}} [البقرة: 16] ، وهذا الشراء أخسر أنواع الشراء، ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: { {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}} [البقرة: 16] .

وقوله: { {يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ} } هذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، ولكن شرهم ليس قاصراً

ولذلك قال: { {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} } أي: مع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضاً إلى غيرهم، فيريدون أن تضلوا السبيل؛ أي: الطريق إلى الله عزّ وجل، وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة، ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة، فتارة بالانحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، فهم يرون السلاح الذي هو أنكأ فيستعملونه ولا يبالون، يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل.

فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟

الجواب: أن نقول: لأنهم ضُلاَّل، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال يخاطب الله عزّ وجل: { {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأََقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ *ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ *}} [الأعراف: 16 ـ 17] ، وتأمل قوله: { {لأََقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ} } ولم يقل «على صراطك، ولا في صراطك»، بل حذف حرف الجر، ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك، فهو يقعد لنا على الصراط خارجاً حتى لا ندخل، وفي الصراط داخلاً حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان، كما قال تعالى: { {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ}} [النساء: 76] ، وإذا كانوا أولياءه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم، ولكنه لا ينتفع به، مثل هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، ومع ذلك لم ينتفعوا به واشتروا الضلالة بالهدى.

2 ـ أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه بهؤلاء، فمن آتاه الله علماً ولم ينتفع به فهو شبيه بهؤلاء، ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى»، وهذا صحيح.

3 ـ أنها شاهدة لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «القرآن حجة لك أو عليك»[(173)]، فكتب الله التي يحملها الناس، إما لهم وإما عليهم.

4 ـ حب هؤلاء للضلالة والشر، لقوله: { {يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ} }.

5 ـ الحذر من هؤلاء، وأنهم مهما عملوا معنا، فإنهم لا يريدون لنا الخير إطلاقاً، لقوله: { {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} }، فهم قد يغدقون علينا من الأموال، ومن المصانع، ومن كل شيء، لكنهم يريدون أن نضل السبيل، والغزو بالدنيا غزو بسلاح فتاك، ورفاهية الإنسان غزو بسلاح فتاك؛ لأن الإنسان كما قال الله تعالى عنه: { {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا *}} [الفجر: 20] ، فإذا أغدق عليه المال الذي يحبه، فإن طبيعة الحال البشرية تقتضي أن يلين مع هذا الذي وفر عليه المال وأغدقه عليه.

6 ـ الثناء على المسلمين بكونهم على السبيل؛ لأن قوله: { {أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} }، ولولا أنهم على السبيل ما حاولوا أن يضلوهم؛ لأن الضال ضال، فأي شيء يحاولون أن يفعل.

7 ـ التحذير من هؤلاء اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ لأنه إذا حذرنا الله ممن أوتوا نصيباً من الكتاب، فتحذيرنا ممن هم عمي صم بكم، من باب أولى.

* * *

قال الله تعالى: { {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا *}} [النساء: 45] .

{ {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} } أي: والله أعلم بأعدائكم منكم؛ لأننا نحن قد يخفى علينا العدو، وقد تخفى علينا تخطيطاته التي يريد بها أن يضلنا، ولكن الله تعالى له بالمرصاد، ففي قوله: { {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} } تسلية لنا، وتهديد لأعدائنا؛ لأنه إذا كان أعلم بأعدائنا فسوف يقينا شرهم إذا تولينا الله، وإن تولينا عن الله سلط علينا هؤلاء الأعداء.

قوله: { {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا} } أي: متولياً للأمور، { {وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} } أي: مدافعاً وناصراً.

فقوله: { {وَلِيًّا} }: منصوب على أنه تمييز محول عن الفاعل؛ لأن الكافي هو الله نفسه، فهي تمييز محول عن الفاعل، والباء في قوله: { {بِاللَّهِ} } قالوا: إنها زائدة، وأن الأصل وكفى الله ولياً، وكفى الله نصيراً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ إثبات علم الله لقوله تعالى: { {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} }.

2 ـ كمال علم الله، حيث جيء به على صيغة التفضيل { {أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} }.

3 ـ تسلية المؤمنين وتقوية عزائمهم، لكونه أعلم بأعدائنا وأنه ناصر لنا وولي لنا.

4 ـ تهديد المشركين وتحذيرهم، لقوله: { {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} }؛ لأننا لو فرضنا ـ ولله المثل الأعلى ـ أن أباك قال لعدوك: أنا أعلم بك وبعداوتك، فسوف يخاف ويحذر.

5 ـ أنه لا بد للمسلمين من عدو بل من أعداء، وكل من كان غير مسلم، فإنه عدو للمسلمين.

6 ـ الثناء على الله سبحانه بالكفاية التامة في الولاية والنصرة، لقوله تعالى: { {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} }.

* * *

قال الله تعالى: { {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً *}} [النساء: 46] .

{ {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} }، { {مِنَ} } هذه للتبعيض.

قوله: { {أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ} } أي: الذين رجعوا، وهم اليهود، رجعوا عن عبادة العجل، فسموا الذين هادوا لقوله تعالى: { {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}} [الأعراف: 156] أي: رجعنا إليك.

وقوله: { {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} } الجملة هذه لا يصح أن تكون مبتدأ؛ لأن الفعل لا يبتدأ به، وإذا لم يصح أن تكون مبتدأ فنعربها صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ، والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.

وقال بعض النحويين: إن { {مِنَ} } التبعيضية اسم، فتعرب على أنها مبتدأ؛ لأن تقدير { {مِنَ} } التبعيضية: بعض الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وعلى هذا فتكون { {مِنَ} } بصورة الحرف ولكنها اسم، وتكون هي المبتدأ، وجملة { {يُحَرِّفُونَ} } هي الخبر، ولا حاجة إلى التقدير.

ولها نظائر في القرآن، مثل قوله تعالى: { {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ}} [التوبة: 101] والتقدير: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، وكل من القولين له وجه:

أما الذين قالوا إن { {مِنَ} } التبعيضية اسم، فيرجح قولهم أننا لا نحتاج إلى تقدير في الآية، وإذا دار الكلام بين التقدير وعدمه فعدم التقدير أولى؛ لأن الأصل عدم الحذف، وأما الثاني فيقويه أن { {مِنَ} } التبعيضية حرف، واستعمالها اسماً إخراج لها عن موضوعها الأصلي، فنكون ارتكبنا مجازاً بتقديرنا إياها اسماً، ويكون تقدير الاسم أرجح، ويسمى هذا إيجازاً بالحذف؛ لأن الإيجاز إيجاز بالحذف، وإيجاز بالقصر، فإذا كانت جملة قليلة لكن تحتمل معنى كبيراً، فهذا إيجاز بالقصر، وإذا كانت جملة فيها أشياء محذوفة، فهو إيجاز بالحذف.

قوله: { {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} } أي: يصرفونه، والتحريف التصريف، ومنه حرف الدابة عن جهة سيرها؛ أي: صرفها، والكلم: اسم جمع واحده كلمة، قال ابن مالك في الألفية:

.................***واسم وفعل ثم حرف الكلم

واحده كلمة والقول عم***وكلمة بها كلام قد يؤم

والمراد بالكلم هنا ما أنزله الله تعالى على رسله من الوحي.

وقوله: { {عَنْ مَوَاضِعِهِ} } أي: يصرفونه عما أراد الله عزّ وجل به؛ لأن ما أراده الله بكلامه فهو موضعه، قال العلماء: والتحريف نوعان: لفظي ومعنوي، وقد ينفرد واحد عن الآخر وقد يجتمعان، ثم التحريف اللفظي قد يتغير به المعنى وقد لا يتغير به المعنى، ولنضرب لكل واحد مثالاً:

فالتحريف اللفظي المعنوي كتحريف بعضهم قوله تعالى: { {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}} [النساء: 164] إلى: «وَكَلَّمَ اللهَ مُوسى تَكْلِيماً»، فهذا تحريف لفظي معنوي، لفظي لأنه جعل لفظ الجلالة منصوباً بعد أن كان مرفوعاً، ومعنوي: لأنه تغير به المعنى، حيث كان دالاً على أن المكلِّم هو موسى.

ومثال التحريف اللفظي الذي لا يتغير به المعنى: أن يقول القارئ { {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} فهنا التحريف لفظي؛ لأنه كان يجب أن يقول {{رَبِّ الْعَالَمِينَ} } لكن هذا التحريف لا يتغير به المعنى.

ومثال التحريف المعنوي مع إبقاء اللفظ على حاله، تحريف أهل التعطيل قول الله تعالى: { {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *}} [طه: 5] إلى معنى: استولى، فهم لم يغيروا اللفظ، فاللفظ قد أبقوه على ما هو عليه، ولم يغيروه، لكن قالوا: المراد بالاستواء الاستيلاء، وهذا تحريف معنوي.

ثم إن هذا التحريف المعنوي سماه متبعوه تأويلاً، وقالوا: التأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى المعنى المخالف للظاهر بدليل، فسموا هذا التحريف تأويلاً، ولكنا نقول: هذه التسمية تمويه على السامع؛ لأن التأويل أن يصرف الكلام عن ظاهره لدليل صحيح، وأما الدليل الذي استدلوا به فهو دليل وهمي وليس له أصل من الصحة، وعليه فنقول: إذا صرف الإنسان الكلم عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر، فإن كان هناك دليل من كتاب أو سنة فإنه مقبول، وإن لم يكن له دليل فإنه غير مقبول.

فقوله تعالى: { {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}} [النحل: 98] أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن.

وهذا تأويل مقبول لأن له دليلاً، وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتعوذ عند إرادة القراءة لا عند إنهاء القراءة، فالدليل فعل الرسول عليه الصلاة والسلام.

وإذا قال قائل: { {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *}} [طه: 5] أي: استولى، قلنا: هذا صرف للكلام عن ظاهره، وهو غير مقبول لأنه لا دليل عليه، فصار التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، إن دل عليه دليل فهو مقبول، ونسميه تفسيراً، وإن لم يدل عليه دليل فهو مرفوض ونسميه تحريفاً.

وهؤلاء الذين هادوا أو بعض هؤلاء الذين هادوا حرفوا الكلم عن مواضعه، بالنسبة لعيسى عليه السلام وبالنسبة لمحمد عليه الصلاة والسلام، أما عيسى عليه السلام فادعوا عليه ما برأه الله منه أنه ولد بغي، وأنه لا يصح أن يكون رسولاً؛ لأن الرسل طاهرون مطهرون، وهذا ولد بغي فليس برسول، وقتلوه حكماً لا حقيقة؛ لأنهم قالوا: { {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ}} [النساء: 157] ، فأقروا على أنفسهم بقتله فيكون لهم حكم الذين قتلوه، أما حقيقة فقد قال الله تعالى: { {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}} [النساء: 157] .

وحرفوا الكلم بالنسبة لمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وقالوا: ليس هذا الرسول المنتظر، وكانوا قبل أن يبعث يستفتحون على الذين كفروا يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونغلبكم، لكن لما بعث من بني إسماعيل، وكانت بنو إسماعيل بني عمهم حسدوهم؛ لأنهم يعرفون صفته في التوراة والإنجيل، ويعرفون أنه أفضل نبي، وكانوا يظنون أنه سيكون من بني إسرائيل على غير الأصل؛ لأنهم لو رجعوا للأصل لوجدوا أن التوراة والإنجيل صرحت بأنه يبعث من أم القرى.

ويقول المؤرخون: إن تجمع اليهود في المدينة إبان بعثة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، كان بناءً على أنهم يعلمون أن مهاجره هي المدينة، فقالوا نستقبله ونؤمن به، فاليهود حرفوا الكلم عن مواضعه بالنسبة لرسالة عيسى عليه السلام وبالنسبة لرسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: { {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }: وهذا غاية ما يكون من المحادة لله عزّ وجل ورسله، أن يقول البشر: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }، والعصيان مخالفة الأمر؛ أي: الخروج عن الطاعة، إن كان أمراً فبتركه، وإن كان نهياً فبارتكابه هذه المعصية.

قوله: { {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} }؛ يقولون للرسول صلّى الله عليه وسلّم: اسمع غير مسمع؛ أي: اسمع أصمك الله حتى لا تسمع، وهذا معنى «غير مسمع»؛ أي: اسمع قولنا حال كونك غير مسمع، والذي لا يسمع هو الأصم، فيدعون عليه بالصمم ويسخرون به؛ لأنهم إذا كانوا يدعون عليه بالصمم فكيف يقولون: اسمع.

وقيل: المعنى اسمع غير مسمع ما تكرهه، لكن هذا بعيد عن سياق الآية، وبعيد عن حال اليهود.

ويحتمل أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع ما يسرك؛ أي: سنقول لك ما يسوؤك، كما قالوا: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }، ولكن هذا يحتاج إلى دليل، وذلك لأن فيه حذفاً يحتاج إلى تقدير؛ أي: غير مسمع ما تكره، هذا في الأول، والثاني غير مسمع ما يسرك، نقول: هذا يحتاج إلى دليل لأن فيه حذفاً، والمعنى الأول يكفي في خزيهم ـ والعياذ بالله ـ أن يقولوا للرسول: اسمع لا أسمعك الله.

وقوله: { {وَرَاعِنَا} } الذي ترد على سمعه هذه الكلمة يظن أنها فعل أمر متصل به ضمير مفعول، وفاعله مستتر وجوباً تقديره أنت؛ أي: راعنا أنت، من الرعاية أو من المراعاة، وكلاهما معنى حسن، لكن هم لا يريدون لا الرعاية ولا المراعاة، وإنما يريدون الرعونة، وهي الجبن والخور وما أشبه ذلك.

وهي كلمة عند اليهود في اللغة السريانية العبرية، فيقولون: راعنا أي: أصابك الله بالرعونة، ولهذا نهى الله المؤمنين عن أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأن اليهود يقولونها يريدون بها سوءاً، فقال تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}} [البقرة: 104] .

قوله: { {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ} } أي: يقولون هذا الكلام { {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} } حيث يظهرون معنى صحيحاً مقبولاً، وهم لا يريدون المعنى الصحيح، فـ{ {غَيْرَ مُسْمَعٍ} } يحتمل غير مسمع ما يسوؤك كما سبق، { {وَرَاعِنَا} } يحتمل أنه من المراعاة أو من الرعاية، وهم يريدون عكس ذلك، فيريدون الدعاء عليه أن لا يسمع، ويريدون الدعاء عليه بالرعونة، وهذا لي باللسان.

ومعنى اللي باللسان أن يريد باللفظ خلاف معناه الظاهر منه؛ لأنه تكلم لكن لوى هذا اللفظ إلى معنى آخر غير الذي يفهم من اللفظ، ولهذا قال: { {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} }، وأصل { {لَيًّا} } «لوياً»، لكن اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، على القاعدة التصريفية.

أما كون هذا لياً بألسنتهم فظاهر، ولكن قوله: { {وَطَعْناً فِي الدِّينِ} } كيف كان طعناً في الدين؟

الجواب: نقول: إنما قالوا: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} } لأنهم لم يرتضوا هذا الدين، وعدم ارتضاء الدين مستلزم للطعن في الدين؛ أي: عيبه مستلزم عيب الدين والقدح فيه، وذلك لأن من ارتضى شيئاً لا يمكن أن يقول إذا أمر به: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }.

وأيضاً: إذا قالوا: { {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} } فهذا طعن في الدين؛ لأنه طعن في الرسول الذي جاء بالدين، والطعن في الرسول طعن بما أرسل به.

وكذلك قولهم: { {وَرَاعِنَا} } إذا كان من الرعونة، فهي أيضاً طعن في الدين، فصار الطعن في الدين في كل الكلمات السابقة:

الأولى: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }.

والثانية: { {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} }.

والثالثة: { رَاعِنَا }.

فكل هذا طعن في الدين، ولهذا قال الله عزّ وجل: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} } بدل قولهم: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }، وقالوا: { {وَاسْمَعْ} } وحذفوا { {غَيْرَ مُسْمَعٍ} }، وقالوا: «وانظرنا» بدل { رَاعِنَا }؛ لأن هذه هي الكلمة التي أمر الله المؤمنين أن يقولوها بدلاً عن قولهم: { رَاعِنَا }، لو أنهم قالوا هكذا { {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} }، والخيرية تشمل خيرية الدين والدنيا، وخيرية الجزاء في الآخرة، و{ أَقْوَمَ }؛ أي: في دينهم وفي حياتهم؛ لأن هذا القرآن كما قال تعالى: { {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}} [الإسراء: 9] ولكن عدلوا عن هذا القول الذي هو خير؛ لأن الله لعنهم بكفرهم.

ولذلك قال: { {وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} }؛ أي: طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب كفرهم، فهم الجناة على أنفسهم، والرب عزّ وجل لم يمنع عنهم فضله، ولكنهم هم الذين تسببوا لذلك فكفروا.

وقوله: { {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} } يعني: هؤلاء الذين قالوا ما قالوا لا يؤمنون إلا قليلاً، وكلمة { {قَلِيلاً} } قال بعض المفسرين: إنها صالحة أن تعود إلى الإيمان وأن تعود إلى الواو في قوله « يؤمنون »، والفرق بينهما:

أننا إذا قلنا: إنها عائدة إلى الإيمان صار المعنى فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً، وإذا قلنا إنها عائدة إلى الواو صار المعنى فلا يؤمنون إلا قليلاً منهم، فالكافر منهم كافر لا إيمان معه، والمؤمن قليل، ورجح بعضهم الأول، وقال: إننا إذا قلنا لا يؤمنون إلا قليلاً منهم لم يستقم الكلام؛ لأن الكلام كله قد سيق لبيان وصف هؤلاء، ولكن يبقى على هذا الترجيح أن يسأل: ما هذا الإيمان القليل وهم يقولون: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }؟

قالوا: إن القليل يأتي بمعنى العدم؛ أي: فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً لا ينفعهم فيكون بمنزلة العدم؛ لأن ما لا نفع فيه كالمعدوم تماماً.

وبعض العلماء أنكر أن يكون الاستثناء من الضمير في قوله: { لاَ يُؤْمِنُونَ } إنكاراً بيناً، ولكن الذي يظهر لي أن الآية محتملة، وأن منهم قوماً يؤمنون، وهؤلاء الذي يؤمنون قد يفهم من قوله: { {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} } يعني: وبعض الذين هادوا لا يقولون هذا فيكونون مؤمنين، ولا شك أنه آمن من اليهود من آمن، وحسن إسلامه واستقام إيمانه، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن من اليهود من استقام فلم يحرف الكلم عن مواضعه، ويؤخذ من التبعيض، حيث جعل مَنْ يحرف الكلم عن مواضعه «بعضهم ».

2 ـ أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود في طريق استعمال الوحي.

3 ـ عدل الله عزّ وجل، حيث تحدث عن اليهود بالقسط، فذكر الموصوفين بالعيب، وأخذ من هذا أن منهم من لم يوصف بذلك، لقوله: { {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} } ولم يقل: كل الذين هادوا، وينبغي للإنسان إذا تحدث عن قوم في مقام التقويم أن يذكر المحسن والمسيء.

أما في مقام التحذير فإنه لا يذكر الإحسان؛ لأن الإحسان لا يتأتى أو لا يتناسب مع إيراد التحذير.

4 ـ شدة عناد اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، لقوله: { {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }، فإنهم لو قالوا: لم نسمع، أو قالوا: سمعنا ولم نفهم، لربما قال قائل: إن هذا عذر، لكن قالوا: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }، فلم يمنعهم شيء عن الطاعة إلا مجرد عصيان.

5 ـ أن من عتا من هذه الأمة وقال: أنا أعلم أن صلاة الجماعة واجبة ولكن لا أصلي مع الجماعة، نقول: من قال ذلك فهو يشبه اليهود الذين قالوا: { {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} }.

6 ـ شدة حقد اليهود على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حيث كانوا يجيبون بهذه الكلمة السيئة: { {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} }.

7 ـ تعالي هؤلاء اليهود حتى عند الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لقولهم: اسمع؛ لأن كلمة اسمع إنما تكون في الغالب في المخاطبات من الأعلى إلى الأدنى، ولهذا ينتقد بعض الناس إذا قال لمن هو أكبر منه: اسمع، أو قال لأمه: اسمعي، فهذا منهم يدل على تعالي اليهود والعياذ بالله.

8 ـ أن الإنسان يحاسب على ما أراد، لقوله: { {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} }؛ أي: على ما في قلوبهم قال: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} }.

فإذا قال قائل: وهل يحاسب ظاهراً على ما أراد في باب الحكومة والخصومة مع الناس؟

الجواب: لا، بل على الظاهر، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما أقضي بنحو ما أسمع»[(174)] ولقوله: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك»[(175)] لا ما في قلبك، ففرق بين الحكم في أمر يتعلق بالعبادة وبين حكم يتعلق فيما بين الناس.

9 ـ أن الطعن في الدين يكون بالصريح ويكون باللازم، فالصريح أن يقول: هذا الدين يوجب لأهله التأخر والتقهقر والتزمت وما أشبه ذلك، هذا صريح.

الثاني: أن لا يكون صريحاً لكن من لازم القول، فهنا إذا نظرت إلى كلامهم لم تشعر بالطعن على وجه صريح، ولكن من لازم القول.

10 ـ أن الطعن في الدين من خصال اليهود، فمن طعن في الدين فهو مشبه لليهود والعياذ بالله.

11 ـ تحريم الطعن في الدين، وأنه يجب أن يكون الدين محل احترام وتعظيم، لا محل طعن وقدح.

12 ـ عرض الحق على المستكبر عن الحق، لقول الله تعالى: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} }.. إلى آخره.

ومن نظائر ذلك: قول الله تبارك وتعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}} [البروج: 10] أي: قتلوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، ثم عرض عليهم التوبة، فقال: { {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}} [البروج: 10]

13 ـ أن المنكَر إذا أنكره المنكِر فإنه ينبغي أن يري بدله ما لا ينكر، لقوله: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} } بدل { {وَعَصَيْنَا} }، { {وَاسْمَعْ} } دون { {غَيْرَ مُسْمَعٍ} }، { {وَانْظُرْنَا} } بدل { رَاعِنَا } كما قال تعالى في خطاب المؤمنين بهذا: { {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}} [البقرة: 104] .

14 ـ أنه تجوز صيغة التفضيل بين شيئين لا يوجد في الطرف الآخر منه شيء، وأن قولهم: إن التفضيل بين شيئين يقتضي اشتراكهما في أصل المعنى ليس على إطلاقه، بل في غالب الأحوال كذلك، ولكن قد يخرج عن هذه القاعدة، فإذا قلت: فلان أفضل من فلان، فقد اشتركا في الفضل، وزاد المفضل على المفضل عليه، وهذا هو الأصل في اسم التفضيل أن يشترك المفضل والمفضل عليه بأصل المعنى، لكن أحياناً يأتي اسم التفضيل والطرف الآخر ليس فيه شيء منه، فهنا قال: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} } فليس في قولهم السابق خير، ولا في قولهم السابق استقامة، ومع ذلك قال: { {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} }.

ومثل ذلك قول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فالنوم الذي يصد عن الواجب لا خير فيه وإن كان الانسان يعذر به، والذي يحب النوم سيقول: ليس مثله؛ لأن النوم خير.

ومثل هذه الآية قوله تعالى: { {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً *}} [الفرقان: 24]

لأن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، ولا حسن في مقيلهم، ويتمنون أن لا يكونوا من أهل النار.

15 ـ إثبات أصل التفاضل بين الأعمال والأقوال؛ لأن الله قال: { {خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} }، ولا شك أن التفاضل بين الأقوال السيئة والحسنة والأفعال السيئة والحسنة ثابت، لكن هل تتفاضل الأعمال الحسنة؟ وهل تتفاضل الأعمال السيئة؟

الجواب: نقول: الأعمال تتفاضل، ولهذا سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» ، قيل: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» ، قيل: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»[(176)] والسائل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وكذلك أيضاً: قال الله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه»[(177)]، فالأعمال الصالحة تتفاضل كما أن الأعمال السيئة تتفاضل، فمنها صغائر ومنها كبائر، والكبائر منها أكبر ومنها دون ذلك، وكذلك الصغائر.

ويلزم من هذا زيادة الإيمان ونقصه على أصل مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

16 ـ أن من لعن وطرد عن رحمة الله فإنه ينقلب عليه الحق باطلاً والباطل حقاً، ولهذا لم يسلكوا الأحسن والخير فيما قالوا؛ لأن الله لعنهم.

ويتفرع على هذه القاعدة: أن العاقل لا يتعرض لما فيه لعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض لما فيه لعنة الله لعن وطرد وخذل، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» ، قالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه»[(178)] وعلى هذا فلا تتعرض لسب الوالدين؛ لأنك إن تعرضت لعنت وإذا لعنت طردت وأبعدت عن رحمة الله.

17 ـ أن الكفر سبب للعن، لقوله: { {وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} }، وإذا كان في الإنسان خصال كفر، فهل يناله من اللعنة بمقدار ما معه من خصال الكفر؟

الجواب: الظاهر نعم، وقد يقال: إن اللعنة عقوبة عظيمة لا تكون إلا على فعل عظيم، وقد يقال: إن الحكم المعلق على فعل إن وجد الفعل كاملاً فالحكم كامل، وإن وجد بعضه فله بعض الحكم، وينبني على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت»[(179)] فقد نقول: إن من طعن في النسب أو ناح على الميت فعليه جزء من اللعنة؛ لأن معه جزءاً من الكفر فيحتمل أن يقال: إن اللعنة تتبعض كما أن الكفر يتبعض، ويحتمل أن يقال: إن اللعنة إنما هي على الكفر الأكبر، ولكنا إذا رجعنا إلى قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لعن الله من لعن والديه»[(180)] ولعن الوالدين لا يخرج من الملة، تبين لنا أن من عمل عملاً أطلق عليه الكفر فإنه يناله من اللعنة مقدار ما حصل منه من هذا الوصف.

18 ـ إثبات الأسباب، لقوله: { {بِكُفْرِهِمْ}}.

19 ـ الرد على الجبرية والقدرية، وكلتاهما فئتان ضالتان بالقضاء والقدر، فالجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، والقدرية يقولون: الإنسان مستقل بعمله وليس لله فيه تدبير، والآية ترد عليهم جميعاً.

أما على الجهمية الذين هم الجبرية، فلقوله: { {بِكُفْرِهِمْ}} فأضاف العمل إليهم، وهم يقولون: لا يضاف العمل إلى العامل إلا على سبيل المجاز، وإلا فالحقيقة أنه ليس فعله؛ لأنه ليس باختياره.

أما على القدرية: فلإثبات الأسباب في قوله: { {بِكُفْرِهِمْ}}، وهم يقولون: إن فعل الإنسان مستقل، ليس لله فيه تدخل إطلاقاً، فأنت تفعل وتترك وتقوم وتقعد وتذهب وتجيء وليس لله تعالى فيه أي تعلق.

وأهل السنة والجماعة يقولون: عمل الإنسان باختياره ولا شك، ولكن الذي جعله باختياره هو الله، فيكون ناتجاً عن مشيئة الله وخلق الله، وخالق السبب التام خالق للمسبب.

