المكتبة المقروءة : التفسير : سورة المائدة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : التفسير : سورة المائدة
تفسير سورة المائدة-المجلد الأول- من الآيه 1 إلى الآيه 50
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قال الله عزّ وجل: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ *}} [المائدة: 1] .

قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} }.

أولاً : هذه السورة مدنية وهي آخر ما نزل من القرآن؛ ولذلك قال العلماء: ما كان فيها من حلال فأحلوه، وما كان فيها من حرام فحرموه، ولم يأتِ فيها حكم يكون منسوخاً، بل كل الأحكام التي فيها محكمة، وهي مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فإنه مدني، وإن نزل بمكة، وإلا ففيها قول الله تبارك وتعالى: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}} [المائدة: 3] وهذه الآية نزلت في عرفة والنبي صلّى الله عليه وسلّم واقف بها[(1)].

البسملة لا حاجة لتكرار الكلام عليها لأنه سبق[(2)] الكلام عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلة ليست من السورة التي قبلها ولا التي بعدها، يؤتى بها عند بدء كل سورة سوى سورة براءة، وأنها متعلقة بمحذوف، ويقدر هذا المحذوف فعلاً متأخراً مناسباً للموضوع الذي تقدمته هذه البسملة، هذا أحسن ما قيل في متعلق البسملة.

وعليه: فإذا كنت تريد أن تقرأ تقول: إن الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد أن تتوضأ تقول: باسم الله أتوضأ، وإذا كنت تريد أن تذبح مذكاة تقول: باسم الله أذبح.. وهكذا.

وقوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } اعلم أنه إذا صُدِّر الكلام بهذه الجملة {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } فإنه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أرعها سمعك ـ يعني: انتبه لها ـ فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه[(3)]، وإما خبر يكون فيه مصلحة لك، مثل قول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}} [التوبة: 28] وما أشبه ذلك.

واعلم أيضاً أنه إذا صدر الكلام بها فإنه يدل على أن ما بعدها من مقتضيات الإيمان؛ تصديقاً به إن كان خبراً، وعملاً به إن كان طلباً، وأن مخالفة ذلك نقص في الإيمان وامتثاله يزيد به الإيمان.

واعلم أيضاً أن الله تعالى يصدر الخطاب بها إغراءً للمخاطب؛ لأن قوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } كأنه يخاطبهم بقوله: إن إيمانكم يحملكم على أن تفعلوا كذا وكذا وأن تتركوا كذا وكذا حسب السياق.

وقوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} } أوفوا بها أي: ائتوا بها وافية كاملة من غير نقص، وقد بَيَّن الله تعالى الوعيد على من يستوفي العقود تامة ولا يوفيها تامة، في قوله تعالى: {{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ *الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ *وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ *}} [المطففين: 1 ـ 3] إذاً: (أوفوا) بمعنى: ائتوا بها كاملة، ومنه قوله تعالى: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ}} [الإسراء: 34] ، {{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ}} [الإسراء: 35] وما أشبه ذلك.

و«العقود» جمع عقد: وهو ما أبرمه الإنسان مع غيره، وضد العقد الحل، تقول: عقدت الحبل وحللت الحبل، فالعقود هي ما أبرمها الإنسان مع غيره، وهي أنواع كثيرة: منها البيع والإجارة والرهن والوقف والنكاح وغير ذلك.

وقوله: {{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} } هذا عام فأي عقد فإنه يجب الوفاء به، ولكن لا بد أن يقيد بما جاءت به الشريعة، وهو ألا يكون العقد محرماً، فإن كان العقد محرماً فإن النصوص تدل على عدم الوفاء به بل على تحريم الوفاء به، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط»[(4)].

قوله: {{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} } أحلت: هذا فعل مبني لما لم يسمَّ فاعله، وفاعله معلوم ليس مجهولاً؛ لأن الفاعل هنا هو الله عزّ وجل، كما قال الله تبارك وتعالى: {{وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}} [النحل: 116] فالمُحِلُّ هنا هو الله عزّ وجل.

وقوله: {{بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} } البهيمة: ما لا ينطق، فكل حيوان لا ينطق فهو بهيمة، وذلك لأن البهائم لا تُعْرِبُ عما في ضميرها بل يكون ما في ضميرها مبهماً لا يُعرف.

وقوله: {{الأَنْعَامِ} } المراد بها ثلاثة أنواع: الإبل والبقر والغنم، فإضافة البهيمة إلى الأنعام من باب إضافة الشيء إلى جنسه، أي: البهيمة من الأنعام، كما تقول: خاتم حديد، وباب خشب، وما أشبه ذلك.

وقولنا: بهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم هذا تفسير للأنعام لا للبهيمة.

قوله: {{إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} } هذا استثناء من قوله: {{بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} } لأن بهيمة الأنعام مفرد مضاف فيعم كل شيء من بهيمة الأنعام.

وقوله: {{إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} } المراد بذلك ما سيأتي في الآية التي بعدها في قوله تعالى: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ}} [المائدة: 3] . هذا الذي يتلى عليهم.

قوله: {{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} } هذا استثناء من قوله: {{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} } ويحتمل أن تكون حالاً، وهو الأقرب؛ لأنها مضافة إلى اسم الفاعل، يعني: أحلت لكم حال كونكم غير محلي الصيد وأنتم حرم.

وقوله: {{مُحِلِّي الصَّيْدِ} } أي: مستبيحيه وذلك بصيده.

قوله: {{وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} } جملة حالية، والحُرُم جمع حرام وهو: من تلبس بالإحرام بحج أو عمرة أو دخل في الحرم وإن لم يكن محرماً.

والحَرم في مكة معروف بحدوده، وفي المدينة كذلك أيضاً، لكن المدينة ليست كمكة في التحريم بل هي أقل كما سيذكر إن شاء الله تعالى.

والمراد بالصيد في حال الإحرام: كل حيوان بري متوحش أصلي؛ أي: متوحش باعتبار أصله، مثاله: رجل محرم قبل أن يدخل حرم مكة نزل ضيفاً على إنسان عنده حمام فاشترى منه حماماً؛ هذا لا يجوز لأنه صيد، وعليه فإن كان الرجل في الحرم أو كان محرماً فلا يجوز الصيد، ومثال آخر: رجل اشترى دجاجة غير مقدور على إمساكها تطير كالحمام هذا يجوز؛ لأن الدجاج غير متوحش أصلاً فهو ليس بصيد، وأيضاً من أمثلة الصيد الغزال والظباء والضب، وأما الغراب فلا يدخل لأنه لا يؤكل بل يدخل في الخمس التي أمر بقتلها في الحل والحرم.

قوله: {{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} } الجملة كالتعليل لما قبلها، لما ذكر الله عزّ وجل الإحلال والتحريم قال: {{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} }، الحكم هنا يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، فكل ما يريده الله عزّ وجل فإنه يحكم به؛ لأنه لا راد لحكمه، إن شاء حلل هذا وحرم هذا، وإن شاء أوجب هذا ورخص في هذا، وكذلك أيضاً إن شاء حكم على عباده بالغنى والأمن؛ وإن شاء حكم بضد ذلك، فالأحكام الكونية والشرعية كلها بإرادة الله، ولا أحد يعترض على حكم الله عزّ وجل، كما قال تعالى: {{إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ}} [يوسف: 40] يعني: ما الحكم إلا لله، {{أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}} [يوسف: 40] .

وقوله: {{مَا يُرِيدُ}} الإرادة هنا تشمل الإرادة الكونية والشرعية، فالكونية باعتبار كون الحكم كونياً، والشرعية باعتبار كون الحكم شرعياً، وحينئذٍ لا بد أن نفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية، والفرق بينهما: أن الكونية بمعنى المشيئة، فتتعلق بما يحبه الله وما لا يحبه الله، ويقع فيها ما أراد الله عزّ وجل بكل حال، وأما الشرعية فهي التي بمعنى المحبة، فمعنى يريد أي: يحب، فتتعلق بما يحبه الله فقط، وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع، فهذا هو الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية.

لو قال قائل: إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكفر أبي لهب هل وقعا بإرادة الله الكونية أم الشرعية، وكذلك إيمان أبي طالب هل هو مراد كوناً أم شرعاً؟

الجواب: إيمان أبي بكر وقع بإرادة الله الكونية والشرعية، وأما كفر أبي لهب فواقع بالإرادة الكونية فقط؛ لأن الله لا يريد الكفر شرعاً، لكن قدراً يريده لحكمة، وأما إيمان أبي طالب فهو مراد شرعاً؛ لأن الدلالة الشرعية لا تستلزم الوقوع، ولو أراده كوناً لوقع.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: فضيلة الإيمان؛ وجه ذلك توجيه الخطاب أعني خطاب الله عزّ وجل إلى المؤمنين.

الفائدة الثانية: أهمية ما يذكر بعد هذا النداء، لوجود فرق بين قولك: (افعل كذا) وقولك: (يا فلان افعل كذا)، فالثاني أشد وأدعى للاهتمام؛ لأنك ناديته حتى ينتبه لك، ففيه أهمية ما سيذكر بعد هذا النداء.

الفائدة الثالثة: وجوب الوفاء بالعقود، لقوله: {{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} } لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب لاسيما إذا كان متعلقاً بحق الآخرين، والعقد متعلق بحق الآخرين؛ لأنه إبرام شيء بينك وبين الآخر، فإذاً الأمر بالوفاء للوجوب.

الفائدة الرابعة: أن جميع العقود حلال، وجه ذلك: أن الله أمر بالوفاء بها، والله تعالى لا يأمر بالوفاء بالفحشاء أبداً، ولكن هذا ليس على عمومه إذ يستثنى منها ما حرمه الشرع، كبيع الغرر وبيع حبل الحبلة، والبيع بالربا، والقمار، وما أشبه ذلك.

الفائدة الخامسة والسادسة: أن العقود تنعقد بما دل عليها من قول أو فعل بلفظ أو إشارة أو كتابة، وجه ذلك أن الله جل وعلا أطلق العقد فكل ما كان عقداً بين الناس فهو عقد، ويتفرع على هذا مسائل كثيرة:

منها : جواز البيع بالمعاطاة، والمعاطاة أن يأتي الإنسان إلى الخباز وقد كُتِبَ إعلان (الخبزة بريال) فيضع الريال في مكان الفلوس ويأخذ الخبزة، هذا بيع بالمعاطاة؛ لأنه ليس فيه قبول ولا إيجاب، لكنه بالمعاطاة، وقد عرف عند الناس أنه عقد.

ومن ذلك أيضاً: الركوب في الحافلات، الإنسان يدخل باب الحافلة المفتوح فيدخل ويسلم الأجرة للذي عند الباب، ولا يتكلم ولا يعقد الإجارة بصيغة، هذه أيضاً إجارة بالمعاطاة.

ومن ذلك أيضاً: أن النكاح ينعقد بما دل عليه وأنه لا يحتاج إلى لفظ: زَوَّجْتُكَ، فإذا قال: وهبتك ابنتي، وعلم أن المراد بالهبة ليس مجاناً صح العقد، وكذلك لو قال: ملكتك ابنتي فقال: قبلت، صح العقد؛ لأن هذا هو المعروف، وقد جاء في حديث الواهبة نفسها عند البخاري لفظ: «ملكتكها بما معك من القرآن»[(5)].

الفائدة السابعة: وجوب الوفاء بالشروط المشترطة في العقد، فإذا عقد رجلان بينهما عقد بيع أو غيره واشترطا شروطاً فالأصل وجوب الوفاء بالشروط، وذلك لأن قوله: {{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} } يشمل الوفاء بالعقد نفسه وبأوصافه التي هي شروطه؛ لأن الشروط في العقد في الحقيقة أوصاف للعقد، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء به وبما يتضمنه من الأوصاف.

فإذا اشترط المتعاقدان شرطاً وحصل نزاع في هذا الشرط فالصواب أن هذا الشرط يصح حتى يقيم المانع دليلاً على المنع، وعلى هذا فإننا نُجري الناس على معاملاتهم حتى نتأكد أن فيها مخالفة للشرع، فالأصل إذاً في المعاملات أن تجري على ما هي عليه حتى يقوم دليل على أنها محرمة لأن قوله: {{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} } أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فيجب الإيفاء بالعقود.

مثال ذلك: رجل باع بيتاً واشترط على المشتري أن يسكنه سنة فيجب على المشتري أن يُمَكِّنَ البائع من ذلك.

مثال آخر : امرأة اشترطت إن جاز لها المقام مع أهله وإلا فلها الفسخ؛ لأنها سمعت أن أمه شريرة طويلة اللسان سريعة الغضب، فقالت: سأقع في مشاكل فالشرط صحيح، فإذا جاز لها المقام عند أهله وإلا فلها الفسخ، ولكن ينبغي في مثل هذه الحال أن يُجعل الباب مفتوحاً، فتقول: لها الفسخ أو المطالبة بأن تسكن في مكان وحدها.

مثال آخر : رجل باع أمَةً واشترط على المشتري أن يطأها سنة حتى يتزوج، هذا شرط باطل؛ لأنه ليس في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، بل في القرآن ما يدل على تحريم ذلك قال تعالى: {{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *}} [المؤمنون: 5 ـ 7] ، وأيضاً لأن هذه الأمة خرجت عن ملكه.

مثال آخر : رجل باع أمَةً واشترط أن تخدمه سنة، أي: باعها واستثنى منفعتها يصح، ويدل له حديث جابر لما باع جمله للنبي صلّى الله عليه وسلّم واستثنى حملانه[(6)].

ويدخل في الوفاء بالشروط شروط النكاح بل قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به من الفروج»[(7)] فإذا اشترطت المرأة على زوجها ألا يتزوج عليها صح الشرط ويجب الوفاء به، وإذا اشترطت الزوجة أن يطلق زوجته التي معه لا يصح الشرط.

والفرق ظاهر : لأن الثاني فيه عدوان على الزوجة الأولى، والأول لا عدوان فيه، بل الزوج امتنع عما أباح الله له باختياره ورضاه، ولكن لو أراد الزوج أن يتزوج وتزوج، فالزوجة لها الخيار إن شاءت بقيت وإن شاءت فسخت، ولا مهر للزوج؛ لأنه هو الذي أخل بالشرط، فنقول له: تزوج، ولا نحجر عليه إذا لم يفِ بالشرط، إن اضطرته الحاجة لذلك وإلا فإن ذمته لا تبرأ وهو للإثم أقرب؛ لأن المرأة مكرهة على الفسخ وقد غرر بها، وهي ربما تبقى وهي مكرهة.

يدخل في ذلك الوفاء بالعهود لأن العهد عقد، كما جاء في آية أخرى: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}} [الإسراء: 34] .

وأيضاً يدخل في ذلك الوفاء بالوعد، فلو قلت لإنسان: سأمر عليك غداً في الساعة الفلانية، الصحيح أنه يجب عليك أن توفي به؛ لأن الوعد عهد ولأن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، والرسول عليه الصلاة والسلام لما قال في المنافق: «إذا وعد أخلف» [(8)] لا يريد أن يوصل إلى أفهامنا أن هذه الخصلة من خصال المنافقين فقط، ولكن يريد منا أن نتجنبها ونحذرها، ولهذا كان القول الراجح أن الوفاء بالوعد واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخلف في الوعد إلا لعذر شرعي.

والعجب أن بعض المغرورين بأخلاق الأمم الكافرة يقول لصاحبه إذا واعده: إنه وعد إنجليزي، مع أن الكفار من أبعد الناس عن الوفاء بالوعد، وكان على هذا أن يقول: إنه وعد مؤمن؛ لأن المؤمن هو الذي لا يخلف الوعد إلا لعذر شرعي.

تنبيه:

إذا استثنى الواعد، أي: قال إن شاء الله ولم يفِ بالوعد فالظاهر أنه لا شيء عليه؛ لأن صاحبه الذي سمعه يقول: إن شاء الله يعرف أنه لم يُردِ الوفاء التام، إلا إذا فهم المخاطب من قوله: إن شاء الله، التحقيق كأن يكون أشار إليه بيده أثناء وعده له فيجب عليه الوفاء بالوعد حينئذٍ؛ لأن الوعد عقد أو معاقدة بين الواعد والموعود.

الفائدة الثامنة: أن جميع بهائم الأنعام حلال لقوله: {{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} }، وأيضاً غير بهيمة الأنعام نقول: إنها حلال لكن لا بهذه الآية، بل بقوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}} [البقرة: 29] وعلى هذا فإذا شككنا في هذا الحيوان الزاحف أو الطائر هل هو حلال أو حرام؟ فالأصل أنه حلال، وعلى من حرمه الدليل، لكن إذا شككنا في الحلال هل ذكي ذكاة شرعية أم لا؟ فالأصل عدم الذكاة الشرعية؛ لأن الذكاة فعل لا بد من تحقق وجوده، فإذا وجدنا عضواً من شاة ولا ندري هل هو مذكى أو غير مذكى؟ فنقول: إنه لا يحل؛ لأن الأصل عدم التذكية ما لم يوجد ظاهر يغلب على هذا الأصل، فإن وجد ظاهر يغلب على هذا الأصل فإننا نأخذ به.

فلو وجدنا رِجْلَ شاة عند بيت من بيوت المسلمين فنحن لا نعلم هل ذكيت أم لا؟ فالأصل عدم الحل، لكن هنا ظاهر يغلب على هذا الأصل وهو أن وجودها بين بيوت المسلمين يدل على أنها مذكاة، فيكون هذا الظاهر غالباً أو مُغَلَّباً على الأصل.

ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو وجد الإنسان شاة مذكاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهي حلال، مع أن هناك احتمالاً أن يكون الذي ذبحها ممن لا تحل ذبيحته، لكن يغلَّب الظاهر لقوته.

الفائدة التاسعة: الإحالة على مذكور أو على ما سيذكر، لقوله: {{إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} }، وهذا إحالة على ما سيذكر، وقد استعمل العلماء رحمهم الله هذا في مؤلفاتهم، وأكثر من رأيناه يستعمله الحافظ ابن حجر رحمه الله، فما أكثر إحالاته، ومع ذلك أحياناً ينسى أن يوفي رحمه الله.

الفائدة العاشرة: أن الأصل في البهيمة ـ أعني: بهيمة الأنعام ـ الحل كما قررناه قبل قليل، وجه ذلك: الاستثناء من هذا الحكم {{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ} }، وقد قال العلماء رحمهم الله: إن الاستثناء معيار العموم ـ معيار يعني: ميزاناً ـ فإذا وجدت شيئاً فيه استثناء فاعلم أن هذا الحكم عام؛ لأنه لما أخرج هذا الفرد من أفراده علم أن الحكم شامل لجميع الأفراد.

الفائدة الحادية عشرة : أنه لا يحل الصيد للمُحْرِم، لقوله: {{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} } ولا لمن كان في الحرم؛ لأن من كان في الحرم فقد دخل في جو محرَّم فيه الصيد فيحرم عليه الصيد.

لكن لو صاد صيداً حلالاً يعني: أنهر الدم وسمَّى الله وقتله فإنه لا يحل، لقوله تعالى: {{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} } أي: غير محليه، فدل ذلك على أنهم إذا قتلوه فهو حرام فلا يحل لهم أن يحللوه لأنفسهم؛ ولهذا عبر الله عن صيد الصيد بالقتل، فقال تعالى في آية أخرى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}} [المائدة: 95] ومعلوم أنه لا يريد أن يقتل بغير الصيد الشرعي؛ لأن القتل بغير الصيد الشرعي منهي عنه سواء كان الإنسان مُحْرِماً أم غير محرم، لكن لما كان صيد الصيد في حال الإحرام حراماً صار هذا الصيد بمنزلة القتل، فيكون المصيد حراماً.

الفائدة الثانية عشرة : تعظيم الإحرام وأنه يحرم على المحرم الصيد لئلا ينساب وراء الصيد فينسى الإحرام، إذ من المعلوم الآن عند أهل الصيد أنهم شغوفون به وأنه يأخذ بلبهم وعقولهم، حتى إنك ترى الصائد يلحق الصيد والحصى يُدمي قدمه والشوك يخرقها ومع ذلك لا يبالي، فلو أحل الصيد للمحرم لتلهى به عن إحرامه وغفل.

الفائدة الثالثة عشرة : إثبات الحكم لله، لقوله: {{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} }.

الفائدة الرابعة عشرة : إثبات الإرادة لله جل وعلا، لقوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} }.

الفائدة الخامسة عشرة : الإشارة إلى أنه لا يحل للإنسان أن يعترض على الأحكام الشرعية، وجه ذلك: لأن الله ختمها بقوله: {{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} } وذلك بعد أن ذكر أنواعاً من الأحكام.

* * *

قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *}} [المائدة: 2] .

نقول في قوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } ما قلناه في الآية الأولى.

قوله: {{لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} } أي: لا تنتهكوا حرماتها، و«الشعائر» جمع شعيرة، وهي العبادات الكبار، كالحج والعمرة ونحو ذلك، وذلك لأن الأحكام الشرعية شعائر وغير شعائر، الأحكام الكبيرة تسمى شعائر، قال الله تعالى: {{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}} [البقرة: 158] .

قوله: {{وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ} } الشهر هنا المراد به الجنس، وليس المراد به الواحد، فالشهر الحرام شهور أربعة بينها الله تعالى في قوله: {{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}} [التوبة: 36] وبيَّن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعيان هذه الأشهر بأنها: ذو القَعدة بفتح القاف وهو الأفصح ويجوز الكسر، وذو الحِجة والأفصح كسر الحاء، والمحرم والرابع رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان[(9)]، هذه الأشهر الحرم، يقول الله تعالى: لا تحلوها بالمعاصي وأيضاً لا تحلوها بالقتال؛ لأن القتال في الأشهر الحرم حرام، حتى الكفار لا يحل أن نبدأهم بالقتال في الأشهر الحرم، إلا دفاعاً عن النفس أو إذا كان امتداداً لقتال سابق، وهذه المسألة يأتي إن شاء الله بيان حكمها واختلاف العلماء فيها.

قوله: {{وَلاَ الْهَدْيَ} } أي: لا تحلوا الهدي، والمراد بالهدي ما يهدى إلى الحرم، من إبل أو بقر أو غنم، وكيفية إحلاله أن يذبحه قبل أن يبلغ محله، فلو أن الإنسان ساق الهدي من الميقات: من ذي الحليفة مثلاً ثم أراد أن يذبحه أو ينحره قبل الوصول إلى مكة كان هذا حراماً لا يحل، ولهذا قال: {{وَلاَ الْهَدْيَ} } والعطف هنا لا يدل على المغايرة، فليس المعنى أن الهدي ليس من شعائر الله بل هذا كقول الله تعالى: {{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى}} [البقرة: 238] فالعطف هنا لا يدل على أن الصلاة الوسطى ليست من الصلوات، لكن قد يعطف الخاص على العام للعناية به.

قوله: {{وَلاَ الْقَلاَئِدَ} } جمع قلادة، والمراد بالقلائد: ما تقلد به أعناق الهدي، وكان من عادتهم أن يجعلوا في عنق كل واحدة قلادة، إشارة إلى أنها هدي، ويعلق في هذه القلادة النعال البالية وأطراف الأسقية أي: أطراف القرب وما أشبه ذلك، إشارة إلى أن هذه للفقراء، فمن حين أن يرى الإنسان هذا البعير أو هذه الشاة وعليها هذه القلادة يعرف أنها هدي فيحترمها ولا يضيرها بشيء، ويحتمل أن يقال: إن القلائد أعم من ذلك، وأن المراد: ولا ما تقلدتموه، أي: ما تقلدتموه من عهود ووعود وغيرها، ولكن السياق يدل على المعنى الأول، القلائد يعني: قلائد الهدي.

قوله: {{وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} } يعني: ولا تحلوا أيضاً.