20 ـ أن هؤلاء اليهود يقل فيهم الإيمان بالنسبة للمؤمنين، أو بالنسبة لهم جميعاً حسب ما قلنا في الاستثناء: هل الاستثناء عائد للواو أو عائد إلى الفعل، ولا شك أن اليهود على قوة ما جاءهم من الوحي أن فيهم العتاة، وإلا فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم رأى في المنام أكثر الأمم أمة موسى عليه السلام بعد هذه الأمة؛ لأنه يقول: «فنظرت فإذا سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه»[(181)].

* * *

قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً *}} [النساء: 47] .

النداء في قوله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } المراد به اليهود إرادة أولية، وكذلك النصارى لأنهم أوتوا الكتاب، والكتاب الذي أوتيه اليهود هو التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، كتبها بيده سبحانه، وأنزلها على موسى عليه السلام، أما الكتاب الذي نزل على عيسى عليه السلام فهو الإنجيل.

قوله: { {آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} } وهو القرآن وقال: { {نَزَّلْنَا} } لأنه نزل شيئاً فشيئاً حسب ما تقضيه حكمة الله عزّ وجل.

قال العلماء: والفرق بين نزَّلنا وأنزلنا، أن { {نَزَّلْنَا} } إذا اجتمعت مع «أنزلنا» صار المراد بها التفريق، قال الله تبارك وتعالى: { {وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}} [النساء: 136] وقال تعالى: { {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً *}} [الإسراء: 106] فالقرآن منزل تنزيلاً على حسب ما تقتضيه حكمة الله، إما أن تكون واقعة يتحدث الله عنها، أو مشكلة يفتي الله تعالى بها، أو غير ذلك.

وقوله: { {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} } أي: للذي معكم، والذي معهم هو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، والتصديق له وجهان:

الوجه الأول : أنه مصدق لها؛ أي: شاهد بما جاءت به وأنه حق، والقرآن مملوء من ذلك؛ أي: من أن الكتب السابقة المنزلة على الرسل كلها حق.

والوجه الثاني : أنه مصدق لها، حيث جاء على وفق ما أخبرت به؛ لأن هذا القرآن الكريم والنبي صلّى الله عليه وسلّم قد ذكرا في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: { {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ}} [الأعراف: 157] .

قوله: { {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ} }: هذا تحذير وتهديد لهم إذا تأخروا عن الإيمان أن يحصل لهم هذا.

وقوله: { {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} }: هذا الطمس اختلف العلماء فيه، فقيل: إنه طمس معنوي بحيث لا ترى الحق، ولا تسمعه، ولا تنتفع به، ويردها الله على أعقابها فتهوي في الكفر.

وقيل: بل هو طمس حسي، وذلك بأن تطمس الوجوه حتى تكون كخف البعير ليس فيها عين ولا أنف ولا شفة ولا حاجب، بل هي كالقفا تماماً، فكما أن قفا الرأس ليس فيه شيء من ذلك، فهذه أيضاً تطمس حتى تكون وجوههم كأقفائهم، ثم بعد ذلك: ترد على الأدبار.

وقيل المراد بالطمس: طمس حسي، ولكن هو أن تلوى الأعناق وتكون الوجوه من الخلف، وهذا معنى قوله: { {فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} } والقاعدة التفسيرية: أنه إذا كانت الآية تحتمل وجهين لا يناقض أحدهما الآخر فإنها تحمل على الوجهين جميعاً؛ لأن كلام الله معناه واسع، فإذا كان اللفظ يحتمل هذا وهذا، وليس بينهما مناقضة، فالواجب حمله على الوجهين، فهنا نقول: إن الله تعالى هددهم بالطمس الحسي والطمس المعنوي.

قوله: { {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} } أي: نطردهم عن رحمتنا ونوقع بهم من النكال ما وقع لأصحاب السبت، والذي وقع لأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم: { {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}} [البقرة: 65] فكانوا قردة خاسئة ذليلة تتعاوى، والعياذ بالله.

والفرق بين التهديدين: أن الأول حسي خاص بجزء من البدن وهو الوجه، أما الثاني فهو عام يقلب الصورة كاملة والعياذ بالله إلى صورة قرد.

ويُذكر أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما سمع بهذه الآية أقبل مسرعاً ويده على وجهه يخشى أن يطمس، حتى جاء إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وآمن به، وكذلك يذكر عن كعب الأحبار في عهد عمر رضي الله عنه، والله أعلم، ولكن لا شك بأن المؤمنين منهم سوف يخافون هذا الأمر.

فإن قال قائل: إنهم لم يؤمنوا ولم يقع بهم هذا التهديد، فما الجواب؟

فالجواب: أنه لما آمن بعضهم ارتفع هذا التهديد؛ لأن هذا التهديد معلق بما إذا لم يؤمن أحد منهم، وقيل: إن الله عزّ وجل هددهم بهذا، والتهديد قائم إلى يوم القيامة، فإذا قدر أنه لم يقع فيما مضى فإنه متوقع؛ لأن الله سبحانه هددهم به فقال: { {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} }.

والوجه الأول قد يكون أقرب؛ لأن تهديد أهل الكتاب الذين في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام بأمر لا يكون إلا قبيل قيام الساعة لا معنى له، ولا وجه له، فيقال: إنه لما آمن بعضهم رفع عنهم هذا التهديد، وقامت الحجة على الباقين، حيث آمن من كان منهم واعترف بالحق.

ثم قال تعالى: { {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} } نعم والله، أمر الله مفعول، ومن يرد أمر الله؟ لا أحد يرده، فأمر الله لا بد أن يقع.

والأمر هنا بمعنى المأمور؛ يعني كان مأمور الله؛ أي: ما أمر به (مفعولاً).

ويحتمل أن يكون الأمر هو الأمر الكوني؛ أي: القضاء، ويكون المفعول بمعنى الواقع، وأياً كان، سواء قلنا: إن الأمر بمعنى المأمور، وهذا لا بعد فيه؛ لأن الأمر مصدر، والمصدر يأتي أحياناً بمعنى اسم المفعول؛ كقوله تعالى: { {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ}} [الطلاق: 4] أي: وأولات المحمولين؛ لأن الأحمال جمع حمل، والحمل هو الجنين في البطن، وكما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(182)] أي: مردود.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ وجوب الإيمان بالقرآن الكريم على أهل الكتاب، لقوله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا} }.

2 ـ إقامة الحجة على هؤلاء الذين أوتوا الكتاب وكفروا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه لا عذر لهم؛ لأنهم أوتوا الكتاب فعندهم علم، ولأن الذي نزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم مصدق لما معهم، فليس لهم عذر، كتابهم بين أيديهم، وهو وسيلة العلم، ثم مجيء هذا القرآن مصدقاً لما معهم يثبت أن محمداً صلّى الله عليه وسلّم حق، فوجب عليهم الإيمان به.

3 ـ إثبات أن القرآن كلام الله، ووجهه قوله: { {بِمَا نَزَّلْنَا} }، فإن قال قائل: التنزيل الذي يضاف إلى الله قد يكون في أمر مخلوق؛ كقوله تعالى: { {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}} [الحديد: 25] ، وقوله: { {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}} [الزمر: 6] ؟

فالجواب عن ذلك يحصل بالتفصيل الآتي: وهو أن المنزل من عند الله ينقسم إلى قسمين:

أعيان، وأوصاف، فالأعيان بائنة منفصلة عن الله فتكون مخلوقة، مثل قوله: { {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}} [الحديد: 25] ، { {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}} [الفرقان: 48] ، { {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}} [الزمر: 6] ، فهذه أعيان بائنة منفصلة عن الله فتكون مخلوقة.

والقسم الثاني: أوصاف لا تقوم إلا بموصوف، مثل: الكلام، فالكلام صفة لا تقوم إلا بموصوف، فإذا أضاف الله إنزال الكلام إليه، فهو من صفاته، وهي غير مخلوقة، وعلى هذا فالقرآن غير مخلوق.

4 ـ إثبات علو الله، ووجهه قوله: { {نَزَّلْنَا} } لأن النزول إنما يكون من الأعلى وهو كذلك، وأدلة علو الله عزّ وجل سبقت مراراً، وقلنا: إن علو الله عزّ وجل ينقسم إلى قسمين:

قسم حسي، وقسم معنوي، فالقسم المعنوي متفق عليه بين أهل الملة، حتى أهل التعطيل يدعون أنهم يعطلون تنزيهاً لله عن النقص، فالعلو المعنوي لا أحد ينكره من أهل الملة، فكل أهل القبلة يقرون به.

والعلو الحسي الذاتي: هو الذي أنكره من سوى أهل السنة والجماعة، وقالوا: إن الله ليس عالياً بذاته، بحجة باطلة، وقد بينا فيما سبق أن العلو الذاتي قد دل عليه من الأدلة خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وبينا وجه ذلك.

5 ـ أن القرآن الكريم مصدق للكتب السابقة يشهد لها بالصدق، ومصدق لها حيث جاء مطابقاً لما أخبرت به، فهو لا يتنافى معها ولا يتنافر معها، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم، حتى باختلاف الأحوال، حتى في الشريعة الإسلامية تختلف الشرائع باختلاف الأحوال، فالفقير لا زكاة عليه، والغني عليه زكاة، وهذا اختلاف، إذ كيف يقال هذا الرجل الذي هو اسمه زيد عليه زكاة، وهذا الرجل الذي اسمه عمرو لا زكاة عليه؟ نقول: نعم؛ لأن الأول غني والثاني فقير.

فالشرائع تختلف، كما قال تعالى: { {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}} [المائدة: 48] ، لكن أصول الملل ثابتة واحدة، وهذا الكتاب العزيز مصدق لما بين يديه، وفي سورة المائدة بين الله عزّ وجل أنه مهيمن على ما سبق، ومعنى مهيمن: أي مسيطر، فالهيمنة على الشيء السلطة والسيطرة، وإذا كان كذلك لزم أن يكون ناسخاً لما سبق.

6 ـ تهديد أهل الكتاب إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن بهذين الوعيدين: طمس الوجوه وردها على أدبارها، والثاني: أن يلعنوا كما لعن أصحاب السبت.

7 ـ تحاشي التعبير بالمواجهة عند المؤاخذة، فهنا قال: { {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا} } ولم يقل: «وجوهكم»، وكان مقتضى السياق أن يقول: من قبل أن نطمس وجوهكم؛ لأنهم هم المهددون، لكن أتى بها على صيغة النكرة تحاشياً للمواجهة بالمؤاخذة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: قد يقال: إن المراد بالتنكير هنا التعظيم؛ أي: وجوهاً معظمة عندكم فتطمس، وهي وجوه زعمائهم الذين صدوهم عن سبيل الله عزّ وجل.

8 ـ أن الإحالة على المعلوم تصح ولو بلفظ الإبهام، وتؤخذ من قوله: { {كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} }؛ لأنه إذا قال قائل: ما هي اللعنة التي حلت بأصحاب السبت، ومن هم أصحاب السبت؟ فنقول: ذكروا هنا على سبيل الإجمال؛ لأن أمرهم معلوم، وهذا يشبه ما يقول النحويون في «الـ» التي للعهد الذهني.

9 ـ أن الله سبحانه يذكر نفسه بلفظ العظمة: «نطمس، نرد، نلعن، كما لعنا»، وذلك لأن المقام يقتضي ذلك، فالمقام مقام تهديد، ولا بد أن يظهر المهدِّد عظمته أمام المهدَّد، وهذا في غاية البلاغة، وهي مراعاة المخاطب.

10 ـ تفضيل تغيير الأسلوب إذا اقتضت الحاجة ذلك، لقوله: { {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} } ولم يقل: وكان أمرنا مفعولاً، ففي الآية التفات من الخطاب إلى الغَيبة؛ لأن قوله: { {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} } تحدث عن غائب، لكن قوله: { {نَطْمِسَ} } وما أشبه ذلك، هذه تحدث عن متكلم، ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة للتعظيم؛ لأن قول العظيم فعل فلان كذا يعني نفسه، أبلغ من قوله: فعلت كذا.

* * *

قال الله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا *}} [النساء: 48] .

{ {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ} }: تحدث سبحانه عن نفسه بصيغة الغائب تعظيماً له، كما يقول الملك لجنوده: إن الملك يأمركم أن تتجهوا إلى المكان الفلاني، فيكون هذا من باب التعظيم؛ أي: أن تحدث المتحدث عن نفسه بصيغة الغائب يعتبر تعظيماً.

وقوله: { {لاَ يَغْفِرُ} }، المغفرة الستر مع التجاوز، ويدل لكون المعنى مركباً من الستر والتجاوز الاشتقاق؛ لأن المغفرة مأخوذة من المِغْفَر، وهو الذي يوضع على الرأس، ويسمى البيضة، يتقى به السهام، وإذا وضع على الرأس واتقى به السهام صار فيه ستر ووقاية.

فقوله: { {لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} } أي: لا يتجاوز ولا يستر الإشراك به.

وقوله: { {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} } { {أَنْ} } هذه مصدرية، وأن المصدرية من الحروف الموصولة فتسبك مع ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير على هذا: إن الله لا يغفر إشراكاً به، وإذا حولنا هذا الفعل مع { {أَنْ} } إلى مصدر صار نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم.

وقوله تعالى: { {أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} } يشمل الإشراك في الربوبية والإشراك في الألوهية الذي هو الإشراك في العبادة، والثالث الإشراك في الأسماء والصفات، فالله لا يغفره؛ لأن جانب التوحيد أعظم الجوانب حقاً أن يوفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه أو التي سوى الشرك فإن الله يغفرها، فمن اعتقد أن مع الله خالقاً فهو مشرك، أو أن لأحد من الخلق شيئاً ينفرد به دون الله فهو مشرك، فمن قال: السماء لله والأرض لغير الله، ومن قال: السماء والأرض مشتركة بين الله وغيره، فهو مشرك، ومن قال: إن الله له معين في خلق السماوات والأرض فهو مشرك، وكل هذا لا يغفره الله.

وفي العبادة: من سجد لغير الله، أو نذر لغير الله، أو ذبح لغير الله؛ فهو مشرك، ومن أشرك بالله في العبادة رياءً فهو مشرك، فالرياء شرك بنص الحديث، إذاً: الرياء لا يغفر.

كذلك من زعم أن لله مثيلاً في صفاته، أو أن استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على السرير، وأن نزول الله إلى السماء الدنيا كنزول الإنسان من السطح إلى أسفل الدرجة وما أشبه ذلك، فهو مشرك. وكل هذا لا يغفره الله.

قوله: { {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}}، هل المراد بقوله: { {مَا دُونَ ذَلِكَ}} أي: ما سوى ذلك أو ما هو أصغر من ذلك؟

هل هو من الدون الذي هو الأصغر أو من الدون الذي هو السوى؟ الجواب يتعين أن يكون { {مَا دُونَ ذَلِكَ}} أي: ما هو أصغر، وهو مأخوذ من الدون الذي هو أقل، لا من الدون الذي بمعنى سوى؛ لأننا لو فسرناه بمعنى ما سوى ذلك لكان كفر الجحود داخلاً في الآية وليس كذلك؛ أي: لزم أن يغفر الله كفر الجحود؛ لأنه سوى الشرك، فلو قال شخص: إن الله لم يرسل محمداً صلّى الله عليه وسلّم مثلاً، فهذا ليس بشرك، وليس بمغفور.

قوله: { {لِمَنْ يَشَاءُ}} أي: للذي يشاء، فعلى هذا يكون الشرك وما كان بمنزلته من كفر الجحود ونحوه غير مغفور، وما دون ذلك فهو تحت المشيئة، فليس مغفوراً ولا مؤاخذاً به، بل هو تحت المشيئة.

ثم إننا نقول: كل شيء قيده الله سبحانه بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، إن اقتضته الحكمة شاءه الله، وإن لم تقتضه فإنه لا يشاؤه؛ لأن فوات الحكمة سفه، والله تعالى منزه عنه، ويدل لهذا القيد أن كل ما قيده الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، قوله تعالى: { {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [الإنسان: 30] فقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}} أعقبها قوله: { {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}}، فبين أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته.

قوله: { {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} } صدق ربنا، من يشرك بالله فهذا أعظم مفتر، يعني: من يشرك بالله في ربوبيته، أو في عبادته، أو في أسمائه وصفاته، فقد افترى إثماً عظيماً؛ أي: كذب كذباً عظيماً، أو كذب كذباً يستحق به الإثم العظيم؛ لأن أعظم ذنب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك» [(183)] إذ كيف تجعل لله نداً وهو الذي خلقك، هذا أعظم شيء { {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}} [لقمان: 13] ؛ فهذا معنى الآية.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ عظم الشرك، وأن الله سبحانه لا يغفره لأنه أعظم ذنب، فقد سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أي الذنب أعظم؟» قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك» [(184)].

2 ـ إثبات الأفعال الاختيارية لله عزّ وجل، وكثير من المعطلة الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم ينكرون أن يقوم بالله فعل متعلق بإرادته؛ لأنهم يقولون: إن الأفعال المتعلقة بالإرادة حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذا كذب في التصور؛ لأن الشيء الحادث يمكن أن يقوم بالأزل، كما أن الشيء الحادث الذي حدث اليوم يمكن أن يقوم بمخلوق خلق قبل خمسين سنة، فلا يلزم من حدوث الفعل أن يكون الفاعل حادثاً.

3 ـ أن ما دون الشرك تحت المشيئة، لقوله: { {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} } وليس مجزوماً بمغفرته، ولا مجزوماً بالمؤاخذة عليه، وإنما هو تحت المشيئة.

ويتفرع على هذه الفائدة: رد كلام المسوفين الذين يفعلون ما يفعلون من المعاصي ثم يقولون: إن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فنقول لهم: ما الذي أدراك أن تكون أنت ممن شاء الله أن يغفر لك؟ فلو فرضنا أن عملك المعصية يمكن أن يغفر لكنه ليس بمتيقن، فالمعصية مفسدة ظاهرة حاصلة، ومغفرتها مصلحة؛ لكنها تحت المشيئة فقد تحصل وقد لا تحصل.

4 ـ وجوب توحيد الله، لكون الشرك لا يغفر، ويلزم من ذلك أن يكون توحيد الله واجباً، بل وأوجب الواجبات، فيجب أن يوحد الله عزّ وجل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

5 ـ أن المشرك مفترٍ على الله، لقوله: { {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} }.

6 ـ أن هذا الكذب من أعظم الكذب، لقوله: { {إِثْمًا عَظِيمًا} } وفي آية أخرى: { {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا}} [النساء: 116] ، فهو ضال في دينه، وهو أيضاً مفتر إثماً عظيماً في قوله.

7 ـ إثبات المشيئة لله، لقوله: { {لِمَنْ يَشَاءُ}}، ولكن سبق في التفسير أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: { {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [الإنسان: 30] ، وظاهر قوله تعالى: { {لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} } أنه شامل للشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبذلك صرح شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الاختيارات، أن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس معنى قولنا: إن الشرك الأصغر لا يغفر أن صاحبه يخلد في النار، بل يعذب على قدر عمله ثم يدخل الجنة، أما الشرك الأكبر فلا يغفر وصاحبه مخلد في النار، لقوله تعالى: { {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}} [المائدة: 72] .

* * *

قال الله تعالى: { {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً *}} [النساء: 49] .

{ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} }: الاستفهام هنا للتعجب والتقرير، يعني: ألا تتعجب من حال هؤلاء القوم، والخطاب في قوله: { {أَلَمْ تَرَ} } إما لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والخطاب الموجه إليه موجه للأمة عن طريق التبع؛ لأن الأمة فرع.

وقيل: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه؛ أي: لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، والثاني أعم؛ لكن القولين لا يتنافيان؛ أي: حتى لو قلنا إن أصل الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فخطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه.

وقوله: { {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} } جواب الاستفهام محذوف أي: أتحصل لهم التزكية، فهذا هو المعنى؛ لأنه إذا جاء مثل هذا الكلام فلا بد أن يكون هناك جملة استفهامية إما مذكورة وإما محذوفة.

وقوله: { {يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} } أي: ينسبونها إلى الزكاء وهو ضد الشقاء، والمراد بهؤلاء كل من زكى نفسه، وأول من يدخل في ذلك اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى قالوا: { {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}} [المائدة: 18] ، { {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}} [البقرة: 111] ، { {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً}} [البقرة: 80] فزكوا أنفسهم بالعمل والجزاء عليه، زكوا أنفسهم بالعمل حيث قالوا: {{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} }، وزكوا أنفسهم بالثواب عليه حيث قالوا: {{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً}}، ومن كان مثلهم؛ أي: من زكى نفسه فإنه آخذ بنصيب من مشابهتهم، فمن قال: أنا ولي، أو أنا تقي، أو ما أشبه ذلك، فقد زكى نفسه، ولا سيما ما يحصل من بعض مشايخ الصوفية الذين يغرون الناس فيقولون: نحن أولياء، ونحن أصفياء وما أشبه ذلك، فهم يزكون أنفسهم من أجل أن يغتر الناس بهم.

وقوله: { {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} } { {بَلِ} } هنا للإضراب الإبطالي؛ لأن التقدير: { {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} } أتحصل لهم التزكية؟ الجواب: لا تحصل لهم التزكية، ولو كان كل من زكى نفسه حصل له التزكية لكان أخبث الناس يزكي نفسه، فالآن الذين يعبدون الأصنام، أو يعبدون البقر، أو يعبدون الأشجار يقولون: نحن على حق، فيزكون أنفسهم، لكن ترجع التزكية إلى الله، ولهذا أبطل الله هذه التزكية كلها، وقال: { {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} }، فقوله «بل» هنا للإضراب الإبطالي.

و{ {بَلِ} } تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الانتقالي، فقوله تعالى: { {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ *}} [النمل: 66] هذا إضراب انتقالي من شيء لآخر، والشيء الأول باق، ولكن تنقل بين الأحوال إلى أن يصلوا إلى هذا الحد.

فالحاصل أن الإضراب يكون إبطالياً ويكون انتقالياً.

وقوله: { {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} }: فهو الذي ـ يزكي عزّ وجل ـ، وهو الذي يثني، قال الله تبارك وتعالى: { {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}} [الحديد: 10] ، فأعطى الله تعالى التزكية لهؤلاء، كل بحسب حاله، فقال: {{وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}}.

وقال تعالى: { {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}} [النساء: 95] ، فالله تعالى هو الذي يزكي.

وكذلك رسوله صلّى الله عليه وسلّم يزكي أيضاً، فيقول مثلاً: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» [(185)]، ومن زكاه الرسول صلّى الله عليه وسلّم فهو زكي؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم في مثل هذه الأمور لا ينطق إلا عن وحي.

وقوله تعالى: { {لِمَنْ يَشَاءُ}} هذا تابع للحكمة أيضاً، وكل فعل مقيد بالمشيئة فهو تابع للحكمة، فيزكي عزّ وجل من كان أهلاً للزكاء، سواء كان الزكاء بعد العمل أو قبل العمل، فمثال التزكية بعد العمل ما ذكرنا من الآيات، والتزكية قبل العمل أن يهب الله للإنسان العمل الصالح، فإنه كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته، فهو يعلم حيث يجعل أثر هذه الرسالة، وهي الإيمان والعمل الصالح، فتزكية الله تزكية قبل العمل وتزكية بعده، وهو سبحانه يزكي من يشاء قبل العمل وبعده، وإذا قلنا إن المشيئة تابعة للحكمة، فإنه لن يزكي إلا من كان أهلاً للزكاء.

ثم قال: { {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}} الواو للجماعة، وقوله: { {لِمَنْ يَشَاءُ}}، مَنْ: اسم موصول لفظه مفرد، فهنا: عاد الضمير إلى مَنْ باعتبار المعنى.

والمراد بقوله: { لاَ يُظْلَمُونَ } أي: من زكاهم الله عزّ وجل، أو: ولا يظلم من زكوا أنفسهم، فلن يعاقبوا إلا على حسب أعمالهم السيئة، وسواء كان المعنى هذا أو هذا فإن الله لا يظلم أحداً، فلا يزيد من سيئاته، ولا ينقص من حسناته.

وقوله: { {فَتِيلاً} } الفتيل: قيل: إنه الفتيل الذي في باطن النواة، فالنواة فيها ثلاثة أشياء كلها مذكورة في القرآن: القطمير والنقير والفتيل، فالقطمير السلب الذي على النواة، والنقير النقرة التي في ظهرها، والفتيل الخيط الذي في بطنها.

وقيل: إن الفتيل ما تفتله بين أصابعك، حال العرق، فإن الإنسان إذا عَرِق وفتل أصابعه حصل شيء، وكذلك إذا حك صدره أو ظهره ظهر الفتيل، لكن الأول هو المشهور، وهو أن الفتيل هو الخيط الذي يكون في بطن النواة، وهو يضرب مثلاً في القلة.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ الإنكار على من يزكي نفسه، وجه ذلك أن قوله: { {أَلَمْ تَرَ} } استفهام إنكاري.

2 ـ النهي عن تزكية النفس؛ لأن الله تعالى أنكر ذلك، كما صرح به في قوله: { {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}} [النجم: 32] .

ومن فروع هذا: قول الإنسان: أنا مؤمن، فهل يجوز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن! أو لا بد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، الجواب: في هذا قولان للعلماء:

فمنهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إلا باستثناء؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يموت عليه، والعبرة بالعاقبة، فقد يكون الإنسان اليوم مؤمناً، ويكون غداً كافراً، ولا يجوز الجزم بشيء مستقبل.

ومنهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن، لا لهذه العلة، ولكن لأنه يلزم من قوله هذا تزكية النفس، والشهادة لنفسه بالجنة؛ لأنه إذا قال: أنا مؤمن، فكل مؤمن في الجنة، فيلزم على هذا أن يجزم بأنه من أهل الجنة، وهذا لا يجوز.

ومنهم من علل بعلة ثالثة، وقال: إن الإيمان على وجه الإطلاق يراد به الإيمان المطلق المتضمن لفعل الواجبات، وترك المحرمات، وفعل المستحبات، وترك المكروهات، وهذا لا يمكن أن يجزم به العبد، فما أكثر المستحبات التي لا يفعلها، بل والواجبات، وما أكثر المكروهات التي يفعلها بل والمحرمات، وعلى هذا فيجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله!

وقال آخرون: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن هذا شك، والشك في الإيمان كفر، إذ إن الواجب في الإيمان الجزم، والتردد فيه كفر.

ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن يقال: إن قول الإنسان: أنا مؤمن، إما أن يقرنه بالمشيئة أو لا يقرنه، فإن لم يقرنه بالمشيئة فله حالان:

الأولى: إذا كان الحامل له تزكية النفس فهذا قول حرام؛ لأن الله يقول: { {فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ}} [النجم: 32] ، ثم إن هذا فيه الإدلال على الله والمنة عليه، والله تعالى قال لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: { {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *}} [الحجرات: 17] فإذا كان قوله: أنا مؤمن للإعجاب بالنفس فهذا لا يجوز؛ لأنه تزكية للنفس ومنهي عنه فيكون حراماً.

الحالة الثانية: إن كان المقصود بذلك مجرد الخبر، بأن يعني بقوله: أنا مؤمن؛ أي: لست بكافر؛ فهذا لا بأس به، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للقوم الذي لقيهم في طريقه إلى الحج: «من القوم؟» قالوا: «المسلمون»[(186)] فأقرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك؛ لأنهم يريدون بذلك الخبر، فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن يعني: لست بكافر، فلا بأس، ولا يلزم على ذلك اللوازم التي ذكرها من منع قوله: أنا مؤمن، وإذا قرنه بالمشيئة فله ثلاث حالات:

الأولى: أن يكون الحامل على ذلك قصد التردد فهو كفر، كما إذا قيل له: أنت مؤمن؟ فقال: إن شاء الله، متردداً، فهذا كفر؛ لأنه لا إيمان مع شك، بل لا بد من الجزم.

الثانية: إذا كان الحامل له على ذلك بيان أن إيمانه كان بمشيئة الله لا بحوله ولا بقوته، فهذا لا بأس به؛ لأن الشيء المحقق قد يربط بالمشيئة إشارة إلى أنه واقع بمشيئة الله، ومن ذلك قوله تعالى: { {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}} [الفتح: 27] أي: لتدخلنه بمشيئته؛ لأن الجملة هنا: خبر مؤكد بثلاث مؤكدات، {{لَتَدْخُلُنَّ}}، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما قال له عمر رضي الله عنه: ألست تقول: إننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال له الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أقلت لك هذا العام؟» قال: لا، قال: «إنك آتيه ومطوَّف به» [(187)] قال ذلك في المحاورة بينه وبين عمر رضي الله عنه في مسألة صلح الحديبية.

ومن ذلك أيضاً قول زائر المقبرة: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»[(188)]، فإن اللحوق بهم مؤكد، والموت لا ينكره أحد، لكن المراد بـ«إن شاء الله»؛ أي: لاحقون بمشيئة الله، فمتى شاء الله لحقنا بكم.

الثالثة: إذا كان قصده بإن شاء الله دفع التزكية؛ أي: دفع تزكية النفس، وأنه يخشى على نفسه أنه إن لم يقل: إن شاء الله صار في نفسه شيء من التزكية، فهنا يكون قوله: إن شاء الله واجباً.

وهذا التفصيل هو الذي تجتمع به الأدلة.

3 ـ أن تزكية الغير لا بأس بها؛ لأن النهي أو الإنكار منصب على تزكية النفس، أما لو زكى غيره فإن ذلك لا بأس به، وهنا لا يزكي غيره بمجرد المظهر، ولا بد من خبرة، فلا يكفي أن ترى مظهر الشخص وتقول: إنه عدل ثقة، بل لا بد من خبرة؛ لأنه قد لا يكون عدلاً، وقد يكون مرائياً منافقاً مخادعاً، وربما يكون عدلاً في دينه ولكن عنده سوء حفظ، فإذا زكيته فيما يتعلق بالخبر كالشهادة مثلاً دون أن تخبره صار ذلك شهادة بما لا تعلم، فلو قال شخص: زك فلاناً، فإنه شهد عندي بشيء، فقد أزكيه من جهة دينه وأعرف أنه رجل مستقيم في الدين، يصلي ويزكي ويصوم، لكن من جهة الحفظ ـ والمسألة مسألة شهادة خبرة ـ، فلا بد أن يكون عندي علم بباطن حاله واختبار، فلا تجوز التزكية في مثل الأخبار إلا إذا عرفت أن الرجل حافظ.

4 ـ أن الأمر إلى الله عزّ وجل في تزكية الإنسان ورفع التزكية عنه، وتؤخذ من قوله: { {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} }، فالحكم بالتزكية إثباتاً أو نفياً إلى الله وحده، فهو الذي يزكي من يشاء.

فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: { {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *}} [الشمس: 9، 10] .

فالجواب: إن كان الفاعل في قوله: {{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *}} هو الله فلا إشكال؛ لأن المزكي هو الله في هذا وفي هذا، وإن كان ضمير الفاعل يعود على الإنسان، يعني: قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دس نفسه، فالجمع أن نسبة التزكية إلى الإنسان هنا نسبة شيء إلى سببه لا إلى حصوله، فالإنسان يفعل الطاعة فيكون زكياً، فيكون المراد بالتزكية فعل سببها، وعلى هذا فلا إشكال أيضاً.

5 ـ أنه يجب على الإنسان أن يلجأ في طلب التزكية إلى الله، لقوله: { {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} } فأنت إذا علمت أن الله هو الذي يزكي فاسأل الله، ولهذا كان من الدعاء المأثور: «اللهم أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» [(189)].

6 ـ الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال الإنسان في عمله، ويؤخذ من قوله: { {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} }.

7 ـ إثبات المشيئة لله عزّ وجل، لقوله: { {مَنْ يَشَاءُ} }، وأن الله سبحانه له مشيئة، يدبر الأمر بحسب هذه المشيئة، ولكن هذه المشيئة ليست مشيئة مطلقة بل مشيئة مقرونة بالحكمة.

8 ـ نفي الظلم عن الله، لقوله: { {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}}، والظلم محرم على الله حرمه على نفسه جل وعلا، ففي الحديث القدسي: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً» [(190)]، وفي هذا نكتة جيدة، وهو أن الله يفرض على نفسه ويحرم على نفسه؛ لأن الله هو الذي يدبر الأمر، قال تعالى: { {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}} [الأنعام: 54] ، وكتب بمعنى: فرض، فقد فرض على نفسه، وهنا في الحديث القدسي: «إني حرمت الظلم على نفسي» [(191)].

وليس في صفات الله ما هو نفي محض، فكل نفي في صفات الله فهو متضمن لإثبات، فقوله: { {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}}؛ أي: لأن الله كامل العدل، ومن كان كامل العدل فإنه لا يظلم فتيلاً.

قال أهل العلم: ولا يمكن أن يكون في صفات الله نفي محض لا يتضمن مدحاً، وعللوا ذلك فقالوا: النفي إن لم يتضمن كمالاً فقد يكون نقصاً، وقد يكون لا نقصاً ولا كمالاً، فالأقسام ثلاثة: نقص، وكمال، ولا هذا ولا هذا، فالنقص وكونه لا هذا ولا هذا ممتنع عن الله، لقوله تعالى: { {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى}} [النحل: 60] .

فإذا قلت مثلاً: إن الجدار لا يظلم، والخشبة لا تظلم، والسيارة لا تظلم، فهذا لا يتضمن كمالاً ولا نقصاً؛ لأنه غير قابل لأن يوصف بالظلم أو عدمه، إذ إن الجدار ليس له إرادة حتى يظلم أو لا يظلم.

ومثال ما يكون فيه نفي الظلم نقصاً قول الشاعر:

قبيّلة لا يغدرون بذمة***ولا يظلمون الناس حبة خردل

فقوله: «لا يغدرون بذمة» لا يعني أن عندهم وفاء، قوله: «ولا يظلمون الناس حبة خردل» لا يعني أن عندهم عدلاً، فإن الشاعر لم يقصد ذلك، وإنما قصد بيان ضعفهم وعجزهم، بدليل أنه قال: «قبيَّلة» بالتصغير.

وكذلك قول الحماسي:

لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد***ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة***ومن إساءة أهل السوء إحسانا

أي: إذا ظلمهم أحد صبروا وغفروا، وإذا أساء إليهم إنسان أحسنوا إليه، فإذا أخر عليهم المزرعة أرسلوا له أكياساً من البر، فهم يجزون من سوء أهل السوء إحساناً.

ومن سمع هذا الكلام قال: هؤلاء الجماعة طيبون، لكن قال فما بعده:

فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا***شنوا الإغارة فرساناً وركباناً

يعني: ليت لي بدلاً منهم، إذاً: هم ضعفاء لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، فهذا نقص، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم فلا يمكن أن يكون من هذا ولا من الذي قبله، ولكنه من نفي الظلم المتضمن لكمال العدل.

* * *

قال الله تعالى: { {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِيناً *}} [النساء: 50] .

{ {انْظُرْ}} الخطاب إما للرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو لكل من يصح توجه الخطاب إليه، وسبق أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام، ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول : ما دل الدليل على أنه خاص به فهذا خاص به، مثل قوله تعالى: { {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيناً *} {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}} [الفتح: 1 ـ 2] فقوله: {{لَكَ}} الخطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولا يشمل الأمة؟ وقوله: { {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *}} [الشرح: 1] لا يشمل الأمة، وقوله: { {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى *}} [الضحى: 6] لا يشمل، وقوله: { {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً}} [النساء: 79] لا يشمل، وهذا واضح؛ لأنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام بلا نزاع ولا إشكال.

القسم الثاني : ما دل الدليل على أنه عام، مثل قوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}} [الطلاق: 1] ... الآية، فهنا دل الدليل على أن الخطاب ليس خاصاً به، ووجه الدلالة قوله: {{إِذَا طَلَّقْتُمُ}} ولم يقل: «إذا طلقت ».

القسم الثالث : ما لا دليل فيه على الخصوصية أو على العموم، فالعلماء اختلفوا فيه على قولين:

القول الأول : أنه عام موجه لكل من يصح توجه الخطاب إليه.

القول الثاني : أنه خاص بالرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويكون شموله للأمة من باب العموم المعنوي لا العموم اللفظي، وذلك لأن الحكم الثابت في حق الرسول صلّى الله عليه وسلّم حكم له وللأمة، لقوله تعالى: { {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}} [الأحزاب: 21] .

وما هنا فهو من القسم الثالث، الذي ليس فيه دليل على هذا ولا على هذا.

والمراد بالنظر في قوله: { {انْظُرْ} } النظر العقلي لا النظر البصري؛ لأن افتراء الكذب على الله عزّ وجل ليس مما ينظر بالعين، ولكنه مما ينظر بالعقل وعين البصيرة.

وقوله: { {كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} } أي: بقولهم: { {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً}} [البقرة: 80] وقولهم: { {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}} [المائدة: 18] وقولهم: { {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}} [البقرة: 111] ، فانظر كيف يفترون على الله الكذب، وكيف جرأتهم على الله؛ نعوذ بالله!

قوله: { {وَكَفَى بِهِ} } أي: بالافتراء { {إِثْمًا مُبِيناً} } هذه الجملة معناها التعجب، يعني: ما أكبر هذا الإثم! وهو الافتراء على الله؛ لأن الافتراء على الله أعظم افتراء على مفترى عليه، وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» [(192)]، فالكذب على الله أشد وأعظم.

وقوله: { {مُبِيناً} } أي: بيناً، وقد ذكرنا فيما سبق: أن «أبان» الرباعي يأتي لازماً ويأتي متعدياً، فإن كان متعدياً فمعناه الإظهار، أبان: أي أظهر، وإن كان لازماً فمعناه الوضوح، تقول: أبان الفجر؛ أي: وضح وتبين، وتقول: أبان القرآن أن الكذب حرام، بمعنى: بين وأوضح، وأما قوله تعالى: { {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ *}} [الزخرف: 2] من النوعين يشمل هذا وهذا، فهو بيِّن في نفسه مبين لغيره.

وإعراب هذه الجملة { {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِيناً} }، وهي ترد في القرآن كثيراً، مثل: { {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}} [النساء: 79] وهنا: { {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِيناً} } الفاعل في { كَفَى } يكون مجروراً دائماً أو غالباً، فيكون مدخول الباء هو الفاعل بزيادة الباء، ويأتي بعد ذلك الاسم منصوباً فيقولون: إنه تمييز للكفاية؛ لأن الكفاية تكون في أي شيء فيميز، وبعضهم يعربه: حالاً، {{وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}} أي: حال كونه شهيداً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ دعوة الإنسان إلى العجب فيما يتعجب منه، وأن هذا من طرق القرآن، لقوله: { {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} }.

2 ـ تعظيم الكذب على الله؛ لأنه لم يؤمر بالتعجب منه إلا لأنه شيء عظيم، والكذب على الله يشمل الكذب عليه في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، وفي أحكامه، وإن شئت فقل: في أحكامه الكونية والشرعية، فالكذب على الله في ذاته مثل أن يتحدث الشخص عن ذات الله عزّ وجل، فأي إنسان يتحدث عن ذات الله بغير علم فهو كاذب على الله.

والكذب على الله في أسمائه: مثلما فعل المعطلة في قولهم: إن أسماء الله مجرد أعلام لا معنى لها، فيقول: الغفور الرحيم السميع البصير العزيز الحكيم، ليس لها معنى، وما هي إلا مجرد أعلام تدل على المسمى بها ولا تحمل أي معنى، فهذا كذب على الله، كيف تقولون: إنها مجرد أعلام والله عزّ وجل يقول في القرآن إنه { {لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}} [النحل: 103] ، ومقتضى هذا اللسان العربي المبين أن اسم الفاعل يدل على أصل المعنى، وثبوت أصله، ولا يمكن أن يقال لمن لم يضرب إنه ضارب، ولا لمن لم يسمع إنه سميع.

ثم إن الله قد بين أن هذا المعنى مقصود في قوله: { {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}} [المجادلة: 1] ، { {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ}} [الزخرف: 80] وأمثال ذلك.

فهؤلاء الذين قالوا: إن الله أراد بأسمائه مجرد التسمية دون المعنى مفترون على الله الكذب.

وكذلك في صفاته: فمن حرف في صفات الله، وقال: المراد بالاستواء الاستيلاء، فهذا مفتر على الله الكذب، فالله عزّ وجل يقول عن نفسه: { {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}} [الأعراف: 54] ، والقرآن بلسان عربي مبين، واستوى على كذا باللسان العربي معناه: علا عليه واستقر عليه، فإذا قال: استوى بمعنى استولى، فقد كذبوا على الله، ونحن نجزم أن الله لم يرده؛ لأن الله قال في القرآن: إنه بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين لا يقتضي سوى أنه علا عليه واستقر عليه: { {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا}} [الزخرف: 3] أي: صيرناه بلسان عربي، {{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}؛ أي: تفهمون معناه على مقتضى هذا اللسان العربي.

والذين يقولون: هذا حرام، وهذا حلال، بدون علم، قد افتروا على الله الكذب، لماذا؟ ما الذي أدراهم أن الله حرم هذا أو أوجبه، ولهذا كان من ورع الإمام أحمد رحمه الله كما نقله عنه شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا بما نص على تحريمه، فالميتة يقول إنها حرام؛ لأنه منصوص عليها، ونكاح الأم يقول إنه حرام لأنه منصوص عليه، أما الذي هو نهي فإنه يقول: أكره هذا، لا يعجبني، أستقبحه، وما أشبه ذلك.

ومع هذا فقد حفظ الله له هذا الطريق، فقال أصحاب الإمام أحمد رحمه الله: إذا قال الإمام أحمد: لا يعجبني، فهو للتحريم، وإذا قال: أكره هذا فهو للتحريم، فالله سبحانه قد حفظه فيما يريده من الأحكام، مع تورعه عن إطلاق الحرام إلا على ما كان مصرحاً به، فما بالك بمن يقول الآن: قال الإسلام كذا وكذا؟ ومع ذلك تجده من أجهل الناس بأحكام الإسلام، ثم ينسب هذا القول الذي قاله وهو خطأ إلى الإسلام، وإذا تبين للناس أنه خطأ فسوف يخطئون الإسلام.

فالحاصل: أن الافتراء على الله كذباً يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أحكامه الكونية والشرعية.

ومثال الكونية أن يقول: إن جزاء هذا الذنب كذا وكذا من العقوبات، بلا علم، مثل أن يقول: إذا نهر الإنسان والديه تزلزل العرش، من قال ذلك؟ قاله العامة! فأي إنسان يحكم بعقوبة معينة على ذنب بدون علم، فقد افترى على الله الكذب.

4 ـ تعظيم الكذب على الله عزّ وجل لقوله: { {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِيناً} } يعني: ما أعظمه وما أكثره، إذا افترى على الله الكذب أن يأثم هذا الإثم!

5 ـ بيان عظم ما يحصل لهؤلاء من الإثم، لقوله: { {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِيناً} }.

6 ـ أن إثم هؤلاء بين ظاهر، ووجه ظهوره وبيانه: أنه إذا كان للإنسان عقل، فبدلالة العقل لا يمكن أن يتقول على أحد شيء وهو من جنسه، فتقوله على الله أعظم وأشد، ولهذا قال الله تعالى في رسوله صلّى الله عليه وسلّم: { {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ *}} [الحاقة: 44] وليس كل { {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ *}} [الحاقة: 45] { {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ *}} [الحاقة: 46] { {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ *}} [الحاقة: 47] .

* * *

قال الله تعالى: { {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً *}} [النساء: 51] .

قال الله تعالى: { {أَلَمْ تَرَ} }، ويقال فيها كما قيل في الآية التي قبلها: أن الاستفهام للإنكار والتعجب، كأنه يقول: تعجب من حال هؤلاء!

قوله: { {إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا} } أي: أعطوا نصيباً، وآتى تنصب مفعولين، الأول منهما: نائب الفاعل وهو الواو، والثاني قوله: نصيباً.

وقوله: { {الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا} } أي: قسطاً من الكتاب؛ أي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام.

والمراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيباً من الكتاب وهو التوراة، ولم يعطهم علم كل شيء.

قوله: { {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} }: هذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيباً من الكتاب، وقامت عليهم الحجة، ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت.

والجبت: كل ما لا فائدة فيه في الدين، ومنه السحر والكهانة والطرق، والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت.

وأما الطاغوت: فالطاغوت كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، قال الله { {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ}} [البقرة: 257] ، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «الجبت السحر، والطاغوت الشيطان»، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.

وقوله: { {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} } ومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه، وعدم إنكاره.

قوله: { {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} }:

{ {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} }، قال بعض المفسرين: إن اللام هنا بمعنى في؛ أي: يقولون في شأنهم: { {هَؤُلاَءِ} } أي: الذين كفروا، { {أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} }.

وقيل: إن اللام هي اللام المعدية للفعل كقوله: قلت لفلان؛ أي: هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: { {هَؤُلاَءِ} } بمعنى: أنتم؛ أي: يقول هؤلاء للذين كفروا أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلان مخاطباً، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و{ {هَؤُلاَءِ} } اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى أنتم، وهذا ما مشى عليه في تفسير الجلالين.

قوله: { {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} } المراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة، فقال لهم أهل مكة: هذا محمد فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت، نسقي الحجيج ونفعل كذا وكذا.. وذكروا أشياء، فأينا أهدى، أنحن أم محمد؟

فاليهود انتهزوا هذه الفرصة، وقالوا: أنتم أهدى من محمد؛ لأنهم لا يريدون أن يقوم للنبي صلّى الله عليه وسلّم قائمة، فانتهزوا هذه الفرصة أن يسألهم قوم هم شيعة محمد عليه الصلاة والسلام وقرابته، فقالوا هذا الكلام: { {هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} } أي: طريقاً.

وقوله: { {سَبِيلاً} } هنا تمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل، والمنصوب بعد اسم التفضيل يكون تمييزاً.

* * *

قال الله تعالى: { {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا *}} [النساء: 52] .

{ {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} }:

{ {أُولَئِكَ} }: المشار إليه هؤلاء الذين أوتوا نصيباً وقالوا للكفار: أنتم خير فأنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً.

وقوله: { {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} } هذه الجملة تفيد الحصر، لتعريف طرفيها المبتدأ والخبر، فالمبتدأ «أولاء» وهو اسم إشارة معرفة، والخبر: { {الَّذِينَ} } وهو اسم موصول معرفة.

قوله: { {لَعَنَهُمُ اللَّهُ} }؛ أي: طردهم وأبعدهم عن رحمته، والعياذ بالله.

قوله: { {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} }:

«مَن»: اسم شرط، و{ {يَلْعَنِ} } فعل الشرط مجزوم به، ولكنه حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين.

قوله: { {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} } أي: لن تجد له من ينصره فيقربه من رحمة الله، ويدخله برحمة الله؛ لأن الله سبحانه إذا أراد بقوم سوء فلا مرد له.

من فوائد الآيتين الكريمتين:

1 ـ التعجب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب.

2 ـ بيان قبح صنيعهم، حيث إن الله قد أعطاهم نصيباً من الكتاب، ومع ذلك قالوا للكفار إنهم أهدى من المؤمنين، ومعلوم أن من حكم بخلاف ما يعلم فهو أقبح ممن حكم بما لا يعلم، والكل قبيح، لكن الأول أشد!

3 ـ بيان حقد اليهود على المؤمنين.

4 ـ أنهم يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، فلا ينكرون الجبت ولا الطاغوت بل يقرونه.

5 ـ الإشارة إلى أن أصل السحر متلقى من اليهود، ولهذا سحروا النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم بسحر عظيم، ولكن الله حمى نبيه صلّى الله عليه وسلّم من أن يؤثر فيه ذلك التأثير الذي كانوا يريدونه.

6 ـ أن اليهود أهل حسد؛ لأنهم يعلمون بقرارة أنفسهم أن محمداً أهدى من المشركين؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن لما امتلأت قلوبهم من حسده صاروا يفضلون الكفار عليه وعلى من اتبعه.

7 ـ تأثير الدعاية بلبس الحق بالباطل، وإلا فمن المعلوم أن الكافر فيما يرمي إليه أو فيما يذهب إليه، ليس فيه هداية إطلاقاً، ومع ذلك قالوا إنهم { {أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} }.

ويتفرع على هذه الفائدة: ما عليه بعض الناس اليوم من قوله: إن الكفار أوفى بالعهد من المؤمنين، وإنهم أخلص من المؤمنين وأنصح من المؤمنين، وما أشبه ذلك، فمن قال هذا في المسلمين فإن فيه شبهاً من اليهود.

ونحن لا ننكر أن في المسلمين من خالف طريق الإسلام بعدم الصدق في القول، وعدم الوفاء بالعهد وعدم الوفاء بالوعد، وعدم النصح في العمل، ولكن كل هذه الأخلاق حذر منها النبي صلّى الله عليه وسلّم أشد التحذير، فهي أخلاق دخيلة على الشعب المسلم، وسببها ما كان عليه هؤلاء من النقص في العلم وفي الإيمان.

8 ـ تحريم تفضيل الكفار على المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنكره، بقوله: { {} }.. إلى آخره.

9 ـ بيان استحقاقه لعنة الله، وبيانه أن كل من قال مثل هذا القول فإنه مستحق للعنة الله، لقوله: { {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} }، وأحكام الله سبحانه الشرعية والجزائية لا تتعلق بالأشخاص أبداً، فإذا استحق هؤلاء اللعن بإيمانهم بالجبت والطاغوت، وقولهم { {لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} }؛ فمن جرى مجراهم استحق ما يستحقون من العقاب.

10 ـ أن من لعنه الله فلا ناصر له، لقوله: { {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} }.

11 ـ التحذير من التعرض للعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض للعنة الله وحقت عليه لن يجد من ينصره.

* * *

قال الله تعالى: { {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا *}} [النساء: 53] .

{ {أَمْ لَهُمْ}}: أم هنا بمعنى بل، وهمزة الاستفهام، ففيها إضراب عما سبق، وقيل: إنها للاستفهام فقط، لكنه خلاف المشهور عند النحويين.

فقوله: { {أَمْ لَهُمْ}} أي: بل ألهم نصيب من الملك، حيث يريدون أن يحولوا بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبين ما أعطاه الله من النبوة التي يكون بها ملك مشارق الأرض ومغاربها.

يعني: هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام، وفضلوا طريق الكفار على طريق المؤمنين، فهل لهم نصيب من الملك بحيث يمنعون فضل الله سبحانه على نبيه، ويجعلون الفضل لهؤلاء الكفار؟!

يقول الله عزّ وجل: { {فَإِذًا} } يعني: لو كان لهم نصيب من الملك { {لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} } أي: لا يعطون الناس، و{ {النَّاسَ} } مفعول أول ليؤتون، و{ {نَقِيرًا} } مفعول ثان.

والنقير: هو النقرة التي على ظهر النواة، ويضرب بها المثل للقلة؛ أي: لو كان عند هؤلاء ملك ولهم نصيب من الملك، فإنهم لبخلهم لا يؤتون الناس نقيراً؛ لأن اليهود من أشد الناس بخلاً، وأشدهم طمعاً وحرصاً على المال.

إذاً معنى الآية: هل لهؤلاء نصيب من الملك حتى يحاولوا أن يمنعوا فضل الله على رسوله، وأن يجعلوا هذا الفضل لهؤلاء الكفار؟ الجواب: لا، ولو قدر أن لهم نصيباً من الملك فإنهم لن يعطوا أحداً منه شيئاً، ولهذا قال: { {فَإِذًا} } لو أعطوا نصيباً من الملك { {لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} }؛ أي: وما فوقه من باب أولى.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن هؤلاء اليهود الذين أرادوا أن يحولوا بين فضل الله على رسوله وبين رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأن يرحلوا هذا الفضل إلى هؤلاء الكفار؛ ليس لهم نصيب من الملك، فالملك لله وحده.

2 ـ الإشارة إلى أن اليهود من أبخل الناس، لقوله: { {فَإِذًا لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} }.

* * *

قال الله تعالى: { {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا *}} [النساء: 54] .

{ {أَمْ} } نقول فيها كما قلنا في سابقتها أنها بمعنى بل وهمزة الاستفهام.

قوله: { {يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} }، والمراد بالناس محمد صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، والحسد في تعريف أكثر العلماء: تمني زوال نعمة الله على الغير، سواء أردت أن تكون لك، أو أن تزول إلى غير أحد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره، بحيث إذا قيل له: فلان حصل له كذا، اضطرب قلبه من كراهة ما حصل لهذا الرجل، وعلى هذا فيكون ما قاله الشيخ رحمه الله أعم مما قاله جمهور العلماء؛ لأن على ما قاله جمهور العلماء لا بد أن يتمنى أن يزيل الله هذه النعمة، أما الشيخ فيقول: مجرد كراهته لها يعتبر حسداً، ومن المعلوم أن من كره شيئاً فسوف يتمنى أن يزول.

وقوله: { {عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} } أي: أعطاهم من فضله، والفضل الذي أعطيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم النبوة والرسالة.

قوله: { {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} } أي: فإن فضلنا لن يزال موجوداً، وليس هذا أول فضل تفضلنا به على عباد الله، بل إن الفضل لم يزل موجوداً، والمراد بآل إبراهيم هنا: كل من تبعه على دينه، وهو أولهم عليه الصلاة والسلام، وقد آتاهم الله الكتاب وآتاهم الحكمة، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وأكثر الأنبياء الذين قصهم الله علينا من ذرية إبراهيم، فأكثرهم من بني إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، والواحد الوحيد في آل إبراهيم محمد صلّى الله عليه وسلّم وهو من ذرية إسماعيل عليه السلام، ودينه مهيمن على جميع الأديان، ورسالته خاتمة للرسالات، وأمته باقية إلى يوم القيامة.

و{ {الْكِتَابَ} } بمعنى المكتوب، والكتب المنزلة على الأنبياء كلها تكتب باليد، والحكمة: هي الصواب، فالقرآن صواب، والتوراة صواب، والإنجيل صواب، وكل ما جاءت به الرسل فهو صواب ولهذا قيل: إن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها.