قوله: {{الَّذِينَ} } بمعنى قاصدين، {{الْبَيْتَ} } مفعول به لآمين و{{الْبَيْتَ الْحَرَامَ} } هو الكعبة وسماه الله بيتاً لأنه بيت في الواقع، إذ إنه حجرة ذات أركان وسقف، ووصفها الله بالحرام لما لها من الحرمة والتعظيم، ولهذا كان ما حولها محترماً، حتى الأشجار محترمة في الحرم، مع أن الأشجار جماد، أما الحصى والتراب فغير محترم، ولهذا لك أن تكسر الحصاة، ولك أن تنقل التراب إلى خارج الحرم، بخلاف الأشجار، لكن الأشجار التي لا تنمو كالتي قد يبست وكأغصان انكسرت فهذه ليست حراماً.

قوله: {{يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} } جملة يبتغون في موضع نصب على الحال من «آمّين».

وقوله: {{يَبْتَغُونَ} } أي: يطلبون.

وقوله: {{فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ} } الفضل هنا يشمل الفضل الدنيوي والفضل الأخروي، دليل ذلك قوله تبارك وتعالى لما ذكر أحكام الحج قال: {{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ}} [البقرة: 198] وهذا فضل الدنيا يشير به إلى من أتى إلى الحج يبيع ويشتري أو يكاري إبله أو سيارته أو ما أشبه ذلك.

وقوله: {{وَرِضْوَاناً} } أي: رضاً من الله عزّ وجل وفيها قراءتان ضم الراء وكسرها (رُضواناً) و(رِضواناً).

وقوله: {{وَرِضْوَاناً} } أي: من ربهم، فالرضوان هنا عام فهم يريدون رضواناً من الله عزّ وجل ومن أنبيائه وأوليائه وأصفيائه، لكن الأصل الأصيل أنهم يريدون الفضل من الله عزّ وجل.

قوله: {{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} } إذا حللتم أي: من الإحرام، لقوله تعالى: {{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}} [المائدة: 1] .

وقوله: {{وَإِذَا حَلَلْتُمْ} } أي: من إحرامكم {{فَاصْطَادُوا} } والمراد بالإحلال هنا الإحلال الأول الذي يحصل برمي جمرة العقبة يوم العيد والحلق أو التقصير، كما جاءت بذلك السنة أن من رمى وحلق حل له كل شيء إلا النساء[(10)]، هذا هو المراد بقوله: {{وَإِذَا حَلَلْتُمْ} } وليس المراد إذا حللتم من كل الإحرام.

وقوله: {{فَاصْطَادُوا} } أصلها فاصتادوا لكن لعلة تصريفية قلبت (التاء) (طاء)، والمعنى: صيدوا الصيد، ولم يقل: فصيدوا؛ لأن الصيد يحتاج إلى عمل وحركة وافتعال، وإن شئت فقل: وانفعال أيضاً، وسيأتينا إن شاء الله تعالى هل الأمر هنا للإباحة أو لرفع النهي، وينظر في حكم الاصطياد الأصلي.

قوله: {{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} } {{شَنَآنُ} } فيها قراءتان بسكون النون وفتحها، وكذلك «أنْ» في قوله تعالى: {{أَنْ صَدُّوكُمْ} } فيها قراءتان بفتح الهمزة وكسرها، فالشنآن هو البغض.

قوله: {{لاَ تُحِلُّوا} } المراد بالقوم هنا وإن كان نكرة أهل مكة، فالنكرة هنا معلومة.

والمعنى على قراءة الكسر أي: لا يحملنكم بغضهم إن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وهذا إشارة إلى أنهم سوف يصدونكم عن المسجد الحرام، لكن إن صدوكم فلا تعتدوا.

أما على قراءة الفتح «أَن صدوكم» فتكون الجملة تعليلاً، أي: لا يحملنكم بغضهم من أجل صدهم إياكم أن تعتدوا.

إذاً: يختلف المعنى باختلاف القراءتين، فعلى قراءة كسر الهمزة إخبار عما يتوقع، وعلى قراءة فتح الهمزة إخبار عما وقع، فيكون المعنى الأول: ولا يحملكم بغض هؤلاء إن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وعلى الثانية: ولا يحملكم بغض قوم لكونهم صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.

وقوله: {{صَدُّوكُمْ} } أي: صرفوكم، وهذا ينطبق تماماً على ما فعلته قريش في غزوة الحديبية، فإنها صدت النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأحلت شعائر الله، وأحلت الشهر الحرام، والهدي، والقلائد، فكل ما نهى الله عنه في هذه الآية انتهكته قريش، وصدوا أولى الناس بالبيت عن بيت الله عزّ وجل.

وقوله: { {عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} } أي: ذي الحرمة والتعظيم، ولا شك أن هذا المسجد له حرمة وعظمة، فإن أول بيت وضع للناس ليتعبدوا الله فيه هو المسجد الحرام، وهو الذي يجب على كل مسلم وجوباً عينياً لا يتم إسلامه إلا به أن يؤمه بحج بالإجماع، أو بحج وعمرة على خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في وجوب العمرة، فهو مسجد حرام.

ووصف بالمسجد إما لأن جميع الأرض مسجد، وأولى أرض تتصف بذلك هي هذه البقعة، أو يقال: إن المراد بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة الذي اتُخذ مسجداً؛ لأنهم صدوهم عن الوصول إليه، وما حول المسجد تابع له، والأصل هو المسجد، ولهذا أجمع العلماء رحمهم الله على ركنية الطواف في العمرة والحج، فطواف الإفاضة وطواف العمرة مجمع على ركنيتهما وعلى أنه لا يصح الحج والعمرة إلا بهما.

وقوله: {{أَنْ تَعْتَدُوا} } هذه متعلقة بقوله: لا يجرمنكم، يعني: لا يحملنكم على العدوان، و«أَنْ» في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وتقديره: على أن تعتدوا، يعني: لا يحملكم هذا على العدوان.

قوله: {{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى} } تعاونوا على وزن (تفاعلوا)، ولا تكون هذه الصيغة إلا من جانبين، فإنك إذا قلت: أعن صاحبك، فطلب الإعانة من جانب واحد، لكن قوله: {{وَتَعَاوَنُوا} } أي: ليعن كل واحد أخاه، {{عَلَى الْبِّرِّ} }: وهو فعل الطاعات: {{وَالتَّقْوَى} }: وهي ترك المحرمات، فإذا استعانك أخوك على عبادة من العبادات فأعنه لتشاركه في الأجر، فإذا قال لك: قَرِّب لي ماء الوضوء؛ فقربه له، وإذا قال لك: اشترِ لي ثوباً أستر به عورتي في الصلاة؛ اشترِ له، وإذا قال لك: دلني على اتجاه القبلة دله عليها، بل وإن لم يستعنك فأعنه أيضاً.

كذلك تعاونوا على التقوى، أي: على ترك المحرمات، فإذا استعانك إنسان على تكسير المزمار فأعنه، أو استعانك على إراقة خمر فأعنه أيضاً، أو على إتلاف كتب بدع فأعنه، وهلمَّ جرَّا.

قوله: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} } «الإثم» هو المعاصي المتعلقة بحق الله عزّ وجل، و«العدوان»: المعاصي المتعلقة بحق العباد، وإذا أفردت إحداهما عن الأخرى صارت شاملة لمعنى الأخرى، يعني: إذا أطلق الإثم صار شاملاً للعدوان على الناس، ولو أطلق العدوان صار شاملاً للإثم؛ لأن العدوان على حق الله عزّ وجل إثم.

قوله: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ} } لما ذكر هذه الأوامر والنواهي أمر بتقوى الله عزّ وجل، يعني: اتقوا الله أن تخالفوا أمره أو أن تقعوا في نهيه، والتقوى فسرت بعدة تفاسير وأحسنها أن يقال: إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وينقص من التقوى بقدر ما نقص من ذلك، فالإنسان الذي عنده معاصي ومآثم لكنها لا تخرجه من الإسلام نقول: إن تقواه ناقصة.

وقد كان بعض السلف إذا قيل له: اتقِ الله؛ ارتعد وربما سقط من مخافة الله عزّ وجل، وأدركنا من الناس من هذه حاله، أي: أنك إذا قلت له: اتقِ الله؛ اضطرب واحمر وجهه وخشع، والآن بالعكس، إذا قلت له: اتقِ الله، قال: ماذا فعلت؟ مع أنه منتهك لحرمات الله عزّ وجل، فالواجب على العبد تقوى الله عزّ وجل امتثالاً لأمره تعالى.

قوله: {{إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}} الجملة صلتها بما قبلها أنها وعيد لمن لم يتقِ الله، والمعاقبة هي المؤاخذة على الذنب.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: تحريم تحليل الشعائر، لقوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} }.

الفائدة الثانية: أن إحلال شعائر الله وكذلك ما ذكر في الآية نقص في الإيمان، لقوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} }.

الفائدة الثالثة: أن امتثال ما ذكر في الآية من مقتضيات الإيمان التي يزيد بها الإيمان.

الفائدة الرابعة: تعظيم الشعائر؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، والمضاف يشرف ويعظم بحسب المضاف إليه.

الفائدة الخامسة: تحريم إحلال الشهر الحرام بالقتال، وكذلك أيضاً بالمعاصي، فإن المعاصي في هذه الأشهر الحرم أعظم من المعاصي في غيرها، أما القتال في الشهر الحرام فاختلف فيه العلماء:

فمنهم من يقول: إنه منسوخ، ومنهم من يقول: إنه محكم وليس بمنسوخ، فالقائلون بأنه منسوخ يقولون: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قاتل في الشهر الحرام[(11)]، فإنه بعد فتح مكة ـ أي: في رمضان ـ خرج إلى هوازن وثقيف وقاتلهم في ذي القعدة، وكذلك كانت غزوة تبوك في الشهر الحرام في محرم، وهذا يدل على أن القتال في الشهر الحرام نسخ تحريمه.

ولكن الصحيح أنه باقٍ، وأنه لا يجوز القتال في الشهر الحرام ابتداءً، أما إذا كان دفاعاً أو امتداداً لغزوة سابقة فإن ذلك جائز، وعليه تحمل قصة هوازن وتبوك؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما غزاهم لأنه قيل له: إنهم قد جمعوا له، فلا بد من الدفاع.

الفائدة السادسة: احترام الهدي وتحريم إحلاله، لقوله: {{وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ} }.

الفائدة السابعة: العمل بالقرائن؛ لأن القلائد قرينة على أن هذا هدي، والعمل بالقرائن جاءت به السنة، بل أشار إليه القرآن، قال الله تبارك وتعالى: {{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ *}{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}} [الأنبياء: 78 ـ 79] وكانت رعته ليلاً وعلم ذلك بآثارها.

كذلك أيضاً: سليمان عليه الصلاة والسلام لما تنازعت المرأتان عنده في الولد الذي بقي وهو للصغرى، فطلب سكيناً يشقه بين المرأتين نصفين، فوافقت الكبرى وامتنعت الصغرى، فحكم به للصغرى؛ لأن كونها تأبى أن يشق، هذا يدل على أنها هي الأم وذلك لشفقتها[(12)].

وكذلك شاهد يوسف عليه السلام قال: {{إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *}} [يوسف: 26 ـ 27] .

وكذلك السنة جاءت بالعمل بالقرائن، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما فتح خيبر وطلب مال حيي بن أخطب فقال له سَلام بن مِشْكَم: إنه فني، قال: «كيف يفنى، العهد قريب والمال كثير؟» ثم أمر الزبير بن العوام أن يمسه بعذاب، فلما أحس بالعذاب قال: اصبروا، إني أرى حيياً يطوف حول خربة هناك، فذهبوا إلى الخربة وإذا فيها ذهب عظيم مدفون قيل: إنه ملء جلد الثور[(13)]، لكن لماذا حكم النبي عليه الصلاة والسلام بأن المال كثير؟ لأنه لا بد من مال؛ لأن العهد قريب والمال كثير أين يذهب؟

فلا بد من العمل بالقرائن لكن بشرط ألا تكون مجرد تهمة، فإن كانت مجرد تهمة ليس لها أصل فإنه لا يجوز، لأنَّ الأصل البراءة والسلامة.

الفائدة الثامنة: وجوب احترام الحجاج والعمار، لقوله: {{وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} } وهذا يفيد أن العدوان عليهم أشد من العدوان على غيرهم.

الفائدة التاسعة: الإشارة إلى الإخلاص لقاصد المسجد الحرام، لقوله: {{يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} } وهنا نسأل: من قصد البيت لغير هذا الغرض بأن قصد البيت لزيارة قريب أو لتجارة، أما زيارة القريب فهي مما يبتغى به وجه الله، لكن من قصد البيت لتجارة، هل يدخل في هذا أو لا؟

الجواب: يدخل بلا شك، لكن ذُكِرَ ذلك القيد بناءً على الأغلب، والقيد المبني على الأغلب يقول أهل الأصول: إنه لا مفهوم له، وعلى هذا فيكون قوله: {{يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} } ليس قيداً ولكنه بناءً على الأغلب كقوله تعالى في بنات الزوجات: {{وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}} [النساء: 23] فإن ابنة الزوجة تحرم على الزوج إذا دخل بأمها وإن لم تكن في حجره، لكن ذكر الحجور بناء على الغالب.

الفائدة العاشرة: أنه يجوز للإنسان أن يعمل العبادة لطلب الأجر والرضا من الله وأن هذا من أعلى المقامات، خلافاً للصوفية الذين يقولون: اعبد الله لله، فإن عبدته لثوابه فعبادتك ناقصة ـ قاتلكم الله ـ أليس الله تعالى امتدح محمداً صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في قوله: {{تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}} [الفتح: 29] ولا شك أن محمداً صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه هم أعلى الناس مقاماً، ولكن هؤلاء لقصور فهمهم ظنوا أنك لا بد أن تعبد اللهَ لله فقط، نسأل الله العافية، وهذا خلاف ما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.

الفائدة الحادية عشرة : الإشارة إلى مِنَّة الله عزّ وجل على هؤلاء الذين قصدوا البيت الحرام، وجه ذلك لأن إضافة الربوبية إليهم دليل على عنايته تبارك وتعالى بهم، واعلم أن الربوبية نوعان: عامة وخاصة، وإليهما الإشارة في قوله تعالى: {{قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *}} [الأعراف: 121 ـ 122] فقوله: «رب العالمين»، ربوبية عامة، وقوله: {{رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *}} ربوبية خاصة، إذاً كون الله تعالى أضاف ربوبيته إليهم إشارة إلى عنايته بهم عزّ وجل، ومن ذلك أن وفقهم للحضور إلى المسجد الحرام.

الفائدة الثانية عشرة : إثبات الرضا لله عزّ وجل، وأنه من أكبر غايات المؤمنين، بل هو أكبر غاياتهم، فالرضا من صفات الله عزّ وجل التي يثبتها أهل السنة والجماعة على وجه الحقيقة، يقولون: إن الله يرضى ويكره، ويغضب، ورضاه من صفات كماله عزّ وجل، وهو سبب للثواب، إذا رضي الله عن العبد أثابه، وحمل أهل التعطيل الرضوان على أنه الثواب، وقالوا: إنه مجاز عن الثواب عُبر به لأنه سببه، فهو من التعبير بالسبب عن المسبب، فيقال: ما المانع أن نثبت الرضا لله عزّ وجل، وقد أثبت الله لنفسه الرضا في القرآن، وأثبته النبي صلّى الله عليه وسلّم في السنة «إن الله يرضى لكم ثلاثاً» [(14)]، والنصوص في هذا كثيرة، وأجمع عليه سلف الأمة، وطريق إجماعهم أنه لم يرد عنهم ما يخالف ذلك وهم يقرؤون الكتاب والسنة ولم يرد عن واحد منهم أنه فسر الرضا بالثواب، وهذا طريق ينبغي أن يتفطن له الإنسان؛ لأنه قد يقول قائل: ما الدليل على أن السلف أجمعوا على أن الرضا على معناه الحقيقي؟ نقول: الدليل هو أنهم يتلون كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم بهذا اللفظ ولم يرد عنهم حرف واحد يدل على أنه غير مراد.

فإذا كان الله يرضى، والرضا من صفته، فهل هو من الصفات الذاتية أو الفعلية؟

الجواب: هو من الصفات الفعلية؛ لأن كل صفة لله تكون لسبب فهي من الصفات الفعلية، إذ إن كونها تقع لسبب يدل على أنها كانت بمشيئة الله، فالرضا صفة فعلية، والغضب صفة فعلية، والنزول صفة فعلية.. وهكذا، فالقاعدة: أن كل صفة من صفات الله تكون لسبب فهي فعلية؛ لأنها قبل وجود السبب غير موجودة.

هذا هو القول الذي ندين الله به، أن الله عزّ وجل يرضى ويغضب، ويكره ويحب، حقيقة لا مجازاً، والله أعلم.

الفائدة الثالثة عشرة : أن الإنسان إذا حل من الإحرام فإنه يحل له الصيد، لقوله: {{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} } أي: من الإحرام، وهذا كالمستثنى من قوله: {{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ}} وهل المراد الحل كله أو بعضه، بينت السنة أن المراد الحل بعضه؛ لأنه إذا حل التحلل الأول جاز له الصيد وجاز له جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وعلى هذا فقوله: {{وَإِذَا حَلَلْتُمْ} } يكون فيه نوع من الإجمال، بينته السنة.

الفائدة الرابعة عشرة : حل الصيد، وقد بينت السنة أن لحل الصيد شروطاً معروفة في كتب أهل العلم، وقد تقدم ذلك في التفسير.

فإن قال قائل: ذكرتم أن الاصطياد بعد الحل مباح مع أنه أمر كيف يكون ذلك؟

نقول: لأنه إذا ورد الأمر بعد النهي فإنه للإباحة، وهذا الذي عليه أكثر الأصوليين.

وقيل: إن الأمر بعد النهي رفع للنهي، والفرق بين القولين، أننا إذا قلنا إنه للإباحة؛ صار الشيء الذي أمر به مباحاً فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للنهي عاد حكم الشيء الذي أمر به إلى ما كان عليه قبل النهي، ولكل من القولين وجه.

أما الذين قالوا: إن الأمر بعد النهي للإباحة فقالوا: إنه لما ورد النهي على الإباحة نسخها نهائياً، حتى ولو كان النهي عن شيء مستحب فإنه ينسخه نهائياً، ثم يرد الأمر بعد النهي فيكون معناه الإباحة.

وأما الذين قالوا: إن الأمر بعد النهي رفع للنهي فقالوا: إنه لما ورد النهي عن الشيء صار منهياً عنه، فإذا رفع النهي وجب أن يبقى المنهي عنه على ما كان عليه من قبل، لكن هل نقول: يسن لكل إنسان حل من إحرامه أن يأخذ آلة الصيد من أجل أن يصيد الصيد؟

الجواب: لا، لا أحد يقول بذلك، لكن يباح له ذلك، أما قوله تعالى في الجمعة: {{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ}} [الجمعة: 10] فهذا الأمر يكون للاستحباب؛ لأن طلب الرزق أمر مستحب، وعلى القول الثاني وهو أن الأمر بعد النهي للإباحة يكون مباحاً.

والأقرب ما ذكرناه في نظم القواعد[(15)] وهو أنه لرفع النهي:

والأمر بعد النهي للحل وفي***قول لرفع النهي خذ به تفي

فهذا هو الأقرب.

الفائدة الخامسة عشرة : أنه لا يجوز الاعتداء على الغير ولو كان الإنسان مبغضاً له، ولو كان قد صده عن الطاعة، فأما إذا عامله بمثل ما عامله به فهذا لا بأس به، كما قال تعالى: {{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}} [البقرة: 194] .

الفائدة السادسة عشرة : التحذير من اتباع الهوى وحمل النفس على العدوان عند العداوة والبغضاء؛ لأن العادة والطبيعة أن الإنسان إذا أبغض شخصاً فإنه يعامله بالعدوان والشدة؛ لأن نفسه تحمله على هذا، فحذر الله عزّ وجل من ذلك.

الفائدة السابعة عشرة : الإشارة إلى ما وقع من قريش في غزوة الحديبية، لقوله: {{أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} } والآية فيها قراءتان كما تقدم {{أَنْ صَدُّوكُمْ} } وهذه القراءة لا إشكال فيها لأن {{أَنْ} } هنا للتعليل، يعني: لا يحملكم بغضهم من أجل صدكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، لكن الذي فيه إشكال هو قوله: {{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} } فيقال: هذا شرط والشرط يكون للمستقبل.

فيقال في الجواب عن ذلك: إن معنى الآية إن تكرر صدهم إياكم، أو إن فرض أن يصدوكم فلا تعتدوا.

الفائدة الثامنة عشرة : إثبات حرمة المسجد الحرام لقوله: {{أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} }، وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى: {{أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} } أن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في تضعيف الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف يشمل جميع حدود الحرم؛ أي: كل ما كان داخلاً في حدود الحرم، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر:

أولاً : أننا لا نسلم أن المراد بالمسجد الحرام هنا ما كان داخل حدود الحرم؛ لأننا لو سألنا: ماذا أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن معه هل أرادوا أن يدخلوا إلى حدود الحرم فقط، أو أن يَصِلوا إلى مسجد الكعبة؟

الجواب: الثاني بلا شك، فيكون المعنى أنه ذكر أعلى ما يصدونهم عنه وهو الوصول إلى المسجد الذي فيه الكعبة.

ثانياً : أن نقول: ما دام هناك دليل صريح واضح عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن المراد بما فيه التضعيف هو مسجد الكعبة كما في صحيح مسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة» [(16)]، فما دام عندنا دليل صريح في هذا فلا حاجة إلى أن نتأول النصوص على ما فهمناه.

الفائدة التاسعة عشرة: وجوب التعاون على البر والتقوى، لقوله: {{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى} }، وهل هذا متوقف على استعانة الغير بك أو مطلقاً؟

الجواب: الآية عامة، سواء طلب منك المعونة أم لا، فيجب عليك أن تعينه على البر والتقوى.

الفائدة العشرون : الحث على البر والتقوى، وجه ذلك: لأنه إذا أمر بالتعاون عليه فالأمر به من باب أولى، يعني: أمرنا بالتعاون على البر ففعل البر من باب أولى.

الفائدة الحادية والعشرون : النهي عن التعاون على الإثم والعدوان، لقوله: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} } وسواء طلب منك المعونة أم لا، فلا تعن على الإثم والعدوان.

لكن هل من المعونة على الإثم والعدوان أن يؤجر الإنسان بيته لمن يصنع فيه الخمر؟ الجواب: نعم.

وهل من المعونة أن يبيع التلفزيون على من يستعمله في المحرمات؟ الجواب: نعم. وهذه قاعدة عامة ولها فروع كثيرة جداً.

الفائدة الثانية والعشرون : وجوب تقوى الله عزّ وجل، وأن مخالفة ما ذكر مناقض لتقوى الله، لقوله بعد أن أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه: { 7 6 {وَاتَّقُوا اللَّهَ} }.

الفائدة الثالثة والعشرون : شدة عقاب الله عزّ وجل والتحذير من مخالفته لقوله: {{إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} }.

* * *

قال الله تعالى: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ أَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [المائدة: 3] .

قوله: {{حُرِّمَتْ} } هذا فعل مبني لما لم يسمَّ فاعله، والفاعل هو الله عزّ وجل، فحذف الفاعل للعلم به، فإن قال قائل: قال الله تعالى في هذه الآية: {{حُرِّمَتْ} } وفي سورة البقرة والنحل قال: {{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ}} [البقرة: 173 ـ النحل: 115] فنسب التحريم إلى الله صراحة، فلماذا اختلف التعبير؟

فالجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن بلاغة القرآن لا يمكن أن يدركها كل الناس؛ لأنها كلام الله عزّ وجل، والله تعالى لا نحيط به علماً، لا في ذاته ولا في صفاته، فبلاغة القرآن أعظم من أن تدركها عقولنا، وعلى هذا الجواب يجب الإمساك عن مثل هذه الأمور، ونقول: هذا أمر فوق عقولنا، وبذلك يمسك كل مؤمن عن محاولة التكلف في معرفة الفرق.

أما الوجه الثاني: فيمكن أن يقال: في البقرة والنحل قال: {{إِنَّمَا حَرَّمَ}} لأنه بصيغة الحصر في أمور أربعة، فكأنه قال: ما حَرم إلا هذا خلافاً لما حرمتم أنتم في الجاهلية، قال تعالى: {{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ}} [المائدة: 103] فقال: ما حرم إلا هذا إظهاراً لفضله عزّ وجل وأنه لم يحرم إلا أربعة أصناف فقط من الطيبات، وهذا الذي حرمه الله ليس بطيب.

قوله: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} } هذا بيان لقوله تعالى: {{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}} [المائدة: 1] قوله: {{الْمَيْتَةُ} } «أل» هنا لبيان الحقيقة، يعني: كل ميتة فهي حرام، والميتة هي ما مات حتف أنفه أو ذكي على وجه غير شرعي، وقولنا: (ما مات حتف أنفه) يعني بدون فعل فاعل أو بفعل فاعل لكن لا على الوجه الشرعي، مثاله: إذا مرضت البهيمة وماتت نقول: هذه ماتت حتف أنفها، وإذا دق عنقها شخص فماتت نقول: هذه ذكاة غير شرعية.

لكن يستثنى من الميتة ميتة البحر فإنها ليست بحرام، لقول الله تعالى: {{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}} [المائدة: 96] قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «صيده ما أخذ حياً، وطعامه ما أخذ ميتاً» ، كما في قصة السرية الذين وجدوا العنبر وأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على أكلها[(17)]، وكذلك يستثنى الجراد كما في حديث عبد الله بن عمر: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت»[(18)] وهذا الحديث أعله بعض العلماء بضعفه مرفوعاً، وهذه العلة معلولة؛ لأننا إذا قلنا: إنه غير مرفوع فهو موقوف في حكم المرفوع؛ لأن ابن عمر لا يمكن أن يقول: أحل لنا إلا وقد سمعه من الرسول عليه الصلاة والسلام.

والجراد ليس بحرياً بل لا يعيش إلا في البر، لكنَّ ميتته حلال:

أولاً: لأن الإلزام بتذكيته إلزام بما لا يمكن، مَنْ يستطيع أن يمسك كل جرادة ويذبحها؟

وثانياً: أنه ليس فيها دم يحتاج إلى استخراجه؛ فلذلك أحلت، لكن هل يلزم من تحريم الميتة أن تكون نجسة؟

نقول: لا يلزم، لكن هناك دليل على نجاستها وهو قوله تعالى: {{قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ}} [الأنعام: 145] أي: ما ذكر.

إذاً يستثنى من الميتات الجراد وميتة البحر.

لو قال قائل: هل يشرع للمضطر أن يستغفر بعد أن يأكل من الميتة؟

الجواب: لا يشرع له، بل يشرع له أن يحمد الله «إن الله ليرضى على العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة ويحمده عليها»[(19)].

قوله: {{وَالدَّمُ} } الدم هنا مطلق و«أل» فيه لبيان الحقيقة، ولكنه قُيد في سورة الأنعام بالدم المسفوح، احترازاً من الدم الذي يبقى في العروق بعد التذكية فإنه ليس بحرام؛ لأنه لا يمكن أن تأخذ العرق وتمصه بعد أن يذكى، فالحرام هو الدم المسفوح الذي يخرج عند الذكاة أو يخرج عند فصد العرق أو ما أشبه ذلك، وكانوا في الجاهلية يأكلون الميتات ولا يبالون بها، ويقولون: كيف تحرمون ما قتله الله ولا تحرمون ما قتلتموه، يعني: بالذكاة، وكانوا أيضاً يأكلون الدم المسفوح، يَفصد الإنسان عرق ناقته ويمصه، فحرمه الله عزّ وجل.

وعلى هذا فالكبد لا تحرم، والطحال لا يحرم، والكلى لا تحرم، والدم الذي يكون في القلب لا يحرم، والدم الذي يبقى في العروق لا يحرم؛ لأن الدم قيده الله بالمسفوح.

قوله: {{وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} } لحم الخنزير حرام، والخنزير معروف، حيوان خبيث من شأنه أن يأكل القاذورات والحشرات وما أشبهها، وهو أيضاً معروف بعدم الغيرة، والذي يتغذى به يكتسب من طبيعته، ولهذا «نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» [(20)] لأن ذوات الأنياب والمخالب من طبيعتها الاعتداء، وأن تفترس غيرها، فلذلك نهى عنها لئلا يتأثر الإنسان بغذائه منها.

قوله: {{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} } الإهلال في الأصل رفع الصوت، والمراد به هنا ما ذكر اسم غير الله عليه، مثل أن يقول: باسم المسيح، باسم عزير، باسم الرئيس الفلاني، باسم الولي الفلاني، باسم النبي، باسم جبريل، أو بأي اسم، فإذا ذبح على اسمٍ غيرَ اسمِ الله فإنه حرام.

قوله: {{وَالْمُنْخَنِقَةُ} } المنخنقة بنفسها والمخنوقة بفعل فاعل، المنخنقة بنفسها مثل: أن تجر الحبل، أي: القلادة التي في رقبتها ثم تضيق عليها حتى تنخنق، أو كما قال بعض السلف: تدخل رأسها بين غصنين من أغصان الشجرة ثم تعجز عن إخراجه فتنخنق، والصحيح أنه يشمل المختنقة والمنخنقة، المختنقة بفعل فاعل يعني: كما لو أن إنساناً أمسكها وضم رقبتها حتى ماتت فالصحيح أنها تدخل في المنخنقة وإن كانت تسمى مختنقة.

إذاً: المنخنقة هي الميتة بالخنق سواء بفعل نفسها أو بفعل فاعل.

قوله: {{وَالْمَوْقُوذَةُ} } من الوقذ وهو الضرب الشديد حتى تموت، مثاله: يأتي إنسان فيضرب البهيمة ضرباً شديداً فتموت إما بعصا وإما بحجر وإما بحبل أو بغير ذلك، هذه أيضاً لا تحل لأنها موقوذة، وكذلك البهيمة إذا صدمتها سيارة تعد من الموقوذة وليست من النطيحة؛ لأن صاحب السيارة لا يريد أن يناطح.

قوله: {{وَالْمُتَرَدِّيَةُ} } الساقطة من عالٍ، سواء كان عالياً من فوق أو عالياً من أسفل، فالمتردية من الجبل متردية من فوق، والمتردية من فم البئر إلى أسفله متردية من أسفل، فالمتردية حرام؛ لأنها ماتت بغير ذكاة شرعية.

قوله: {{وَالنَّطِيحَةُ} } فعيلة بمعنى مفعولة، أي: المنطوحة، وهي التي تناطحت مع أختها حتى قتلتها؛ لأن هذا الموت ليس بفعل فاعل ممن تصح ذكاتهم.

قوله: {{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} } ما أكل السبع كالذئب والكلب والأسد وما أشبه ذلك، فالمراد بالسبع هنا كل ما يعتدي على البهائم ويأكلها.

إذا قال قائل: ما أكله السبع كيف يُستخرج من بطنه؟

يقال: المعنى ما قتله ليأكله، أو ما شرع في أكله، ولهذا قال بعض العلماء: إذا قطع السبع الأوداج، أو الأوداج والحلقوم والمريء على رأي، أو قطع حشوته، أي: أمعاءه ومعدته فهذا في حكم الميت لا تنفع فيه التذكية، وهذا فيه نظر؛ لأن الآية عامة {{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} }.

قوله: {{إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} } عد الله عزّ وجل من المحرمات: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، هذه تسعة، والعاشرة: وما ذبح على النصب. وهل الاستثناء في قوله: {{إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} } يعود على التسعة كلها أو على بعضها؟

الجواب: على بعضها قطعاً؛ لأن الميتة لا يمكن أن تذكى؛ لأنها قد ماتت وانتهت، ولحم الخنزير كذلك لا يمكن أن تحله الذكاة؛ لأنه محرم لنوعه لا للقصور في سبب موته، {{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} } أيضاً لا يمكن أن تحله الذكاة، اللهم إلا أن يدركه قبل موته إنسانٌ غَيْرَ الذي ذَكَرَ اسمَ غَيْرِ اللهِ عليه فيذكيه الذكاة الشرعية، مثل أن نسمع إنساناً يذبح شاة يقول: باسم المسيح، ثم ذكاها وانصرف وأدركنا ذكاته قبل أن تموت فهذا يدخل في الآية، لكن إذا كان قد قطع الأوداج فإنه يعتبر في حكم الميت، فلا يمكن أن تأتي عليه الذكاة.

إذاً: يبتدئ الاستثناء من قوله: {{وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} } وهذه الأوصاف أوصاف لسبب الموت وعددها خمس. فالنطيحة ربما تدركها قبل أن تموت، والمتردية كذلك، وما أكل السبع كذلك، والموقوذة كذلك، يمكن أن تدركها قبل أن تموت.

فإذا قال قائل: بماذا تكون تذكية هذه الأشياء التي أصابها سبب الموت؟

الجواب: تكون التذكية بقطع الحلقوم والمريء، أو بقطع الودجين، أو بقطع ثلاثة من أربعة، أو بقطع الأربعة، على خلاف بين العلماء، وأرجح الأقوال أن التذكية تحصل بقطع الودجين، وأن من كمالها قطع الحلقوم والمريء أيضاً: فما هما الودجان؟

هما العروق الغليظة المحيطة بالحلقوم، تسمى في مصر بالودجين، وتسمى عندنا جلاميد، وفي بعض المناطق تسمى الوردان، وأقرب ما يكون للقرآن أنها الوردان وإلا فاللغة واسعة، قال تعالى: {{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}} [ق: 16] .

الحاصل: أنه إذا أدركها وقطع أوداجها قبل أن تموت فهذه التذكية، لكن ما علامة الموت؟ هل لا بد أن تتحرك بيدها أو رجلها أو عينها أو أذنها أو ذنبها، أو لا تشترط لها الحركة؟

أكثر العلماء يقولون: لا بد أن تتحرك؛ لأنك إذا ذبحتها ولم تتحرك فمعنى ذلك أنها ماتت، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: علامة الحياة أن يخرج منها الدم السائل المسفوح الحار الأحمر؛ لأن الحيوان إذا مات انقلب دمه إلى أسود، وانتقل من الحرارة إلى البرودة، وأيضاً تجلط الدم، أي: لا يسيل كما يسيل عند ذبحه، فيقول رحمه الله: إنه إذا خرج منها الدم الأحمر الحار الذي يسيل فإنها تحل سواء تحركت أم لم تتحرك؛ لأنها قد لا تتحرك لشدة ما نزل بها، قد يكون أغمي عليها مثلاً فلا تتحرك، لا بعينها ولا برجلها ولا بذنبها، وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله هو الصحيح، أنه متى خرج منها الدم الأحمر الحار الجاري فهي مذكاة.

قوله: {{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} } يعني: ما ذبح على الأصنام، وكانوا يذبحون على الأصنام تقرباً لها، وهذا شرك، حتى لو ذبحوها لله عزّ وجل لكن اعتقدوا أن هذا المكان أفضل، وأما قوله: {{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} } أي: ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى، مثل أن يقول: باسم المسيح أو باسم المَلِك أو باسم الوزير فهذا حرام حتى ولو كان لغير العبادة، وسواء كان هذا أمام الصنم أو غائباً عن الصنم، أما قوله: {{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} } أي: ما ذبح على الصنم، وذلك بأن يكون الصنم بين يديه ويذبح لهذا الصنم فهو قول لا فعل.

قوله: {{وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ} } أي: حرم عليكم أن تستقسموا بالأزلام، وجه الصلة بين هذه المسألة وما قبلها ظاهر؛ لأن الاستقسام بالأزلام يريد به المستقسم أن يصل إلى ما هو خير له، وكذلك في هذه المطعومات يريد أن يتناول ما هو خير له.

ومعنى الاستقسام بالأزلام: طلب القَسْم، يعني: طلب ما يقسم الله لك، فهو يشبه في الدين الإسلامي الاستخارة، وكانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم الأمر ولم يتبين له وجه الصواب استقسم بالأزلام، والأزلام جمع زلم وهي الأقداح، التي يستقسم بها فيكتب على أحدها افْعَل وعلى الثاني لا تفعل، والثالث لا يكتب عليه شيء، ثم يضعها في كيس أو نحوه ويخلط بينها ثم يُخرِجُ واحداً منها، فإن خرج افعل فعل، وإن خرج لا تفعل لم يفعل، وإن خرج الثالث أعاد، وهم إنما يجعلون الثالث الذي ليس فيه افعل ولا تفعل من أجل أن يطول الاستقسام؛ لأنهما لو كانا قدحين لخرج من أول مرة، لكن يجعلون الثالث من أجل أن يتأخر الاستقسام لعلهم يرجحون شيئاً على آخر.

قوله: {{ذَلِكُمْ فِسْقٌ} } {{ذَلِكُمْ} } المشار إليه كل ما سبق، أو الاستقسام بالأزلام؟ القاعدة: أنه إذا أمكن أن يعود اسم الإشارة أو الضمير إلى كل ما سبق فمحمول عليه.

وقوله: {{فِسْقٌ} } الفسق معناه الخروج عن الطاعة، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها، كذلك الخارج عن الطاعة فاسق لأنه خارج عما يجب أن يكون عليه.

قوله: {{أَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} } «أل» هنا للعهد الحضوري، {{أَلْيَوْمَ} } يعني الذي نزلت فيه هذه الآية، واعلم أن «أل» العهدية تأتي للعهد الحضوري وتقدم، وتأتي للعهد الذهني أي: المعلوم في الذهن، مثاله تقول: ذهبت مع خصمي إلى القاضي، فالمراد بالقاضي هنا هو الذي يحكم بين الناس، وأما العهد الذكري فإن «أل» تشير فيه إلى مذكور مثاله قوله تعالى: {{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً}} [المزمل: 15] {{فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}} [المزمل: 16] .

وقوله: {{يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} }، يعني: يئسوا من أن يغيروه أو يبدلوه؛ لأن الدين الإسلامي والحمد لله قد انتشر وبان وظهر.

قوله: {{فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} } فلا داعي للخشية الآن، ما دام دينكم قد ظهر ويئس هؤلاء الكفار من أن يقضوا عليه فلا تخشوهم واخشون، «والخشية» هي: الخوف الناتج عن علم، دليل ذلك قول الله تعالى: {{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}} [فاطر: 28] .

قال أهل العلم: الفرق بين الخشية والخوف: أن الخشية تكون عن علم، والخوف لا يلزم أن يكون عن علم.

ثانياً : أن الخشية تكون من عِظَمِ المخشي وإن كان الخاشي قوياً، لكن المخشي يكون أقوى منه، والخوف لا يدل على عظم المخوف، وإنما يدل على ضعف الخائف أمام من يخاف منه وإن لم يكن قوياً، وهذا فرق واضح، فالطفل الذي له أربع سنوات يخاف من الطفل الذي له ثمان سنوات مع أن الثاني ضعيف، لكن الذي يخشى من ملك أو صاحب سلطان قوي هذا يقال: إنه خاشي.

قوله: {{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} } أي: جعلته كاملاً، وليس المعنى أنني أتممت شرائعه؛ لأنه نزل بعد هذه الآية شيء من الشرائع، فالمعنى أن الدين كامل ولا يعني ذلك أنه تام، ولهذا فرق فقال: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} }.

لو قال قائل: هذا يصدق من أول يوم نزل فيه الشرع؟

الجواب: لا؛ لأن الشرائع لم تتكامل من أول يوم نزل فيه الشرع، ولا يمكن أن يقول الله جل وعلا: {{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} } ولم ينزل إلا الجزء اليسير.

وقوله: {{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} } أي: ما تدينون الله به من العبادة.

قوله: {{وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} } التي هي إكمال الدين وهي أكبر النعم، ومعنى إتمامها أي: ليس فيها نقص.

قوله: {{وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} } أي: رضيت لكم الإسلام الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم ديناً تدينون الله به فلا تتخذوا ديناً سواه.

ثم قال بعد أن ذكر هذه النعم العظيمة علينا ـ قال عَوْداً على ما ابتدأ في الآية ـ قال تعالى: {{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} } {{اضْطُرَّ} } فيها قراءتان «فمنِ اضطر» بكسر النون لالتقاء الساكنين، والقراءة الثانية «فمنُ اضطر» بضم النون لمناسبة الضمة للفعل؛ لأن الضمة تناسب الطاء المضمومة فقد تكون أيسر في النطق، فاضطر، بمعنى: أصابته الضرورة، وأصلها اضتر، فقلبت التاء طاءً لعلة تصريفية معروفة في علم الصرف.

وقوله: {{فِي مَخْمَصَةٍ} } المخمصة المجاعة، ويدل لذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً ـ أي: تذهب في الصباح خماصاً؛ أي: جائعة ـ وتروح بطاناً»[(21)].

وقوله: {{غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} } أي: غير مائل لإثم ولا مريد له، لكن للضرورة أكل من هذه المحرمات.

وقوله: {{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} } يفسر قوله في الآيتين السابقتين: {{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}} [الأنعام: 145] فقوله: {{غَيْرَ بَاغٍ}} أي: غير مريد لهذه المحرمات بل ألجأته الضرورة لها، {{وَلاَ عَادٍ}} أي: معتدٍ يريد الإثم، فمنهم من قال: غير باغ ولا عاد تفسره آية المائدة، وآية المائدة من آخر ما نزل، فيكون غير باغٍ لأكل الميتة ولا عادٍ بأن يأكل أكثر من ضرورته، وهذا تفسير مطابق للآيات الأخرى، وبعضهم قال: {{غَيْرَ بَاغٍ}} أي: الذين يخرجون على الإمام {{وَلاَ عَادٍ}} أي: ولا عاصٍ في سفره، ولكن هذا المعنى بعيد جداً، ولهذا قالوا: من كان عاصياً في سفره واضطر إلى أكل الميتة لا يأكلها وإن مات؛ لأنهم يشترطون أن يكون السفر مباحاً، والصحيح خلاف ذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وأن قوله: {{غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}} تطابق تماماً قوله تعالى: {{فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} }.

واعلم أن المحرم للضرورة لا يحل إلا بشرطين:

الأول: ألا يوجد ما يدفع به الضرورة غير هذا المحرم.

الثاني: أن تزول ضرورته به وإنما اشترطنا هذا لئلا يقول قائل: يجوز التداوي بالمحرم؛ لأنه غير ملجأ للتداوي بالمحرم لأنه قد يزول مرضه بدواء آخر، وقد يزول مرضه بدون دواء، وكم من إنسان وصل إلى أدنى حالة من المرض ثم يشفيه الله عزّ وجل دون أي سبب، والشرط الثاني: ألا تزول ضرورته إلا بهذا الدواء، فإنه قد يتداوى الإنسان ولا يشفى بخلاف من أكل محرماً للجوع، فالإنسان إذا لم يجد إلا الميتة ولا يمكن أن تزول ضرورته إلا بأكلها، وإذا أكل زالت ضرورته لأن المعدة قد امتلأت.

قوله: {{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}} أي: يغفر له ويرحمه، فغفر له الذنب بتناول هذا المحرم ورحمه بإباحته له.

لو قال قائل: إذا كان إنسان في سفر واضطر إلى الأكل ومعه صاحب له يستطيع أن يذكيه ويأكله، هل يجوز له ذلك؛ لأنه مضطر؟

الجواب: إذا كان حياً لا يجوز، هذا بالإجماع؛ أي: لا يجوز أن تقتل إنساناً لتحيي نفسك، لكن إذا كان ميتاً، فالمشهور عندنا في مذهب الحنابلة أنه لا يجوز أكله، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كسر عظم الميت ككسره حياً» [(22)] ولو أدى ذلك إلى موته نقول: لِيَمُت وهذا أجله، وذهب بعض العلماء وهو مذهب الشافعي: أنه يجوز للحي أن يأكل الميت عند الضرورة، وعللوا ذلك بأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: تحريم ما ذكر من أنواع البهائم، لقوله: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ} }.

الفائدة الثانية: حكمة الله عزّ وجل فيما أحل لنا من الحلال وما حرم علينا من الحرام؛ لأنه ثبت طباً أن هذه الأشياء المحرمة ضارة، ولأجل ضررها حرمها الله.

الفائدة الثالثة والرابعة: تحريم الميتة إلا ما استثني، وتحريم الدم إلا ما استثني.

الفائدة الخامسة والسادسة : تحريم لحم الخنزير، وهل يلحق بذلك شحمه؟

الجواب: نعم بالإجماع، حتى الظاهرية يقولون: إن شحم الخنزير حرام؛ لأن اللحم عند الإطلاق يشمل جميع أجزاء البهيمة، أما لو قيل: لحم وشحم فإنه يفرق بينهما، فإذا قيل: لحم الإبل أو لحم الضأن أو لحم البقر أو لحم الخنزير صار شاملاً للجميع.

ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة أخرى وهي: أن لحم الإبل ينقض الوضوء، سواء كان اللحم الأحمر أو الأبيض أو من الأمعاء أو من الكرش، أو من أي جزء من أجزاء البدن، وهذا هو القول الراجح.

الفائدة السابعة: تعظيم الشرك، وأنه يؤثر حتى على المأكولات، لقوله: {{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} }.

الفائدة الثامنة: تحريم ما أهل لغير الله به سواء أهل باسم ملك أو نبي أو رئيس أو وطن أو غير ذلك؛ لعموم قوله: {{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} }.

الفائدة التاسعة: تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع.

الفائدة العاشرة: أن ما أدرك حياً ولم يمت من هذه الأشياء فإنه يكون حلالاً، لقوله: {{إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} } وسبق في التفسير متى يدرك وهل لا بد من حركته بيده أو رجله أو ذنبه أو عينه؟ وبينَّا أن القول الراجح أنه: إذا خرج منه الدم الأحمر السيال فهو حي.

الفائدة الحادية عشرة: تأثير النية في العمل، لقوله: {{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} } أي: للأصنام فإنه يكون حراماً حتى ولو ذكر اسم الله عليه، وذلك لتأثير النية وأن النية تؤثر حتى في حل الشيء وتحريمه.

الفائدة الثانية عشرة : تحريم الاستقسام بالأزلام، وهل يدخل في ذلك الاستقسام بغيرها؟

الجواب: نعم؛ لأنه مبني على وَهْمٍ وليس على حقيقة، لكنَّ الله أبدل العباد بالاستخارة، وأما الاستقسام بأي شيء فإنه لا يجوز، فلو أراد إنسان أن يستقسم فقال: إن ظهر عليَّ رجل بالغ سافرت، وإن ظهر عليّ صبي صغير لم أسافر، وما أشبه ذلك من الاستقسامات فهذا حرام ولا يجوز.

لو قال قائل: ما الفرق بين الاستقسام والتطير والقرعة؟

التطير يحصل بغير إرادة الإنسان، وأما الاستقسام بالأزلام فيحصل بفعل الإنسان، مثال التطير: إذا رأى طيراً اتجه عند طيرانه إلى جهة اليمين أو اليسار تطير، وعزم على الفعل أو على الترك، لكن الاستقسام يكون من فعله هو نفسه.

مثاله: اختلف صديقان هل يذهبان أم لا، وعندهم قطعة نقود حديدية فقالا: إن خرج هذا الوجه من العملة ذهبنا وإلا فلا، هذا من الاستقسام، فالمستقسم هو الذي جعل هذا الشيء سبباً، ففرق بين ما يُفعل بلا قصد وبين ما يفعل بقصد.

وأما القرعة فتكون في حق من الحقوق لا في الإيرادات، والمضي والرجوع.

الفائدة الثالثة عشرة : الإشارة إلى أن الاستقسام بالأزلام فسق، والغرض من ذلك التنفير منه.

الفائدة الرابعة عشرة : أن من استقسم بالأزلام سقطت ولايته وإمامته وعدالته؛ لأن الفاسق تسقط ولايته ولا يؤم ولا يكون عدلاً، فكل ما تشترط فيه العدالة فإن من استقسم بالأزلام لا يتولاه، لكن في مسألة الإمامة على القول الراجح لا بأس أن نصلي خلف إمام فاسق، لكن عندما نريد أن نقدم من يصلي لا نقدم إنساناً فاسقاً، لكن لنفرض أنه قد جمعك الحضور بين رجل حالق اللحية ورجل آخر غير حالق اللحية وأنت أيضاً غير حالق اللحية، فتقدم الحالق، هل من الحكمة أن تقول: تأخر؟

الجواب: لا، لما في ذلك من الشر والفساد، إلا إذا علمت أنك إذا فعلت فإنه سوف يتوب ويقلع فنعم، وإلا فلا تفعل، صلِّ وراءه، وفسقه على نفسه.