قوله: { {وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} } أي: آتينا آل إبراهيم ملكاً عظيماً، وأبلغ مثل في ذلك ما أعطاه الله لسليمان عليه السلام، فقد آتاه الله ملكاً عظيماً، حين قال: { {وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي}} [ص: 35] ، حتى إن الشياطين المردة { {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}} [سبأ: 13] ، وحتى إن من الشياطين { {وَالشَّيْاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ *وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *}} [ص: 37، 38] . بناء: يبني على ظاهر البر، وغواص: يغوص في البحر ليأتي بالجواهر والدرر، وكل ما يكون في البحر، والقسم الثالث مقرنون في الأصفاد؛ لأنهم عصوا أمره، فقرنهم في الأصفاد وحبسهم، وهذا ملك عظيم!

كذلك أيضاً سخر الله له الريح { {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ}} [ص: 36] ؛ أي: حيث أراد، وقوله: {{رُخَاءً}}: أي: بدون اضطراب وبدون مشقة، والمعروف أن الريح يكون فيها قلق ومشقة، وإن لم تحمل الإنسان، فضلاً عما لو قدر أن هناك ريحاً تحمله لكان فيها القلق والاضطراب، لكن الله تعالى جعلها رخاء مع أنها عاصفة، { {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ}} [الأنبياء: 81] ، لكن مع كونها عاصفة لم يكن فيها قلق، بل هي { {رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ}}.

قال العلماء: إنه إذا أراد أن تتجه إلى ناحية وضع بساطاً وجلس عليه هو وحاشيته، ومن أراد أن يسافر معه، ثم أمر الريح فحملته، فطارت به، { {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}} [سبأ: 12] وهذا من قدرة الله عزّ وجل، وهو من جملة الملك الذي أعطيه آل إبراهيم، وهذا لا شك أنه ملك عظيم، حيث يسخر له الشياطين والرياح.

ولما قال: { {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}} [النمل: 38] وكان عرشها بالجنوب، في اليمن، وهم في الشمال في الشام، { {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ}} [النمل: 39] وكان له حد معين يقوم فيه؛ أي: بعد ساعة أو ساعتين أو نحو ذلك، { {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}} [النمل: 39] { {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}} [النمل: 40] أي: مد الطرف ثم رده آتيك به، { {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي}} [النمل: 40] .

وتأمل قوله: {{فَلَمَّا}} فإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، وأنه رآه فوراً، ثم رآه {{مُسْتَقِرًّا}} كأن له عشرات السنين، ولهذا جاءت كلمة مستقراً ولم يقل: فلما رآه عنده؛ لأنها تحتمل الآن وما بعده، لكن قال: {{مُسْتَقِرًّا}}، كأنه جاء منذ بضع سنين، { {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}} [النمل: 40] ، وهذه الكلمة ينبغي أن تكون على كل لسان، فإذا أنعم الله عليك نعمة، فقل: { {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} } لأن كثيراً من الناس لا تحصل لهم هذه النعمة.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ بيان ما كان عليه اليهود من الحسد.

2 ـ إنكار الحسد؛ لأن الله ساق هذه الآية للإنكار عليهم.

والحسد من كبائر الذنوب؛ لأنه يأكل الحسنات، ولا يستفيد الحاسد شيئاً، وفي الحسد مفاسد:

أولاً : أنه من كبائر الذنوب، وكبائر الذنوب لا تغفر إلا بتوبة.

ثانياً : أنه اعتراض على قضاء الله وقدره؛ لأن كونك تكره أن يعطي الله هذا الإنسان شيئاً، هذا اعتراض على الله، ولهذا قال: { {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} }.

ثالثاً : أن فيه عدواناً على المحسود، وهذا في الغالب وليس دائماً، فقد يقوم في قلب الإنسان حسد لكن لا يعتدي على المحسود لا بقول ولا بفعل، ولهذا جاء في الحديث: «إذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ» [(193)]، فالحسد قد يقوم بقلب الإنسان، والإنسان بشر، ولكن إذا أحسست به في قلبك فحاول طرده عن قلبك حتى يكون نزيهاً، فإن عجزت فأقل ما يلزمك أن لا تبغي على من حسدت؛ أي: أن لا تعتدي عليه، لا بقول ولا بفعل.

فمن القول: أن يتهم المحسود باتهامات، ويتقول عليه ما لم يقل، أو يحال بينه وبين أعماله، أو يُسَب عند كبرائه وأمرائه، أو يُسَب أيضاً عند أصحابه وقرنائه، أو ما أشبه ذلك، فهذا اعتداء بالقول.

والاعتداء بالفعل: أن يعتدي عليه بيده، حتى يحول بينه وبين ما آتاه الله من فضله، مثل أن يغرق ماله، أو أن يحرقه حتى لا يكون عنده مال؛ لأنه حسده على كثرة المال.

رابعاً : المشابهة لليهود: فمن مضار الحسد أنه مشابهة لليهود، وبئس الخصلة خصلة يكون فيها الإنسان مشابهاً لليهود.

خامساً : أن الحاسد يكون دائماً في قلق؛ لأن نعم الله على غيره تترى، فكلما تجددت نعمة على غيره نبغ في قلبه الحسد، فيكون في قلق مستمر.

سادساً : أن الحاسد في الغالب يستحسر، ويتصور أنه عاجز عن أن يلحق بالمحسود، فتجده يستحسر ولا يحاول أن يصل إلى الفضائل، لكن لو أعرض عن الناس ومن زاده الله من فضله، وحاول هو أن يسعى في النعم؛ لسلم من هذا كله.

سابعاً : إحداث العداوة والبغضاء بين الناس؛ لأن الحاسد في الغالب لا يخلو من عدوان، والعدوان على الغير يؤدي إلى العداوة والبغضاء.

وأما دواء الحسد فهو:

أولاً : أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره، وأن يعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فإذا علم ذلك اطمأن ولم يعترض على الله سبحانه فيما آتاه من فضله.

ثانياً : أن يعلم أن حسده لن يمنع فضل الله عن المحسود أبداً، ولو كان يمنع فضل الله عن المحسود لكان كل إنسان يحسد غيره.

ثالثاً : أن يتجه إلى الله عزّ وجل في سؤاله أن يعطيه مثلما أعطى هذا، كما قال تعالى: { {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}} [النساء: 32] .

رابعاً : أن يذكر عواقب الحسد وشؤمه وعقوبته، حتى يخشى هذا الشؤم والعقوبة فيدعه.

خامساً : أن يعلم أنه من أخلاق اليهود.

والمهم أن الإنسان إذا تأمل مضاره كان هذا التأمل دواء يحتمي به عن الحسد.

3 ـ بيان أن الله أنعم على هؤلاء الحسدة بما ذكره في قوله: { {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} }... الآية، فلا وجه للحسد مع ما أعطاهم الله تعالى من الفضل، وهذا أيضاً من الدواء الذي يداوي به الإنسان الحسد، فيقول مثلاً: ما لي أحسد فلاناً وقد أعطاني الله كذا وكذا.

4 ـ بيان ما مَنَّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم، فمثلاً: التوراة والإنجيل كلها كتاب وحكمة، والملك العظيم؛ مِنْ أعظم من أعطي ملكاً من بني إسرائيل سليمان عليه السلام، فإنه أعطي ملكاً عظيماً، حتى قال: { {وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي}} [ص: 35] لعظمته.

5 ـ أن الله عزّ وجل له التصرف في ملكه بما يشاء، فإنه يقبض ويبسط، لقوله: { {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} }.

* * *

قال الله تعالى: { {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا *}} [النساء: 55] .

{ {فَمِنْهُمْ}} الضمير يعود على آل إبراهيم، يعني: ليس كل آل إبراهيم تقبلوا هذا الكتاب، وهذه الحكمة، وهذا الملك، { {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ} } و{ {مَنْ}} هنا للتبعيض والدليل عليه قوله: { {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} } فقسمهم الله تعالى إلى قسمين.

والتبعيض قد يأتي بالحرف الدال عليه في كلا القسمين، وقد يأتي في أحدهما ويحذف من القسم الثاني، مثل قوله تعالى: { {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}} [هود: 105] ، المعنى: فمنهم شقي ومنهم سعيد؛ لأنه لا يمكن أن يكون شقي وسعيد في آن واحد، ولكن حذفت من القسيم الثاني.

فمنهم من آمن به وقبله، وآمن بكتابه والحكمة وشكر النعمة على الملك، ومنهم من صد عنه، فلم يؤمن به، ولم يشكر الله على هذه النعمة والملك العظيم.

وقوله: { {مَنْ صَدَّ عَنْهُ} } { {صَدَّ} } هذه تستعمل لازمة ومتعدية، فاللازمة بمعنى أنه صد عنه بنفسه، والمتعدي أنه صد غيره عنه، وكلا الوصفين ثابت لهؤلاء، فهم صادون عنه بأنفسهم، وهم صادون غيرهم عنه، حتى إن بني إسرائيل يدعون أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام ليس نبياً، ولكنه ملك واسع الملك قوي السلطان، وكذلك داود عليه السلام يرون أنه ليس بنبي ولكنه ملك، والصواب أنهما من الرسل والأنبياء، لكن الله تعالى أعطى سليمان ذلك الملك العظيم.

ثم قال: { {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} } يعني: ما أعظم السعير الذي يحصل لهؤلاء بجهنم، { {وَكَفَى} } سبق أنها تتعدى بالباء، ولكنهم يقولون: إن الباء زائدة لفظاً يعني: من حيث الإعراب، وأما من جهة المعنى فلها فائدة وهي تعدية كفى إلى المعمول، ويقولون: إن الباء حرف جر زائد، وأن «جهنم » في هذه الآية هي الفاعل؛ أي: كفت، وأن قوله: { {سَعِيرًا} } تمييز، والسعير بمعنى المسعر، أو بمعنى الساعر وكلاهما يدل على الإحراق العظيم.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن الناس ينقسمون فيما يعطيهم الله تعالى من نعم الدين والدنيا إلى قسمين:

قسم يؤمن، وقسم يكفر، وهذه هي سنة الله كما قال تعالى: { {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}} [التغابن: 2] ، ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، ولكن من رحمته أن جعلهم يتفرقون حتى يعلم الله الصادق من الكاذب، وحتى يقوم علم الجهاد، وحتى يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى يعرف المؤمن قدر نعمة الله عليه بالإيمان، وحتى يجتهد المؤمن ليثبته الله عزّ وجل حتى لا يكون مثل هؤلاء.

والحاصل أن الله سبحانه جعل الناس قسمين لحكم عظيمة.

2 ـ أن الذين لم يؤمنوا به أعرضوا عنه وصدوا الناس عنه أيضاً، لقوله: { {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} }، وقد ذكرنا أنها تستعمل لازمة ومتعدية وأنها في هذه الآية على الوجهين.

3 ـ تعظيم إحراق النار، لقوله: { {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} }.

4 ـ أن من صد عما آتاه الله من الكتاب والحكمة فإنه يكون من حطب جهنم والعياذ بالله.

* * *

قال الله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا *}} [النساء: 56] .

قال تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا} } وقال بعدها: {{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}} وهكذا طريقة القرآن مثاني، يعني: إذا جاء ذكر أهل النار جاء ذكر أهل الجنة، وإذا جاء ذكر المتقين جاء ذكر المجرمين وهكذا، حتى يكون الإنسان سائراً إلى الله بين الخوف الرجاء، وحتى لا يمل لو كان الكلام على نسق واحد.

قوله: { {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا} } «كفروا بها» أي: جحدوها وأنكروها، وأصل المادة «كفر» من الستر والتغطية، ومنه سمي «الكُفُرَّى» الذي هو غلاف طلع النخل.

وقوله: { {بِآيَاتِنَا} } يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية.

فمن الكفر بالآيات الشرعية: تكذيب الرسل، وعدم الالتزام بما جاءوا به من الشرائع.

ومن الكفر بالآيات الكونية: أن ينسب هذا الكون إلى غير الله أو يقال: إن أحداً أعان الله فيه، أو يقال: إن أحداً له فيه شرك، فكل هذا من التكذيب بالآيات.

ومن ذلك: إنكار أن يكون الكسوف وقع إنذاراً من الله وتخويفاً؛ لأن بعض الناس يقولون: إن الكسوف أمر عادي وليس من أجل أن يخوف الله به العباد، وهذا يعتبر نوعاً من الكفر، وليس كفراً مخرجاً من الملة، لكنه نوع من الكفر.

قوله: { {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا} } سوف يقول المعربون: إنها حرف تسويف، يعني: تدل على تحقق وقوع الشيء لكن بعد زمن؛ لأن التسويف بمعنى التأخير، ومنه قولهم: سوَّف بالتوبة، يعني: أخرها، فمعنى سوف: يعني: أنهم سوف يصلون لكن بعد زمن.

وقوله: { {نُصْلِيهِمْ نَارًا} } أي: نجعلهم يصلونها حتى تحرقهم.

قوله: { {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} } { {كُلَّمَا نَضِجَتْ} } النضج معناه: بلوغ الغاية في الكمال، يعني: أنها إذا نضجت من الاحتراق واحترقت فإنها تبدل جلوداً غير الأولى؛ لأن الأولى احترقت، وزالت، { {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} }؛ أي: الألم الذي يعذبون به؛ لأن الجلد إذا احترق صار حائلاً دون بقية الجسم، فلا يحسون بالنار، لكن إذا بدل بجلد آخر جديد حينئذ أحسوا بحر النار ـ أعاذانا الله منها ـ، و{ {كُلَّمَا} } حرف شرط يدل على التكرار، يعني: أنهم دائماً وأبداً كلما نضجت الجلود بدلوا جلوداً غيرها.

قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} } «كان» فعل ماضٍ لكن لا يراد بها الزمن، فهي تدل على تحقق الاتصاف بما دل عليه خبرها بدون التقيد بزمن، ولهذا تكون: مسلوبة الزمان في هذا؛ لأننا لو قلنا: إنها دالة على الزمان لكانت العزة والحكمة قد انتهت وذهبت.

وقوله: { {عَزِيزًا} } العزيز قال العلماء: إن له ثلاثة معان:

الأول : عزة القدر.

الثاني : عزة القهر.

الثالث : عزة الامتناع.

أما عزة القدر فمعناه: أنه ذو قدر عظيم لا يماثله شيء، وأما عزة القهر فمعناه: أنه الغالب القاهر لكل ذي جبروت، وأما عزة الامتناع فمعناه: الممتنع عن كل عيب ونقص وسوء، ومنه قولهم: أرض عزاز، يعني: صلبة ممتنعة عن الرخاوة، وربما يحتمل معانٍ أخرى أيضاً، وكلها ثابتة لله، «وقل لله العزة جميعا».

وأما الحكيم فإنه مشتق من الحكمة وهي الإحكام والإتقان، ومن الحكم وهو القضاء والفصل، والله سبحانه حكيم ذو حكمة بالغة، وحكيم بمعنى: حاكم فاصل بين عباده، ترجع الأمور كلها إليه، كما قال تعالى: { {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}} [الأنعام: 62] .

وليعلم أن حكم الله سبحانه ينقسم إلى حكم كوني قدري، وحكم شرعي ديني.

أما الحكم الكوني القدري: فمثل قوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: { {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي}} [يوسف: 80] يريد بذلك حكماً قدرياً لا حكماً شرعياً؛ لأن الله تعالى لم يمنعه شرعاً من الرجوع إلى أهله، ولكنه يريد بذلك أن يحكم له حكماً قدرياً.

وأما الحكم الشرعي: فدليله ومثاله قوله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة لما ذكر ما ذكر من الأحكام قال: { {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}} [الممتحنة: 10] هذا حكم شرعي.

وقد يجتمع القسمان في آية واحدة، مثل قوله تبارك وتعالى: { {لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}} [القصص: 70] ، ومثل قوله: { {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}} [الأنعام: 62] ، ومثل قوله: { {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ *}} [التين: 8] فالمهم أن حكم الله عزّ وجل ينقسم إلى كوني قدري، وشرعي ديني، وذكرنا لكل واحد دليله ومثاله، وذكرنا ما يجمع القسمين، وكل ذلك موجود في القرآن.

والحكم الكوني القدري هو الحكم النافذ في العباد، ولا يمكن لأحد أن يعاند فيه أو يمانع فيه.

أما الحكم الشرعي الذي يحكم الله فيه بين العباد، فمن العباد من يقبل ويقوم به، ومن العباد من لا يقبل ولا يقوم به لحكمة وهي أحد المعنيين في قوله: { {حَكِيمًا} }، فهي مأخوذة من الإحكام، وهو إتقان الشيء، فالشيء المحكم هو الشيء المتقن، وفسرها بعض العلماء بأنها وضع الأشياء في مواضعها، بمعنى: أنك إذا رأيت هذا الشيء قلت: لا يصلح في مكانه إلا هو، ثم هي ـ أي: الحكمة ـ حكمة في نفس الشيء، وحكمة في غاية الشيء، بمعنى: أن هذا الشيء في نفسه مطابق للحكمة، والثاني: أن الغاية منه حكمة محمودة، فالوضوء مثلاً: كونه يبدأ أولاً بالوجه ثم باليدين ثم بالرأس، ثم بالأذنين، وكون بعض الأعضاء تغسل، وبعض الأعضاء تمسح، هذا من الحكمة ولا شك، يعني: كونها على هذه الصورة المعينة حكمة، ثم الغاية منه وهو التطهير من الذنوب والتطهير من الأحداث وهذه غاية حميدة بلا شك.

إذاً: الحكمة تكون في ذات الشيء وفي غاية الشيء، وكل هذا ثابت في حكمة الله عزّ وجل، وإذا قلنا: إن الحكم كوني وشرعي، والحكمة حكمة في ذات الشيء وحكمة في الغاية منه صار الجميع أربعة أقسام.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ الوعيد على من كفر بآيات الله بالنار.

2 ـ أن من كذب أو كفر ببعض الآيات فله نصيب من هذا الوعيد حسب كفره، وذلك بناء على القاعدة المعروفة أن الحكم المرتب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعفه.

3 ـ إثبات العقوبة بالنار، ويتفرع عليها وجوب اعتقاد ذلك؛ لأن الخبر صادر من عند الله عزّ وجل وهو أصدق القائلين { {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا} }.

4 ـ تمام قدرة الله عزّ وجل، حيث كان هذا العذاب كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها، وهذا أبد الآبدين.

لكن هل هي تنضج في الحال، أو تبقى مدة ليزداد ألمهم؟ لأنه من المعروف أن اللحم إذا كانت النار قوية ينضج بسرعة، والعكس بالعكس، فهل هذه الجلود تنضج بسرعة ثم تبدل، أو أنها تبقى متألمة مدة الله أعلم بها ثم تبدل؟

نقول: هذا خبر عن غيب، والأخبار عن الغيب لا يجوز أن نتعدى فيها أكثر مما أخبرنا به، فنقول: إذا نضجت الجلود بدلوا جلوداً غيرها، أما هل تأخذ زمناً كثيراً قبل أن تنضج؟ فهذا ليس إلينا، فربما تأخذ زمناً كثيراً وربما تأخذ زمناً قليلاً، لكن القاعدة في أمور الغيبيات أن نقتصر على ما ورد كمية وكيفية وزمناً وقدراً ولا نتعدى في شيء منه.

5 ـ أن الإحساس إنما يكون في الظاهر، لقوله: { {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} } فهي التي يقع عليها العذاب والعياذ بالله، هذا هو الظاهر.

وربما يقول قائل: إن العذاب قد يكون حتى على الداخل، لكن لما كانت الجلود هي التي تباشر النار ـ أعاذنا الله منها ـ ذكر حالها، ويستشهد لذلك بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في أبي طالب: «أنه في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه» [(194)] وغليان الدماغ لا شك أنه من شدة الحرارة، فهذا يدل على أن كل البدن والعياذ بالله تناله هذه الحرارة، لكن ذكر الجلود لأنها المباشرة حيث أنها هي الظاهرة.

ويقول الأطباء ـ ولا أدري هل هو مؤكد؟ ـ أن داخل الجلد لا يتألم، وأن الألم للجلد فقط، والله جعل الجلد يتألم من أجل أن يحس الانسان بما يصيبه، وكلما تأمل الانسان حكمة الله رأى العجب العجاب.

6 ـ ومن الفوائد وهي فائدة لغوية: أن { {كُلَّمَا} } لا تعاد في جوابها، قال الله: { {كُلَّمَا نَضِجَتْ} }.. { {بَدَّلْنَاهُمْ} }، خلافاً للغة الأخيرة العرفية العصرية، حيث يقولون: كلما جاء زيد كلما جاء عمرو، وهذا غلط على اللغة العربية، فكلما حرف شرط، تأتي في أول الجملة ولا تعاد في الجواب، مع أننا نسمع الآن من يقول: كلما حصل كذا كلما حصل كذا، ونعتبرهم من أهل اللغة، ومع ذلك يخطئون هذا الخطأ الفاحش.

7 ـ إثبات الحكمة لله عزّ وجل في أفعاله، وتؤخذ من قوله: { {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} } وهكذا كلما رأيت لام التعليل بعد حكم كوني أو شرعي فإنها تفيد إثبات الحكمة لله عزّ وجل، والعجيب أن قوماً من أهل الملة ومنهم الأشاعرة ينكرون الحكمة لله، ويقولون: إن أحكام الله الكونية والشرعية لمجرد المشيئة وليس لها حكمة، فأنكروا ما هو من أشرف صفات الله عزّ وجل وهي الحكمة؛ لأن ضد الحكمة السفه، وسبحان الله عن السفه.

وإذا قررنا هذا التقرير وهو أن كل حكم معلل باللام فإنه دليل على ثبوت الحكمة صارت أدلة الحكمة لا تحصى فهي كثيرة جداً، وإنما أنكروا الحكمة وقالوا: لأنه إذا فعل لحكمة فقد فعل لغرض يعود عليه بالنفع، والله سبحانه منزه عن ذلك، ويا سبحان الله! كيف زين لهم الشيطان هذا الترتيب.

فيقال: إن الله يفعل لحكمة لا لنفع يعود عليه، ولكن لنفع يعود على العباد، فهو سبحانه مستغنٍ عن ذلك، فقال: { {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}} [المائدة: 6] فالتطهير هنا النفع فيه عائد لنا لا لله، وهكذا بقية الأشياء، وإذا كان لمصلحة الغير كان ذلك دليلاً على كرمه وجوده عزّ وجل، وهذا كمال وليس بنقص بحال من الأحوال.

8 ـ إثبات غضب الله عزّ وجل؛ لأن العذاب لا يكون عن رضا، بل عن غضب، لكن الاستدلال بهذه الآية على الغضب من باب الاستدلال باللازم؛ لأنه لا يمكن أن يعذب من يرضى عنهم.

إذاً: كل آيات فيها إثبات الوعيد فإنها تدل على الغضب؛ لأن الله سبحانه إنما يعذب لأنه يغضب من هذا الشيء، ولكن لا يلزم مثلاً لمن فعل معصية واحدة أن نقول: إن الله يغضب من هذا الفعل المعين؛ لأن الفعل المعين لا نثبت له الغضب المعين إلا بدليل، وإلا لو قلنا: إن كل فعل محرم إثبات للغضب لصارت جميع المحرمات كبائر؛ لأن ما ثبت به الغضب فهو من كبائر الذنوب كما ذكر ذلك أهل العلم.

9 ـ إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم، وما تضمناه من صفة العزة، وصفة الحكمة، ثم باجتماع الاسمين وما تضمناه من الصفة وصف زائد، وذلك لأن من له العزة والغلبة قد تأخذه العزة بالإثم فلا يكون في تصرفه حكمة، فجمع الله بين العزة والحكمة ليتبين أن عزته عزّ وجل لا تنافي الحكمة، خلافاً لما يكون من الخلق فإن الإنسان إذا غلب وانتصر ربما يتصرف تصرفاً ينافي الحكمة.

إذاً: يؤخذ من الجمع بين الاسمين معنى آخر زائداً على ما دل عليه كل اسم على حدة، وهو أن عزة الله عزّ وجل مقرونة بالحكمة، وكذلك حكمته مقرونة بالعزة؛ لأن الإنسان قد يكون ضعيفاً؛ فالحكمة أن يستذل أمام القوي، فلو دخل إنسان على الأمير فلا يقول: يا فلان! أنت ظلمتني ولم تعطني حقي؟ إنما الحكمة أن يقول: أطال الله بقاءك على طاعته أيها الأمير! المحترم الموقر المعظم، ويأتي بأشياء تسهل الأمور فالتصرف الثاني هو دليل الحكمة، لكن حكمة الله عزّ وجل مقرونة بالعزة، فهو منزه عن ذلك.

إذاً: قرن العزة بالحكمة له فائدة، وقرن الحكمة بالعزة كذلك له فائدة.

* * *

قال الله تعالى: { {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً *}} [النساء: 57] .

لما ذكر الله سبحانه حال أهل النار أعاذنا الله وإياكم منها، قال بعد ذلك: { {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} }، والقرآن مثاني، تثنى فيه المعاني، فإذا ذكر فيه أهل النار ذكر فيه أهل الجنة، وإذا ذكرت النار ذكرت الجنة، وإذا ذكر الحق ذكر الباطل، وهكذا، وهذا أحد المعاني في قوله تعالى: { {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ}} [الزمر: 23] .

قول الله عزّ وجل: { {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} } قدم الله الإيمان على العمل الصالح ـ ومثل هذا التركيب موجود في القرآن بكثرة ـ لأن العمل الصالح مبني على الإيمان، فعمل بلا إيمان لا فائدة منه، فالمنافقون يعملون، ويذكرون الله، ويصلون، ويتصدقون، ولكن ليس عندهم إيمان فلا ينفعهم، ولهذا يقدم الله عزّ وجل الإيمان على العمل الصالح؛ والإيمان الذي يكثر ذكره في القرآن فسره النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»[(195)].

فالذين آمنوا بهذه الأصول { {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} }، قال بعض النحويين: إن الصالحات صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات؛ لأن الصالح وصف، والوصف لا يفعل، وإنما الذي يفعل هو الموصوف. هكذا قال، وعندي: أنه لا حاجة لذلك، فما دام الأمر معلوماً فلا حاجة إلى أن يقدر، ونقول: إنَّ { عَمِلُوا } مسلط على الصالحات، والأعمال الصالحة: ما كانت خالصة لله صواباً على شريعة الله، يعني: ما كان خالصاً صواباً كما قال الفضيل بن عياض، ومعنى ذلك: ما جمع بين الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فمن عمل عملاً أشرك به مع الله غيره ولو يسير الرياء كان عمله غير صالح، ومن أخلص لله لكن على غير شريعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان عمله غير صالح.