الفائدة الخامسة عشرة : أن المشركين أيسوا من تغيير الناس عن دينهم، لقوله تعالى: {{أَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} } ونظير هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب»[(23)].

ويرد على هذا إشكال وهو أن الشرك وقع، فيقال: إن هذا خبر عما كان في نفوس هؤلاء الكفار ولا يلزم أن يقع ما كان في نفوسهم بل قد تتغير الحال.

الفائدة السادسة عشرة : تحريم خشية الكفار التي يترتب عليها المداهنة في دين الله، لقوله: {{فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} }.

الفائدة السابعة عشرة : بيان نعمة الله على هذه الأمة ـ وله الحمد والمنة ـ بإكمال الدين لقوله: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} }.

الفائدة الثامنة عشرة : شرف ذلك اليوم الذي أُكمل فيه الدين؛ لأنه لولا ذلك لم يكن لقوله: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} } فائدة، لكن فيه الإشارة إلى شرف ذلك اليوم، ولكن هل نُشَرِّفُ ذلك اليوم بما لم يشرفه الله؟

الجواب: لا، ولكننا نقتصر على ما جاء في شرفه، ولهذا لما قال أحد اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الله أنزل آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، وتلا الآية، {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} } فقال عمر رضي الله عنه: إني أعلم متى نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذكر أنها نزلت يوم الجمعة في يوم عرفة[(24)]، ولكن الشأن كل الشأن أن لا نعظم ذلك اليوم بأكثر مما جاء، وإنما قلت ذلك درءاً لقول من قال: إنه ينبغي أن نشرف اليوم الذي ولد فيه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما سئل عن صوم يوم الاثنين قال: «ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه أو أنزل عليّ فيه» [(25)] قال: فكونه نص على أنه ولد فيه يدل على أن له شرفاً.

فيقال: الشَرَف يتلقى من الشرع، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر شرف اليوم الذي ولد فيه بوقته من الشهر، بل ذكر شرفه بوقته من الأسبوع، وهناك فرق بين هذا وذاك، وأيضاً لم يثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام ولد في اليوم الثاني عشر، وبعض المحققين المعاصرين ذكر أن ولادته في اليوم التاسع.

ثانياً : أن الشرف الذي يعطى لهذا اليوم الذي أنزل فيه القرآن على الرسول صلّى الله عليه وسلّم وولد فيه هو الصوم فقط، وبهذا جاءت السنة، وما سوى ذلك فلا، فلو أن أحداً أراد أن يكثر الصلاة في يوم الإثنين بناءً على أنه اليوم الذي ولد فيه الرسول عليه الصلاة والسلام وبعث فيه لقلنا: هذا خطأ.

الفائدة التاسعة عشرة : أن تمسكنا بالدين يجب أن نكون فخورين به لقوله: {{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} } فأضافه الله إلينا لنفخر به ونعتز به وندافع عنه، وبالنسبة لحال الناس اليوم كثير من المسلمين مع الأسف عكس ذلك، بل كثير من المسلمين يستحي أن يقول: إنه مسلم، وهذا ذل عظيم.

الفائدة العشرون والحادية والعشرون : أن الله عزّ وجل تفضل على عباده بإتمام النعمة، لقوله: {{وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} } ويتفرع على ذلك أنه عزّ وجل يثني على نفسه بما أنعم به من أجل أن يتحبب لعباده بنعمه، ولهذا جاء في الحديث: «أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم» [(26)] وهذا هو الموافق للفطرة، أن أي إنسان يحسن إليك فإنك سوف تحبه، هذا وهو مخلوق مثلك فكيف بالخالق عزّ وجل.

الفائدة الثانية والعشرون: أن ما خالف ما جاءت به الشريعة فهو غير مرضي عند الله ولا مقبول، لقوله: {{وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} } وهذا يشمل الدين كله الأصول والفروع التي تكون بزعم الفاعل من الدين، فمثلاً: هل رضي الله لعباده الكفر؟ الجواب: لا، وهل رضي لعباده أن يبتدعوا في دينه ما ليس منه؟ الجواب: لا، فقوله: {{وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} } يعني: بأصوله وفروعه وجملته وجزئه.

الفائدة الثالثة والعشرون : رحمة الله عزّ وجل بعباده حيث أباح لهم المحرم عند الضرورة، وهناك آية تعتبر قاعدة في جميع المحرمات وهي قوله تبارك وتعالى: {{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}} [الأنعام: 119] هذه الآية التي تلوتها أخيراً أعم؛ لأن الآية التي في سورة المائدة {{فَمَنِ اضْطُرَّ} } أي: إلى ما ذُكِرَ، وليأكل منها، وأما قوله تعالى: {{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}} [الأنعام: 119] فهو عام شامل.

بقي أن يقال: لو اضطر الإنسان إلى شرب الخمر للعطش.

نقول: إن اندفعت ضرورته بذلك فلا بأس؛ لأن الآية ليس فيها استثناء، لكن العلماء يقولون: إنه لا يمكن أن تندفع ضرورته بشرب الخمر؛ لأنه لا يزيده إلا حرقاناً وعطشاً، ولذلك لو اضطر إلى دفع لقمة غَصَّ بها وعنده كأس من الخمر فهنا يجوز أن يشرب ما يدفع به اللقمة، لأنَّ الضرورة تندفع به.

لو قال قائل: ما الفرق بين الضرورة والحاجة؟

الجواب: الحاجة من باب الكماليات، والضرورة من باب دفع الضرر، مثال ذلك: إنسان عليه ثوب يقيه البرد ولو خلعه لضره البرد، فلبس عليه ثوباً آخر هو بالنسبة للثوب الأول حاجة والأول ضرورة؛ لأنه إذا لم يلبسه تضرر من البرد، والفرق بينهما ظاهر، المهم أنه لا يبيح المحرمات إلا الضرورة، وأما المكروهات فتبيحها الحاجة.

لو قال قائل: بعض الأصوليين يفرقون فيقولون: ما كان حراماً لذاته لا يجوز ارتكابه إلا للضرورة، وما كان حراماً لغيره يجوز للحاجة، ما رأيكم في هذا التوجيه؟

الجواب: ليس بصحيح؛ لأن ما حُرِّمَ لغيره كالذي يحرم لذاته بالنسبة لوجوب تجنبه.

الفائدة الرابعة والعشرون : إعمال النية وتأثيرها في الأعمال، لقوله: {{غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} }.

الفائدة الخامسة والعشرون: أنه يجب التحرز في انتهاك المحرم، وألا تغلبه نفسه وهواه حتى يتجانف، يعني: يميل إلى الإثم، بل عليه أن يتحرى، وهل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يأكل من الميتة وما ذُكِرَ في الآية إلا بقدر ما يسد الرمق أو له أن يشبع؟

الجواب: الأول، إلا إذا علم أنه لن يجد ما يأكله، وليس معه ما يحمل الميتة فيه، فحينئذٍ يضطر إلى أن يشبع ويحمل معه في معدته، معها سقاؤها وحذاؤها، لكن إذا كان يعلم أنه سيصل إلى ما يأكله قبل أن تدركه الضرورة مرة أخرى، فلا يجوز أن يأكل أكثر من ضرورته.

الفائدة السادسة والعشرون : أخذ الأحكام من أسماء الله عزّ وجل، وذلك لأن أسماء الله ولاسيما المتعدية لا بد أن يكون لها أثر، وقد تقدم أن الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بإثبات اسماً من أسماء الله وإثبات ما تضمنه من صفة، وإثبات الأثر، وجه ذلك قوله: {{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} }.

والعلماء رحمهم الله يأخذون الأحكام من مثل هذا التعبير، مثل قوله تعالى: {{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [المائدة: 34] يعني: إذا تاب قطاع الطريق قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد.

ويذكر أن أحد الأعراب سمع قارئاً يقرأ قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ}} وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال الأعرابي: أخطأت، أعد الآية، فأعادها وقال: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ}} وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال: أخطأت أعدها، فأعادها فأدركها في المرة الثالثة وقال: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ}} [المائدة: 38] قال: الآن أصبت؛ لأنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع. انظر إلى الفهم، وهذا لا شك فيه.

الفائدة السابعة والعشرون : إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة وما تضمناه من أثر؛ لأن الغفور يتعدى وكذلك الرحيم.

* * *

قال الله تعالى: {{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *}} [المائدة: 4] .

قوله: {{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} } {{يَسْأَلُونَكَ} } الفاعل هم الصحابة، والصحابة لا يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام إلا عن شيء ينفعهم، إما في الدين وإما في الدنيا، وأيضاً لا يسألون إلا عما هو مشكل عليهم، وقد ذكر الله تعالى في القرآن حوالي اثني عشر موضعاً من سؤال الصحابة له، فهل أجابهم الرسول؟ الآية تدل على أنه لم يجبهم، بدليل أن الله قال له: {{قُلْ} } يعني: فيه جوابهم، {{أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} } إلى آخره.

واعلم أن السؤال تارةً يُراد به سؤال المال، وتارةً يراد به الاستفهام، فإذا أريد به سؤال المال نصب مفعولين، وإذا أريد به الاستفهام نصب مفعولاً واحداً، ثم عُدي إلى الثاني بـ«عن»، فإذا أردت أن تسأل رجلاً درهماً تقول: أسألك درهماً، ومنه قول الله تعالى: «من يسألني فأعطيه» [(27)] أي: من يسألني شيئاً، فالمفعول الثاني محذوف لدلالة السياق عليه، وإذا أردت أن تسأل عن ضالة ضاعت منك تقول: أسألك عن ضالتي، وتقول: سألني فلان عن المسألة الفلانية، فيتعدى كما تقدم إلى المفعول الثاني بـ«عن».

فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: {{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ *}} [المعارج: 1] ؟

الجواب: عن ذلك مختلف فيه بين العلماء:

فمن قال: إن الفعل إذا تعدى إلى مفعوله بحرف جرت العادة أنه يتعدى به، فالأمر واضح، وإن تعدى الفعل إلى مفعوله بحرف لم تجرِ العادة أنه يتعدى به فهنا اختلف النحويون: هل يُفَسَّر الحرف بما يناسب الفعل، أو يفسر الفعل بما يناسب الحرف، أي يُضمن معنى يناسب الحرف، قال الله تعالى: {{عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ}} [الإنسان: 6] يشرب بها عباد الله، والذي يناسب (يشرب) «منها»، كما قال تعالى: {{فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ}} [البقرة: 249] لكن جاءت الآية يشرب بها.

فعلى القول بأن الحرف يكون بمعنى الحرف المناسب للفعل نقول: الباء في قوله: {{يَشْرَبُ بِهَا}} بمعنى «من».

وعلى القول الثاني: نلتمس معنى يناسب الباء، والفعل الذي يناسب الباء هو «يروى»، فنضمن الفعل يشرب معنى يروى، وحينئذٍ يكون التقدير عيناً يروى بها عباد الله، والثاني أبلغ؛ لأن الري يستلزم الشرب ولا عكس، وحينئذٍ يكون التجوز بالفعل أقوى؛ لأنه يتضمن الفعل الذي يتعدى إلى هذا الحرف وزيادة، وهذا مذهب نحاة البصرة وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله في مقدمة التفسير.

نرجع إلى الآية {{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ *}} [المعارج: 1] من قال: إن التجوز بالحرف يقول: «الباء» هنا بمعنى «عن»، ومن قال: التجوز بالفعل قال: سأل هنا ضُمنت بمعنى الجواب، أي: سأل سائل فأجيب بعذاب واقع، وهذا أصح كما تقدم.

قوله: {{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} } هذا سؤال علم، {{مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} } «ذا» هنا بمعنى «الذي»، قال ابن مالك رحمه الله:

ومثل ما ذا بعد ما استفهامِ***............................

أي: مثل صيغ العموم الموصولة «ذا» بعد ما استفهام، أي: بعد «ما» الاستفهامية، أي: ما الذي أحل لهم، ونائب الفاعل يعود على «ما» والمحلل هو الله جلَّ وعلا.

قوله: {{قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} } أي: أحل لكم الأطعمة الطيبات، قال الله تعالى في وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم: {{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}} [الأعراف: 157] ومعنى الآيتين ـ والله أعلم ـ: أن كل ما أحله الله فهو طيب، وكل ما حرمه فهو خبيث، وليس كل خبيث يكون حراماً بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ولم يحرمها[(28)].

قوله: {{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ} } يعني: وأحل لكم ما صاده ما علمتم من الجوارح، والجوارح جمع جارحة وهي الكاسرة.

قوله: {{مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} } أي: معلمين لهن تعلمونهن مما علمكم الله، ويحتمل أن يكون {{مُكَلِّبِينَ} } أي: جارحين، يعني: أن هذه الكواسر تجرح ما أمسكت، {{تُعَلِّمُونَهُنَّ} } أي: الجوارح، {{مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} } أي: في كيفية الصيد.

قوله: {{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} } كلوا، يعني: على وجه الإباحة، والأمر هنا للإباحة {{مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} } و«من» هنا بيانية، والبيانية مثل أن تقول: خاتم من حديد، وليست «من» هنا تبعيضية، ومن قال بذلك قال وجه كونها تبعيضية: لأن الصيد لا يؤكل كله، فالآية خصت ما يؤكل منه، وأما ما لا يؤكل فإن شئت فقل الجلد وإن شئت فقل الريش.

وقوله: {{أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} } أي: «لكم»، ونقول في قوله تعالى: {{مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} } ما تقدم، أي: مما أمسكن مضموماً إليكم، أو {{مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} } يعني: محملاً عليكم أو ما أشبه ذلك، هذا على القول بتضمين الفعل، وأما على القول بأن المجاز بالحرف تكون «على» بمعنى «اللام»، أي: مما أمسكن لكم.

قوله: {{وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} } اذكروا اسم الله عليه عند الأكل أو عند إرسال الجارحة، والسنة دلت على أنه يسمي إذا أرسل الجارحة[(29)]، والقرآن دل على أنه يسمي إذا أمسكه وكذلك إذا أراد أن يأكل فإنه يسمي، فتكون التسمية على الأكل، والتسمية على الإرسال.

قوله: {{وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} } «اتقوا» أي: اتخذوا وقاية من عذابه؛ وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

وقوله: {{إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} } هذه جملة خبرية مؤكدة بـ{{إِنَّ} } والغرض منها التخويف من اجتناب التقوى، وأن من لم يتقِ الله، فـ {{إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} } أي: إن الله تعالى سيحاسبكم على أعمالكم، وقوله: {{سَرِيعُ الْحِسَابِ} } يتضمن سرعة التنفيذ من وجه، وسرعة الوقت من وجه آخر، أما سرعة الوقت فما أسرع الدنيا تمضي سريعاً وإذا بالإنسان قد انتهى، وأما سرعة التنفيذ فإن الله تعالى يحاسب الخلائق يوم القيامة على كثرتهم يحاسبهم في نصف يوم[(30)]، لقول الله تعالى: {{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً *}} [الفرقان: 24] .

فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم لقوله: {{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} }، ومن هنا نعرف أن ما لم يسأل الصحابة عنه مما يرد السؤال عنه في عصرنا من أمور الغيب فالسؤال عنه بدعة؛ لأننا نعلم أنه لو كان هناك خير في العلم به لألهم الله الصحابة أن يسألوا عنه حتى يتبين الأمر.

الفائدة الثانية: أن الإحلال والتحريم ليس إلى العباد، بل هو إلى الله عزّ وجل، وقد حذرنا الله عزّ وجل من أن نحلل أو نحرم بأهوائنا فقال: {{وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}} [النحل: 116] .

الفائدة الثالثة: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يستقل بالتحليل أو التحريم، وجه ذلك: أن الرسول لم يجبهم ولكن الله تعالى أجابهم، وقد صرح النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك حيث قال للصحابة: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مساجدنا، فذهب الصحابة يقولون: حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال لهم: إنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنني أكره ريحها»[(31)].

الفائدة الرابعة والخامسة: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طـيـب، نـافـع للـبـدن ونـافـع للقلب ونافع للفرد ونافع للمجتمع، لقوله: {{أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} } وأيضاً نأخذ من المفهوم أن كل ما حرمه الله فهو خبيث.

الفائدة السادسة: إحلال ما اقتنصته الجوارح، فما هي الجوارح، وهل كل جارح يمكن أن يؤكل ما صاده؟ نقول: نعم، كل جارح، لكن بشرط أن يكون معلماً، وأكثر ما يقبل التعليم الكلاب، وهي للزواحف، ثم الصقور وهي للطائر، فإذا كان من الكلاب فلا بد أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، هذه ثلاثة شروط : يسترسل إذا أرسل، يعني إذا رأيت الصيد وأرسلته استرسل، وكذلك ينزجر إذا زجر، يعني: إذا زجرته ليقف وقف؛ لأنه لو تجاوز وأنت أمرته أن يقف فمعناه أنه صاد لنفسه. الثالث: إذا أمسك لم يأكل، فإن أكل فهو دليل على أنه إنما أمسك على نفسه، والله أعلم.

الفائدة السابعة: أن من الحيوان ما يقبل التعليم، لقوله: {{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} }.

الفائدة الثامنة: فضيلة العلم؛ لأن الله تعالى فرق بين صيد ما ليس بمعلم وما كان معلماً، فأحل الثاني ولم يحل الأول، وهذا يدل على فضل التعليم حتى في الحيوانات.

الفائدة التاسعة: وجوب ذكر اسم الله تعالى عند إرسال الجارحة، لقوله: {{وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} } وهذا على أحد الاحتمالات في الآية؛ لأن هناك احتمالاً آخر، وهو: أن المعنى {{وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} } عند أكله، ومعنى ثالث: وهو اذكروا اسم الله عليه إذا أدركتموه حياً قبل أن يقتله الجارح، وكل هذه محتملة في الآية فتحمل عليها جميعاً.

الفائدة العاشرة: بركة ذكر اسم الله، وشواهد هذا كثيرة منها: حل الذبيحة، وحل الصيد، وتمام الطهارة في الوضوء، وأن البركة تنزل في الطعام، وأن الحمل يوقى إساءة الجن والشياطين، المهم أن بركة اسم الله تعالى كثيرة ولها شواهد كثيرة.

الفائدة الحادية عشرة: أن ظاهر الآية إباحة ما صاده الجارح سواء جرح أم لم يجرح، وهذا مبني على أن المراد بالجوارح الكواسر، أما إذا قلنا: إن الجوارح جمع جارح وهو الذي يجرح الشيء فحينئذٍ لا بد من أن يُنهِر الدم، ويتبين ذلك بالمثال:

فلو جاء الكلب بالصيد مخنوقاً ليس فيه أي جرح ولم يخرج منه أي دم فهل يباح أو لا؟

الجواب: إن قلنا: إن المراد بالجوارح الكواسر فهو مباح، وإذا قلنا: إن المراد بالجوارح الجارحات اللاتي يجرحن الجلد ويخرج منه الدم فإنه لا يباح، والمسألة فيها خلاف بين العلماء:

منهم من يقول: إنه يشترط أن يجرح الكلب فإن لم يجرح فلا يحل، واستدل هؤلاء بعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل»[(32)].

ومنهم من قال: إن الجوارح هن الكواسر، وأن كل ما أمسكنه على صاحبهن فإنه حلال سواء جرح أم لم يجرح، ولا شك أن الاحتياط تركه، لكن التحريم فيه نظر، يعني: الاحتياط إذا جاء لك الكلب بصيد لم يُجرح أن تتركه، ولكن كوننا نجزم بالتحريم لا نجزم به لعموم قوله تعالى: {{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} }.

الفائدة الثانية عشرة : قطع ما يوجب الإعجاب بالنفس؛ لأن قوله: {{تُعَلِّمُونَهُنَّ} } فيه إسناد التعليم إلى البشر، فقد يزهى الإنسان بنفسه ويغتر ويعجب فلهذا قال الله عزّ وجل: {{مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} } إشارة إلى أن علمك الذي تعلمه إياهن مصدره من عند الله عزّ وجل.

الفائدة الثالثة عشرة : أن العلم لا يختص بالعلوم الشرعية، بل علم كل شيء بحسبه، فالعلم هنا ليس هو العلم بالأحكام الشرعية وأن هذا واجب وهذا حرام وما أشبه ذلك، لكنه علم يختص بتعليم الجوارح كيف يصدن، فيكون في هذا دليل على أن العلم يختص بما يقتضيه السياق، وكل شيء بحسبه.

الفائدة الرابعة عشرة : سعة رحمة الله عزّ وجل، حيث أباح لنا ما ذكيناه بأيدينا وما ذكيناه بواسطة، أي: واسطة الجوارح، وهذا لا شك أنه من توسيع الله لنا في الرزق.

الفائدة الخامسة عشرة : أن المشقة تجلب التيسير؛ لأنه لما كان يشق على الإنسان أن يصطاد الصيد بنفسه في كل وقت وحين لأن المصيد ربما يكون مثلاً في جبال أو في سهول أو في أودية ولا يستطيع أن يصيده بنفسه رخص له أن يصيد بجارحة، وهذا من توسعة الله عزّ وجل على عباده في أسباب الرزق.

الفائدة السادسة عشرة : وجوب ذكر اسم الله تعالى، ومنه ذكر اسم الله عند إرسال الصيد، فإن نسي فإنها لا تحل، لعموم قول الله تعالى: {{وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}} [الأنعام: 121] ؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل ذكر اسم الله شرطاً، والشرط لا يسقط بالسهو، وهذا هو القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو مقتضى الأدلة.

وقال بعض العلماء: إنها ـ أي: التسمية ـ تسقط بالسهو، لعموم قول الله تعالى: {{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}} [البقرة: 286] فقال الله عزّ وجل: قد فعلت[(33)]، لكننا نقول: إن هذا الذي لم يذكر اسم الله على الذبيحة أو على الصيد إذا نسي فهو معذور ولا يؤاخذ، ولو تعمد ترك التسمية وذبح أو صاد كان بذلك آثماً؛ لأن فيه إضاعة مال، وفيه نوع من الاستهزاء بآيات الله، لكن النظر الآن ليس في الذابح أو الصائد، النظر الآن في الآكل، نقول: لمن أراد أن يأكل من هذا الصيد الذي لم يذكر اسم الله عليه: هذا الصيد لم يذكر اسم الله عليه، وقد نهيت أن تأكل منه فإن أكل ناسياً فلا شيء عليه؛ لأن المسألة هنا لها جهتان، جهة الصائد أو الذابح وجهة الآكل، وكلاهما لا يؤاخذ بالنسيان، لكن إذا كان الذابح أو الصائد ناسياً فإنه لا يؤاخذ ثم يتوجه المنع إلى الآكل، ويقال له: لا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وزعم من زعم أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه الميتة زعم خاطئ؛ لأن الله تعالى ذكر تحريم الميتة صريحاً، فقال: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} } ولو أراد الله تعالى ذلك لقال: ولا تأكلوا الميتة، وعلى هذا فما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو الحق.

لكن ذكر ابن جرير في تفسيره أن الإجماع منعقد على أن متروك التسمية نسياناً حلال، وتعقبه ابن كثير رحمه الله، وقال: إن ابن جرير ممن لا يعتد بقول الواحد والاثنين في نقض الإجماع، وهو خلاف ما عليه العلماء، والصواب أن الإجماع لا بد أن لا يوجد له مخالف حتى ينعقد، فإن وجد مخالف ولو واحداً من الفقهاء المجتهدين فلا إجماع.

الفائدة السابعة عشرة : وجوب تقوى الله عزّ وجل لقوله: {{وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} }.

الفائدة الثامنة عشرة : الإشارة إلى أن من أكل ما لم يحلله الله فهو غير متقي لله.