قوله: { {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } السين هنا: للتنفيس، وسبق أن قيل في أصحاب النار: {{سَوْفَ نُصْلِيهِمْ}} [النساء: 56] ، وأصحاب الجنة قيل فيهم: { {سَنُدْخِلُهُمْ} }، فهل هذا من باب اختلاف التعبير وأن معنى الحرفين واحد؟ الجواب: قال ابن هشام: معنى الحرفين واحد، وقيل: بل معناهما مختلف، وأن السين تدل على القرب، وسوف تدل على المهلة، وهذا هو المعروف وهو الأصح، فإذا قيل كذلك فلماذا جاء الوعيد بالنسبة لأهل النار بسوف ولأهل الجنة بالسين؟

الجواب على ذلك: أن أهل النار يفسح لهم لعلهم يتوبون إلى الله فيرجعون، وحينئذ لا يكونون من أهل النار، أما أهل الجنة فإنهم يدخلون الجنة، ولكن ليس المقصود جنة الآخرة، لكن يدخلون جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، مصداق قوله تعالى: { {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}} [الزمر: 22] ، وقوله: { {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}} [النحل: 97] ولا أحد أطيب حياة من المؤمنين أبداً.

قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ـ الذين تمت لهم الدنيا على ما يريدون ـ ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف؛ أي: لقاتلونا مقاتلة لينالوه، ولكن لا يحصل لهم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية لما حبس: ما يصنع أعدائي بي؟ إن جنتي في صدري[(196)].

وربما يدل على أن أهل الجنة منعمون أتم نعيم قوله تعالى: { {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى}} [الدخان: 56] ، إذا جعلنا الاستثناء متصلاً صار المعنى: أن الموتة الأولى التي ماتوها في الدنيا ذاقوها، والنعيم مستمر من الدنيا إلى الآخرة، ولكن أكثر العلماء يقولون: {{إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى}} إن الاستثناء هنا منقطع، والتقدير: لكن الموتة الأولى.

على كل حال نقول: إنما قال: «سوف» في أهل النار ليمد لهم في الأجل، لعلهم يرجعون، فأراهم العذاب وكأنه بعيد، لكن أهل الجنة أراهم النعيم كأنه قريب، حتى ينشطوا على العمل، وأيضاً نقول: إن أهل الإيمان في سعادة حتى في الدنيا، ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن» [(197)] فكل أمره خير، إن أصابته ضراء صبر مع الله عزّ وجل، وصبر لله، وانشرح صدره، وكما قالت رابعة العدوية لما قطع أصبعها أو أصابها جرح فيها قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.

فالمؤمن في الحقيقة حتى وإن أصيب بالمصائب يوفق للصبر، ويثيبه الله عزّ وجل على ذلك، فيكون كأنه لم يصب، وإن أصابته السراء شكر فزيد في النعمة، كما قال تعالى: { {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأََزِيدَنَّكُمْ}} [إبراهيم: 7] .

قوله: { {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } المراد بالجنات هنا: ما أعده الله عزّ وجل في الدار الآخرة لهؤلاء المؤمنين، ولا يَحسُن هنا أن نقول: الجنات: جمع جنة، وهي البستان الكثير الأشجار؛ لأن هذا ينقص من شأن الجنة، إذ لا ينصرف إلا إلى بساتيننا في الدنيا، وهي مرة تيبس ومرة تخضر، ومرة تصيبها الرياح ومرة تستقيم، لكن إذا قلت: الجنات: جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله سبحانه للمتقين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حينئذ يبتهج القلب ويسر.

وقوله: { {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } قال العلماء: المراد { {مِنْ تَحْتِهَا} } أي: تحت أشجارها وقصورها، أنهار مطردة تحت الأشجار وتحت القصور، فهي من تحتها، وهذه الأنهار أصنافها أربعة، كما قال الله تعالى: { {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصْفّىً}} [محمد: 15] فهذه أربعة أنهر، أو أربعة أنواع من الأنهار في الجنة.

قوله: { {خَالِدِينَ فِيهَا} } { { خَالِدِينَ } } حال وصاحبها الضمير في قوله: { {سَنُدْخِلُهُمْ} } أي: الضمير الهاء، وقوله: { {خَالِدِينَ فِيهَا} } بين أن هذا الخلود أبدي، فقال: { {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} } أبد الآبدين، لا منتهى له.

فإذا قال قائل: هل يعيش الإنسان وهو يرى أنه باق دائماً في هذا؟

فالجواب: نقول: نعم؛ لأن كل ساعة تتجدد له لذة ونعيم، { {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}} [البقرة: 25] في الدنيا ننتظر الموت حتى نرتحل عن هذه الدنيا، لكن في الآخرة لا تنتظر الموت، وإنما دائماً في سرور ونعيم، قال الله: { {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}} [مريم: 62] فهم في نعيم دائم، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

قوله: { {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} } { {لَهُمْ} } أي: للذين آمنوا وعملوا الصالحات { {فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} } أزواج: جمع زوج، وهي الأنثى ويطلق على الرجل أيضاً، يقال: زوج فلانة، ويقال: زوج فلان، يعني: زوجته، وفي الفرائض يجب أن تأتي بالتاء، بينما في غير الفرائض لا تأتي بالتاء؛ لأن الإتيان بالتاء لغة رديئة، أو قليلة.

وقوله: { {لَهُمْ} } جمع، و{ {أَزْوَاجٌ} } جمع، فهل يقابل الجمع بالجمع على وجه الإفراد، أو الجمع بالجمع على وجه الجمع، بمعنى: هل لكل واحد زوجة واحدة فقط، فنقول: مثلاً لهم أزواج، ولو فرضنا عشرة، وقلنا: لكم أزواج، فهل المعنى أن لهؤلاء العشرة عشر زوجات فقط، أو لكل واحد عشرة؟ مثل هذا يختلف فيه العلماء هل يقابل كل فرد بفرد، أو يقابل كل فرد بالجمع.

فمن العلماء من قال: يقابل كل فرد بفرد، ومنهم من قال: يقابل الجميع لكل فرد، فلو قلت لرجال أمامي: لكم عشرة دراهم، فهل المعنى أن العشرة توزع بينهم، أو المعنى لكل واحد عشرة؟ على خلاف، فهنا قوله: { {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ} }، هل المعنى لكل واحد أزواج، أو المعنى: لكل واحد زوجة واحدة، لكن الأزواج هنا قوبلت بالجمع في قوله: { {لَهُمْ} }؟ الجواب يقال: إن السنة دلت على أن الواحد له أزواج متعددة، سواء من أهل الدنيا أو ممن خلق الله في الجنة وهن الحور.

وقوله: { {مُطَهَّرَةٌ} } مطهرة طهارة حسية، ومطهرة طهارة معنوية، فالطهارة الحسية تشمل الطهارة من البول والغائط، والحيض، والاستحاضة، والنفاس، والصفرة، والكدرة، والعرق، والرائحة المنتنة وغير ذلك، من كل ما يستحب إزالته والتنزه عنه فهي مطهرة منه.

ومطهرة أيضاً طهارة معنوية، وذلك لأنها خالية من كل خلق سيئ، لا غضب ولا تكرب للزوج، ولا كراهية ولا عصيان، ولا اكفهرار في وجهه، فهي مطهرة من كل خلق رذيل، ومن كل أذى وقذر، فالطهارة إذاً حسية ومعنوية، ولو اشتكت النساء وقلن: الرجال لهم أزواج مطهرة فما بالنا نحن؟ فنقول لهن: أنتن لَكُنَّ أزواج مطهرون، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولا يكون جاره إلا الطيب، وأنتن في الآخرة كل واحدة منكن لا تريد إلا زوجها، كما قال: { {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}} [الرحمن: 56] كل واحدة قاصر طرفها على زوجها ومتنعمة به، وأنتن خير من سواكن فلا تجزعن، ولكن لما كان الزوج هو الطالب غالباً صار هو الذي يقال له: لك زوجة فيها كذا وفيها كذا، أما الزوجة فلا تكون طالبة إلا نادراً.

قال: { {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} } الظل هو ما فاءت عنه الشمس، وإن شئت فقل: هو ما لم تحله الشمس، سواء كان فيئاً أم ظلاً من أول النهار، وأما الظليل فهو المؤدي معناه تماماً؛ لأن من الظل ما ليس بظليل، فلو جلست تحت ظل جدار في أيام الصيف فأنت في ظل، لكن ليس هو ظليل؛ لأن لفح الحر يأتيك، لكن الجنة ظل ظليل.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ أن الإيمان لا يتم استحقاق دخول الجنة به إلا إذا قرن بالعمل الصالح، لقوله: { {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} }، ولهذا يقرن الله سبحانه بينهما كثيراً، فمن آمن وقال: إنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولكن لا يعمل صالحاً فإن الجنة غير مضمونة له، ولكن من الأعمال ما نعلم أنه لن يدخل الجنة إذا تركها مثل الصلاة.

2 ـ أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحاً، والصالح ما تضمن شيئين:

الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإن شئت فقل: الإخلاص لله واتباع شريعته، وهذا أعم، إذ إن المعنى الأول قد يتوهم منه أن المراد بالرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولكن المراد أعم من هذا، حتى الذين عملوا الصالحات حين كانت شرائعهم قائمة يدخلون في هذه الآية وغيرها.

3 ـ أن الله سبحانه وعدهم هذا الوعد المؤكد بالسين : { {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ} }.

4 ـ أن الله تعالى عظم نفسه؛ لأنه أهل للتعظيم، في قوله: { {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ} } وقد التبس على النصراني مثل هذا التعبير الذي يأتي من قبل الله إذا كان بهذه الصيغة، فظن أن الإله متعدد، ولكن هذا من فهمه السيئ واتباعه للمتشابه، فإن ذكر الواحد بصيغة الجمع أمر معروف في كل لغة، والوحدانية مفهومة ومعلومة بالضرورة من الأديان، وبالفطر السليمة.

5 ـ بيان ما في الجنة من النعيم لقوله: { {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} }.

6 ـ أن الجنة أنواع وليست نوعاً واحداً، يؤخذ ذلك من صيغة الجمع { {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} }.

7 ـ أن أهل الجنة مخلدون فيها أبداً، لقوله: { {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} }، وقد أجمع أهل الملة على أن نعيم الجنة دائم أبداً، وكذلك جمهور أهل السنة على أن عذاب أهل النار دائم أبداً.

8 ـ الثناء على الأزواج في الجنة، سواء كن من أهل هذه الدنيا أو من الحور، لقوله: { {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} }.

9 ـ الثناء على هؤلاء الأزواج، وأنهن مطهرات من كل عيب حسي أو معنوي.

10 ـ أن الجنة ليس فيها حر، وإنما هي ظل ظليل، لقوله تعالى: { {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} }.

وجملة الآية فيها الحث على الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الله سبحانه إنما ساق بيان نعيمهم حثاً على أن نعمل العمل الموصل إلى ذلك.

11 ـ أن أهل الجنة ينعمون في الدنيا وفي الآخرة، لقوله: { {سَنُدْخِلُهُمْ} } لأن السين تدل على القرب، ذكرنا ذلك في التفسير، وأن أصحاب الجنة هم في الجنة في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه لا أحد أطيب عيشاً ممن آمن وعمل صالحاً.

* * *

قال الله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا *}} [النساء: 58] .

قال الله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} } وهذا الأسلوب أبلغ في التعظيم من قول: إني آمركم؛ لأنه يدل على العظمة، كأنه قال: إن الله الذي له الألوهية وله الحكم عليكم يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، والأمر: هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء، بصيغة افعل أو ما ينوب منابها.

فقولنا: طلب الفعل، كلمة «طلب» خرج بها الخبر لأنه ليس بطلب، وطلب الفعل خرج به النهي؛ لأن النهي طلب الكف، و«على وجه الاستعلاء» خرج به الالتماس والدعاء، وقولنا: على وجه الاستعلاء ولم نقل على وجه العلو يشمل ما إذا كان الآمر عالياً حقيقة أو مستعلياً ادعاءً، إن لم يكن علياً في الواقع، فهنا عندنا قيود.

مثال ذلك: عبد مملوك أسر حراً كريماً، فجعل يأمره ويقول: افعل كذا.. وقرب لي كذا.. وأبعد عني كذا، فالحر أعلى ولا شك، لكن هذا ادعى العلو لنفسه فاستعلى عليه، فهذا هو الأمر.

وكل أمر موجه من الله للعباد فالأصل فيه أنه لطلب الفعل وأنه للوجوب، لكن قد تخرج الأوامر عن غير ذلك للقرائن.

قوله: { {أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} } الأمانات جمع أمانة، وهي كل ما اؤتمن الإنسان عليه من أمتعة، ونقود، وأقوال، وأفعال وغير ذلك، تؤدي إلى أهلها، والضابط في أهلها هم الذين أمرت بأدائها إليهم، فمثلاً: إذا قال لك شخص: خذ هذه الدراهم وأدها إلى فلان، فالمؤتمن صاحب الدراهم، وأهلها الذين أمرت أن تؤديها إليه، يعني: فلا تؤدها إلى أحد غيره، وقد تكون الأمانة بالقول، فأقول لك مثلاً: بلغ سلامي فلاناً، فإذا قلت: نعم؛ فقد تحملت، فلا بد أن تؤدها لي السلام، أما إن قلت: إن ذكرت أو لا أتحمل فأنت بالخيار، لكن إذا قال: بلغ سلامي فلاناً فقلت: نعم أبلغه فلا بد أن تبلغه؛ لأن هذه أمانة، وقد أمرك الله أن تؤديها إلى أهلها، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد أنواع الأمانات.

قوله: { {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} } { {وَإِذَا حَكَمْتُمْ} } الحكم هنا الفصل، يعني: إذا أردتم أن تفصلوا بين الناس في مشاجراتهم فاحكموا بالعدل و{ {بَيْنَ النَّاسِ} } لم يقيد أناساً دون أناس فيكون عاماً، حتى لو أراد الإنسان أن يحكم بين أبيه وبين رجل أجنبي فهو داخل في الآية، أو مسلم وكافر فهو داخل في الآية؛ لأن الآية عامة بين الناس.

وقوله: { {أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} } العدل في الأصل الاستقامة، ومنه العصا المستقيمة التي ليس فيها ميل، ولا حكم أعدل من حكم الله، وعلى هذا فالحكم بالعدل أن تحكم بينهم بشريعة الله، هذا هو الحكم بالعدل؛ لأننا نعلم أنه لا أحد أحسن من الله حكماً، ولا أحد أعدل من الله فصلاً، فإذاً { {أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} } أي: بشريعة الله.

فإن قال قائل: ما وجه الارتباط بين قوله: { {أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} } وبين قوله: { {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ} }؟

فالجواب: أن نقول: لأن الأمانات كالمقدمة بين يدي الأحكام، فمنها مثلاً الشهادة، وهي تحمل الإنسان أن يخبر بحق غيره على غيره، فهذه تكون مؤداة عند الحكام، فكان تأدية الأمانات كالمقدمة بين يدي الحكم بين الناس.

ثم أثنى الله على هذا الأمر، فقال: { {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} } وفي قوله: { {نِعِمَّا} } قراءات: نَعِمَّا، ونِعِمَّا، وأصلها نعم ما لكن حصل فيها إدغام، قوله: { {يَعِظُكُمْ بِهِ} } الموعظة قال العلماء: هي ذكر الأحكام مقرونة بترغيب أو ترهيب، بمعنى أن تذكر حكم الله عزّ وجل، مقروناً بترغيب أو ترهيب، إن كان طلباً فهو مقرون بالترغيب، وإن كان نهياً فهو مقرون بالترهيب.

قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} } هذه الجملة استئنافية كالتحذير والتهديد لما سبق، يعني: إن لم تفعلوا فتؤدوا الأمانات إلى أهلها، وتحكموا بين الناس بالعدل؛ فإن الله تعالى سميع لأقوالكم، بصير بأفعالكم، وسيعاقبكم على مخالفاتكم.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ بيان عظمة الله عزّ وجل وذلك حيث عبر عن نفسه تبارك وتعالى بصيغة الغائب: { {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} }، ومثل هذا التعبير قال علماء البلاغة: إنه يدل على التعظيم.

2 ـ وجوب حفظ الأمانات فيما تحفظ به عادة، فإذا أعطاك إنسان دراهم وجب عليك أن تحفظها فيما تُحفظ به عادة، ووجه ذلك: أنه من لازم أدائها حفظها؛ لأن من لم يحفظها لا يمكن أن يؤديها، فإذا أعطاك دراهم ووضعتها في فرجة أو في رف وسرقت فأنت ضامن؛ لأن هذا تفريط في الواجب، فالواجب أن تحفظها في الصناديق.

وإذا أودع عندك بهيمة وتركتها للبرد أو للحر، أو للجوع أو للعطش، فأنت ضامن؛ لأنك فرطت، فإن الله أمرك أن تؤدي الأمانات إلى أهلها ومن لازم أدائها حفظها حتى تُؤدى كما أُخذت.

3 ـ سمو الدين الإسلامي؛ حيث أمر برد الأمانات، وهذا لا شك أنه من حسن المعاملة.

4 ـ أنه يجب على المؤتمن أن يؤديها إلى أهلها، وأهلها: إما صاحبها أو من يقوم مقامه، فإذا أودعك شخص ما وديعة ومات فأهلها ورثته.

كذلك: لو وكَّل من يقبضها منك وجب عليك أن تؤديها إليه؛ أي: إلى الوكيل، ولا تقل: إني لا أعطيك؛ لأن الذي أودعني سواك.

5 ـ وجوب حفظ السر فيما يكون بينك وبين صاحبك من قول، لقوله: { {الأَمَانَاتِ} } وهو عام في أمانات الأموال، وأمانات الأقوال، وأمانات الأحوال أيضاً؛ ولهذا ورد الوعيد الشديد فيمن تفضي إليه زوجه وهو يفضي إليها ثم يصبح يتحدث بما جرى بينهما، وأن هذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة.

6 ـ وجوب أداء الشهادة على الشاهد كما تحملها؛ لأن الشاهد مؤتمن، فيجب عليه أن يؤدي الشهادة كما تحملها من غير زيادة ولا نقص.

وهل يجوز أن يؤديها بالمعنى؟

الجواب: نعم، إذا كان عالماً بالمعنى، ولم يحدث ما يتغير به المعنى فإنه لا بأس أن يؤديها بالمعنى.

7 ـ وجوب الحكم بين الناس بالعدل؛ لقوله تعالى: { {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} }، والعدل أنواع كثيرة، ولنضرب لهذا مثلاً بالقاضي، فالقاضي يجب عليه أن يعدل بين الخصمين في كل شيء:

أولاً : في الدخول عليه، فلا يقدم أحداً على أحد، حتى لو كان الخصم كافراً مع مسلم، فإنه لا يقدمه عليه؛ لأن المقام مقام حكم، والحكم تجب فيه العدالة، وفضل المسلم على الكافر لا شك فيه، لكن الآن هما سواء في الحكم، وإن كان بعض العلماء رحمهم الله قال: إنه يقدم المسلم في الدخول، لكن في هذا القول نظر، والصواب: أنه يعدل بينهما في الدخول.

ثانياً : في المجلس، فلا يجلس أحدهما في مكان رفيق كعلى كنب مثلاً، والثاني على الأرض، أو أحدهما على الفراش والثاني على الأرض، بل لا بد أن يعدل بينهما في المجلس، وأن يكون مجلسهما سواء.

ثالثاً : لا بد أن يعدل بينهما في اللحن؛ أي: النظر، فلا ينظر إلى أحدهما نظراً بارداً، وإلى الثاني نظراً حاراً يكاد يخرق رأسه، بل الواجب أن ينظر إليهما نظراً سوياً.

رابعاً : في اللفظ، فلا يكلم أحدهما بشدة والآخر بلين.

خامساً : في الالتفات، فلا ينظر إلى أحدهما عند مخاطبته بوجهه، وينظر إلى الثاني بخده مصعراً خده له.

سادساً : في استخلاص الحجة، فلا يقاطع أحدهما في حجته، والآخر يمهله.

فإذاً : يجب عليه العدل في كل شيء يعاملهما فيه.

ومن العدل أيضاً: العدل بين الزوجات في كل ما يستطيع.

ومن العدل أيضاً: العدل بين الأولاد في كل شيء يستطيعه، في العطايا فإذا أعطى الأنثى أعطى الذكر، وإذا أعطى الذكر أعطى الأنثى، والصحيح: أنه يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، حتى كان بعض السلف يعدل بين أولاده في القُبَل، يعني: إذا قبَّل واحداً قبَّل الثاني، وهذا صحيح في الصبيان الصغار، أما الكبار فشيء آخر؛ لأن الصبيان الصغار ترى أحدهم إذا رآك قد قبلت الثاني يأتي ويزاحم ويدخل خده عليك، يعني: لا بد أن تقبله، حتى في الجلوس ـ مثلاً ـ إذا أجلسته على فخذك، جاء الثاني يركض وجلس على فخذك الثانية وكأن هذه مطالبة واحتجاج، وكأنه يقول: لماذا تفعل؟ ويأخذ حقه بالقوة.

فعلى كل حال: الواجب على الإنسان أن يعدل بين أولاده.

كذلك من العدل: أن يعدل مع نفسه في معاملة غيره، فلا يريد من الناس أن يعطوه حقه كاملاً وهو يبخس الناس، وقد قال الله: { {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ *الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ *}} [المطففين: 1 ـ 2] يعني: يأخذون حقهم وافياً، { {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ *}} [المطففين: 3] يعطون الحق الذي عليهم ناقصاً، وهذا ليس من العدل، بل العدل أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، ولهذا شدد النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذه المسألة وقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [(198)] وهذه هي آداب الإسلام العظيمة.

8 ـ التعبير بالعدل دون المساواة، والغريب أن كثيراً من الناس العصريين تجدهم شغوفين في التعبير بالمساواة دون العدل، بل قد لا تكاد تجد أحداً منهم يقول: الدين الإسلامي دين العدل، بل يقول: الدين الإسلام دين المساواة، ولا أدري ـ والله أعلم ـ لماذا استخدمت هذه الكلمة «المساواة»، هل هي واردة علينا من الخارج؟ لأنك إذا قلت: المساواة دون العدل قالت الأنثى: أنا لا بد أن أعامل كما يعامل الرجل، وقال الرجل الساقط الذي لا خير فيه: لا بد أن أعامل كما يعامل الشريف، وهلم جرا، لكن إذا استعملنا العدل فمعناه أن ننزل كل إنسان منزلته.

9 ـ ثناء الله سبحانه على ما يوجهه من الأحكام إلى العباد لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} } وشيء أثنى الله عليه لا بد أن يكون في قمة الخير.

10 ـ أن الأحكام الشرعية تسمى موعظة؛ لأن الله تعالى قال: { {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} } مع أنه ليس فيها وعيد وليس فيها تهديد، وإنما فيها بيان أحكام.

11 ـ كمال حكم الله عزّ وجل؛ وذلك بثناء الله عليه، وكونه موعظة للقلوب، ولهذا كلما ازداد الإنسان تمسكاً بطاعة الله ازداد إيماناً ويقيناً ورغبة في الخير.

12 ـ إثبات هذين الاسمين من أسماء الله وهما: السميع، والبصير، وتكلمنا كثيراً على معنى السميع، والبصير كذلك اسم من أسماء الله متضمن للبصر، وتكلمنا عليه أيضاً في ما سبق بما لا يحتاج معه إلى إعادة.

وهل فيهما إثبات السمع والبصر لله؟ الجواب: نعم؛ لأن القاعدة: أن كل اسم لله فهو متضمن لصفة ولا عكس، فالصفة لا يشتق منها اسم لله، إلا إذا تسمى به جل وعلا، والاسم يثبت منه صفة؛ لأن جميع أسماء الله مشتقة من المعاني التي تدل عليها، وعلى هذا فلا نسمي الله بالواعظ مع أنه قال: { {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} }؟ لأن أفعاله وصفاته لا يُشتق منها أسماء له، أما أسماؤه فإنها تتضمن الصفات.

* * *

قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً *}} [النساء: 59] .

صدر الله هذه الآية بالنداء، وقد سبق أن تصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يطلب به انتباه المنادى لما يلقى إليه، وفي النداء بوصف الإيمان إشارة إلى أن ما يذكر من مقتضيات الإيمان، يعني: أن ما يذكر وامتثاله من مقتضيات الإيمان.

وفيه أيضاً: أن عدم القيام به نقص في الإيمان؛ لأنك إذا قلت للمؤمن: يا مؤمن! أفعل كذا ولم يفعل فإنه لا بد أن ينقص إيمانه؛ لأنه وجه إليه الخطاب باسم الإيمان أو بوصف الإيمان، فإذا لم يمتثل هذا الخطاب نقص إيمانه.

وقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت الله يقول: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه»[(199)] والذي في هذه الآية خير نؤمر به.

قوله: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } أي: آمنوا بالله، وبما يجب الإيمان به.

وأركان الإيمان ـ كما هو معروف ـ ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

وقوله: { {أَطِيعُوا اللَّهَ} } الطاعة: موافقة الأمر، وذلك بفعل المأمور وترك المحظور؛ ولهذا أخذت من المطاوعة وهي الانقياد، فالطاعة هي الانقياد وموافقة الأمر بفعل المأمور وترك المحظور.

قوله: { {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} } الرسول هو: محمد عليه الصلاة والسلام، و«ال» فيه للعهد الذهني.

قوله: { {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} } الواو حرف عطف، وقوله:: { {وَأُولِي} } معطوفة على { {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} }، وهي بمعنى أصحاب، والأمر بمعنى الشأن، يعني: أصحاب الشأن فيكم، وأصحاب الشأن:

قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء، والآية صالحة للمعنيين جميعاً، وعلى هذا فتكون شاملة للأمراء والعلماء.

أما كون العلماء أولي أمر؛ فلأنهم يوكل إليهم الكلام في شرع الله، وهم الذين يوجهون الناس، ويبينون لهم أحكام الله الشرعية.

وأما كون الأمراء أولي أمر؛ فلأنهم هم الذين يحملون الناس على شريعة الله، والشريعة تحتاج إلى أمرين: أمر سابق، وأمر لاحق، فالأمر السابق هو من شأن العلماء فهم الذين يبينونه ويوضحونه، كما قال تعالى: { {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}} [آل عمران: 187] ، وأمر لاحق وهو من شأن الأمراء فهم يلزمون الناس بشريعة الله، ويقيمون حدود الله على من خالف، فالكل عليه مسئولية.

وبهذا التقسيم نعرف أن مسئولية العلماء أشد من مسئولية الأمراء؛ لأن الأمراء لا يمكن أن يمشوا على شيء إلا بعد بيان العلماء.

وعلى هذا: فشأن العلماء في الأمة الإسلامية أعظم من شأن الأمراء، ويجب على الأمراء اتباع العلماء فيما يبينونه من شريعة الله.

ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله: { {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} }: طلب الفعل ممن هو دون الآمر، أو على وجه الاستعلاء، ويكون معنى الأمر أي: الذين لهم أن يأمروا الناس، والعلماء يأمرون الناس، كما قال الله تعالى: { {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ}} [آل عمران: 21] ، وهم العلماء.

والأمراء كذلك يأمرون، فالأمر هنا صالح لمعنيين أيضاً: الشأن، والأمر الذي هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء.

وهنا يقول الله: { {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} } ولم يُعِدْ الفعل، فلم يقل جل وعلا: وأطيعوا أولي الأمر؛ لأن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله، ولهذا لو أمروا بما يخالف طاعة الله لم يكن لهم طاعة، فطاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله.

ثم قال: { {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} } وهذا متوقع جداً أن يحصل النزاع بين أولي الأمر بعضهم مع بعض، وبين أولي الأمر مع عامة الناس، فالعلماء يختلفون فيما بينهم، والأمراء يختلفون مع العلماء، ومع الناس، أو العلماء يختلفون مع الناس، أو يختلف الناس مع الأمراء، أو ما أشبه ذلك.

المهم أن التنازع هنا غير مقيد، فيشمل التنازع بين العلماء، وبين الأمراء، وبين العلماء مع الأمراء، وبين العلماء مع الناس، والأمراء مع الناس، وهذا لا بد أن يقع.

وقوله: { {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} } نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم، فأي شيء يُتنازع فيه فإنه يُرد إلى الله والرسول.

وقوله: { {إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} } قوله: { {إِلَى اللَّهِ} } لا يمكن أن يقول قائل: أننا نذهب إلى الله عزّ وجل، ونتحاكم عنده أو نرد الشيء إليه، ولكن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، أما إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم فهو الرد إليه شخصياً في حياته، وإلى سنته بعد وفاته صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: { {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ}} هذه جملة شرطية يراد بها الإغراء والحث؛ أي: إن كنتم صادقين في الإيمان بالله واليوم الآخر فامتثلوا هذه الأوامر: طاعة الله، وطاعة الرسول، وأولي الأمر، والرد عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: { {كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ}} الإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته.

وقوله: { {وَالْيَومِ الآخِرِ}} أي: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت، سواء في البرزخ أو بعد قيام الساعة، وإنما نص الله على اليوم الآخر لأنه اليوم الذي يقع فيه الجزاء، واليوم الذي يقع فيه الجزاء لا بد أن يحسب له الإنسان حسابه؛ خوفاً من أن يجازى بالسوء في يوم القيامة.

قوله: { {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} }: المشار إليه كل ما سبق من طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر، والرد إلى الله ورسوله عند التنازع؛ { {ذَلِكَ خَيْرٌ} } أي: في الحال والحاضر، { {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} }؛ أي: أحسن مآلاً وعاقبة، فامتثال هذه الأوامر الأربعة يحصل به الخير في الحاضر والخير في المستقبل، وكل إنسان لا يسعى إلا لخير حاضر أو مستقبل؛ لأن الماضي مضى بخيره وشره ولا يمكن إعادته.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ حسن التناسب بين الآيات في الكتاب العزيز، فإنه لما ذكر أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل، ذكر ما يحصل به الخير أيضاً إضافة إلى ذلك، وهو طاعة الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

2 ـ وجوب طاعة الله، وإن خالفت الهوى، وإن خالفت الواقع، وإن خالفت الحال، خلافاً لمن يمتثل طاعة الله إذا وافقت الواقع ولم يجد معارضاً؛ لأن من قيد طاعة الله بهذا، فهو في الحقيقة لم يطع الله، وإنما اتبع هواه.

3 ـ وجوب طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم استقلالاً، وأن طاعته كطاعة الله؛ لقوله: { {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}}؛ لأنه أعاد الفعل : { {أَطِيعُوا}}، ولم يجعل طاعة الرسول تابعة لطاعة الله.

4 ـ الرد على من كفر بالسنة وقال: لا نقبل إلا ما جاء في القرآن؛ لأن الله جعل طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم مستقلة، والحقيقة أن الذي يقول هذا القول لم يتبع ما جاء به القرآن؛ لأن القرآن أمر بأن يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: { {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ}} [الأعراف: 158] ولم يقل: اتبعوه إن وجدتم لذلك أصلاً في القرآن، بل هو أمر عام.

5 ـ وجوب طاعة ولاة الأمور؛ لقوله: { {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} }.

6 ـ أن طاعة ولاة الأمور من طاعة الله؛ لأن الله تعالى أمر بذلك.

7 ـ أنهم لو أمروا بما يخالف طاعة الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، فلا طاعة لهم؛ لأن الله جعل طاعتهم تابعة لطاعته ولطاعة رسوله فقال: { {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} }.

8 ـ أن طاعة ولاة الأمور واجبة، حتى وإن لم يأمر الله بذلك الشيء المعين الذي أمروا به، وهنا لا بد من التقسيم فنقول:

ما أمر به ولاة الأمور على ثلاثة أقسام:

القسم الأول : ما أمر الله به.

القسم الثاني : ما نهى الله عنه.

القسم الثالث : ما لم يرد به أمر ولا نهي.

أما ما أمر الله به فإن ولاة الأمور إذا أمروا به صارت طاعتهم واجبة من وجهين:

الوجه الأول : طاعة الله.

الوجه الثاني : طاعة ولاة الأمر.

مثال ذلك: أن يأمروا بإعلان الأذان، أو بإقامة الصلاة جماعة في المساجد، أو بأداء الزكاة، فهذا واجب الطاعة.

وأما القسم الثاني : أن يأمروا بما نهى الله عنه: مثل أن يقولوا للناس: افتحوا خانات الخمر، فهذا لا يطاعون فيه، أو يأمروا بقتل شخص لا يحل قتله، ونحن نعلم أنه لا يحل قتله، وإنما أمروا بقتله عدواناً وظلماً؛ فهنا لا طاعة لهم، أما إذا أمروا بقتله بحق كقصاص أو ردة، أو فساد في الأرض أو تعزير يسوغ لهم التعزير به؛ فإن طاعتهم في ذلك واجبة، لكن إذا كنا نعلم أنه ظلم بغير حق فإننا لا نطيعهم.

كذلك أيضاً لو أمروا بإدخال حدود الأراضي على الجيران ظلماً وعدواناً، فإننا لا نوافقهم على ذلك ونعصيهم؛ لأن طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله.

ومن ذلك قصة أمير السرية الذي أمَّره النبي صلّى الله عليه وسلّم على سرية، فخرج بهم، وغاضبهم يوماً من الأيام، فأمرهم أن يجمعوا حطباً، فجمعوا حطباً امتثالاً لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أمرهم بطاعته، ثم قال: «أضرموا فيه النار، فأضرموها» ، ثم قال لهم: «ألقوا أنفسكم في النار، فتوقفوا» وقالوا: نحن من النار فررنا ـ ولم نؤمن إلا خوفاً من النار ـ فكيف نقحم أنفسنا فيها؟ فلما رجعوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وحكوا له ذلك، قال: «لو دخلوها ما خرجوا منها» ؛ لأنهم قتلوا أنفسهم «إنما الطاعة في المعروف»[(200)] يعني: في شيء لا ينكره الشرع.

لو نهى الأمير الناس عن الأمور المستحبة فليس له ذلك.

لكن إذا قال لشخص معين: لا تتكلم في هذا، فله ذلك؛ إذا كان يرى أن في كلامه مضرة للناس، أما إذا كان لا يرى ذلك فلا يجوز له أن يمنع الناس من شرع الله، ولهذا امتثل الإمام أحمد رحمه الله حين منعوه أن يحدث. وقال أبو موسى لعمر رضي الله عنهما: «إن شئت ألا أحدث به فعلت».

وأما القسم الثالث : أن يأمر ولاة الأمور بما لم يتعلق به أمر ولا نهي، فهنا معترك القول، فالمتمردون على ولاة الأمور يقولون: لا سمع ولا طاعة، هات دليلاً على أن هذا واجب، والمؤمنون يقولون: سمعاً وطاعة؛ لأننا لو لم نطعهم إلا في أمر ورد فيه الشرع بعينه لكانت الطاعة ليست لهم، بل للأمر الشرعي، فمثلاً: لو قال انسان أنا لا أخضع للتنظيم، فلو سد المرور هذا الطريق وقال للناس: سيروا في الجهة الأخرى، فقال: أنا لا أخضع لهذا الأمر، ثم جاء ليجادل ويقول: أين الدليل؟ هل قال الله تعالى: إذا قال لك المرور: لا تمش في هذا الخط فلا تمش؟

الجواب: لم يقل، لكن على سبيل العموم، قال الله: { {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ} }؛ فيجب أن تمتثل. فإذا قال: ليس في هذا مصلحة، فلماذا أمتثل؟ قلنا: لو جعلنا المصلحة مربوطة برأي كل واحد من الناس ما عملنا بمصلحة قط؛ لأن أهواء الناس متباينة مختلفة، فالرأي لولي الأمر قبل كل شيء، فإذا كان عندك رأي ترى فيه مصلحة، وجب عليك ـ من باب النصيحة ـ أن ترفعه لولي الأمر، وتقول: نحن نمتثل أمرك سمعاً وطاعة لله عزّ وجل قبل كل شيء، ولكن نرى أن المصلحة في كذا كذا، وحينئذ تكون ناصحاً لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

سؤال مهم: لو أمر الإمام بما يرى أنه مشروع، والرعية أو واحد منهم يرى أنه غير مشروع: مثل أن يأمر بصوم يوم الاستسقاء؛ لأن الفقهاء رحمهم الله يقولون: ينبغي للإمام أن يأمر الناس بصيام يوم الاستسقاء، فهل يلزم الصوم؟ قال الفقهاء: لا يلزم الصوم ولا الصدقة؛ لأن هذا أمر بشريعة، والأصل في الصوم أنه ليس بواجب، والصدقة ليست بواجبة، فلا يجبان بأمره، وإلا لقلنا: إن الإمام يمكن أن يشرع.

ثم قالوا: والمراد بقولنا: «طاعة ولي الأمر» فيما يعود إلى تنظيم الأمة، فإذا أمر بالصوم يوم الاستسقاء وكان هذا العالم يرى أنه ليس بسنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر الناس حين خرج للاستسقاء أن يصوموا، فله ألا يصوم، لكن لا يعلن مخالفة ولي الأمر، وهو فيما بينه وبين الله لا يلزمه، لكن المنابذة وإعلان المخالفة في أمر يسوغ فيه الاجتهاد هذا خطأ، ولهذا يُنتَقد على من يتكلم بما يرى، مع إظهار الإمام رأيه في شيء من الموضوعات، يُنتقد على من تكلم بخلافه، وقال: إن هذه المسألة اجتهادية، وللإمام اجتهاده ولي اجتهادي؛ لأن هذا يؤدي إلى استهانة الناس بما ينظمه ولاة الأمور، وأن يقول كل واحد: ولي الأمر مجتهد، وأنا مجتهد، ولكل اجتهاده، والواجب ـ من باب النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ـ أن يتكلم مع ولي الأمر الذي خالفه في اجتهاده ويبين له.

مسألة: لو أن ولي الأمر أقر أمراً منكراً، فإنه يجب أن يبين إنكاره، لكن لا يوجه الإنكار على ولي الأمر، ولكن يحذر الناس منه، فلو وجد مثلاً في بعض البلاد أشياء منكرة مقرة من قبل ولاة الأمور فإنه لا يجوز إقرارها، فمثلاً: يوجد في بعض البلاد الإسلامية والبلاد القريبة منا بيع الخمر علانية في البقالات وفي المقاهي وفي كل مكان، فهل نقول للناس: لا تحذروا الناس منها بناءً على أن ولي الأمر سمح بها؟ الجواب: لا، بل يجب أن نحذر الناس منها، لكن لا ينتقد ولي الأمر بإقراره إياها، بل ينصح، وتقدم له النصيحة.

قد يقول قائل: أيهما أقوى: سلطان الأمراء أو سلطان العلماء؟

والجواب: بالنسبة للتنفيذ سلطان الأمراء أقوى؛ لأنهم يستطيعون أن يجبروا الناس على أي شيء، والعلماء لا يستطيعون، وأما بالنسبة لما تقتضيه الشريعة وللحكم الشرعي فالعلماء أقوى بلا شك؛ لأن الأمراء يأخذون من العلماء.

فإذا قال بعض الناس: أبايع العلماء فقط.

فنقول: لا يجوز، حتى العلماء لا يرضون بهذا، والعلماء يرون أنه تجب البيعة لمن ولاّه الله أمرنا على ما فيه من الأمور التي قد لا ترضى.

9 ـ محبة الله عزّ وجل للنظام، والانضمام والانزواء تحت رعاية واحدة، لقوله: { {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} }؛ لأن الناس لو لم يكن لهم ذو أمر مطاع لصارت أمورهم فوضى، ولهذا يقول الشاعر:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

فلا بد من أمير، ولا بد من قائد، ولا بد من موجه، حتى الحيوانات العجم لا بد لها من أمير.

كانت الطيور منذ زمن بعيد ـ لم ندركه لكن ينقل لنا ـ تأتي فرقاً كثيرة يعني: يجتمع ثلاثون، أو أربعون طيراً أو خمسون طيراً، لكن لا يمكن أن تطير في جو السماء إلا بقائد يطير أمامها، وتتبعه.

والظباء كانت موجودة في الجزيرة بكثرة، فكانت تأتي المجموعة من الظباء ـ يشاهدها الصيادون ـ يقودها واحد وهي تمشي خلفه، والصيادون عندهم حكمة في الصيد، فكانوا يصيبون القائد، فإذا أصابوه تشتت الجمع، هكذا يقولون لنا: اضرب القائد تدرك التابع.

فأقول: كل جمع لا بد له من قائد ولا بد من أمير، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر المسافرين إذا سافروا وكانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم[(201)] حتى يكون لهم رأي.

وكون الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر المسافرين أن يؤمروا واحداً منهم لا يدل على أنه يجوز للطوائف أن تؤمِّر واحداً منها في داخل البلد التي فيه سلطة الإمرة، لكن في السفر ليس عندهم أحد يرجعون إليه، فلا بد من أن يؤمِّروا واحداً منهم بدون مبايعة، فإذا رأوا صاحب رأي منهم فيرجعون إليه في الاستشارة، لا في توجيه الأوامر.

10 ـ وجوب رد الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله؛ لقوله: { {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} }.

11 ـ تحريم رد المسائل المتنازع فيها إلى القوانين الوضعية، أو تحكيم أهل الكفر والإلحاد، لقوله: { {إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} }.

12 ـ تحريم التقليد مع وضوح الدليل، لقوله: { {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} }، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل؛ لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان، لقوله تعالى: { {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}} [النحل: 43] ، ولم يأمر سبحانه بسؤال أهل الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن هناك فائدة من سؤال أهل الذكر.

13 ـ أن الرد إلى الله والرسول من مقتضيات الإيمان، لقوله: { {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} }.

14 ـ أن من ادعى الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه لا يرد مسائل النزاع إلى الله ورسوله فإنه كاذب؛ لأن قوله: { {إِنْ كُنْتُمْ} } بمنزلة التحدي، فيكون كاذباً فيما يدعي، وقد قال الله تبارك وتعالى: { {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *}} [النساء: 65] ، انظر القسم المؤكد في قوله: {{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} } فهذا القسم مؤكد بـ{{لاَ}} التي هي للتنبيه، {{حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} } هذه المرتبة الأولى وهي تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن حكموا غيرك فليسوا بمؤمنين.

ثانياً : {{ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ}} أي: ضيقاً، حتى المحكوم عليه إذا وجد في نفسه حرجاً وضيقاً فليس بمؤمن، فهذه المرتبة الثانية وهي: انتفاء الحرج والضيق، يعني: يجب أن ينشرح صدره لما يحكم به الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

المرتبة الثالثة : {{وَيُسَلِّمُوا}} أي: ينقادوا، { {تَسْلِيمًا}} وهذا المصدر مؤكد؛ أي: يسلموا إذا انقادوا انقيادا تاماً لما يحكم به الرسول عليه الصلاة والسلام، فنفى الخلاف الباطن والخلاف الظاهر.

والخلاف الباطن : أن يكون في صدرك ضيق وحرج، والظاهر: ألا تسلم التسليم التام، بل تماطل، ولا يكون أمرك أمر استسلام.

15 ـ أنه كلما ازداد إيمان الإنسان بالله واليوم الآخر ازداد رجوعه إلى الكتاب والسنة؛ وذلك لأن الحكم المعلق بشرط متضمن للوصف، يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، لقوله: { {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} }.

16 ـ إثبات اليوم الآخر، وأنه سيكون بعث يجازى فيه الناس بأعمالهم، فمن كذَّب به أو شك فيه ـ والعياذ بالله! ـ فهو كافر ولو آمن بالله.

17 ـ أن الرجوع إلى الكتاب والسنة خير في الحاضر والمستقبل، لقوله تعالى: { {ذَلِكَ خَيْرٌ}} أي: في الحاضر، { {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}} أي: أحسن عاقبة في المستقبل.

18 ـ بطلان توهم من حكَّم القوانين الوضعية، وظن أن الأمة تصلح بها، فإننا نقول: هذه القوانين الوضعية ما كان صالحاً موافقاً للكتاب والسنة فصلاحه وإصلاحه ليس بذاته، ولكن لموافقته للكتاب والسنة، ولا يصح أيضاً أن نجعل هذا الحكم من القانون الوضعي، بل هذا الحكم هو حكم الكتاب والسنة، فكوننا إذا وجدنا أشياء مصلحة من القوانين منسوبة إلى وضع البشر فهذا يعتبر سرقة من الشرع، ومن الحكم الإلهي؛ لأن كل شيء يصلح للخلق فمبناه على كتاب الله وسنة رسوله.

19 ـ أن من تحاكم إلى غير الله ورسوله فهو كافر، ولكن هل هو الكفر المخرج من الملة أو لا؟ الجواب نقول: في هذا تفصيل بحسب حال المتحاكم: وذلك أنه إذا رأى أن الحكم الذي تقضي به هذه القوانين خير من حكم الله ورسوله أو مثله فهو كافر؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: { {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}} [المائدة: 50] ، وقوله: { {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ *}} [التين: 8] .

وأما إذا كان لا يعتقد ذلك ـ ولكن مشى مع الناس ـ فهذا لا يكفر؛ لأن من الناس ـ ولا سيما العامة ـ من لا يدرك هذا الفرق، فهذا لا يكفر.

وبقي أن يقال : إذا كنت في بلد لا يحكم إلا بالقوانين الوضعية؛ كبلد الكفار، أو من أخذ بقوانينهم، فأنت الآن بين أمرين: إما أن يضيع حقك، وإما أن تلجئك الضرورة إلى التحاكم إلى هؤلاء فهل يجوز لك أن تتحاكم إلى هؤلاء؟ الجواب: قد يظهر للإنسان في أول وهلة أنه لا يجوز أن نتحاكم إليهم؛ لأن هذا تحاكم إلى الطاغوت، ولكن نقول: لك أن تتحاكم لا باعتقاد أن ذلك حكم ملزم، ولكن لأجل الوصول إلى حقك الذي لا يمكن أن تصل إليه إلا بهذه الطريق، ثم إذا حكموا لك بما يوافق الشرع فخذ به؛ لأنه شرع الله، وإن حكموا لك بخلاف ذلك فلا تأخذ به، وهذا هو الذي يحفظ للناس حقوقهم؛ لأنه من المشكل إذا كنت في بلد لا يحكم إلا بالقانون الوضعي، وقد أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله في أول كتابه «الطرق الحكمية».

فإن قال قائل: التعبير في الآية الكريمة: { {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} }، و«إن» لا تدل على وقوع الشرط، بخلاف «إذا» فإنها تدل على وقوع الشرط ولكن توقته، ولهذا تجد الفرق بين أن تقول: إذا قام زيد فأكرمه، أو تقول: إن قام زيد فأكرمه، الأولى تدل على أنه سيقوم لكن إكرامه معلق بقيامه، والثانية لا تدل على أنه سيقوم، فإن قام فأكرمه، فهنا قوله: { {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} } معناه: أن الأصل في النزاع أنه مرفوع فيما بيننا، وأن الأصل عدم المنازعة، لكن إن حصل النزاع فردوه إلى الله والرسول.

20 ـ وفي هذا فائدة نضيفها إلى الفوائد السابقة، وهي: الإشارة إلى أنه لا ينبغي النزاع بيننا، بل كل ما أمكن درء هذا النزاع كان هو الأولى.

* * *

قال الله تعالى: { {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا *}} [النساء: 60] .

{ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} } الاستفهام هنا للتعجيب، يعني: ألا تتعجب من هؤلاء، والخطاب في قوله: { {أَلَمْ تَرَ} } يجوز أن يكون موجهاً إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويجوز أن يكون موجهاً لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى أن يكون محمولاً على العموم، وعلى الأول وهو: أن المخاطب به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول فهو خطاب للأمة، إما عن طريق الأسوة، وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتبعه في قيادته.

فها هنا أمور ثلاثة:

أولاً: هل الخطاب عام للرسول صلّى الله عليه وسلّم وللأمة؟ الجواب نقول: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل وهو الأصح.

ثانياً : إذا قلنا: هذا خاص بالرسول صلّى الله عليه وسلّم، فهل هو خاص به، وغيره من الأمة يكون تبعاً له عن طريق الأسوة أو أنه وجه للرسول خطاباً لا حكماً، بمعنى: أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجه إليه الخطاب، والخطاب الموجه للقائد يكون خطاباً له ولمن وراءه؟

الجواب : فيه احتمالان، وإذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، وهنا وجد مانع وهو قوله: { {إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} }، ومعلوم أنه لم ينزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه، فالكلام باقٍ على القاعدة.

وقوله: { {إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا} } { {يَزْعُمُونَ} } أي: يقولون، وهذه المقولة ينظر هل تكون صحيحة أو لا؟

وقوله: { {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} }؛ كاليهود مثلاً يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد! ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة.

ولم يذكر المنزل في قوله: { {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} }؛ لأنه معلوم، والمعلوم كالمذكور، ولهذا قال الله تعالى: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}} [النساء: 28] لو قال قائل: من الذي خلق الإنسان؟ لقلنا: الله، فإذا قال: ليس في الآية «وخلق الله الإنسان» فنقول: لأنه معلوم أنه لا خالق إلا الله، فقوله: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}} [النساء: 28] ، وهذا معلوم كوناً، وإنزال الوحي معلوم شرعاً؛ لأن الذي ينزل الوحي هو الله عزّ وجل.

ولكنهم { {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} }، هذا هو محل التعجب، يزعمون ذلك وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت: كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت.

{ {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} } أي: يكفروا بالطاغوت، والآمر هو الله عزّ وجل، لكنه أتى بصيغة اسم المفعول؛ ليكون هذا الأمر ـ وإن كان أصله من الله ـ فهو أيضاً صادر من الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومن كل مؤمن، فكل مؤمن يؤمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله، وأن يكفر الإنسان بالطاغوت.

وقوله: { {وَقَدْ أُمِرُوا} } أي: من قبل الله ومن قبل أولياء الله، أن يكفروا به؛ أي: بالطاغوت، وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: { {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}} [الفاتحة] ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله، وتغضب أولياء الله.

وقوله: { {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} } إذاً: فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالاً بعيداً؛ أي: بعيداً عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت.

مثال ذلك: إذا دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم فيأبى ويقول: لا. بل نتحاكم إلى التوراة أو إلى الإنجيل، أو إلى القانون الفلاني، أو يقول: نتحاكم إلى المحاكم التجارية والقوانين التجارية، وهو يُدعى إلى التحاكم إلى الله ورسوله، فيقول: لا، نرجع إلى أعراف التجارة ولو كانت تخالف الشرع، فهذا يدخل في هذه الآية[(202)].

* * *

قال الله تعالى: { {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا *}} [النساء: 61] .

{ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} } الضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب.

قوله: { {مِنْ} } أي: أقبلوا.

قوله: { {إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} } يعني: القرآن، ولم يقل: إلى القرآن؛ إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد.

قوله: { {وَإِلَى الرَّسُولِ} }، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يدعون إلى الحضور إلى حضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويأتون إليه ليناقشهم ويبين لهم.

و«أل» في قوله: { {وَإِلَى الرَّسُولِ} } للعهد الذهني، وذلك لأن العهود ثلاثة:

ذهني، وذكري، وحضوري، فإن كانت «أل» تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: { {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}} [المزمل: 15 ـ 16] والرسول هنا موسى عليه السلام؛ لأنه هو الذي أرسل إلى فرعون.

وتكون للذهني إذا كان معلوماً بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي: قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة، وأمثلتها كثيرة.

وتكون للعهد الحضوري، مثل قوله: { {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}} [المائدة: 3] أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه: أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فـ« أل » التي تأتي بعد اسم الإشارة للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشار إليه، فتكون «أل» الواقعة بعده للعهد الحضوري.

إذاً: { {الرَّسُولَ} } يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلّم؛ وسمي رسولاً لأن الله أرسله، وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال تعالى: { {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}} [الأنعام: 124] ، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة، ولهذا لا أحد أقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبراً منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله عزّ وجل.

قوله: { {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ} }: جملة: { {رَأَيْتَ} } جواب الشرط في قوله: { {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا} }.

والتاء في قوله: { {رَأَيْتَ} } المخاطب بها: إما الرسول، لقوله: { {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}} [النساء: 60] ؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول صلّى الله عليه وسلّم أقرب للسياق.

وقوله: { {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} } المنافق: اسم فاعل من نافق، وهو مأخوذ من نافقاء اليربوع؛ أي: جحره، وجحر اليربوع مبني على الخداع؛ لأن الجربوع أو اليربوع يكيد، فيجعل له باباً في جحره يدخل منه، ويجعل له باباً من قشرة الأرض في أقصى الجحر، فإذا زاحمه أحد من الباب المعهود المفتوح؛ خرج من الباب الخفي، فخادع، فلهذا أخذ منه كلمة: «منافق».

وقد قيل: إن هذه الكلمة كلمة محدثة شرعية أي: لا يعرف معناها في اللغة بهذا المعنى؛ لأن الجاهلية كلها كفر، ليس فيها إيمان، والمؤمن يكون مؤمناً فيما بقي من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يكون متنصراً كورقة بن نوفل، أو ما أشبه ذلك، لكن بعد أن ظهر خبث هؤلاء أنهم يظهرون للناس أنهم مؤمنون وهم كافرون جاءت هذه الكلمة.

وقوله: { {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ} } هنا نكتة بلاغية، وهي: الإظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: { {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} } رأيتهم، هذا مقتضى السياق، لكن قال: { {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} } وإذا جاء الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد:

الفائدة الأولى: عِلِّيَّة الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد العلة في هذا الشيء، فالعلة في صدهم: هو النفاق.

الفائدة الثانية: التسجيل على مرجع الضمير بهذا الوصف؛ أي: أن مرجع الضمير متصف بهذا الوصف ـ وهو: النفاق ـ لكن لو قال: { {رَأَيْتَ} } لم نعرف أنهم كانوا منافقين.

الفائدة الثالثة: العموم؛ أي: أنه يعم هؤلاء وغيرهم من المنافقين، ولو قال: رأيتهم فقط لم يشمل غيرهم.

قوله: { {يَصُدُّونَ} } هذا الفعل يصح أن يكون متعدياً، ويصح أن يكون لازماً، يقال: صد بنفسه ويقال: صد غيره، فهنا: { {يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} } من الأول الذي هو اللازم؛ أي: يعرضون عنك.