الفائدة التاسعة عشرة والعشرون : أن الله تعالى سريع الحساب، ومن ذلك ما ذكرناه في التفسير أن المراد بذلك سرعة لقاء الله عزّ وجل وذلك بالموت، وسرعة فصل الله بين العباد وذلك يوم القيامة، فإن الله يفصل بين الناس ويحاسبهم في نصف يوم، بدليل قوله الله تعالى: {{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً *}} [الفرقان: 24] .

فإن قال قائل: سرعة الحساب من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟

قلنا: هي من الفعلية؛ لأن المحاسبة فعل يتعلق بمشيئته، وعلى هذا فيكون فيه إثبات الصفات الفعلية لله عزّ وجل.

الفائدة الحادية والعشرون : إثبات الحساب، لقول الله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} }.

* * *

قال الله تعالى: {{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *}} [المائدة: 5] .

قوله: {{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} } {{الْيَوْمَ} }، يحتمل المراد بذلك ما قبل اليوم ما سوى الزمن الماضي، أو اليوم الحاضر الذي هو اليوم المعين.

وقوله: {{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ} } من أحلها؟ أحلها الله عزّ وجل، فحذف الفاعل للعلم به، كما في قوله: {{وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}} [النساء: 28] فالخالق هو الله عزّ وجل وهو معلوم، والمحلل والمحرم هو الله وهو معلوم، ولذلك حذف الفاعل في الخلق وهو أمر كوني، وفي الشرع وهو في الحلال والحرام، وعلى هذا فمن كان معلوماً بالتحليل أو التحريم أو الإيجاد أو الإعدام فلا حرج أن يحذف ويبنى الفعل لما لم يسمَّ فاعله.

قوله: {{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ} } أي: أحل الله الطَّيِّبَاتِ، والطيبات هي ضد الخبائث، قال الله تعالى: {{قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ}} [المائدة: 100] فما هو ميزان الطيب، أهو في ذوق كل إنسان أم في عادات الناس، أما ماذا؟ نقول: المرجع في ذلك إلى ما جاءت به الشريعة، فما أحلته الشريعة فهو طيب، وما حرمته فهو خبيث.

فإن قال قائل: ما هو الأصل في الأطعمة؟

الجواب: الحل، والدليل قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}} [البقرة: 29] إذاً الأصل الحل، فإذا ادعى مدعٍ أن هذا الشيء حرام من طير أو زاحف أو غيرهما قلنا له: ما الدليل على ذلك؟ فما أحله الله فهو طيب بلا شك.

قوله: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} } طعام الذين أوتوا الكتاب يعني: اليهود والنصارى، وليس المراد كل ما يطعموه من حب وثمر، بل المراد كل ما يطعمون من لحم، ثم أيضاً: ليس المراد كل ما يطعمون من لحم إذا كان لا تشترط له الذكاة؛ لأن ما لا تشترط له الذكاة حلال بدون فعلهم، والحبوب والثمار حلال بدون فعلهم، فليس من طعامهم الخاص، ولا يمكن أن يقول الله تعالى: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } والمراد به هذا الطعام الذي لكل أحد.

فلو كان أهل الكتاب لا يأكلون إلا الشعير، فهل حِل الشعير لنا مأخوذ من هذه الآية؟

الجواب: لا؛ لأن هذا ليس من خصائصهم ولم يكن إحلاله متوقفاً على فعلهم، بل الذي يتوقف إحلاله على فعلهم هي الذبائح، ولهذا فسر ابن عباس رضي الله عنهما طعامهم بذبائحهم، وعليه فيكون المراد بطعام الذين أوتوا الكتاب هي ذبائحهم، أي: ذبائح اليهود والنصارى.

وظاهر الآية الكريمة: أنه لا فرق بين أن يكونوا قد بدلوا وحرفوا أم التزموا بشرائعهم للعموم، ولأن هذه الآية في نفس السورة التي حكى الله عنهم أنهم يقولون: {{إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}} [المائدة: 73] .

وقوله: {{وَطَعَامُكُمْ} } أي: ما ذبحتموه، {{حِلٌّ لَهُمْ} } الأطعمة قسمان: طعام لا يتوقف حله على فعل آدمي، فهذا حل للجميع، كمن وجد سمكة ميتة على شاطئ البحر فهي حلال وليأكلها، وهي حلال سواء كانت طعام أهل كتاب أم طعام غيرهم.

وطعام يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حرام من غير أهل الكتاب وهو الحيوان الذي يحتاج إلى ذكاة أي: يتوقف على ذبح الإنسان، فإن ذبحناه فهو حلال لهم، وإن ذبحوه فهو حلال لنا.

قوله: {{وَالْمُحْصَنَاتُ} } المحصنات فيها قراءتان: «المحصِنات» بكسر الصاد على أنها اسم فاعل، وبفتحها على أنها اسم مفعول، يعني: وأحل لكم المحصنات، فعليه تكون معطوفة على قوله: { 1 {الطَّيِّبَاتُ} }.

قوله: {{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} } المحصنات من المؤمنات هن الحرائر، حلال لنا، ويحتمل أن يراد بذلك العفيفات، فأما الأول فيؤيده قول الله تبارك وتعالى: {{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}} [النساء: 25] فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر بلا إشكال، وأما الثاني وهو أن المراد بذلك العفائف أو العفيفات فيؤيده قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}} [النور: 23] وقوله: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}} [النور: 4] فالمراد بهن هنا العفيفات عن الزنا.

ولكن الذي يبدو أن المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والآية محتملة، ليس فيها ما يدل على هذا ولا على ذاك، قوله: {{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} } يعني: الحرائر، وأما المملوكات فلا يحل للإنسان أن يتزوجهن إلا بشروط سبقت في سورة النساء.

وقوله: {{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} } المحصنات الحرائر، أو العفيفات على الخلاف {{مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} } لكن بشرط {{إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} } اشترط الله تعالى لحل المحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب إيتاء الأجور، وهي المهور التي تبذل عوضاً عن الاستمتاع بالمرأة، ولهذا سماه الله تعالى أجراً؛ لأن الأجر ما يؤخذ في مقابلة عوض.

قوله: {{إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ} } أي: أعطيتموهن، {{أُجُورَهُنَّ} } أي: أجور هؤلاء المحصنات وهي المهور.

قوله: {{مُحْصِنِينَ} } حال من الواو في قوله: {{آتَيْتُمُوهُنَّ} } يعني: حال كونكم محصنين، أي: طالبين الإحصان، أي: إحصان فرج المرأة وفرج الرجل؛ لأن الزواج يحصل به إحصان فرج الزوج والزوجة.

قوله: {{مُسَافِحِينَ} } أي: غير معلنين بالزنا.

قوله: {{وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} } أي: مختفين بالزنا، وعلى هذا فيكون الوطء ثلاثة أقسام:

الأول : ما كان حلالاً بالصداق.

والثاني : ما كان علناً بالعهر والفجور.

والثالث : ما كان خفياً بالعهر والفجور.

والذي يحل الأول وهو الذي يتزوجها محصناً غير مسافح ولا متخذ أخدان.

وقوله: {{أَخْدَانٍ} } أي: أصدقاء، والخدن يطلق على الصديق من رجل أو امرأة، ولهذا قال الله تعالى في سورة النساء: {{وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}} [النساء: 25] وفي هذه الآية قال: {{وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} } فدل ذلك على أن الخدن يكون في الرجال ويكون في النساء.

قوله: {{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} } هل الإيمان شيء يكفر به ولا يكفر به، أو الإيمان ضد الكفر؟ الإيمان ضد الكفر، لكن المراد بالإيمان هنا أي: بمقتضيات الإيمان من التزام الشريعة؛ لأن الله تعالى ذكر هنا محللات ومحرمات، فمن أخذ بها وقام بها فهو مؤمن، ومن لم يأخذ بها فليس بمؤمن.

إذاً: قوله: {{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ} } أي: بما يقتضيه الإيمان من الالتزام بأحكام الإسلام {{فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} } أي: بطل، وتلف، وذهب.

و«عمل»: مفرد مضاف فيشمل كل الأعمال؛ لأن الردة تحبط الأعمال، إلا أنه يشترط أن يموت الإنسان على ردته ـ والعياذ بالله ـ لقول الله تعالى: {{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}} [البقرة: 217] .

قوله: {{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}} [الزمر: 15] وقال تعالى: {{أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}} [التوبة: 69] .

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أن الإحلال والتحريم إلى الله عزّ وجل، وليس لأحد أن يحلل أو يحرم لقوله: {{الْيَوْمَ أُحِلَّ} } وهذا بإجماع المسلمين، حتى إن الله تعالى قال: {{وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}} [النحل: 116] وقد تقدم أن الأصل في العبادات التحريم والمنع إلا بدليل، والأصل في غيرها الحل، وكلام الأصوليين حول هذا الموضوع: وما الأصل في الأشياء قبل الشرع وما أشبه ذلك كله كلام ليس فيه فائدة إلا تسويد ما ابيض من الصحف؛ لأنه كلام جدلي لا فائدة منه؛ لأن لدينا من كتاب الله ومن سنة رسوله ما يغني عن كل هذه المباحث التي ذكروها وأطالوا فيها.

نقول عندنا قاعدتان مهمتان: أن الأصل في العبادة المنع أصلاً ووصفاً إلا بدليل، والأصل في غير العبادات مطلقاً من عادات ومعاملات وأعيان ومنافع وغيرها الأصل فيها الحل، إلا ما دل الدليل على التحريم، والأدلة على ذلك ذكرناها سابقاً، ولا حاجة للإعادة.

الفائدة الثانية: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طيب، ولكن هذا الطيب هل هو حلال لكل أحد؟

الجواب: إن تضمن ضرراً على بعض الناس كان حراماً وإن كان طيباً، فإذا قيل لشخص: إنك إذا أكلت هذا النوع من الطعام فإنه يضرك، صار في حقه حراماً، لا لأنه خبيث ولكن لأنه ضار لهذا الشخص المعين.

الفائدة الثالثة: أن طعام اليهود والنصارى حلال لنا، لقوله: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} }، وهل غيرهم كذلك؟

الجواب: لا، وأخطأ من قال: إن قوله: {{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } إنه لقب، بل نقول: إنه وصف، والوصف يخرج ما سواه ممن لم يتصف به، فـ{{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } اسم المفعول منها «وطعام المؤتون الكتاب»، وإذا أتيت باسم مفعول منها صارت صفة مشتقة، لا لقباً؛ لأن اللقب معروف أنه ليس له مفهوم، فإذا قلت لك: أكرم زيداً، فليس المعنى لا تكرم غيره؛ لأن هذا لقب، لكن إذا قلت: أكرم المجتهد؛ صار وصفاً، يعني لا تكرم المهمل فيخرج من ليس بمجتهد، لكن من العلماء ولا سيما المتأخرون من قال: إن قوله: {{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } لقب وليس بوصف، من أجل أن يتذرعوا إلى حل طعام غير اليهود والنصارى؛ لأن اللقب كما هو معروف عند الأصوليين ليس له مفهوم.

على كل حال: من فوائد هذه الآية حل طعام الذين أوتوا الكتاب، وهم اليهود والنصارى.

الفائدة الرابعة: أن من سوى اليهود والنصارى لا تحل ذبيحتهم، كالمجوس والوثنيين والشيوعيين والمشركين ومن أشبههم، وجه ذلك: نأخذه من مفهوم الذين أوتوا الكتاب.

الفائدة الخامسة: حكمة الله عزّ وجل في تحليل طعام الذين أوتوا الكتاب؛ لأن الذين أوتوا الكتاب عندهم علم سماوي، فهم من أقرب الناس إلى قبول الشريعة الإسلامية، ولا شك أن أحوال أهل الكتاب تغيرت بعد نزول القرآن الكريم، تغيرت تغيراً كبيراً، فصار بين المسلمين واليهود وبين المسلمين والنصارى حروب عظيمة طاحنة، أدت إلى استكبار هؤلاء اليهود والنصارى وعدم قبولهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.

الفائدة السادسة: أن ما عَدَّه أهل الكتاب ذكياً فهو ذكي؛ لأنهم إذا عدوه ذكياً صار طعاماً، وليس الذكي هنا بمعنى الفطن، بل المراد بالذكي المُذكى، فما عدُّوه ذكياً فهو طعام لهم.

وبناءً على ذلك: يحل من طعامهم ما ذكروا اسم غير الله عليه، يعني: لو قال النصراني: باسم المسيح، وقال اليهودي: باسم عزير أو ما أشبه ذلك فالذبيحة حلال؛ لأنهم يعتقدون هذا طعاماً، والله عزّ وجل أطلق فقال: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} }.

ومن ذلك أيضاً: أن ما عدوه ذكياً من الموقوذ فهو حلال، والموقوذ كما تقدم الذي قتل بغير إنهار الدم، بالصعق وشبهه، فإنه حلال؛ لأن الله تعالى قال: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } فما عدوه طعاماً مذكى يأكلونه فإنه حلال.

فإذا قال قائل: هل ذهب إلى هذا أحد؟

نقول: أما ما ذكروا عليه اسم المسيح فقد ذهب إليه بعض السلف من الصحابة وغير الصحابة، وقالوا: إن هذا لا يعود إلى ذات المذكى أو إلى خبثه، إنما يعود إلى القصد، ونحن لا يهمنا قصده.

وأما الثاني وهو أن الذكي عندهم ما مات ولو بخنق، فقالوا: إن الآية مطلقة، لكن ما علمنا أن أحداً من السلف قال به، إلا أن المتأخرين الذين قالوا به، قالوا: إذا كان بعض السلف أجازوا ما ذكر اسم غير الله عليه فهذا مثله؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل ذكر اسم الله على الذبيحة وإنهار الدم قرينين في حكم واحد، فقال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل»[(34)].

لكن جمهور العلماء يقولون: إن هذا الإطلاق في طعام الذين أوتوا الكتاب يجب أن يقيد بقوله تعالى: {{وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}} [الأنعام: 121] وقوله: {{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}} [الأنعام: 118] ويقيد أيضاً بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» [(35)] وإذا كان هذان القيدان مقيدين لإطلاق حل ذبيحة المسلم فتقييدهما لحل ذبيحة غير المسلم من باب أولى، وإذا كان المسلم لو خنق الشاة مثلاً صارت حراماً، فكذلك الكتابي، إذ لا يمكن أن تكون مقتولة الكتابي أفضل من مقتولة المسلم، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء وهو الصحيح.

فالصحيح أن قوله: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } وإن كان مطلقاً فإنه يجب أن يقيد بما ورد من تقييد ذلك بذكر اسم الله على الذبيحة وإنهار الدم.

ولكن إذا أتتنا ذبيحة من يهودي أو نصراني ونحن لا ندري أَذَكَرَ اسم الله عليها أم لا، أخنقها ثم قطع رقبتها أم لا، فالأصل الحل، لما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها «أن قوماً أتوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، قال: سموا أنتم وكلوا، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر» [(36)] يعني: أسلموا قريباً، والمسلم قريباً قد يخفى عليه كثير من أحكام الإسلام، ومع ذلك قال: «سموا أنتم وكلوا»[(37)].

قال صاحب المنتقى رحمه الله: يؤخذ من هذا أن كل فعل صدر من أهله فالأصل الحل، ولا تنقب، ولو كلفنا أن ننقب لكان حتى الذي يأتينا في أسواقنا مما ذبحه المسلمون يجب أن نسأل: هل الذابح سمى أو لا، هل قطع الأوداج أو لا، هل هو يصلي أو لا؟ وما أشبه ذلك.

ولو أننا كلفنا أن ننقب لكان الرجل إذا باع علينا الثوب قلنا تعالَ من أين ملكته؟ لاحتمال أن يكون قد سرقه، فإذا قال: ملكته من فلان، فنذهب إلى فلان فنقول له: من أين ملكته؟ لاحتمال أن فلاناً سرقه، إلى أن نصل إلى الشجرة التي نسج منها، وهذا شيء لا يمكن أن يطاق.

على كل حال: الأصل في الفعل الواقع من أهله الحل.

لكن لو ادعى مدعٍ أن المراد بقوله: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } ما طبخوه من خبز ومرق وما أشبه ذلك، هل يقبل؟

الجواب: لا؛ لأن هذا حل من أهل الكتاب ومن غيرهم بالإجماع، حتى لو أن مجوسياً صنع لنا خبزاً نأكله، وذلك أن المحللات كما تقدم تنقسم إلى قسمين:

الأول : ما لا يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حلال من الكتابي وغير الكتابي.

الثاني : ما يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حرام من غير أهل الكتاب، وقد تقدم هذا في التفسير.

لو قال قائل: إذا علم الإنسان أن لحم أهل الكتاب حرام لكونه ميتة أو لكونه ذبحه من لا تحل ذبيحته، أو لكون الذابح لم يذبحه على الطريقة المشروعة، فهل يخبر الناس أم يسكت؟

الجواب: يجب عليه أن يخبر، وقد ذكر العلماء رحمهم الله مثل ذلك فقالوا: يجب على من علم أن الماء النجس أن يخبر من أراد أن يستعمله، وكذلك لو رأيت إنساناً يريد أن يأكل شيئاً مضراً يجب عليك أن تخبره أنه ضار، هذا من باب النصيحة.

لو قال قائل: إن الدجاج الذي يرد من أوروبا إلى البلاد الإسلامية مذبوح على غير الطريقة الإسلامية، وقد ذهب نفر من التجار إلى بعض البلاد الأوروبية وتأكدوا من ذلك؟

الجواب: هل الدجاج الذي يذبح على غير الطريقة الإسلامية هو الذي يرد إلى البلاد الإسلامية أم يرد إلى بلاد أخرى، لا ندري، ثم لو أخبروا الجزارين لذبحوا على الطريقة الإسلامية؛ لأنهم يريدون الفائدة وإلا قالوا لهم: سنقاطعكم.

الفائدة السابعة: أنه لا بأس أن نطعم أهل الكتاب ويطعموننا، لقوله: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} } وحينئذٍ نقول: هل تجوز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب؟

الجواب: نعم، تجوز، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قَبِلَ هديتهم كما أهدت إليه المرأة اليهودية في خيبر الشاة المسمومة؛ لأن هذه المرأة سألت: أي شيء يعجب محمداً؟ قالوا: يعجبه من الشاة ذراعها. فملأت الذراع بالسم وأهدتها للرسول عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب فأكل هو ومن معه، من الذين أكلوا معه من مات، أما هو عليه الصلاة والسلام فإنه تأثرت لهواته، ولكن بإذن الله لم يؤثر فيه السم شيئاً، لكنه قال في مرض موته، كما روته عنه عائشة رضي الله عنها: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني» [(38)] الأبهر: عرق معروف إذا انقطع هلك الإنسان.

ولهذا قال الزهري وغيره: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مات شهيداً بقتل اليهود له.

المهم: كون طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم يدل على جواز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب، لاسيما إذا رجونا منهم الإسلام، أو إذا أردنا أن نبين لهم أن الإسلام دين السلام، وأن الإسلام ما أنزله الله عزّ وجل ليفرض على الناس أن يسلموا، إنما فرض الله عزّ وجل على البشر أن تكون كلمته هي العليا، سواء بإسلام أم بجزية، ولذلك لو أن الكافر أراد أن يبذل الجزية ويبقى على دينه، نقول: ابقَ على دينك ولكن سلم الجزية، وتسليم الجزية متى يكون؟ إذا كنا نحن المسلمين لنا الكلمة، وليس كحالنا اليوم، حالنا اليوم ـ نسأل الله أن يرحم ضعفنا ـ على العكس من ذلك، الكلمة العليا لغيرنا؛ وذلك لأننا ما قمنا بدين الله حق القيام، لو قمنا بالدين حق القيام لكان دين الله لا بد أن يظهر على جميع الأديان، قال تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ}} لماذا؟ {{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}} [التوبة: 33] لكن مَنْ منا إلا من شاء الله يريد هذا، أكثر المسلمين الآن على خلاف ذلك، فتجد في بلاد المسلمين شركاً، لو كان الرسول حياً لكان يقاتلهم عليه، وتجد غلواً في قوم صالحين أو غير صالحين، والأشياء لا تخفى على كثير من الناس.

على كل حال: دين الإسلام هو دين السلام لكنه مع ذلك هو دين العزم والقوة والحذر من الأعداء، وكيدهم، ومكرهم، وخيانتهم.

الفائدة الثامنة: حل المحصنات من أهل الكتاب كحل المحصنات من المؤمنات؛ لأن الله قال: {{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} } قد يقول قائل: حل المحصنات المؤمنات أمر معلوم؛ لأن المحصنات من المؤمنات حلها مذكور، في سورة النساء وهي قبل هذه السورة وهي صريحة بذلك، فما وجه ذكرها في هذه الآية؟

الجواب والله أعلم: أن يبين أن المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب سواء في الحل، ولكن لا يلزم من تساويهن في الحل أن يتساوين في الإقدام عليهن، قد يكون الشيء حلالاً ولكن نقول: الأفضل ألا تقدم عليه، يعني: لا يلزم من حل المحصنات من المؤمنات ومن أهل الكتاب أن يتساوين في الإقدام، فقد تحل المرأة للإنسان ويقال: لا تقدم عليها.

الفائدة التاسعة: علو مرتبة المؤمن وإن لم يكن عالماً لقوله: {{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} } فقدم المحصنات المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، مع أن أهل الكتاب عندهم علم، والمؤمن قد لا يكون عنده علم.

الفائدة العاشرة: اشتراط المهر في حل المرأة، لقوله: {{إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ} } وهذه المسألة اختلف فيها العلماء ولها صور:

الصورة الأولى : أن يتزوج الرجل المرأة بشرط ألا مهر لها، فهل يصح العقد؟ ظاهر الآية الكريمة هنا وظاهر الآية الكريمة في سورة النساء أنه لا يصح العقد. في سورة النساء، قال الله تعالى: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}} ماذا؟ {{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}} [النساء: 24] يعني: ليس مجاناً بل لا بد من المهر، وفي الآية الكريمة هنا: {{إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ} } وهذا القول هو الراجح، وأنه إذا تزوج امرأة بشرط أن لا مهر لها فالنكاح باطل، ووجه ذلك: أنه إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها صار هذا النكاح نكاح هبة، ونكاح الهبة لا يجوز إلا للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، لقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}} [الأحزاب: 50] فإذا اشترط أن لا مهر فهذا هو نكاح الهبة.

وقال بعض العلماء: النكاح صحيح والشرط فاسد، وحينئذ يجب لها مهر المثل، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة تمنعه.

الصورة الثانية : تزوجها وسكت ولم يذكر مهراً، فالنكاح صحيح بنص القرآن، ولكن لها مهر المثل، لقول الله تبارك وتعالى: {{لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً}} [البقرة: 236] ثم قال: {{وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ}} [البقرة: 236] فنقول: إذا دخل بها فلها مهر المثل، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يُسر زوجها وعسره.

والفرق بين هذه الصورة والصورة الأولى واضح، ففي الصورة الأولى شَرَطَ عدم المهر، وفي الثانية سكت.

الصورة الثالثة : أن يتزوجها بشرط المهر، فهذه جائزة، وشرط المهر ما هو إلا تأكيد لمقتضى العقد، وهل يشترط إذا شرط المهر أن يعين؟

الجواب: لا يشترط أن يعينه، إن عينه فلها ما عين، وإن لم يعينه فلها مهر المثل.

لو قال قائل: هل يجوز للزوج أن يؤجل المهر، وهل يجوز للمرأة أن تهب الرجل مالاً ليكون مهراً لها؟

الجواب: يجوز للزوج أن يعطي المهر معجلاً ومؤجلاً كله ولا بأس بذلك وليس هناك مانع؛ لأن هذا المهر ثبت في ذمته ولو مات لأُخذ من تركته، وأما المرأة فيجوز لها أن تهب مالاً للرجل ليكون مهراً لها، ولكن أخشى إذا وهبته المال قال: الحمد لله الآن أنظر أحسن منك، وأيضاً يجوز للمرأة إذا تم العقد أن ترد المهر إليه وهذا يقع كثيراً، وكان الناس في السابق في بلادنا كان الرجل يمهر المرأة، أي: يصدقها صداقاً وهو فقير، ثم ترده المرأة إليه، وحدث مرة أن تزوج رجل امرأة وأعطاها مهراً قدره ريال واحد، وفي ضحى يوم الزواج قرع الباب عليه رجل وهو مع أهله وقال: أعطني الريال الذي أطلبك، قال: ما عندي شيء، قال: أعطني وإلا ذهبت إلى القاضي، وارتفعت أصواتهما، فجاءت المرأة وقالت: ماذا يريد؟ قال: إنه يطلبني ريالاً ويقول: أعطني إياه وإلا ذهبت إلى القاضي. قالت: خذ الريال وأعطه إياه، فأعطته المهر وأوفى به الدائن.

وكذلك يجوز لولي المرأة إذا كان راغباً في رجل ويريد أن يزوجه ابنته يجوز أن يعطيه المهر ليدفعه للبنت.

الفائدة الحادية عشرة: أن المهر بمنزلة الأجرة، لقوله: {{آتَيْتُمُوهُنَّ} } وحينئذٍ يرد إشكال يقال: الأجرة يشترط فيها معرفة العوض والمعوض وعلمهما، وهنا «العوض» يجوز أن يكون مجهولاً وهو المهر الذي لا يسمى، والمعوض كذلك، المعوض هو منفعة المرأة إلى الموت أو الطلاق، وهذا أمر مجهول، فقد تبقى مع زوجها عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو مائة سنة، وقد تموت في أسبوعها الأول، وقد يطلقها في الأسبوع الأول، ومهر الأولى والثانية سواء، مثال ذلك: تزوج امرأة بألف ريال وبقيت معه مائة سنة، اقْسم السنة على المائة ريال كل سنة بريال، وامرأة أخرى تزوجها بمائة ريال وماتت بعد مائة يوم، فاليوم بريال، فرق بين هذه وتلك، فإذا قال قائل: كيف تقولون: إنه بمنزلة الأجرة مع هذا الاختلاف العظيم؟

قلنا: نظراً لتطلع الشرع للنكاح من أجل كثرة الأمة، وتحصين الفروج، والمصالح العظيمة، خفف فيه، ولو قلنا: يشترط العلم بالعوض والمعوض صار في ذلك مشقة عظيمة، وصارت النساء تختلف في مقدار المهر، وعدنا إلى مسألة ثانية ممنوعة في الشرع وهي نكاح المتعة؛ لأننا لو قلنا: لا بد من معرفة العوض والمعوض قلنا: كم مدة النكاح؟ كما لو استأجرت امرأة خادمة نقول: كم مدة الخدمة؟ فلأجل هذه المصالح العظيمة عفا الشرع عن مقدار المدة والعوض والمعوض.

الفائدة الثانية عشرة : أن المقصود الأعظم من النكاح هو الإحصان، لقوله: {{مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} }.

الفائدة الثالثة عشرة : الإشارة إلى أنه ينبغي إعلان النكاح؛ لأنه قال: {{غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} }، فلا بد أن يكون النكاح معلناً ظاهراً، وهل يكفي في إعلانه أن يقع بشهود، أو لا بد من إظهاره وإعلانه؟

الجواب: الثاني على القول الراجح.

لكن إذا كان هناك شهود مع الكتمان، فإن اشترط كتمانه فهو غير صحيح، لا بد من إعادته وإعلانه، وإن لم يشترط ففيه خلاف، بعض العلماء يقول: لا يصح، وبعضهم يقول: يصح، لكن العلماء كلهم متفقون على أن إعلان النكاح أفضل وأبعد عن التهمة وأبعد عن اتخاذ الأخدان.

الفائدة الرابعة عشرة : أن الاستمتاع بالنساء ينقسم إلى أقسام: تحصين، وسفاح، واتخاذ أخدان، والفرق بينهما، الأول: عقد شرعي، والثاني: زنا معلن، والثالث: زنا سري.

الفائدة الخامسة عشرة : أنه إذا قصد المسافحة، أو اتخاذ الخدن فإنه لا يكون نكاحاً صحيحاً؛ لأنه اشترط فقال: {{غَيْرَ مُسَافِحِينَ} } وقد استدل علماء السنة بذلك على بطلان نكاح المتعة؛ لأن نكاح المتعة إن أعلن فهو سفاح؛ لأن الرجل لم يقصد إلا أن يستمتع فقط، وليس قصده إحصان الفرج، بل لذة يقذفها في فرج هذه المرأة وينتهي، وإن كان مخفياً فهو من جنس اتخاذ الأخدان، وهذا القول هو بإجماع أهل السنة على أن نكاح المتعة حرام.

وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنه حرام إلى يوم القيامة» [(39)] وهذا يدل على أنه لا يمكن نسخه؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «حرام إلى يوم القيامة» خبر يتضمن حكماً مغيّاً إلى يوم القيامة، وإذا كان الخبر يتضمن حكماً مغيّاً إلى يوم القيامة فإنه لا يمكن نسخه؛ لأن النسخ هو رفع الحكم، وما كان غايته يوم القيامة فإنه لا يمكن أن يرفع.

الفائدة السادسة عشرة والسابعة عشرة : طهارة بدن الكافر؛ لأنه لا بد أن يلامس الطعام، وأيضاً في النكاح لا بد أن يكون الزوج مع زوجته الكتابية ما يقتضي التنجيس لو كانت نجسة. وفي الآية أيضاً دليل على أن آنيتهم طاهرة، إلا ما علم نجاستها فهي نجسة، كأواني المسلمين.

لو قال قائل: إن في الآية دليل واضح على جواز الزواج من الكتابية، فكيف نجمع بين هذه الآية وبين ما رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح: «ثلاثة يدعون ولا يستجاب لهم» [(40)] وذكر منهم رجل تحته امرأة عاصية ولم يطلقها؟

الجواب: إن صح الحديث فهو يحمل على المرأة غير العفيفة؛ لأنه إذا أبقى أهله وليس فيهم عفة صار ديوثاً، ويكون هذا للتحذير من هذا الأمر.

الفائدة الثامنة عشرة : أن الإماء من أهل الكتاب لا يبحن للمسلم ولو خاف العنت، دليله: {{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} } فإن قال قائل: إذاً الإماء من المؤمنات كذلك؛ لأن الله قال: {{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} }؟

قلنا: نعم، لولا آية النساء وهي قوله تعالى: {{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}} [النساء: 25] لولا هذه الآية لقلنا بذلك، فالجارية المسلمة تحل للمسلم عند الضرورة على حسب ما سبق في سورة النساء.

الفائدة التاسعة عشرة : أن الأعمال داخلة في الإيمان، لقوله: {{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ} } والمذكور في هذه الآية أعمال، فدل ذلك على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وهذا هو ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، أن الأعمال من الإيمان، وله دليل من الكتاب والسنة، دليله من القرآن قال الله تبارك وتعالى حين ذكر توجيه الناس إلى المسجد الحرام بعد أن كانوا يتجهون إلى بيت المقدس: {{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}} [البقرة: 143] قال المفسرون: أي صلاتكم إلى بيت المقدس.

وأما من السنة فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ( «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله» وهذا قول «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» وهذا فعل «والحياء شعبة من الإيمان») [(41)] وهذا انفعال النفس من أثر القلب وهو من أعمال القلوب، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، لكن إذا قرنت الأعمال بالإيمان صارت الأعمال علانية والإيمان في القلب، مثل قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}} [البقرة: 277] .

الفائدة العشرون: أن العمل قد يحبط بعد أن عمله الإنسان، وذكرنا التفصيل في هذا، وأن الردة لا تحبط الأعمال إلا إذا مات الإنسان على ذلك.

الفائدة الحادية والعشرون : إثبات الآخرة.

الفائدة الثانية والعشرون : أن الناس في الآخرة ما بين خاسر ورابح، لقوله: { ش ص ض ط ظ {وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} } فدل هذا على أن الآخرة فيها رابح وفيها خاسر.

* * *

قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *}} [المائدة: 6] .

قوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ} } الخطاب في قوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } سبق الكلام عليه عدة مرات فلا حاجة إلى إعادته هنا.

قوله: {{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} } أي: إذا أردتم الصلاة، ولا يشترط أن يقوم الإنسان على قدميه، بل متى أراد وإن كان قاعداً فإنه يلزمه ما أمره الله به.

وقوله: {{إِلَى الصَّلاَةِ} } الصلاة عبادة معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، هكذا قال العلماء في تعريفها، ولم يذكروا كيفيتها؛ لأنها يعلمها الخاص والعام، فقولنا: «مفتتحة بالتكبير» هذا فصل يخرج ما عدا الصلاة؛ لأن جميع العبادات التي سوى الصلاة ليس فيها افتتاح بالتكبير، وقولنا: «مختتمة بالتسليم» يخرج ما يبتدئ بالتكبير ولا يختتم بالتسليم، كالطواف بالبيت، على أن ابتداء الطواف بالتكبير ليس بركن، لكنه من المندوبات، لكنه يخرج بقولنا: مختتمة بالتسليم، فإن الطواف لا يختتم بالتسليم، وهذا مما يدل على أن الحديث المروي مرفوعاً إلى الرسول عليه الصلاة والسلام: «أن الطواف بالبيت صلاة» [(42)] لا يصح مرفوعاً، إنما هو عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو لا يصح طرداً ولا عكساً.

ولهذا كان القول الراجح أن الطواف لا تشترط له الطهارة؛ لأنه لا يدخل في الصلاة، ولا يمكن أن يدخل في هذه الآية لأنه ليس بصلاة، وإذا تبين أن الحديث المرفوع الذي هو في الحقيقة موقوف، إذا تبين أنه لا يصح طرداً ولا عكساً تبين أنه لا يشترط له الطهارة. ونتكلم على هذا إن شاء الله في الفوائد.

لو قال قائل: قلنا في تعريف الصلاة: إنها عبادة مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وقلنا: إن قولنا: «مختتمة بالتسليم» أخرج ما ليس بصلاة، ألا يقوي هذا القول أن سجود التلاوة ليس بصلاة لا سيما أننا إذا قلنا إنه صلاة لزمنا أن نقول: إن الإمام يتقدم على المأمومين وأنهم لا يسبقونه يعني في القيام من السجود والتزامات أخرى؟

الجواب: سجود التلاوة إن كان في الصلاة فله حكم سجود الصلاة، يعني يكبر له عند السجود وعند الرفع، وإن كان خارج الصلاة فإن من العلماء من قال: لا يكبر له، لا عند السجود ولا عند النهوض من السجود ولا يسلم له، ومن العلماء من قال: يكبر للسجود ولا يكبر للرفع ولا يسلم، وهذا ظاهر صنيع ابن القيم رحمه الله، أما شيخه فيرى أنه ليس بصلاة، وأنه يجوز على غير طهارة، وإلى غير القبلة، وأما أنا فأميل إلى أنه صلاة من وجه أنه لا يجوز للإنسان أن يسجد على غير طهارة، وأيضاً لا يسجد إلى غير القبلة، والحمد لله الأمر ليس بواجب لكن على القول بأنه صلاة إذا قرأ والناس يستمعون ثم سجد، فإن من خلفه يصفون ويسجدون وراءه.

قوله: {{إِلَى الصَّلاَةِ} } لو قال قائل: {{الصَّلاَةِ} } في اللغة الدعاء فيكون المراد إذا قمتم إلى الدعاء؟

قلنا: لا، ما ثبت أنه نقل عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي فإنه إذا ورد في لسان الشارع يحمل على الحقيقة الشرعية، يعني: على المعنى الشرعي، ولهذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» [(43)] هل نقول: المعنى: لا يقبل الله دعاء أحدكم؟ لا أحد يقول بذلك، مع أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نقول: الحقائق اللغوية إذا نقلت إلى حقائق شرعية وجب أن تحمل على الحقائق الشرعية في لسان الشارع.

قوله: {{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} } الغسل المعروف هو إمرار الماء جرياً على العضو، يعني: يجري الماء عليه، احترازاً من المسح على العضو، «والوجوه» جمع وجه، وإنما سمي وجهاً؛ لأنه تحصل به المواجهة وأيضاً من وجه آخر لأنه وجه القلب، فالإنسان يعرف ما في قلبه مما في وجهه، ولهذا إذا سر الإنسان استنار وجهه، وإذا غم انقبض وجهه، فهو تحصل به المواجهة الحسية وهو وجه للقلب حقيقة؛ لأنه ينبئ عما في القلب.

إذاً: «الوجه» ما تحصل به المواجهة، وحدّه العلماء بأنه عرضاً من الأذن إلى الأذن، فالبياض الذي يكون بين العارض والأذن يعتبر من الوجه، وأما طولاً فإنه من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وهذا الضابط من منحنى الجبهة أقرب من قول بعضهم من منابت شعر الرأس؛ لأنك إذا قلت: من منابت شعر الرأس؛ لزم أن تقول المعتاد، ليخرج الأفرع والأنزع؛ لأن بعض الناس تنزل منابت شعره إلى الجبهة، وبعض الناس ترتفع إلى الناصية، لكن إذا جعلنا الضابط هو منحنى الجبهة صار هذا أدق، وأيضاً هو المطابق للواقع؛ لأن الذي يواجه الناس عند اللقاء هو ما دون المنحنى، أما ما وراءه فهو مواجه للسماء أي: لأعلى.

ومسترسل اللحية من أهل العلم من قال: إنه من الوجه، وعلى هذا فإذا كان للإنسان لحية طويلة فإنها داخلة في الوجه، وقال بعض العلماء: إن المسترسل من اللحية ليس من الوجه، وذلك لأنه في حكم المنفصل؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء في جسد الإنسان في حكم المنفصل: الشعر والظفر والسن، فنقول: ما دام ذلك في حكم المنفصل فإنه لا يدخل في حد الوجه، ولكن الصحيح أنه يدخل في حد الوجه لأنه تحصل به المواجهة ولأنه قد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث إسناده حسن أنه كان يخلل لحيته في الوضوء[(44)].

فإذا قال قائل: هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب؟

قلنا: الفعل لا يدل على الوجوب في الأصل، لكن إذا وقع مبيِّناً لمنطوق صار له حكم ذلك المنطوق.

قوله: {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} } أيدي جمع يد، {{إِلَى الْمَرَافِقِ} } هنا قَيَّدَ اليد بأنها إلى المرافق، فيجب أن تغسل اليد من أطراف الأصابع إلى المرفق، والمرفق هو مفصل العضد من الذراع، وسمي مرفقاً لأن الإنسان يرتفق به، أي: يتكئ عليه.

وقوله: {{إِلَى الْمَرَافِقِ} } قال العلماء: {{إِلَى} } هنا بمعنى «مع»، وإنما أولوها بمعنى «مع»؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ثبت عنه أنه إذا توضأ غسل مرفقيه[(45)]، فتكون السنة مبيِّنة للقرآن، ثم استدلوا بأن لهذا نظيراً في القرآن مثل قوله تعالى: {{وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ}} يعني: أموال اليتامى {{إِلَى أَمْوَالِكُمْ}} [النساء: 2] ولكن الاستشهاد بهذا الشاهد فيه نظر، المهم أن الذي بيَّن أن منتهى الغاية هنا داخل هي السنة.

قوله: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} } المسح هو إمرار اليد على الممسوح، لكن من المعلوم أن المراد امسحوها بالماء، أي: امسحوا الرؤوس بالماء، ولهذا زعم بعض العلماء أن في الآية قلباً، وأن المعنى امسحوا رؤوسكم بالماء، ونحن نقول: إن «الباء» هنا ليست لتعدية الفعل بالباء ولكنها مفيدة لمعنى زائد على المسح وهو الإلصاق والاستيعاب أيضاً، وإن كانت دلالة المسح على الإلصاق واضحة، وأما الاستيعاب فلأن الباء تدل على الاستيعاب، ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: {{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}} [الحج: 29] يدل على وجوب استيعاب البيت بالطواف؛ لأن الباء للاستيعاب.

وقوله: {{بِرُؤُوسِكُمْ} } ما حد الرأس؟ الرأس ما ترأس، والعضو المترئس على البدن كله هو ما بين مفصل المخ والرقبة، وعلى هذا فالرقبة لا تدخل في الرأس؛ لأنها عضو مستقل، ثم إذا أخرجت من الوجه بقي ما سوى الوجه مما ترأس، وهل يدخل في ذلك الأذنان؟

الجواب: نعم يدخل في ذلك الأذنان، أولاً: لأن الاشتقاق يدل على دخولهما، وثانياً: أنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يمسح بأذنيه[(46)].

قوله: {{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} } في {{وَأَرْجُلَكُمْ} } قراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: {{وَأَرْجُلَكُمْ} } بالفتح، والثانية: { وَأَرْجُلِكُمْ } بالكسر.

فعلى القراءة الأولى تكون معطوفة على قوله: { {وُجُوهَكُمْ} } لأنه إذا تعددت المعطوفات فالمعطوف عليه ما يلي العامل، وهو الأول.

وأما على قراءة الجر ففيها إشكال عند بعض العلماء:

منهم من قال: إنها جُرت على سبيل المجاورة، والمجاورة أن تتبع الكلمة ما جاورها في الإعراب، ومثلوا لذلك بقول العرب: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، فخربٍ لا تصلح أن تكون نعتاً للضب؛ لأن الخرب هو الجحر، لكن قالوا: إنه جر على سبيل المجاورة، ولكن هذا التعليل عليل، إلا أنه دأب كثير من النحويين إذا عجزوا عن توجيه الإعراب ذكروا علة قد تكون مستكرهة، ولهذا يقولون: إن علل النحويين كجحور اليرابيع، واليربوع دويبة أكبر من الفأر، والفأر معروف، لكن رجليها طويلة، ويديها قصيرة جداً، ولها ذنب طويل، وهي ذات حيل، تحفر الجحر لها في الصحراء وتجعل له باباً واضحاً ولكنها تستمر في حفره وتحفر صاعدة إلى أقصاه، حتى إذا لم يبقَ على أن تخرقه إلا قشرة رقيقة توقفت، من أجل إذا حجرها أحد من فم الجحر خرجت من الباب المغلق إلى حين الحاجة إليه، ولهذا تسمى نافقاء اليربوع.

فنقول: إن القول بأنها مجرورة على سبيل المجاورة فيه نظر.

لكن ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى مذهب جيد، قال: إن الله قال: «وأرجلَكم» بالفتح و«أرجلِكم» بالكسر لأن للرِّجل حالين: حالاً تكون فيها مكشوفة ففرضها الغسل، وحالاً تكون فيها مستورة ففرضها المسح.

وقوله عزّ وجل: {{إِلَى الْكَعْبَيْنِ} } ما هما الكعبان؟ الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وهما معروفان.

قوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} } انتهى الكلام على الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر، قوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} } في الآية إشكال من جهة أن المخاطب جماعة، والخبر بصيغة الإفراد، لم يقل: إن كنتم جُنُبِين، بل قال: {{جُنُبًا} }، وهذا جوابه سهل؛ لأن كلمة جنب في اللغة الفصحى يستوي فيها المفرد والاثنين والجماعة، وإن كان قد ورد في لغة ضعيفة جمعها على جنبين، لكن اللغة المشهورة الفصحى: أن كلمة جنب تطلق على الواحد والجماعة، فمن هو الجنب؟ الجنب من أنزل مَنِيّاً، وألحقت السنة به من جامع وإن لم ينزل، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل»[(47)].

وقوله: {{فَاطَّهَّرُوا} }، أصلها بالتاء لكن قلبت التاء طاءً، ولم يبيِّن الله جلَّ وعلا كيف نتطهر، لكن الصيغة تدل على التعميم، لم يقل: طهروا جزءاً من أبدانكم، أو عضواً من أعضائكم، بل قال: «اطهروا»، وهو شامل لكل البدن وله صفتان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد.

وبهذا انتهى الكلام على مُوجب الحدث الأكبر، وقد ذكر في كلمتين فقط، وموجب الحدث الأصغر ذكر في كلمات متعددة، ووجه ذلك: أن الأعضاء في موجب الحدث الأصغر متعددة، وأما في الحدث الأكبر فالعضو واحد فقط وهو البدن كله، ولهذا ليس فيه ترتيب، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

انتهى الكلام الآن على الطهارتين الصغرى والكبرى، بالماء.

ثم قال تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} } الآية، من هنا انتقل الكلام إلى الطهارة الأخرى وهي الطهارة بالتراب، وأول الآية الطهارة بالماء.

قوله: { {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} } كلمة مرضى جمع مريض، والمريض هو من اعتلت صحته، والمراد «إن كنتم مرضى وتضررتم بالماء».

فإذا قال قائل: لماذا قَيَّدْتَ والله أطلق؟

قلنا: لأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن المريض الذي لا يتضرر بالماء بل ربما يكون الماء صحة له ينشط به ليس بحاجة إلى أن يعدل عن الماء إلى التراب.

قوله: { {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} } أي: في سفر، والسفر كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته، وسمي سفراً؛ لأن الإنسان يسفر ويخرج من القيد أو من الحد الذي هو بلده إلى مكان آخر، وهل هو محدود أو غير محدود؟ سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد.

قوله: {{ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } } {{ أَوْ } } هنا بمعنى الواو، أي: وجاء أحد منكم من الغائط.

فإذا قال قائل: هل لما ادعيتم دليل أي: إتيان {{ أَوْ } } بمعنى الواو؟

قلنا: نعم، ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» [(48)] فـ {{ أَوْ } } هنا بمعنى «الواو»؛ لأن ما أنزله في كتابه قد سمى به نفسه، فلا يستقيم المعنى في الآية إلا بجعل {{أَوْ} } بمعنى الواو؛ لأننا إذا لم نقل: إن {{أَوْ} } بمعنى الواو صارت قسيمة للسفر والمرض يعني هذا أو هذا، والآية ليس هذا معناها، بل المعنى إذا حصل سفر أو مرض وحصل حدث وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء.

قوله: {{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ} } أيُّ أحد ذكر أو أنثى، صغير أو كبير ممن يقوم للصلاة.

وقوله: {{مِنَ الْغَائِطِ} } الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، وكانوا ـ أي: العرب ـ ينتابون هذا المكان ـ أي: الهابط من الأرض ـ ينتابونه لقضاء الحاجة، ليستتروا به عن الناس، فليس في البيوت كنف ولا حمامات ولا مراحيض، فإذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته يخرج إلى المكان الهابط يقضي حاجته فيه ليستتر بذلك عن الناس، وعلى هذا يكون الغائط هنا شاملاً لمن قضى حاجته من البول أو من العذرة، ولا يختص هذا بمن قضى حاجته من العذرة، ما دمنا فسرنا الغائط بأنه المكان المنخفض من الأرض.

قوله: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} } وفي قراءة { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} } لامستم فعل مبني للمفاعلة، بحيث يكون الفعل واقعاً من الطرفين الرجل والمرأة، ولا يصدق هذا إلا بالجماع، ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله هل المراد بالملامسة هنا الجس باليد، أو المراد الجماع؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد به الجماع وليس الجس باليد.

فإن قال قائل: عندنا قراءة صحيحة سبعية { {أَوْ لاَمَسْتُمُ} } واللمس دون الملامسة، وهو ظاهر في أن المراد به الجس باليد، فلماذا لا تقولون: إن المراد به مس المرأة؟

قلنا: لا نقول به؛ لأن القراءة الثانية {{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} } يوجب الوضوء فقط، فذكر موجبين وأهمل موجب الغسل الذي هو الجنابة، فيكون ذَكَرَ موجبين من جنس واحد وأَهْمَلَ آخر لا بد منه، وهذا ترجيح من حيث المعنى.

وقوله: { {النِّسَاءَ} } هن الإناث، وليس كل امرأة بل المراد كل امرأة تجامع، وأما من لا تجامع فإنها ليست محل شهوة، لكن لو فرض أن أحداً سلط على بنت صغيرة وجامعها فإنه يدخل في الآية.

وقوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} } إلى آخره.

قوله: { {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} } أي: ماءً تتطهرون به طهارة صغرى وطهارة كبرى.

قوله: {{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} } تيمموا أي: اقصدوا، فالتيمم في اللغة القصد، ومنه قول الشاعر:

تيممتها من أذرعاتٍ وأهلها***بيثرب أدنى دارها نظر عالي

فمعنى تيممتها أي: قصدتها، من أذرعات: هي بلدة في الشام، وأهلها بيثرب: أي: بالمدينة، أدنى دارها نظر عالي.