وقوله: { {صُدُودًا} } هذا مصدر مؤكد، ويجوز أن يكون مصدراً نوعياً، والمصدر المؤكد هو: الذي يؤكد عامله لينتفي المجاز، وذلك لأن الفعل قد يراد به المجاز أي: أنه أسند إلى الفاعل مجازاً، فإذا أكد زال احتمال المجاز، ويحتمل أن يكون مصدراً نوعياً أي: أنه صدود عظيم، فهو موصوف بوصف محذوف، والتقدير: صدوا عنك صدوداً عظيماً، والثاني أبلغ؛ لأنه ينتظم الأول ولا عكس.

فهؤلاء ـ والعياذ بالله! ـ إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله من القرآن نتحاكم إليه، وإلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم لنتحاكم إليه، { {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} } يعني: رأيتهم في نفاقهم وانغماسهم في النفاق يصدون عنك صدوداً.

وهنا قال: { {يَصُدُّونَ عَنْكَ} } ولم يقل: يصدون عن الذي قال لهم؛ لأنهم لا يهمهم من قال لهم، الذي يهمهم ومرادهم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد يصدون عن الرسول ولا يأتون، ولكن لا يصدون عن الذي دعاهم، بل ربما يقابلونه بوجه طلق حسن، لكن يصدون عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فلهذا لم يقل: يصدون عنه.

* * *

قال الله تعالى: { {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا *}} [النساء: 62] .

{ كَيْفَ } هذه للتعجب، يعني: اعجب لحالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، وهذه المصيبة هي: أن يُطلع على نفاقهم، وعلى ما في صدورهم، وعلى إعراضهم، فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا وأعرضوا ثم اطلع على ذلك، فهذه هي المصيبة، وإنما كانت مصيبة بالنسبة إليهم؛ لأنهم لا يريدون أن يطلع على عوارهم وعلى كفرهم، فهم منافقون، يستترون غاية الاستتار لما يخفون من الكفر، فإذا عثر عليهم صار هذا العثور مصيبة عظيمة.

قوله: { {إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} } أي: بسبب ما قدمته أيديهم من الكفر والنفاق.

قوله: { {ثُمَّ جَاءُوكَ} } أي: جاءوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.

قوله: { {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا} } جملة { {يَحْلِفُونَ} } حال من الواو في جاءوك؛ أي: جاءوك متلبسين بهذا الحلف، { {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا} } { {إِنْ} } هنا نافية، وقرينة كونها نافية أداة الاستثناء { {إِلاَّ إِحْسَاناً} } أي: ما أردنا إلا إحساناً، وتأتي «إن» شرطية، مثل قوله تعالى: { {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ}} [الأنفال: 19] ، وتأتي مخففة من الثقيلة، مثل قوله تعالى: { {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}} [الجمعة: 2] أي: وإنهم كانوا من قبل، وقول الشاعر:

وإن مالك كانت كراماً معادنه

وتأتي زائدة، مثل:

بني غدانة ما إن أنتم ذهب***ولا صريف ولكن أنتم الخزف

والرابع: تأتي نافية، كما في هذه الآية: { {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا} }.

قوله: { {إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا} } الإحسان: أن ينبسطوا إلى المؤمنين، { {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}} [البقرة: 14] ، وإذا لقوا الذين كفروا قالوا: إنا معكم، فيريدون الإحسان؛ أي: السير بدون عداوة لهؤلاء ولا هؤلاء.

{ {وَتَوْفِيقًا} } أي: بين الناس، حيث نثبت لهؤلاء أنا معهم فنوافقهم، وهؤلاء أنا معهم فنوافقهم أيضاً، وهذا ـ والعياذ بالله ـ غاية النفاق، يعني: ما أردنا إلا الإحسان، وألا يحصل بيننا تضارب وبين غيرنا؛ لأن هذا لا يحتمله المنافقون، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ذلك.

* * *

قال الله تعالى: { {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا *}} [النساء: 63] .

{ {أُولَئِكَ} } المشار إليه هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله، وأتى باسم الإشارة الدالة على البعد لانحطاط مرتبتهم؛ وذلك لأن الإشارة بالبعيد قد تكون إشارة إلى البعيد الحسي كما تقول: ذاك فلان بعيد، وقد تكون الإشارة إلى البعيد المعنوي: إما علواً وإما نزولاً، حسب ما يقتضيه السياق، فهنا: { {أُولَئِكَ الَّذِينَ} } هذا نزول.

وفي قوله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ *}} [البينة: 7] هذا علو، وقوله: { {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ *}} [البينة: 6] هذا نزول، فجمعت الآيتان بين العلو والنزول.

قوله: { {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} } قال: يعلم، ولم يقل: علم؛ لأن علم الله مستمر سابق وحاضر ولاحق؛ ولهذا أتى بالفعل المضارع الدال على الاستمرار.

وقوله: { {مَا فِي قُلُوبِهِمْ} } أي: ما تضمره من النفاق والكفر، يعني: وأما أنتم فلا تعلمون ما في قلوبهم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، لكننا نعلمهم بالقرائن، قال الله تعالى: { {وَلَوْ نَشَاءُ لأََرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}} [محمد: 30] ؛ أي: إشارة ومفهوماً، وهذا يكون لأهل الفراسة، وكلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالله كان أشد فراسة، حتى إن بعض الناس ليقرأ ما في قلب الإنسان من على صفحات وجهه.

لذلك نقول: المنافقون لا يعلمهم إلا الله، وهذا الأصل، ولكن ربما نعرفهم في لحن القول، أو بفراسة يعطيها الله تعالى من شاء من عباده.

قوله: { {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} } يعني: لا تتعب نفسك معهم، ولا تعاملهم معاملة الكافرين فتقاتلهم؛ لأنهم لم يعلنوا بالعداوة، ولهذا لما استؤذن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قتل من استؤذن بقتله منهم، قال: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»[(203)]، وهذا هو عين الحكمة؛ لأننا لو سلطنا سيوفنا على أمثال هؤلاء لقتلنا عالماً، وقد يكونون مؤمنين، وإذا كان الرجل المشرك الذي لحقه أسامة رضي الله عنه وأدركه بالسيف قال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!» [(204)] مع أن الظاهر أنه قالها تعوذاً، فإذا كان هذا الرجل عصم دمه بهذه الكلمة فكيف بهؤلاء المنافقين الذين يذكرون الله، ويأتون معنا ويصلون ويتصدقون، فالكف عنهم هو عين الحكمة.

قوله: { {وَعِظْهُمْ} } الموعظة: هي التذكير المقرون بالترغيب والترهيب؛ أي: أن تذكّر الإنسان بما يلزمه من فعل أو ترك مع ترغيب أو ترهيب، ترغيب فيما تأمره به، وترهيب فيما تنهاه عنه.

قوله: { {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا} } أي: قل لهم قولاً يصل إلى قرارة نفوسهم، ولهذا جعل ظرف القول هو النفس، ويحتمل أن يكون المعنى { {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ} } أي: في شأنهم وحالهم قولاً بليغاً يبلغ قلوبهم، والمعنيان لا يتنافيان، وعلى هذا فيكونان جميعاً حقاً؛ أي: قل لهم في شأنهم وفي أنفسهم بأنكم فعلتم كذا وفعلتم كذا، أو قل لهم قولاً في النفس يصل إلى النفوس، وإلى قرارة القلوب.

وقوله: { {قَوْلاً بَلِيغًا} } أي: ذا بلاغة، أو بليغاً بمعنى بالغاً غايته، وكلاهما صحيح؛ لأن القول كلما كان بليغاً كان أشد تأثيراً؛ ولهذا جاء في الحديث: «إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة»[(205)]، وكم من إنسان يعبر عن المعنى بعبارة بليغة غاية في البيان والفصاحة فيؤثر، ثم يأتي إنسان آخر يعبر عن هذا المعنى نفسه ولكن لا يؤثر شيئاً؛ بسبب عدم البلاغة، ولهذا من نعمة الله على العبد أن يعطيه الله بلاغة وفصاحة حتى يستطيع أن يعبر عما في نفسه فيكون مؤثراً على غيره، وضد ذلك: من لم يكن بليغاً.

والبلاغة صارت فناً مستقلاً، ألف فيه العلماء كتباً، وهي فن لذيذ جداً. لأنه مفيد من وجه، وله ذوق طيب من وجه آخر.

فهذه الآيات نزلت في قوم منافقين، يزعمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، وليسوا كذلك.

من فوائد الآيات الكريمات:

1 ـ التعجب من هذه الحال الشاذة، وتؤخذ من الاستفهام في قوله: { {أَلَمْ تَرَ} }؛ لأن المراد بذلك التعجيب يعني: أن نتعجب من حاله.

2 ـ أن الإنسان قد يدعي ما ليس صادقاً فيه، لقوله: { {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} }.

3 ـ وجوب الإيمان بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبل، لقوله: { {أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} }، وهذا يدل على أن الإيمان بما أنزل من قبله يساوي الإيمان بما أنزل إليه، وإن كان يخالفه من حيث المنهاج والشرعة كما قال تعالى: { {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}} [المائدة: 48] وإلا فأصل الأديان واحد من حيث الإيمان والمعتقدات، لكنه يختلف في الشرعة والمنهاج؛ لأن الله حكيم يشرع لكل أمة ما يناسبها، وما تقتضيه حالها من الصلاح والإصلاح.

4 ـ كمال الإسلام والمتمسكين به؛ لأن الإسلام يأمر الناس بالإيمان بكل ما أنزل الله، والمتمسكون به كذلك يؤمنون بكل ما أنزل الله، فالذين اعتنقوا غير الإسلام ـ كاليهود والنصارى ـ لا يؤمنون بكل ما أنزل الله، أما السابقون منهم فإنما يؤمنون به إيماناً حكمياً، يعني: يؤمنون بما تأخر عن شرائعهم إيماناً حكمياً؛ لأنهم لم يدركوه، ولكنهم يؤمنون به، يعني: أن المؤمنين بموسى في وقته، والمؤمنين بعيسى في وقته يؤمنون بالقرآن؛ لأنهم يجدون الرسول مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، لكنه إيمان حكمي، أما إيمان المسلمين بالقرآن وبالشرائع السابقة فهو إيمان حقيقي؛ لأن دين الإسلام هو المتأخر.

5 ـ إثبات علو الله، وتؤخذ من ذكر الإنزال، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل الصريح والفطرة، وهذا شيء معلوم، والحمد لله.

6 ـ أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت، لقوله: { {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} }.

مسألة: إذا كان هناك بلد لا يحكم بالشريعة وإنما يحكم بالقانون، فهل لنا أن نتحاكم إليه؟

الجواب: نقول: أولاً: إذا لم يكن ضرورة؛ فإننا لا نتحاكم إليه، يعني: إذا أمكن الإصلاح لا نتحاكم، وإذا لم يمكن الإصلاح ننظر، هل هناك أحد نختاره ليكون حكماً بيننا، إن وجدنا لم يجز أن نتحاكم إلى هذه المحاكم، وإذا لم نجد فهنا نتحاكم، لا بنية أن نقبل بكل ما حكموا به، ولكن بنية أن نقبل ما وافق الشرع؛ لأن هذا أمر ضروري، وإلا لضاعت الحقوق، وليست الحقوق عشرة ريال أو عشرين ريالاً، فقط، لكن ربما تكون أملاكاً وعقارات، فإن لم يتحاكم إلى هؤلاء فإنه يضيع حقه، فهنا نقول: يجوز أن تتحاكم لا بنية قبول حكمهم، ولكن بنية قبول ما وافق الشرع، لكن بعد مقدمتين:

الأولى : محاولة الإصلاح.

الثانية : التحاكم إلى رجل يحكم بشريعة الله، فإذا لم يمكن فلا تُضيع الحقوق، وهذا المحامي الذي يريد أن يتحاكم إلى محكمة غير شرعية، نقول: إذا كان من نيته أنه لو حكم بغير الشرع لم يقبل فلا بأس، أما إذا كان من نيته أن يحكم له بما يريد سواء ما وافق الشرع أم لا فهذا حرام، حتى ولو كان في محاكم شرعية.

ولو جاء محامٍ جيد فصيح في المدافعة والدعوى، وأراد أن يحامي عن شخص حتى عند محكمة شرعية، وهو يريد أن يصل إلى مراده لا إلى مراد الله ورسوله، لكان هذا حراماً، ولا شك في هذا، وذلك أن من الناس من يكون عنده قوة إقناع في الدعوى أو في المدافعة، فإذا جلس إلى القاضي مع شخص هادئ أكله بثيابه؛ والقاضي يقضي بما يسمع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه: قاعدة في كل المحامين الذي يحامون يريدون أن يصلوا إلى مرادهم دون مراد الله ورسوله، فهؤلاء: لا يحل لهم أن يسلكوا هذا الطريق.

7 ـ أن التحاكم إلى غير الله ورسوله كفر، وتؤخذ من تكذيبهم دعوى الإيمان في قوله: { {يَزْعُمُونَ} }؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين ما أرادوا التحاكم إلى الله ورسوله.

8 ـ أنه إذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت مخرجة من الإسلام فالتحاكم إليه فعلاً من باب أولى، فمن كان يهوى ويريد أن يكون التحاكم إلى الطاغوت ـ وإن لم يتحاكم إليه ـ فإنه ليس بمؤمن، فكيف بمن حقق هذه الإرادة وتحاكم إلى الطاغوت فعلاً؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: { {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *}} [النساء: 65] قيود عظيمة ومؤكدة. {{حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}} وهذا الفعل، {{ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ}} أي: لا يجدوا ضيقاً فيما قضيت.

الثالث: {{وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}} أي: تسليماً كاملاً بدون تردد، والإنسان قد يجد في نفسه حرجاً من الحكم الشرعي، وقد لا يجد، لكنه لا يؤمن حتى ينتفي عنه الحرج، وحتى يسلم تسليماً.

9 ـ أننا مأمورون بأن نكفر بالطاغوت، لقوله: {{وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} } [النساء: 60] ، ولا يتم إيماننا إلا بالكفر بالطاغوت؛ لقوله: { {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}} [البقرة: 256] ، فلا بد من الكفر بالطاغوت، وإلا لم يصح الإيمان بالله.

10 ـ أن للشيطان إرادة، وتؤخذ من قوله: {{وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ} }، فله إرادة بل وله أمر، وتؤخذ من قوله أيضاً: { {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ}} [البقرة: 268] ، فهو يريد ويأمر.

فهل يمكن أن نرد هذه الإرادة وهذا الأمر؟

الجواب: نعم، نردها بالاستعاذة بالله منه؛ لأن الله سبحانه يقول: { {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}} [الأعراف: 200] ، والنبي عليه الصلاة والسلام لما اشتكى إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من الخواطر الرديئة، قال: «من وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته»[(206)] فهذا هو العصمة منه.

11 ـ أن الشيطان يريد من بني آدم أن يَضلوا ضلالاً بعيداً، وليس ضلالاً قريباً، لقوله: { {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا}}، ولكن لا نظن أن الشيطان يأمر بالضلال البعيد من أول وهلة؟ بل يأمر بالتدرج، فيأمر أولاً بالفسوق والمعاصي الصغيرة، ثم بالكبائر، ثم بالكفر، نسأل الله أن يعيذنا منه.

ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، والبريد: مسافة معينة، مقدارها ثلاثة فراسخ، وكانوا فيما سبق ليس عندهم طائرات ولا هواتف، فكانوا يوصلون الرسائل في وقت قصير بحيث كانوا يجعلون مسافة بريد، يأخذ الفارس الرسائل من هذه النقطة، ثم يعدو بفرسه إلى غاية البريد، وإذا بفارس آخر ينتظر فيأخذ الرسالة ويسير بها إلى بريد، وهكذا حتى يصل بها إلى الغاية، هذا وجه قوله: بريد.

المهم أن العلماء يقولون: إن المعاصي بريد الكفر، والشيطان يتدرج بالإنسان شيئاً فشيئاً حتى يهلكه.

12 ـ أن الله تعالى لا يخفى عليه ما في الصدور، لقوله: { {يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} }.

13 ـ أن الإنسان مؤاخذ على كسب القلب، ولا يعارض هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»[(207)] ؛ لأن حديث النفس ليس فيه استقرار، يعني: أن الإنسان يحدث نفسه لكن لا يستقر، فإن استقر صار عملاً.

ولهذا قال العلماء: للقلب عمل، وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، والذي توعد الله عليه في قوله: { {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} }.

هو : عمل القلب؛ لأن الإنسان يعمل بقلبه؛ أي: يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه.

14 ـ وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام، لقوله:: { {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} }، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد وليس كذلك، فآيات الجهاد في شيء، وهذه في شيء آخر، فهذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بينا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم.

ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله : «إذا أتاك مجادل فبين له السنة ولا تجادله» لأنك إذا بينت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل الله لا يجادلك أنت، فبين له السنة ولا تجادل فيها؛ لأن الواجب على من تبينت له السنة أن يقبل بدون جدال.

15 ـ أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون، لقوله: { {وَعِظْهُمْ} } وقد سبق لنا معنى الموعظة وأنها: التذكير مقروناً بالترغيب والترهيب.

16 ـ أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس، لقوله: { {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا} }.

17 ـ أن من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب، لقوله: { {وَقُلْ لَهُمْ} }؛ لأن كلمة { {لَهُمْ} } تعني: أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطبه، فلا يتكلم وهو معرض، أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل، لقوله: { {وَقُلْ لَهُمْ} }.

* * *

قال الله تعالى: { {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا *}} [النساء: 64] .

أولاً: الإعراب:

{ {مِنْ رَسُولٍ} }، هذه محلها النصب على أنها مفعول به، لكن دخلت عليها { {مِنْ} } الزائدة لتأكيد العموم، وعليه فنقول في أعرابها: رسول: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

وإذا قيل: في حرف ما إنه زائد فلا يعني: أنه زائد من حيث المعنى، بل هو زائد من حيث الإعراب، أما المعنى فإن جميع الحروف الزائدة يقولون: إنها من أدوات التوكيد، فكل حرف جر زائد فهو من أدوات التوكيد.

ثانياً: قوله: { {لِيُطَاعَ} } اللام هذه للتعليل وليست للعاقبة؛ لأنه ليس كل رسول يُطاع، ولكن الحكمة من الإرسال هو أن يُطاع، فاللام هنا للتعليل.

و{ {إِذْ} }: ظرف، والظرف لا بد له من متعلق، وهي متعلقة بقوله: { {جَاءُوكَ} }.

وقوله: { {فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} } معطوفة على قوله: { {جَاءُوكَ} }،وقوله: { {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} } معطوفة عليها أيضاً.

{ {لَوَجَدُوا اللَّهَ} } اللام واقعة في جواب { لَوْ }، وعلى هذا فيكون جواب لو هو قوله: { {لَوَجَدُوا اللَّهَ} }.

قوله: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} } { {إِذْ} } ظرف لما مضى، وليست ظرفاً للمستقبل، وتأتي { {إِذْ} } للتعليل لا ظرفية، ومنه قوله تعالى: { {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ *}} [الزخرف: 39] يعني: لأنكم ظلمتم، وتقول: أتيتك إذ أتيتني، وإن كان وقت الإتيان الثاني غير وقت الإتيان الأول، لكن { {إِذْ} } هنا تكون للتعليل.

وفي الإعراب أيضاً: { لَوْ } يقولون: إنها مختصة بالأفعال، وهنا دخلت على { أَنْ } فما هو الجواب على هذا القاعدة التي تقول: إن { لَوْ } مختصة بالأفعال مع أنها هنا لم تدخل على فعل؟

والجواب: نقول: إن الفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك.

أما { {جَاءُوكَ} } فهي جواب لو.

وقوله: { {لَوَجَدُوا اللَّهَ} } اللام أيضاً واقعة في جواب الشرط.

ثانياً المعنى: يقول الله عزّ وجل: إنه ما أرسل من رسول إلا ليطاع بإذن الله، ولم يرسل الرسل من أجل أن يُكذبوا ويُؤذوا، وإن كانت العاقبة قد تكون التكذيب والإيذاء، لكن الأصل في إرسال الرسل هو طاعتهم، كما في قوله تعالى: { {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *}} [الذاريات: 56] ، يعني: هذا هو الأصل في خلق الجن والإنس، أنهم خلقوا للعبادة لا للهو واللعب، ولكن هذا ليس متحققاً في كل واحد من البشر، وكل واحد من الجن.

إذاً: هذه الآية كالتي في سورة الذاريات، لكن التي في سورة الذاريات تتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذه تتعلق بشهادة أن محمداً رسول الله، وهذه في الرسالة وتلك في التوحيد، فالرسل ما أرسلوا إلا ليُطاعوا، لا ليُكذبوا ويُؤذوا ويُقتلوا؛ لأن من الرسل من كُذب، وأُوذي، وقُتل، ومن الرسل من أُطيع.

قوله: { {إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} } إذنُ الله تعالى ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وشرعي، والمراد به هنا الشرعي، ويحتمل أنه الكوني، يعني: ليطاع إذا أذن الله تعالى بذلك كوناً، ومن الرسل الذين أرسلوا ليطاعوا محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا فرَّع عليه قوله: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} }، يعني: لو أنهم حين ظلموا أنفسهم جاءوك، يعني: جاءوك في حال ظلم أنفسهم، وذلك فيما وقع بينهم من خصومة فتحاكموا إلى غير الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فلو أنهم حين حصلت منهم هذه المظلمة جاءوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام: { {فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} }.

وقوله: { {إِذْ ظَلَمُوا} } يعني: حين ظلموا أنفسهم، وذلك بما وقع بينهم من نزاع وخصومة.

قوله: { {جَاءُوكَ} } أي: جاءوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن المراد جاءوك في حال حياتك، ويدل لهذا قوله: { {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} }؛ لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم؛ إذ أن عمله انقطع بموته، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله...» [(208)].

قوله تعالى: { {فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} } أي: عما وقع منهم من ظلم.

قوله: { {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} } تأكيداً لذلك.

وقوله: { {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} } فيه إظهار في موطن الإضمار، والأصل «واستغفرت لهم»، لكنه أظهر موضع الإضمار تنبيهاً على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رسول، وأن استغفار الرسول صلّى الله عليه وسلّم له مزية على غيره، إذ أن دعوة الرسول مستجابة، فلهذا أتى بوصف الرسالة دون الضمير الذي هو في الأصل في هذا المكان.

قوله: { {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} }، اللام واقعة في جواب لو، و{ {جَاءُوكَ} } هي خبر «أن»، والتقدير ولو أنهم جاءوك حين ظلموا أنفسهم فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول.

وقوله: { {تَوَّابًا} } التواب من أسماء الله سبحانه.

وتوبة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:

توبة بمعنى التوفيق للتوبة، وتوبة بمعنى قبول التوبة.

فمن الأولى قول الله تبارك وتعالى: { {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}} [التوبة: 118] فمعنى { {تَابَ عَلَيْهِمْ}}: وفقهم للتوبة، وقدرها لهم.

وأما قوله تعالى: { {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}} [الشورى: 25] فهو دليل على أن التواب يأتي بمعنى قابل التوبة، ومنه قوله تعالى: { {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ}} [غافر: 3] .

إذاً: فالتواب من أسماء الله، وله معنيان:

الأول : الموفق للتوبة.

والثاني : القابل للتوبة.

وقوله: { {رَحِيمًا} } هو أيضاً من أسماء الله، فمن أسماء الله تعالى الرحيم.

ورحمة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة.

فالعامة: هي الشاملة لجميع الخلق، وهي تكون للمؤمن وللكافر، وللبر والفاجر، ولكنها في الدنيا فقط.

وأما الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين، لقوله تعالى: { {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}} [الأحزاب: 43] وهي تكون في الدنيا، وفي الدين أيضاً.

ثم اعلم أن رحمة الله تعالى وصف من أوصافه الثابتة له على وجه الحقيقة، وليست كما يزعم أهل التعطيل، بمعنى إرادة الإحسان، أو الإحسان؛ لأن أهل التعطيل لا يؤمنون بأن الله له رحمة، ويقولون: كل ما ورد في الرحمة: فالمراد به الإحسان، أو إرادة الإحسان؛ لأنهم ظنوا أن الرحمة التي أثبتها الله تعالى لنفسه هي كرحمة المخلوق، فقالوا: إن الرحمة فيها نوع عطف وانفعال نفسي ورقة، وهذه لا تليق بالله.

فيقال لهم: هذه المعاني التي زعمتموها خاصة برحمة المخلوق، أما الخالق فهو رحيم مع قوته وقدرته، على أن دعواكم أن الرحمة رقة ولين وعطف دعوى كاذبة، فإنه قد يوجد سلطان قوي ذو جبروت وربما يكون له رحمة، لكن من أجل تصورهم أن الرحمة التي أثبتها لنفسه هي كرحمة المخلوق أنكروا ذلك، وقالوا: لا يمكن أن يكون لله رحمة.

ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه «الفتوى الحموية» قال: كل معطل فهو ممثل، وقد يستغرب هذا، كيف يعطل ونقول: إنه ممثَّل؟! لأنه إنما عطل بناءً على التمثيل، وبناءً على أنه إذا أثبت فقد مثل، فيكون مثَّل أولاً وعطل ثانياً.

مثاله: صفة الرحمة.

ومثال آخر: الوجه، قالوا: لا يمكن أن يكون لله وجه؛ لأنه لو كان له وجه للزم أن يكون مماثلاً للمخلوق، وهذا مستحيل. فنقول: أنتم مثلتم أولاً، وعطلتم ثانياً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ إثبات الحكمة لله عزّ وجل في إرسال الرسل، لقوله: { {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} }.

2 ـ ثبوت قيام الأفعال الاختيارية لله عزّ وجل، بمعنى: أنه تتجدد له الأفعال الاختيارية حسب المفعولات، وتؤخذ من قوله: { {أَرْسَلْنَا} }؛ لأن إرسال الرسل يتجدد، فأولهم نوح وآخرهم محمد صلّى الله عليه وسلّم.

3 ـ إثبات تعليل أفعال الله، ويؤخذ من قوله: { {إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} } وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، أن أفعال الله وأحكام الله معللة، لكن العلة قد تكون معلومة لنا، وقد تكون مجهولة لنا، إما على سبيل العموم، وإما على سبيل الخصوص، ومعنى قولنا: إما على سبيل العموم؛ أي: أنها تكون مجهولة لكل البشر، والخصوص تكون مجهولة لبعض الناس دون بعض، وإلا فنعلم أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها معللة، ومربوطة بعلل وحكم وأسرار، ولكن بعضها معلوم للخلق، وبعضها غير معلوم، فلو قال قائل: لماذا كانت صلاة الظهر أربعاً؟ ولماذا لم تكن اثنتين أو ستاً؟ فنقول: الله أعلم، ولا أحد من البشر يعلم.

ولو قال قائل: لماذا كان لحم الإبل ناقضاً للوضوء؟

فالجواب: من العلماء من يقول: الله أعلم؛ لأنه لا يدري عنه، ويقول: هذا تعبدي علينا أن نتعبد لله به، وأن نتوضأ إذا أكلنا لحم الإبل، ولا نسأل.

ومن العلماء من يقول: بل هذا معلل بعلة وهي: لما للإبل من القوة والشيطنة، فإذا أكل الإنسان من هذا اللحم تأثر به، فيتوضأ من أجل أن تهبط هذه القوة التي حصلت له بأكل لحم الإبل، ولهذا أمر الإنسان إذا غضب أن يتوضأ ليطفئ الوضوءُ حرارة الغضب.

وهكذا أيضاً الصلاة في أعطان الإبل، بعض العلماء فَهِمَ الحكمة، وبعضهم لم يفهم الحكمة. وربما يختلف العلماء في العلة، فالنهي عن الصلاة في المقبرة قال بعض العلماء: العلة فيه: أنه يختلط تراب المقبرة بصديد الموتى وما فيه من النجاسات، وقال بعض العلماء: بل العلة: خوف الشرك، والثاني قطعاً أصح:

أولاً : لأنه ليس كل مقبرة تكون منبوشة.

وثانياً : أن الأصل الطهارة.

فالمهم: أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها معللة، لكن منها ما هو معلوم العلة، ومنها ما لا يعلم، ومنها ما يعلمه بعض الناس دون بعض.

4 ـ أن الحكمة الشرعية قد يتخلف الحكم فيها، وتؤخذ من قوله: { {إِلاَّ لِيُطَاعَ} }، فهذه الحكمة الشرعية في إرسال الرسل، لكن قد تتخلف، كقوله: { {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *}} [الذاريات: 56] هذه الحكمة الشرعية، وقد تتخلف.

5 ـ ثبوت الإذن لله عزّ وجل، لقوله: { {إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}}، والإذن نوعان: شرعي، وكوني، فمن الأول قوله تبارك وتعالى: { {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}} [الشورى: 21] أي: شرعاً ولا يصح قدراً؛ لأنه وقع، فقد أذن الله به قدراً، لكن لم يأذن به شرعاً.

ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: { {قُلْ أآلله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}} [يونس: 59] أي: أذن لكم شرعاً.

وأما الإذن الكوني فكثير، مثل قوله تعالى: { {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}} [البقرة: 255] .

6 ـ أنه يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة والاستغفار، لقوله: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} }.

7 ـ أنه يشرع لمن ظلم نفسه في المخاصمة والمحاكمة أن يأتي إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليستغفر الله ويطلب من الرسول أن يستغفر الله له؛ وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام له الحكم وإليه التحاكم، فمن المشروع أن يأتوا إلى الرسول ويستغفروا الله عزّ وجل عنده ويستغفر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام.

8 ـ أن الإنسان إذا ظلم نفسه لا يجوز له أن يذهب إلى قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم ليستغفر الله عنده؛ لأن الآية المراد بها في حياته، لكن مع ذلك استدل بها أهل الغلو على أن الإنسان ينبغي له إذا أذنب ذنباً أن يأتي إلى القبر النبوي فيستغفر الله، ويستغفر له الرسول صلّى الله عليه وسلّم، واستدلوا لذلك بقصة مكذوبة وهي: أن رجلاً أعرابياً جاء إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام وأنشد:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه***..................................

إلى آخر البيتين، فلما نام رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقال له: إن الله قد غفر لك. وهذه قصة مكذوبة[(209)]، والآية تدل على بطلان هذا القول؛ لأن الله يقول: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} } و{ {إِذْ} } للماضي، ولو قال: إذا ظلموا ربما يكون فيها شبهة، على أنه لو قال: إذا ظلموا لم يكن فيها دليل؛ لأن قوله: { {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} } يمنع أن يكون ذلك بعد موته قطعاً، إذ أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يمكن أن يستغفر لهم بعد موته.

وقال بعضهم: إذا كان الله يرد إلى نبيه صلّى الله عليه وسلّم روحه ليرد السلام، وكذلك أن الأنبياء ليسوا بموتى في قبورهم فلذلك ندعوهم سواء في حياتهم أو في مماتهم.

والجواب: أن هذا من أمور الغيب، يقتصر فيها على ما ذكرنا، فنقول: إن الله يرد روح الرسول صلّى الله عليه وسلّم ويرد السلام، لكن لا نتجاوز هذا، وإلا لقلنا له: كيف أصبحت اليوم؟! وما أشبه ذلك.

ثم الحياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، حتى الشهداء: { {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}} [آل عمران: 169] لكن حياة البرزخ غير حياة الدنيا، وإلا لقلنا: إن الصحابة رضي الله عنهم جنوا جناية عظيمة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم حيث دفنوه وهو حي.

9 ـ أن من تاب واستغفر بصدق وإخلاص فإنه سيجد التوبة والرحمة، لقوله: { {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} }، ولا يستثنى من ذلك ذنب، قال الله تعالى: { {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}} [الزمر: 53] ، وهذه آية عامة، تشمل كل الذنوب، وهناك آية مفصلة وهي قوله تعالى: { {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}} [الفرقان: 68] رءوس الذنوب العظيمة ذكرها الله في قوله: { {لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}} [الفرقان: 68] هذا الشرك.

قوله: { {وَلاَ يَقْتُلُونَ}} [الفرقان: 68] هذا العدوان على الناس، وهو أعظم العدوان الجسدي.

وقوله: { {وَلاَ يَزْنُونَ}} [الفرقان: 68] هذا العدوان على العرض.

ثم قال: { {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}} [الفرقان: 68 ـ 70] .

ويشمل هذا المنافقين أيضاً للعموم، ولقوله تعالى في المنافقين خاصة: { {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا *}} [النساء: 145 ـ 146] .

10 ـ انتفاع الإنسان بدعاء غيره، ولا يؤخذ من الآية طلب الدعاء من الغير، بأن تقول: يا فلان! استغفر الله لي، وذلك لأنه ليس في الآية أنهم طلبوا من الرسول أن يستغفر لهم، لكن في الآية أنهم استغفروا الله واستغفر لهم الرسول، ولم يُذكر في الآية الطلب.

ومعلوم أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، فهاهو النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة: «إنكم إذا قلتم ذلك ـ أي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ـ فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض»[(210)]، وكذلك ذكر الله عن المؤمنين أنهم يقولون: { {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}} [الحشر: 10] ، وكذلك المسلمون يصلون على موتاهم، ويقولون: اللهم اغفر له وارحمه. وهذا محل إجماع، أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره.

ولكن هل يسأل غيره أن يدعو له؟

الجواب: هذا محل خلاف، فمن العلماء من قال: لا بأس أن يسأل الرجل الصالح أن يدعو له، واستدلوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأتيه الرجل ويقول: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا، فيدعو، وربما يسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو الله له بالمغفرة، فيدعو له، وبأن الصحابة رضي الله عنهم توسلوا إلى الله تعالى في طلب السقيا بالعباس بن عبد المطلب[(211)]، وبأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر من أدرك أويساً القرني أن يطلب منه الدعاء، وبأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعمر: «لا تنسنا يا أخي من دعائك» [(212)] ولكن كل هذه ليس فيها دليل.

أما طلب الإنسان من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يدعو له فهذا خاص به، ولهذا لم ينقل إن أحداً جاء إلى أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي رضي الله عنهم يقول: ادع الله لي.

وأما الاستسقاء بالعباس فلأن عمر رضي الله عنه قال: «قم يا عباس! ادع الله لنا»[(213)]، وإنما طلبه أن يدعو لعموم المسلمين، ولا حرج أن تأتي إلى شخص تؤمل فيه الخير وإجابة الدعوة فتقول: ادع الله للمسلمين أن يغيثهم؛ لأنك لم تدع لنفسك.

وأما أويس القرني فهو خاص به، ولهذا نحن نعلم علم اليقين أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وفقهاء الصحابة رضي الله عنهم أفضل منه، ومع ذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أحداً ويقول: اطلبوا من هؤلاء أن يدعو لكم، لكن هذا خاص به فقط.

وعلى هذا فالأفضل ألا تسأل من أحد أن يدعو لك، لكن قيد شيخ الإسلام رحمه الله هذا بما إذا قصدت نفعك الخاص، أما إذا قصدت نفع أخيك بثوابه على دعائه لك وثوابه على دعاء الملك له، فإن من دعا لأخيه بظاهر الغيب قال له الملك: آمين، ولك بمثله، أو ولك مثله، قال: إنه إذا قصد هذا، فقد قصد الإحسان إلى أخيه، فيكون غير داخل في المسألة المذمومة.

* * *

قال الله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا *}} [النساء: 65، 66] .

قال الله تعالى: { {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ} } وذلك لأنهم يكرهون ما يؤلمهم ويؤذيهم في الدنيا، ولا يهمهم إذ كفوا هذا الأمر أن يكونوا طائعين أو عاصين.

وقوله: { {أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} } لا يراد به أن يقتل الإنسان نفسه، بل يراد به أن يقتل أخاه؛ لأن أخا الإنسان بمنزلة نفسه، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: { {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}} [الحجرات: 11] ، ومعلوم أن الإنسان لا يلمز نفسه وإنما يلمز أخاه.

وقوله: { {أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} } هذه أيضاً من الأمور المكروهة للنفوس، أن يخرج الإنسان من بلده،، يدع وطنه الذي عاش فيه، ويدع أملاكه، ويدع الأرض التي كان يعرفها، فإن ذلك من أكره ما يكون على النفوس، وهو شاق عليها، فلو فرضنا عليهم ذلك ما انقادوا إلا قليل منهم، كما قال: { {مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ} } وذلك لإثارتهم الدنيا على الآخرة.

وقوله: { {إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ} } هذا استثناء، والقليل ما دون النصف، والكثير: النصف فما فوق، لكن يقال لما فوق النصف: إنه أكثر، ويقال لما دونه: إنه الأقل.

وقوله: { {مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} } فيها قراءتان: «قليلاً» و«قليل»، والاستثناء هنا تام منفي يجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، أو الاتباع على ما قبله.

قوله: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ} } يعني: لو أن هؤلاء الذين تحاكموا إلى غير الرسول عليه الصلاة والسلام، وأمروا أن يتحاكموا إلى الرسول، لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم، والذي يوعظون به هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: { {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} } في الحال، وفي المآل.

{ {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} } يعني: أشد ثباتاً على الحق؛ لأن الإنسان كلما ازداد طاعة لله ازداد إيماناً ويقيناً وثباتاً.

من فوائد الآية الكريمة:

1 ـ بيان ضعف الإنسان، وأنه لا يستطيع أن يتحمل كل ما أمر به إذا كان لا يلائمه، لا سيما مع ضعف الإيمان، خصوصاً إذا قلنا: إن هذه الآية نزلت في المنافقين.

2 ـ أن قتل الناس بعضهم بعضاً من أشق ما يكون على النفوس.

3 ـ أن الإخراج من الديار هو من الشاق على النفوس؛ لأن الله تعالى ضربه هنا مثلاً: { {أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} }.

4 ـ أن الناجي من العباد قليل، لقوله: { {مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ} } ففتش نفسك هل أنت من هؤلاء القليل أو من الكثير؟!

وهذا الحكم يشهد له ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: «أن الله سبحانه ينادي يوم القيامة: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول الله له: اخرج من ذريتك بعث النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون» يعني: واحد من ألف من أهل الجنة، والباقون من بني آدم في النار «فعظم ذلك على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟ فقال: أبشروا فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألفاً، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، وثلث أهل الجنة، وشطر أهل الجنة، ففرح الصحابة بذلك وكبروا» [(215)].

وهذا يدل على أن بني آدم القليل منهم هم الذين ينجون من النار، والباقون من أهل النار.

5 ـ أن طاعة الله تعالى سبب لكل خير، لقوله: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} }.

6 ـ أن الأحكام الشرعية مواعظ، ولهذا سمى الله القرآن موعظة، فقال: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ *}} [يونس: 57] .

ووجه كون الأوامر والنواهي موعظة: أن الإنسان يتعظ بها فيمتثل الأمر ويجتنب النهي، وكثير من الناس لا يفهم من كلمة موعظة إلا ما كان مقروناً بالترغيب أو الترهيب، وهذا ليس بشرط.

7 ـ تفاضل المنازل بين العباد، لقوله: { {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} }.

8 ـ أن الثبات على الحق يختلف: فمنه الشديد القوي، ومنه الضعيف، ومنه المتوسط، لقوله: { {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} }.

9 ـ الإشارة إلى عظيم ما يحصل في المستقبل، وأن الإنسان يخشى عليه من الزلل إلا أن يثبته الله، لقوله: { {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} }؛ لأن التثبيت على غير مواطن الزلل لا يذكر، إنما يذكر التثبيت في حال مواطن الزلل، ومعلوم أن الإنسان يرد عليه في حياته شبهات ويرد عليه شهوات، فالشبهات تدك العلم وتذهبه، والشهوات تدك الإرادة حتى يصبح الإنسان لا يريد إلا ما يهواه فقط، وهذه آفة.

فالإنسان يحيط به شيئان: شبهة يزول بها العلم، وشهوة تزول بها الإرادة، فإذا لم يثبته الله بالعلم والإرادة الصادقة والعزيمة الجازمة فإنه يهلك.

10 ـ أن الإيمان يتفاوت؛ لأن قوله: { {خَيْرًا} } اسم تفضيل، ويقتضي وجود مفضل ومفضل عليه، وهذا هو التفاوت، وكذلك يؤخذ من قوله: { {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} } لأن الإيمان يتفاوت.

* * *

قال الله تعالى: { {وَإِذًا لآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا *وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا *}} [النساء: 67 ـ 68] .

«إذاً» ظرف للزمن الحاضر، وإذْ للماضي، وإذا للمستقبل، فهذه الأدوات الثلاث تقاسمت الزمان، يعني: وإذاً { {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} } لثبناهم على ذلك.

وقوله: { {لآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} } آتى بالمد بمعنى: أعطى، فهي من أخوات كسا؛ أي: من العوامل التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف ظن وأخواتها فإنها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر.

مثال ذلك: تقول: زيد قائم، وإذا أدخلت عليها ظن، تقول: ظننت زيداً قائماً، وتقول: كسوت زيداً جبة، فإذا حذفت العامل فلا يستقيم أن تقول: زيد مبتدأ وجبة خبر، ولهذا يفرق بين كسا وأخواتها، وبين ظن وأخواتها.

قوله: { آتَيْنَاهُمْ } من باب كسا، ومفعولها الأول الهاء في قوله: { آتَيْنَاهُمْ } والثاني { {أَجْرًا} }.

وقوله: { {وَإِذًا لآَتَيْنَاهُمْ} } أي: أعطيناهم.

قوله { {مِنْ لَدُنَّا} } أي: من عندنا.

قوله: { {أَجْرًا عَظِيمًا} } أي: ثواباً، وسمى الله تعالى الثواب الذي جعله على الأعمال أجراً، ليتبين للإنسان أن هذا الثواب لا بد من حصوله، كما أنه لا بد من حصول الأجر لمن استأجر بيتاً أو نحوه، فلا بد أن يحصل على الأجرة، والعظيم هنا بمعنى: الكثير، وبمعنى: الشديد، يعني: أنه أجر لا يمكن للإنسان أن يدرك كنهه؛ لأنه عظيم، ووصف الشيء بالعظيم من العظيم يدل على عظمته.

قوله: { {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا *} }، قوله: { {صِرَاطًا} } فيه قراءتان: بالسين والصاد، سراطاً وصراطاً، و«هَدَى» أيضاً تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول الهاء في قوله: { {وَلَهَدَيْنَاهُمْ} } والثاني: { {صِرَاطًا} }.

وقوله: { {وَلَهَدَيْنَاهُمْ} }: الهداية هنا تشمل هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق والرشاد، وقد سبق أنه إذا عدي العامل بـ{إِلَى} فهو هداية الدلالة والإرشاد، وإذا جرد من حرف الجر شمل هذا وهذا، ولهذا شواهد، فمن شواهد المعدى بـ{إِلَى} قوله تعالى عن نبيه صلّى الله عليه وسلّم { {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ}} [الشورى: 52] .

ومن شواهد المجرد قوله تعالى في سورة الفاتحة: { {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *} } [الفاتحة] وهذه الآية أيضاً: { {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا *} }.

من فوائد الآيتين الكريمتين:

1 ـ في هذه الآية دليل على أن الإنسان يثاب ثواباً آخر غير التثبيت الذي ذكره الله في الآية الأولى، وهو أنه ينال ثواباً عظيماً من عند الله عزّ وجل، وكل هذا من أجل الترغيب في فعل ما يوعظ به العبد.

2 ـ في هذه الآية دليل على بطلان قول الصوفية الذين يقولون: أعبد الله لله، ولا تعبده لثواب الله، ووجه الدلالة: أنه لولا أن لذكر الثواب تأثيراً في العمل لكان ذكره عبثاً ولغواً، فالله عزّ وجل لم يذكر الثواب، ويرغب في العمل من أجل الثواب إلا ليبين أن نية الثواب لا تضعف العمل ولا تنافي الإخلاص، وقد وصف الله نبيه محمداً صلّى الله عليه وسلّم والذين معه بأنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً فقال تعالى: { {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}} [الفتح: 29] ، وجاء في آية أخرى المدح للذين يبتغون وجه الله، فيكون هذا دليلاً على أنك إن أردت وجه الله فإنك مثاب، وإن أردت ثواب الله فإنك مثاب أيضاً.

3 ـ عظم هذا الثواب، من وجهين:

الأول: إضافته إلى الله، في قوله: { {مِنْ لَدُنَّا} }؛ لأن عطاء العظيم عظيم.

والثاني: من قوله: { {أَجْرًا عَظِيمًا} }.

4 ـ أن من فعل ما يوعظ به وأطاع الله ورسوله فإنه يُهدى إلى الحق، وثواب الحسنة الحسنة بعدها.

5 ـ أنك إذا أردت سعة العلم وثبوت العلم فعليك بطاعة الله؛ لأنه كلما اهتدى الإنسان بهداية الله ازداد هدى، كما قال تعالى: { {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ *}} [محمد: 17] .

6 ـ يستفاد من وقوله: { {صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} } أن هناك صراطاً غير مستقيم، والصراط غير المستقيم هو سبيل الكفر، قال الله: { {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}} [الأنعام: 153] ، فالسبل التي تميل بالإنسان يميناً وشمالاً هذه غير مستقيمة، أما صراط الله الذي هو سبيله والموصل إليه فإنه مستقيم.

* * *

قال الله تعالى: { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا *}} [النساء: 69] .

قوله تعالى: { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} }.

الإعراب: «مَنْ» هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم بها، ودليل الجزم حذف الياء، وأصل { {يُطِعِ} } يطيع، وحذفت الياء لأنه لما جزم الفعل صار ساكناً والياء ساكنة، والقاعدة: أنه إذا اجتمع ساكنان فإن كان الأول حرفاً صحيحاً كسر، وإن كان حرف علة حذف.

وفي هذا يقول ابن مالك:

إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق***وإن يكن ليناً فحذفه استحق

فقوله: وإن يك ليناً يعني: حرف علة، فحذفه استحق يعني: فاحذفه.

وهنا نقول: حذفت الياء؛ لأنها حرف لين، وبعدها ساكن فوجب حذفها.

فإن قال قائل: ما بعدها ليس بساكن، بل هو مكسور : { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ} } فالجواب: أن هذه الكسرة عارضة لالتقاء الساكنين.

وجواب «من» جملة: { {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} }.

واقترن جواب الشرط بالفاء لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جملة اسمية فإنه يجب اقترانه بالفاء، وهناك سبعة مواضع إذا وقعت جواباً للشرط اقترنت بالفاء.

وقوله: { {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ} } «أولئك» إشارة إلى جمع، مع أن الذي قبلها مفرد، لكن قالوا: إن «من»، و«ما» وأمثالهما صالحة للجمع والمفرد، فهي باعتبار لفظها مفرد، وباعتبار معناها جمع، فيصح أن يعود الضمير إليها أو الإشارة إليها باعتبار اللفظ وباعتبار المعنى، وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله تعالى: { {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا}} [الطلاق: 11] فراعى في الأول اللفظ، وفي الثاني المعنى، وفي الثالث اللفظ أيضاً.

وقوله تعالى: { {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} } قال بعض العلماء: إن { {مَعَ} } بمعنى « مَنْ » فهل يتعين أن تكون { {مَعَ} } بمعنى « مَنْ » أو يجوز أن تكون على بابها وهو المصاحبة؟

الجواب: يجوز أن تكون بمعنى « مَنْ »، وأن تكون للمصاحبة على بابها: فقوله: { {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} } إذا كان معهم مصاحباً لهم فهو منهم، وحينئذ لا نخرج الكلمة عن معناها الظاهر، ولكن المعنى يئول إلى القول الثاني الذي هو بمعنى « مَنْ ».

وقوله: { {مِنَ النَّبِيِّينَ} } فيها قراءتان: { {مِنَ النَّبِيِّينَ} } بالياء، و«من النبيئين» بالهمزة، و«من» هذه بيانية، والمبهم الذي بُيِّنَ بـ«مِنْ»؟ هو اسم الموصول؛ لأنه مبهم يحتاج إلى بيان، وصلته لا تبينه.

قوله: { {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} } { {أُولَئِكَ} } تعود إلى: { {النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} }، وهنا قال: { {رَفِيقًا} } مع أن المشار إليه جمع، يقول العلماء: إن { {رَفِيقًا} } مفرد صالح للجمع والمفرد، يعني: صالح لهذا ولهذا، فتقول: هؤلاء جماعة رفيق هؤلاء الجماعة أو رفقاء هؤلاء الجماعة، ككلمة «جنب» مثلاً، فجنب لفظها مفرد، ولكنها صالحة للجمع، قال الله تعالى: { {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}} [المائدة: 6] ، ومثل: { {الْفُلْكِ}} مفرد لكنه صالح للجمع، قال الله تعالى: { {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ}} [يونس: 22] ، وقال تعالى: { {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ}} [لقمان: 31] وأمثال هذا كثير.

ويعجبني كلمة قالها ابن عقيل رحمه الله ـ وهو من الفقهاء ـ قال: إن الأحدب الذي حدبته كالراكع ينوي الركوع، كفلك في العربية صالح للمفرد وللجمع، وهكذا الانحناء من الرجل الأحدب صالح لأن يكون طبيعياً أو يكون شرعياً.

وعلى كل حال: فإن الإنسان إذا ربط العلوم بعضها مع بعض ينتفع، ويكون عنده قدرة على تأليف الفكر، ولهذا تجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقرن الأشياء التي تظنها بعيدة لكنها قريبة، ويجمعها أصل واحد.

يقول الله عزّ وجل: { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} } الطاعة هي: موافقة الأمر تركاً للمنهي وفعلاً للمأمور، ولهذا نقول: إن من ترك المعصية يعتبر مطيعاً، ومن فعل الواجب فهو مطيع، ولهذا قيل في الطاعة: هي موافقة الأمر أو موافقة المطاع.

وقوله: { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} } ولم يقل: «ثم الرسول»؛ لأن أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم من شرع الله، والنبي صلّى الله عليه وسلّم في الشرع لا بأس أن يُقرن مع الله بالواو؛ لأن ما جاء به هو من شرع الله، بخلاف الأمور الكونية فإنه لا يجوز أن يقرن مع الله إلا مقروناً بثم.

ومن فروع هذه القاعدة: قول القائل في الأمور الشرعية: الله ورسوله أعلم، ومن ذلك قوله تعالى: { {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}} [التوبة: 59] ولم يقل: ثم رسوله لأن هذا إيتاء شرعي، فهو من الشرع.

أما الأمور القدرية فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يملك فيها شيئاً، فلهذا لما قال له الرجل: «ما شاء الله وشئت» قال: «أجعلتني لله نداً؟»[(216)].

وقوله: { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} } «أل» في الرسول للعهد، والمراد به محمد صلّى الله عليه وسلّم.

وفيها احتمال آخر أن المراد الجنس: { {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} } أي: الذي أرسله سواء كان محمداً أم غيره، وهذا العموم أقرب.

وقوله: { {فَأُولَئِكَ} } أتى باسم الإشارة إشارة إلى علو مرتبتهم، ولم يقل فهؤلاء للتنبيه على علو المرتبة.

وقوله: { {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} } أي: نعمة الدين والدنيا، وهي النعمة الخاصة.

وليعلم أن نعمة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: النعمة العامة: وتكون للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمستقيم والفاسق، فهذه هي العامة، ومنها إدرار الرزق على الناس من مطر ونبات، ورخاء وأمن.

القسم الثاني: النعمة الخاصة، وهي النعمة التي تكون في الدين والدنيا، وهذه خاصة بالمؤمنين، وهم أصناف أربعة كما قال الله تعالى هنا: { {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} }.

وقوله: { {مِنَ النَّبِيِّينَ} } { {الْنَّبِيِّينَ} } هنا تشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، فإذا قيل: { {مِنَ النَّبِيِّينَ} } دخل فيهم بالأولى الرسل، ولا شك في هذا، و{ {النَّبِيِّينَ} } قيل: إنهم من أوحي إليهم بشرع ولم يؤمروا بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وهذا هو المشهور عند أهل العلم، وقيل: النبي من أوحي إليه أن يتعبد بشريعة من قبله أو يأتي بما يكملها، فلا بد من سبق رسول عليه.

ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو: أن النبي يوحى إليه بالشرع ولكنه لا يكلف ولا يلزم بتبليغه، ومن هؤلاء النبيين الذين لم يرسلوا آدم عليه السلام، فإن آدم نبي مكلف، ولكنه ليس برسول؛ لأنه أول البشر، فليس هناك أمة حتى يكون رسولاً لها، ولأن الناس الذين خرجوا منه ومن حواء كانوا قليلين لم تفتنهم الدنيا، وكانوا ينظرون إلى أبيهم فيتعبدون بعبادته، فلما انتشر الناس وكثروا أرسل الله الرسل، ولهذا قال الله تعالى: { {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}} [البقرة: 213] وهذا يدل على أن الناس قبل هذا لم يبعث فيهم أنبياء مبشرين ومنذرين، وإنما هم أنبياء يتعبدون لله وتتبعهم الأمة.

والنبي: مأخوذ من النبأ وهو الخبر، وقيل: من النبوة وهي الرفعة، أما على الأول فظاهر؛ لأن النبي مخبِر ومخبَر، وعلى هذا يكون لفظ النبيئين بالهمز، فعيل بمعنى مفعول وفاعل فهو مُنَبأ وكذلك منبئ.

وأما على الياء فتحتمل أن تكون من النبأ، ولكنها حذفت الهمزة تخفيفاً، أو من النبوة وهي الرفعة، لعلو منزلة الأنبياء، ولا شك أن الأنبياء هم أعلى طبقات عباد الله الصالحين، ويدخل في النبيين هنا الرسل؛ لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقوله: { {مِنَ النَّبِيِّينَ} } يشمل الرسل وهم أفضل من الأنبياء، وهذا هو المتفق عليه بين علماء المسلمين، وأما غلاة الصوفية فقالوا: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول، قالوا: لأن الولي له الولاية والقرب، والنبي له الإخبار مع البعد، والرسول خادم، وأنشدوا على ذلك العبارة السيئة:

مقام النبوة في برزخ***فويق الرسول ودون الولي

إذاً: الولي عندهم يُعد فوقهم وبعيداً عنهم، ثم يليه مع البعد النبي، ثم الرسول، وليس بين النبي والرسول على زعمهم فرق إ