وقوله: { {صَعِيدًا} {طَيِّبًا} } الصعيد كل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل أو جبل أو أودية أو غير ذلك.

قوله: { {طَيِّبًا} } أي: طاهراً؛ لأن طِيب كل شيء بحسبه، فالطيب من الحيوان ما حل أكله، والطيب من الأعمال ما كان مرضياً عند الله عزّ وجل، وكل موضع يفسر الطيب فيه بما يناسبه.

قوله: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} } امسحوا بوجوهكم من هذا الصعيد، والمسح الإمرار باليد على الوجه، والمسح باليد إمرار إحدى اليدين على الأخرى.

قوله: {{مِنْهُ} } قيل: إن {مِّن} للتبعيض، وعلى هذا فلا بد أن يعلق باليد شيء من هذا التراب، وقيل: إن {مِّن} للابتداء، أي: مسحاً يكون ابتداؤه من هذا الصعيد.

قوله: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} } {{مَا} } نافية، و{{يُرِيدُ} }: هنا إرادة شرعية، أي: ما يحب الله عزّ وجل، وقوله: {{لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} }، «اللام» هنا زائدة؛ لأن التقدير: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج، ويمكن أن نقول: إن اللام هنا على أصلها وليست زائدة، ونقدر الكلام: ما يريد الله ليجعل عليكم، أي: ما يريد الله لذلك.

وقوله: {{لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ} } أي: ليُصير عليكم من حرج، و{{مِنْ} } في قوله: {{مِنْ حَرَجٍ} } زائدة إعراباً لكنها لها معنى وهي: تأكيد النفي وعمومه، و«الحرج» هو الضيق، أي: إن الله تعالى لم يرد أن يجعل علينا بما فرض علينا من الوضوء والغسل والتيمم شيئاً يضيق علينا.

قوله: {{وَلَكِنْ} } هذا استدراك، {{يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} } نقول في قوله تعالى: {{يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} } كما قلنا في قوله تعالى: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ} }.

وقوله: {{لِيُطَهِّرَكُمْ} } أي: طهارة حسية ظاهرة، وطهارة معنوية، أما الوضوء والغسل بالماء فالطهارة فيهما حسية ومعنوية، أما الحسية فإنها ظاهرة لكون الإنسان يغسل هذه الأعضاء أو يغسل البدن كله فينظفه، وأما المعنوية فلأن في الوضوء تكفير السيئات ومحو الخطيئات، وأما التيمم فإنه طهارة معنوية، وذلك لأن فيه كمال التعبد لله عزّ وجل حيث إن الإنسان يتيمم هذا الصعيد ويمسح به وجهه ويديه.

قوله: {{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ} } يعني: ويريد أيضاً ليتم نعمته {{عَلَيْكُمْ} } أي: بما شرعه لكم من العبادات، إذ لولا أن الله شرع لنا هذه العبادات لكان فعلنا لها بدعة تبعدنا عن الله عزّ وجل، ولكنه شرعها لتكون عبادة نتقرب بها إلى الله، ونتذلل بها عند الله عزّ وجل.

قوله: {{تَشْكُرُونَ}} لعل هنا للتعليل وليست للترجي؛ لأن الرجاء طلب ما فيه عسر، والله عزّ وجل لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن كل شيء سهل عليه، فتكون هنا للتعليل، وهي كثيرة في القرآن بهذا المعنى.

وقوله: {{تَشْكُرُونَ}} أي: تشكرون الله عزّ وجل على نعمه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح.

وعلى هذا قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة***يدي ولساني والضمير المحجبا

معنى البيت: أن نعماءكم عليّ ملكتم بها يدي ولساني والضمير المحجبا، فنعماؤكم أفادتكم هذه الثلاثة، فملكتموها.

فالشكر بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة من الله عزّ وجل ويحب الله عزّ وجل لذلك، أي: لكونه أنعم، ولهذا جاء في الحديث: «أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم» [(49)]، والشكر باللسان الثناء على الله بها، كما قال الله تبارك وتعالى: {{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ *}} [الضحى: 11] ومن ذلك ـ أي: من الشكر باللسان ـ القيام بكل قول يقرب إلى الله عزّ وجل.

أما الثالث فالشكر بالجوارح، أي: أن يقوم الإنسان بما يلزمه نحو هذه النعمة، فإذا كانت مالاً فقيامه بشكرها أن يؤدي زكاتها إلى أهلها، وكذلك أيضاً: إذا كانت عملاً آخر يحتاج إلى حركة بالجوارح فلا بد من أن يقوم بهذه الحركة، فالشكر إذاً: محله القلب واللسان والجوارح.

فإذا قال قائل: أيهما أعم الحمد أو الشكر؟ قلنا: بينهما عموم وخصوص وجهي، ومعنى وجهي أي: أن أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من الآخر من وجه، فباعتبار السبب الأخص الشكر؛ لأن سببه النعمة، وأما الحمد فسببه النعمة وكمال المحمود حتى وإن لم ينعم، ولهذا نحن إذا حمدنا الله عزّ وجل فإننا نحمده على كمال صفاته وعلى كمال إنعامه وإحسانه.

وأما المتعلق فالشكر أعم؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد إنما يكون باللسان فقط.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أهمية الوضوء للصلاة وإن شئت فقل: أهمية الطهارة للصلاة بوضوء أو غسل أو تيمم، وجه الأهمية: أن الله صدَّر الخطاب بالنداء؛ لأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، فإنك تجد الفرق بين أن تتحدث حديثاً مرسلاً هكذا وبين أن توجه الخطاب إلى المخاطب، فتقول: يا فلان افعل كذا، واترك كذا وما أشبه ذلك.

الفائدة الثانية: أن هذه الطهارة من مقتضيات الإيمان، كأنه قال: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } لإيمانكم افعلوا كذا وكذا.

الفائدة الثالثة: أن الإيمان يزيد بالطهارة، وضوءاً كانت أو غسلاً أو تيمماً؛ لأنها إذا كانت من مقتضياته لزم أن يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها.

الفائدة الرابعة: أن الإخلال بها منافٍ لكمال الإيمان، يعني: لو صليت بدون وضوء أو بدون غسل أو بدون تيمم فإن ذلك ينقص من إيمانك؛ لأنك خوطبت بصفة الإيمان على أن تقوم بهذا، لكن هل ينافي أصل الإيمان؟ جمهور العلماء: على أنه لا ينافي أصل الإيمان، وأن من صلى محدثاً لم يكفر، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن من صلى محدثاً كفر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله عزّ وجل، وعلى هذا فيكون عدم القيام بها منافياً لأصل الإيمان.

الفائدة الخامسة: مشروعية الوضوء أو الغسل أو التيمم عند كل صلاة، حتى وإن كنت على طهارة، فمثلاً: لو توضأت لصلاة الظهر وجاء وقت العصر وأنت على طهارتك نقول: الأفضل أن تتوضأ، لقوله: {{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} } و«أل» هذه للعموم، ولم أعلم أن أحداً من الناس قال: إنه يشرع إذا قام لكل صلاة موالية للأخرى كما لو كان يصلي الليل ركعتين ركعتين، كلما فرغ من ركعتين ذهب وتوضأ، ولكن فيما بين الأوقات نعم، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه يشرع للإنسان إذا دخل وقت الصلاة الأخرى أن يجدد الوضوء ولو كان على طهارة.

وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوضوء لكل صلاة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صلى الصلوات الخمس بطهور واحد[(50)]، ولأنه أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة[(51)]، فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، أعني: وجوب الوضوء لكل صلاة.

الفائدة السادسة: أن الطهارة لا تجب إلا للصلاة، وعلى هذا فلا تجب لقراءة القرآن، ولا تجب لمس المصحف، ولا تجب للطواف، ولا تجب للسعي، ولا لغير ذلك من الأعمال الصالحة، وإلى هذا ذهب قوم من أهل العلم أنه لا وضوء إلا لصلاة.

ولهذا لما قيل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: أتتوضأ؟ ـ من عمل عمله ـ. قال: «إني لم أرد أن أصلي» [(52)] أو كما قال عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أنه من المعلوم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولا شك أن هذا هو الأصل، وأن من ادعى أن غير الصلاة يجب الوضوء له فإن عليه الدليل، وإلا فالأصل أنه لا يجب إلا للصلاة.

فلننظر: مس المصحف اختلف فيه العلماء: هل تجب له الطهارة أو لا؟

فمنهم من قال: إن الطهارة واجبة لمس المصحف، واستدلوا بقوله تعالى: {{لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *}} [الواقعة: 79] ، واستدل آخرون بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: «ألا يمس القرآن إلا طاهر» [(53)].

فأما استدلال الأولين بقوله تعالى: {{لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *}} [الواقعة: 79] فإنه لا يستقيم؛ لأن الضمير في قوله: {{لاَ يَمَسُّهُ}} ضمير المفعول به يعود إلى الكتاب المكنون، واقرأ: {{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *}} [الواقعة: 77 ـ 79] الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الكتاب المكنون، وأيضاً يقول: {{الْمُطَهَّرُونَ}} ولم يقل: إلا المطَّهِّرُون، وفرق بين المطَهر والمتطهر، والمطَهَّرون هم الملائكة.

وأما حديث عمرو بن حزم: فإن من لا يستدل بالمرسل لا يراه حجة، والحديث مرسل مشهور، يقول: ما دام مرسلاً فالمرسل من قسم الضعيف فلا نثبت به حكماً نلزم به عباد الله، فلا يستقيم الدليل، ففي هذه الآية نعبر بقولنا: لا يستقيم الاستدلال، وفي هذا الحديث نعبر بقولنا: لا يستقيم الدليل، ومن رأى أن هذا الحديث المرسل بعينه حجة لتلقي الأمة له بالقبول في الزكاة والديات وغيرها، وعملوا بهذا الحديث فإن كان خبراً فبالتصديق، وإن كان عملاً فباعتباره حكماً، والعلماء الذين صححوه أخذوا به في الديات وأخذوا به في الزكاة، وأسنان الإبل وقد اعتبروه دليلاً، والحديث وإن كان مرسلاً فإن العلماء تلقوه بالقبول، والمرسل إذا تلقته الأمة بالقبول وعملت به دل ذلك على أن له أصلاً، وهذه الفائدة الحديثية تفوت على كثير من الناس، وما أحسن البحث الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة التفسير حول هذا الموضوع.

وإذا كان حجة فقال بعض العلماء: حتى لو ثبت واحتججنا به فيما جاء فيه من الأحكام فإن قوله: «إلا طاهر» يحتمل أن يراد بالطاهر المؤمن، ويحتمل أن يراد به المتوضئ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال.

وعلى هذا: فلا تجب الطهارة لمس المصحف، فنقول في رد هذا: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، هذا إذا تساوى الاحتمالان، فليس أحدهما بأولى من الآخر، وأما مع رجحان أحد الاحتمالين فالواجب الأخذ بالراجح، ولو أننا جعلنا لكل نص يحتمل وجهين جعلنا دلالته ساقطة لضاعت علينا أحكام كثيرة وأدلة كثيرة.

فنقول: أيهما أرجح أن يراد بالطاهر المؤمن أو أن يراد بالطاهر المتوضئ؟

الثاني أرجح؛ لأننا لم نعهد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعبر عن المؤمن بالطاهر؛ لأن وصف المؤمن أحب إلى النفوس وأقوى في الثناء من وصف الطاهر.

لكن قد يقول قائل: هذا الظاهر الذي قلتم يعارضه أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم وقد بعثه إلى اليمن، فهذه قرينة على أن المراد بالطاهر المؤمن؛ لأنه متوجه إلى قوم كفار يدعوهم إلى الإسلام، وهذا لا شك أنه مؤثر في الاستدلال، لكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يستعمل قط كلمة طاهر تعبيراً عن المؤمن، يضعف هذا الوجه.

فالذي يظهر أن مس المصحف لا يجوز إلا بوضوء، هذا هو الظاهر.

لو قال قائل: كيف الجواب على حديث: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكر الله على كل أحيانه» [(54)] والقرآن داخل في عموم الذكر، فلا يشترط لقراءة القرآن الوضوء؟

الجواب: إن سلمنا أن القرآن يدخل في مطلق الذكر فإن هذا العموم خصص بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» والمسألة ليست قراءة القرآن فهي داخلة في العموم بلا شك، لكن المسألة هي مس المصحف، أما القراءة فالرسول صلّى الله عليه وسلّم يقرأ القرآن بلا وضوء، فهذا الحديث لا يعارض القول بوجوب الوضوء لمس المصحف، فهما مسألتان كل واحدة مستقلة، ولهذا نقول لمن ليس على وضوء وأراد أن يقرأ من المصحف: اجعل بينك وبينه حائلاً واقرأ.

لو قال قائل: بعض الناس منع الكتابة على المصحف هل قوله معتبر؟

الجواب: في الزمن السابق الكتابة غير معربة لا في الأصل ولا فيما يكتب على الحواشي، فَكَرِهَ بعض السلف أن يكتب على المصحف شيئاً؛ لئلا يختلط القرآن بالمكتوب أو بغيره، أما الآن فلا يختلط، فإذا كانت الكتابة لا تؤثر على الحروف فلا بأس، بمعنى أن الكتابة لا تكون بين الأسطر فتختلط بالقرآن.

بقي علينا الطواف، إذا قال قائل: أين الدليل على أن الطواف تشترط له الطهارة؟

نقول: الدليل قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» [(55)] وهذا الحديث روي مرفوعاً إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وروي موقوفاً على ابن عباس، فرواية المرفوع ضعيفة، يعني: لا نقول: إنه تعارض رفع ووقف فيجب الأخذ بالرفع؛ لأن الرافع معه زيادة علم، ولأن الراوي كثيراً ما يعبر عما رواه مرفوعاً بقولٍ من عنده، فيظن سامعه أنه موقوف عليه؛ لأننا نقول: كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يتناقض ولا يخالف الواقع، وهذا متناقض، لا يصح طرداً ولا عكساً.

فلننظر: إذا قلنا: إنه صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، نقول: يجب التكبير عند الدخول فيه، والتسليم عند الانتهاء منه، وقول: سبحان ربي الأعلى فيه وسبحان ربي العظيم، والاتجاه إلى القبلة، وألا يأكل فيه، ولا يشرب وهلمَّ جراً، فنجد أنه يخالف الصلاة أكثر مما يوافقها، وهل يمكن أن يرد عن المعصوم كلام تكون المخالفة فيه أكثر من الموافقة؟ لا يمكن أن يرد، ولهذا ليس في هذا الحديث دليل على أن الطواف تشترط له الطهارة، وهنا النظر في الاستدلال وفي الدليل أي النظر فيهما جميعاً؛ لأننا لا نقبل مثل هذا الحكم العام، الذي تتوافر الدواعي على نقله، ويحتاج الناس إليه في كل وقت وحين، لا يمكن أن نقبله وهو بهذا الثبوت الهش لا بد أن يكون قد تواتر أو اشتهر على الأقل، وثانياً: أنه لا يمكن أن يكون مرفوعاً لكونه متناقضاً.

إذاً: لا تشترط الطهارة للطواف.

فلو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، أليس الطائف إذا طاف لا بد أن يصلي؟ فهل تقولون: إن الطائف يصلي بلا وضوء؟

الجواب: لا، لا نقول ذلك، بل نقول: يطوف ولا يصلي، وليست الصلاة بعد الطواف شرطاً في صحته، فنقول: إن كان الماء قريباً ذهب وتوضأ وصلى، وإن كان لا يجد ماءً إلا بعيداً فإن الصلاة تسقط عنه.

فإذا قال قائل: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم بلا شك طاف متطهراً وصلى ركعتين خلف المقام، وقال: «خذوا عني مناسككم»[(56)]؟

قلنا: هذا الحديث: «خذوا عني مناسككم» [(57)] ليس على عمومه بالإجماع، وما أكثر المسائل التي يفعلها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وكانت على سبيل الاستحباب، فنحن نقول: المستحب بلا شك أن يطوف على طهارة ولا إشكال في ذلك، أما أن نقول: إن الطهارة شرط للطواف وأن من طاف محدثاً فطوافه غير صحيح حتى ولو لزم من ذلك مشقة عظيمة كما لو كان الطوافُ بغير طهارة طوافَ الإفاضة، ثم قدم إلى بلده وقلنا: إن حجك لم يتم، قد يكون فيه مشقة شديدة، ويقع ذلك كثيراً أعني عدم الطهارة في هذه الأعصار؛ لأن الزحام يكون شديداً، ومدة الطواف تكون طويلة، وربما يُحْدث الإنسان في أثناء ذلك، فهل نقول: اخرج وتوضأ، وإذا قلنا: اخرج وتوضأ خرج وتوضأ ثم رجع ثم أحدث مرة ثانية هذا فيه مشقة شديدة.

والذي نرى في هذه المسألة أنه لا يشترط للطواف وضوء، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويكفينا أن نستدل بهذه الآية، ونقول: أي عمل تشترط له الطهارة يحتاج إلى دليل.

لو قال قائل: ما الجواب على منع النبي عليه الصلاة والسلام عائشة رضي الله عنها من الطواف، وكذلك صفية؟

الجواب: الرسول صلّى الله عليه وسلّم منع عائشة رضي الله عنها من الطواف لأنها حائض[(58)] وكذلك صفية[(59)]، فالحائض لا يرخص لها في البقاء في المسجد، ولهذا لو اضطرت الحائض إلى أن تطوف قلنا لها: طوفي وتلجمي حتى لا يتلوث المسجد بالدم، فتطوف للضرورة، فعائشة وصفية كانا عليهما الحيض، وكلامنا في الوضوء فلا إشكال على هذا.

الفائدة السابعة والثامنة: وجوب غسل الوجه، لقوله: {{فَاغْسِلُوا} } ويتفرع على ذلك: أنه لو مسح وجهه مسحاً لم يصح وضوؤه لقوله: «اغْسِلُوا».

الفائدة التاسعة: وجوب استيعاب الوجه بالغسل، فلا بد أن يغسل كل الوجه، لقوله: { {وُجُوهَكُمْ} }.

الفائدة العاشرة: أنه لا يجب غسل شيء من الرأس، خلافاً لما ذهب إليه بعض الأصوليين وقال: يجب أن يغسل جزءاً من الرأس؛ لأنه لا يتحقق أنه غسل جميع الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، ويجب أن يمسح بعض الوجه؛ لأنه لا يتحقق أنه مسح الرأس كله إلا بمسح بعض الوجه، فيكون عندنا جزء من البدن تجب فيه طهارتان، مسح وغسل، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وهو في الحقيقة نوع من التنطع، فيقال: حد الوجه معروف، وما زاد عن الوجه فليس بواجب أن يُغسل.

الفائدة الحادية عشرة: وجوب غسل الأيدي من أطراف الأصابع إلى المرافق، لقوله: {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} }.

لو قال قائل: الآية لم تذكر أن غسل اليدين قبل الوجه مما يدل على عدم الوجوب، لكن لو قيل إن الوجوب يؤخذ من مداومة النبي صلّى الله عليه وسلّم على غسلها؟

الجواب: هذا يرده قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً» [(60)] فأوجب الغسل فيما إذا كان قد قام من نوم الليل والفعل لا يدل على الوجوب، خاصة إذا كان عندنا نص من القرآن وظاهر السنة، وأما كونهم يستدلون بالمداومة على الوجوب في بعض الأحكام هذا إذا لم يوجد معارض، وهنا يوجد معارض وهو ظاهر الآية.

الفائدة الثانية عشرة : أنه إذا أراد غسل اليد بدأ من أطراف الأصابع؛ لأن {{إِلَى} } تفيد الغاية، فإذا كان المرفق هو الغاية لزم أن يكون أطراف الأصابع هو البداية، لكن هذا فيه شيء من النظر؛ لأن الذي تعتبر فيه البداية والنهاية إذا جاءت {{إِلَى} }، وأما إذا حددت النهاية فقط وسكت عن البداية، فإنه لا يدل على أن الأفضل البداية من الجانب الآخر، بل نقول: هذا تحديد للنهاية فقط؛ لأنه لا بد أن يحدد النهاية، مهما كان، بدأنا من الأول أو من الأطراف أو من الوسط. وعليه: فلا يظهر أنه من المشروع أن تبدأ بغسل أطراف الأصابع ثم تأتي إلى المرفق، بل يقال: الغسل ينتهي بهذا، والبدء من حيث شئت.

الفائدة الثالثة عشرة : أن اليد عند الإطلاق هي الكف فقط، وجه الدلالة، أن الله قال: {{إِلَى الْمَرَافِقِ} } ولو كانت اليد عند الإطلاق {{إِلَى الْمَرَافِقِ} } لكان هذا القيد لا فائدة منه، والأمر كذلك: أعني أن اليد عند الإطلاق إنما هي الكف، ولنا دليل على ذلك: يد السارق تقطع من مفصل الكف، لقوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ولا يجوز أن يتجاوز مفصل الكف، في التيمم إنما يطهر الكف فقط ولا يتجاوز إلى المرفق، وهذا أمره واضح.

إذاً نستفيد من هذا: أن اليد إذا أطلقت فهي الكف فقط، وإن قيدت فهي بما قيدت به.

الفائدة الرابعة عشرة : وجوب مسح الرأس، لقوله: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} } ووجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن «الباء» للاستيعاب، ولم تأتِ في اللغة العربية للتبعيض إطلاقاً، قال ابن برهان: من ادعى أن الباء للتبعيض فقد قال عن أهل اللغة بما لا يعرفون.

الفائدة الخامسة عشرة : أنه لو غسل الرأس بدلاً عن المسح فإنه لا يجزئ؛ لأن الله أمر بالمسح، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(61)] وعلى هذا فلو أدلى برأسه حتى صب الماء من الماسورة وعم جميع الرأس فإنه لا يجزئه.

وقال بعض العلماء: إنه يجزئ مع الكراهة، مستدلاً بنظر لا بأثر، فيقول: إنما وجب مسح الرأس تخفيفاً على العباد، فإذا أراد الإنسان أن يأخذ بما هو أكمل فلا حرج عليه، كما شرع للصائم أن يفطر عند غروب الشمس، ولو أراد الوصال فله أن يواصل إلى السحر، وبعض العلماء قال: له أن يواصل اليومين والثلاثة، لكن هذا القول فيه نظر، أعني القول بإجزاء الغسل بدل المسح؛ لأن حديث عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(62)] يقتضي رده، أي: رد الغسل بدل المسح؛ ولأن هذا من باب التنطع في الدين، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هلك المتنطعون»[(63)].

الفائدة السادسة عشرة : وجوب غسل الرِّجل، لقوله: {{وَأَرْجُلَكُمْ} } وهي معطوفة على قوله: { {وُجُوهَكُمْ} } أي: واغسلوا أرجلكم، هذا على قراءة النصب.

أما على قراءة الجر فقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز الاقتصار على مسح الرجل؛ أخذاً بالقراءة الثانية {{وَأَرْجُلَكُمْ} } وقال: إن الإنسان يغسل رجله مرة ويمسحها مرة أخرى، يغسلها بناءً على قراءة النصب، ويمسحها على قراءة الجر، وهذا لولا السنة لكان له نوع من الوجاهة، يعني: لكان وجهة نظر جيدة لكن السنة تأبى ذلك، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يغسل قدميه ولم يرد حرف عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يمسحها، بل إنه لما رأى بعض أصحابه قد غسل رجليه بما ليس بغسل نادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» [(64)] فدل ذلك على وجوب غسل القدم.

إذاً: كيف ننزل الآية؟

أما من جهة الإعراب ننزلها على ما سبق أن بعض أهل العربية قال إنها مجرورة بالمجاورة، وأن محلها حقيقة النصب، أو ننزلها على أن الرِّجل لها حالان: حال تكون مستورة، وحال تكون مكشوفة، فإذا كانت مكشوفة فالفرض الغسل، وإذا كانت مستورة فالفرض المسح، ولهذا لم يأتِ مثله في اليدين؛ لأن اليدين ليس فيهما مسح، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان عليه الجبة الشامية وصعب عليه أن يخرج يده من الكم أخرج الكم من اليد، وأخرج يده من أسفل الجبة وغسلها عليه الصلاة والسلام كما هو ثابت في الصحيح[(65)]، إذاً: نأخذ من القراءتين وجوب غسل الرِّجل إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت مستورة، فيكون فيها إشارة إلى المسح على الخفين.

وبناءً على ذلك: هل الأفضل للابس الخفين أن يخلعهما ويغسل القدمين أو أن يمسحهما؟ الثاني هو الأفضل، ويدل له أن المغيرة بن شعبة لما أراد أن يخلع خفي النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما»[(66)].

الفائدة السابعة عشرة : وجوب غسل الرِّجل إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغسل، لقوله: {{إِلَى الْكَعْبَيْنِ} }، فهل نقول: إن الرِّجل أو القدم إذا أطلق يكون لما دون الكعبين كما قلنا في اليدين؟

الجواب: نعم، وذلك أن الرجل عند الإطلاق حدها مفصل العقب، وكما نعلم أن قطاع الطريق الذين تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف يقطعون من مفصل العقب، ويبقى العقب غير مقطوع، وهنا إذا قلنا: الرجل إلى الكعبين دخل العقب؛ لأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وذهبت الرافضة إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، قال ابن كثير رحمه الله: وقد خالفوا أهل السنة في تطهير الرجل من وجوه ثلاثة:

الوجه الأول : أنهم جعلوا حد التطهير إلى العظم الناتئ على ظهر القدم.

الوجه الثاني : أنهم قالوا: إن الواجب في الرِّجل هو المسح دون الغسل.

الوجه الثالث : أنهم أنكروا المسح على الخفين، وقالوا: لا يجوز المسح على الخفين، والعجب أنهم أنكروا ذلك مع أن من جملة رواة المسح الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إمام الأئمة عندهم، ومع ذلك خالفوه.

على كل حال: لسنا الآن في موضع نقاش مع هذا الرأي، ولكن نقول: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.

الفائدة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة : وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، ولذلك وجهان:

الوجه الأول : أن قوله: {{فَاغْسِلُوا} } جواب للشرط، وجواب الشرط يكون مرتباً في ذاته كما هو مرتب على فعل الشرط، {{إِذَا قُمْتُمْ}} .. {{فَاغْسِلُوا} } فقوله: «اغسلوا» إلى آخره مرتب على قوله: {{إِذَا قُمْتُمْ} }، فإذا كان كذلك لزم أن يكون هذا الفعل المرتب على شيء هو بنفسه مرتباً.

الوجه الثاني : أن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وهو أن يكون تطهير الرأس في محله أي: بين غسل اليدين وغسل الرِّجلين، هذا مأخوذ من الآية نفسها، أما من السنة: فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أقبل على الصفا بعد الطواف وأراد السعي قال: «أبدأ بما بدأ الله به» [(67)] وفي لفظ في غير الصحيح قال: «ابدءوا» [(68)] بلفظ الأمر، وهذا يدل على أن ما بدأ الله به فهو أحق بالتقديم، وعلى هذا يكون دليل الترتيب من وجهين في الآية ومن دليل منفصل من السنة ويتفرع على هذا أنه لو توضأ مُنكساً فبدأ بالرِّجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، هل يصح الوضوء أم لا؟

الجواب: إن كان عبثاً فغير صحيح، أي لا يصح الوضوء في أي عضو من الأعضاء، بل قد يكون خطراً على دين المرء أن يعبث بشريعة الله، وإن كان نسياناً أو جهلاً صح غسل الوجه فقط، ثم يطهر ما بعده، هذا في الترتيب؛ لأنه إذا كان عابثاً فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً كله، وإن كان ناسياً أو جاهلاً فإنه معفو عنه وحينئذٍ نقول: كأنك ابتدأت من الآن، وقد غسلت الوجه فأكمل الباقي.

الفائدة العشرون : وجوب الموالاة، وجهه: أن غسل هذه الأعضاء جاء مرتباً على الشرط، فلا بد أن يكون أجزاء هذا الفعل المرتب على الشرط لا بد أن تكون متوالية؛ لأن الشرط يعقبه المشروط، هذا وجه الدلالة من الآية، أما من حيث النظر، فيقال: إن الوضوء عبادة واحدة فإذا جزأه المتوضئ لم يظهر كونه عبادة واحدة، يعني: لو غسل وجهه الساعة الواحدة، وغسل يديه في الساعة الثانية، ومسح رأسه في الساعة الثالثة، وغسل رجليه في الساعة الرابعة فإنه لا يتبين أن هذه عبادة واحدة، إذاً: لا بد من الموالاة، ولكن كيف نحد الموالاة؟

من العلماء من قال: إننا لا نحدها بحد، ونقول: ما جرى فيه العرف أنه منفصل فقد فاتت فيه الموالاة، وما لم يجرِ العرف أنه منفصل فهو متصل، وحدَّه بعض العلماء بحدٍّ آخر قد يكون أكثر انضباطاً وقال: حد الموالاة أن لا ينشف العضو قبل غسل الذي بعده بزمن معتدل، وهذا هو المشهور من المذهب.

وبناءً على ذلك: لو أن العضو يبس قبل أن يغسل الثاني في زمن معتدل لانقطعت الموالاة، وإذا انقطعت الموالاة وجب إعادة الوضوء.

الفائدة الحادية والعشرون: وجوب غسل البدن كاملاً من الجنابة، لقوله تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} }.

لو قال قائل: المريض إذا كان عليه جنابة ولا يستطيع أن يغتسل فهل يلزمه الوضوء، وإذا كان أيضاً عادم الماء وهو عليه الجنابة يعني لم يجد إلا ماءً يكفي لوضوئه فهل يتوضأ؟

الجواب: الظاهر أنه يتوضأ؛ لأن الوضوء يخفف الجنابة، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «في الرجل ينام وهو جنب، قال: نعم إذا توضأ» [(69)] وكذلك أيضاً الجنب إذا أراد الجلوس في المسجد يتوضأ، فإذا كان الوضوء له تأثير في تخفيف الجنابة فليتوضأ.

الفائدة الثانية والعشرون : أنه لا يشترط في الغسل ترتيب، وأن المغتسل لو بدأ من أسفل بدنه أو من وسط بدنه أو من أعلى بدنه وعمَّه بالماء كان ذلك مجزئاً؛ لأن الله تعالى قال: {{فَاطَّهَّرُوا} } ولم يُفَصِّل .

وقال بعض الناس: بل يجب الغسل كما اغتسل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإن هذه الآية مجملة، وبيَّنتها السنة النبوية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الاغتسال كاغتسال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا كقوله: {{أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}} فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام كيفية إقامتها وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»[(70)] . ولكن هذا ضعيف، والصواب أنه لا يشترط فيه الترتيب، ويدل لذلك: أنه ثبت في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي لم يره النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلي بعد أن انتهى من صلاته، فسأله: لماذا لم تصلِّ؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، يعني: ليس عندي ماء أغتسل به، فقال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» وبعد ذلك جيء بالماء وانتهى الناس من الشرب وسَقْي إبلهم فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بقي بقية قال لهذا الرجل: «خذ هذا فأفرغه على نفسك» [(71)] فأخذه الرجل واغتسل، ووجه الدلالة: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذكر له كيف يغتسل، قال: أفرغه على نفسك، وعلى هذا فيكون هذا الحديث موافقاً لظاهر القرآن، وهو أن الواجب في الغسل أن يعم البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولى.

فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بركة أو في بحر ناوياً رفع الحدث من الجنابة ثم خرج فهل يكفيه؟

الجواب: نعم يكفيه لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق، والدليل على هذا أنه يجب أن يطهر الفم والأنف في الحدث الأصغر ففي الأكبر من باب أولى.

الفائدة الثالثة والعشرون : أنه لا تشترط الموالاة في الغسل، فيجوز أن يغسل بعض بدنه في أول النهار وبعض بدنه في آخر النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه تطهر، وليس كالوضوء الذي رتب على شرط فصار لا بد فيه من الموالاة، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن الراجح أنه لا بد من الموالاة، وأنه لو غسل بعض جسده ثم ترك الباقي حتى نشف فإنه لا بد أن يعيد ما غسله أولاً، والتعليل: أن هذه عبادة واحدة فلا بد من أن تتوالى أجزاؤها.

الفائدة الرابعة والعشرون : أن غسل الجنابة تُستباح به الصلاة، وأنه لا يجب الوضوء معه، وجه الدلالة: أن الله قال: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} }، ولم يذكر وضوءاً حتى لو لم ينوِ إلا رفع الحدث الأكبر فإنه يجزئه لعموم الآية، ولا شك أن المغتسل إما أن ينوي رفع الحدثين أو ينوي رفع الحدث أو ينوي استباحة الصلاة، فإن نوى رفع الحدثين أجزأه ولا إشكال، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [(72)] وإن نوى استباحة الصلاة فلا شك أنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، وجهه أن الصلاة لا تستباح إلا بذلك، وإن نوى رفع الحدث الأكبر فقط، فمن العلماء من قال: إنه لا يجزئ عن الحدث الأصغر، ومنهم من قال: إنه يجزئ وهو الراجح؛ لأن الله لم يذكر سوى ذلك.

الفائدة الخامسة والعشرون : أن المرض من أسباب جواز التيمم، لقوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} }، يعني: فتيمموا، وقوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} }، فظاهر الآية: أن المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء، فإما أن نأخذ بظاهر الآية ونقول: المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء وحينئذٍ يبقى التقييد بالمرض لا فائدة منه؛ لأن من لم يجد الماء يباح له التيمم سواءً كان مريضاً أو غير مريض، فيقال في الجواب ـ والله أعلم ـ: إن قوله تعالى: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} } يدل على أن المراد المريض الذي يلحقه الحرج من استعمال الماء.

وأما التقييد بعدم وجود الماء فهو للمسافر؛ لأن المسافر لا يشق عليه استعمال الماء إذا وجده ولا يلحقه حرج به، فيكون تيمم المسافر مشروطاً بعدم وجود الماء، ويكون تيمم المريض مشروطاً بوجود الحرج، لقوله: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} }.

الفائدة السادسة والعشرون : أن الدين يسر سواء كان من أصل المشروعات أو إذا وجد سبب للرخصة؛ لأن المشقة تجلب التيسير لكنها لا تسقط الواجب إلا في حدود الشرع.

الفائدة السابعة والعشرون : أنه لا يجب التطهر بغير الماء، يعني: لو كان مع الإنسان نبيذ أو شاي أو لبن فإنه لا يتطهر به؛ لأن الله جعل آلة الطهارة هي الماء، قال تعالى: {{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} }.

الفائدة الثامنة والعشرون : أن الماء ما دام يطلق عليه اسم الماء فإنه مطهر ولو تغير بشيء طاهر، لعموم الآية: {{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} } و{{مَاءً} } نكرة في سياق النفي، فما دام اسم الماء باقياً فإنه يجب التطهر به ولو مع التغير.

الفائدة التاسعة والعشرون : وجوب طلب الماء، لقوله: {{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} } قال العلماء: ولا يقال: غير واجد إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، أما إنسان باقٍ قاعد ويقول: لم أجد، هذا غير صحيح.

ولكن كيف يكون هذا الطلب، هل يجب عليه أن يطلب الماء من مسافات بعيدة أو بقدر ما لا يكون فيه مشقة؟

الثاني، يعني يجب عليه أن يطلب الماء في الأماكن القريبة منه التي لا يلحقه حرج بطلب الماء فيها، وإذا تيقن عدم وجود الماء حوله فلا يجب عليه البحث عند كل صلاة؛ لأن هذا عبث ومنافٍ للحكمة ومنافٍ للشرع.

فإن قال قائل: لو كان في أرض ولا يعلم أن حوله ماء ثم وجد الماء بعد الصلاة قريباً منه هل يعيد أم لا؟

الجواب: نقول: إذا كان يعلم أنه لا ماء فيها وأن الماء حدث من بعد، كأرضٍ حفر فيها بئر بعد طلبه فهذا لا يعيد؛ لأنه جاهل، أما إذا كان لم يطلب ثم وجد الماء بعد صلاته فهذا عليه الإعادة؛ وذلك لأنه مفرط حيث لم يطلب، والله عزّ وجل يقول: {{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} }، ولا يجب على راجي الماء أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها لأنه توجه الأمر إليه من أول الوقت، لكن التأخير أفضل.

الفائدة الثلاثون : جواز التيمم من الصعيد الذي على ظهر الأرض أياً كان لقوله: {{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} } سواء كان هذا الصعيد رملياً أو حجرياً أو سبخة أو يابساً أو رطباً يعني: ندياً، المهم أنه يسمى صعيداً.

لو قال قائل: ورد في الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقبل على جدار فمسح وجهه ويديه[(73)] كيف يوجه هذا الحديث؟

الجواب: الجدار إذا كان عليه غبار فلا بأس بالتيمم ولو كان مطلياً بالدهان، وكذلك لو كان الصعيد غير متصل بالأرض كأن يأخذ حجراً أو رملاً وينقله إلى مكان، وكذا الغبار الذي يكون تحت السجادة أو الموكيت كل هذا جائز ولا بأس بالتيمم منه.

الفائدة الحادية والثلاثون: أنه لا ينقض الوضوء إلا الغائط سواء ببول أو بعذرة، لقوله تعالى: {{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} } ولم يذكر سوى ذلك، ولهذا لم يُجْمِع العلماء من نواقض الوضوء إلا على ما خرج من السبيلين القبل أو الدبر، فكل النواقض ما عدا هذا فيها خلاف.

وعليه فنقول: إنَّ القرآن دل على ناقضٍ واحد من نواقض الوضوء وهو الخارج من السبيلين من بول أو غائط، والبقية تحتاج إلى دليل، فإن وجد دليل من السنة أخذنا به وإن لم يوجد فالأصل بقاء الوضوء؛ لأن الإنسان توضأ بمقتضى دليل شرعي وارتفع حدثه بمقتضى دليل شرعي، فلا يمكن أن ننقض هذا إلا بدليل شرعي، فلننظر، من العلماء من قال: في الآية دليلٌ على أن مس المرأة ينقض الوضوء لقوله: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} } وفي قراءة: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ} } ولكن سبق في التفسير إن القول الراجح المتعين أن المراد بالملامسة الجماع، وبيَّنا وجه ذلك فيما سبق أثراً ونظراً، وننظر بقية النواقض.

الثاني: الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء: كالدم وما تفرع منه، والقيء، والعرق، والريق وما أشبه ذلك، كل هذا لا ينقض الوضوء، فإن ادعى أحد شيئاً من ذلك ينقض الوضوء قلنا: هاتِ الدليل، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يصابون بالجراح وكانوا يقيئون ومع ذلك ولشدة دعاء الحاجة إلى بيانه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على وجهٍ يثبت أن ذلك ناقض للوضوء وعلى هذا فلا نقض.

الثالث: لمس النساء من تقبيل أو مباشرة أو غير ذلك سوى الجماع، ليس في السنة ما يدل على أنه ناقض للوضوء، إلا إذا خرج شيء فيكون النقض بالخارج، وعلى هذا فلو أن إنساناً قَبَّلَ زوجته وهو على وضوء ولم يخرج منه شيء فوضوؤه باقٍ على حاله.

لو قال قائل: مس الذكر إذا كان بشهوة يجب فيه الوضوء، ومس المرأة مظنة للشهوة أكثر من مس الذكر ولا يجب فيه الوضوء، فما الجواب عن هذا؟

الجواب: صحيح هذا الإيراد الذي قد يورده مورد، فنقول: مس المرأة لم يرد عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالوضوء، بل كان يُقبِّل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ[(74)].

الرابع: النوم، والنوم أيضاً فيه خلاف يبلغ إلى ثمانية أقوال، هل ينقض أو لا ينقض؟ والصحيح أنه ناقض لكن بشرط: أن يكون مظنة الحدث وهو النوم المستغرق الذي لو أحدث الإنسان فيه لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يتراءى للإنسان الأحلام ولكنه مستيقظ ولو أحدث لأحس فهذا لا ينقض الوضوء، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، وأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من نعس في صلاته أن ينصرف، قال: «لأنه لا يدري أيدعو لنفسه أم يدعو عليها» [(75)] أو كما قال صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فدل ذلك: على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء، ولكن ما هو النوم اليسير؟ هو الذي لو أحدث الإنسان حال نومه لأحس بنفسه، ولا فرق بين أن يكون مضطجعاً أو متكئاً أو جالساً أو قائماً أو راكعاً.

الخامس: أكل لحم الإبل، وفيه خلاف، والنقض به من مفردات الإمام أحمد رحمه الله، والأئمة الثلاثة كلهم على خلافه، لكن الرجوع للدليل هو الحاكم، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: «توضؤوا من لحوم الإبل» [(76)] وأنه سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم» ، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، قال: إن «شئت» [(77)]، وهذا يدل على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، والدليل: أنه خَيَّرَ بين الوضوء وتركه في أكل لحم الغنم وقال في لحم الإبل: «نعم توضأ» فإذا خَيَّرَ في لحم الغنم دل على أن لحم الإبل لا خيار فيه، وأنه لا بد أن يتوضأ منه، ولا فرق بين أن يكون نيِّئاً أو مطبوخاً.

فإذا قال قائل: إنه قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أهل السنن من حديث جابر رضي الله عنه: «أن آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ترك الوضوء مما مست النار» [(78)] و{ : {مَا} }: اسم موصول يشمل لحم الإبل وغيره.

فالجواب: أن هذا عام ولحم الإبل خاص، ومعلومٌ أن الخاص يقضي على العام، وإنما قال جابر ذلك؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر أولاً أن يتوضأ الإنسان إذا أكل مما مسته النار، حتى الخبزة إذا أكلها يتوضأ منها، ثم بعد ذلك نسخ هذا الأمر وصار الوضوء مما مست النار ليس بواجب.

السادس: مس الذكر أيضاً فيه خلاف بين العلماء واختلفت فيه الأحاديث، ففي بعضها الأمر بالوضوء وفي بعضها أن لا وضوء منه، وعلل النبي عليه الصلاة والسلام عدم الوضوء منه بقوله إنه بضعةً منك: لما سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه وضوء؟ قال: «لا، إنما هو بَضْعَةٌ منك» [(79)]، و«البضعة»: يعني الجزء، ومعلوم أن الإنسان إذا مس جزءاً منه لا ينتقض وضوؤه، فلو مس رأسه أو مس يده الأخرى أو مس رجله أو بطنه أو ظهره لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس ذكره، كلها أعضاء، وهذا التعليل تعليل بعلة ثابتة لا يمكن أن تتغير؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذكر الإنسان غير بضعة منه، فهو لا يتغير، وإذا كانت العلة لا يمكن أن تتغير كان الحكم كذلك لا يمكن أن يتغير، ثم إن العلة هنا خبر من الرسول عليه الصلاة والسلام أي: أنها علة منصوصة بلفظ الخبر، والخبر لا يمكن أن يتخلف، وعلى هذا فلا وضوء من مس الذكر.

لكن قد ورد حديث آخر يقابله أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «من مس ذكره فليتوضأ» [(80)] وهذا عام، فيقال: هذا الحديث عام، وإن شئت فقل: مطلق، وإذا كان كذلك وجب أن يحمل على معنىً لا ينافي الحديث الأول، فما هو المعنى الذي لا ينافيه؟

نقول: إذا مس الإنسان ذكره كما يمس بقية أعضائه فإنه لا وضوء عليه؛ لأنه بضعة منه، أما إذا مسه للمعنى الذي يختص بالذكر وهو الشهوة فعليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحال ليس مسه كمس بضعة من الإنسان، بل مسه المس الذي يختص بالذكر وهو الشهوة ولأن الشهوة مظنة الحدث؛ لأن الإنسان قد يمذي بدون أن يشعر بذلك، فألحقت المظنة باليقين، وعليه فيكون الراجح في هذه المسألة: أن من مس ذكره لشهوة انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء، ومن مسه لغير شهوة فلا وضوء عليه، وهذا أعدل الأقوال وفيه الجمع بين الأقوال أيضاً؛ لأنك إذا قلت: لا وضوء، وافقت قول من يقول: لا وضوء فيه مطلقاً، وإذا قلت: فيه الوضوء؛ وافقت قول من يقول: إن فيه الوضوء مطلقاً، ويكون هذا التفصيل هو التحصيل.

تنبيه:

مس فرج الصغير لا ينقض الوضوء إلا إذا كان له سبع سنوات، وبعضهم يرى الإطلاق، والراجح كما تقدم لا بد من شهوة.

السابع : تغسيل الميت: لا دليل عليه، فحديثه ضعيف، ولا دليل على أنه ناقض للوضوء، وعلى هذا فلا يكون ناقضاً للوضوء حتى إذا قلنا: إن الميت كله عورة فإنه لا ينتقض وضوء غاسله، وأما حمل الجنازة: فلا ينقض الوضوء ولا أظن أحداً قال به.

الثامن : الردة، في الواقع أنها تحبط الأعمال كلها، ولكن الله اشترط لحبوط العمل بها أن يموت الإنسان على الكفر، لكن إذا قلنا: بأنه يجب على من أسلم أن يغتسل صار الوضوء واجباً من هذه الناحية، ووجوب الاغتسال لمن أسلم فيه خلاف أيضاً وربما يذكر إن شاء الله تعالى في مكان آخر.

الفائدة الثانية والثلاثون : أن التيمم جائز في الحدث الأصغر وفي الحدث الأكبر؛ لأن الآية واضحة، قال تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} } ثم قال: {{عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} } ذكر الله تعالى التيمم بعد الوضوء وبعد الغسل من الجنابة، فيكون في ذلك دليل على أن من عليه غسل الجنابة إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وهذه المسألة فيها خلاف قديم، حتى إن عمر رضي الله عنه أنكر على عمار بن ياسر الإفتاء بجواز التيمم للجنب، وكان يرى ـ أي: عمر ـ: أن من عليه جنابة ينتظر حتى يصل إلى الماء ثم يغتسل، ولكن عمار بن ياسر رضي الله عنه ذكر أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعثه هو وعمر في حاجة، وأن عمار بن ياسر أجنب فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ظناً منه رضي الله عنه أن طهارة التيمم كطهارة الماء، ومعلوم أن الجنب يجب عليه في طهارة الماء أن يعم بدنه فظن أن طهارة التراب كذلك، فتمرغ في التراب، ثم لما قدم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبره، «فأخبره النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه يكفيه أن يمسح وجهه ويديه»[(81)].

ثم قال عمار: يا أمير المؤمنين إن شئت أن لا أحدث به لِمَا أوجب الله عليّ من طاعتك فعلت؟ قال: لا، نوليك ما توليت؛ يعني: فحدث به، فجعل يحدث به، ثم إن الأمة أجمعت بعد ذلك على أن التيمم يكون في الجنابة ويكون في الحدث الأصغر.

لو قال قائل: هل الأولى لعادم الماء ألا يقرب زوجته لئلا يقع في الجنابة والحرج؟

الجواب: لعادم الماء أن يأتي أهله متى شاء ثم إذا لم يجد ماءً فليتيمم.

الفائدة الثالثة والثلاثون : الإشارة إلى أنه ينبغي لقاضي الحاجة أن يستتر حتى يتوارى عن الناس، وجهه قوله تعالى: {{مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ} } فإن هذا هو سنة الصحابة رضي الله عنهم في حياة نبيهم صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيكون هذا دليلاً على أن من هديهم الاستتار عن الأعين ولا شك أنه من كمال الأدب، أما البول، فليس من الأمور المذمومة أن يبول الإنسان أمام الناس إذا كان قد ستر عورته؛ لأنه فَعَلَهُ من هو أشد الناس حياءً محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حين أتى سُباطة قوم فبال فيها عليه الصلاة والسلام، قائماً وكان حذيفة رضي الله عنه حوله[(82)].

الفائدة الرابعة والثلاثون : حكمة الشرع في التطهير حيث كان الاقتصار على أربعة أعضاء في الحدث الأصغر؛ لأن هذه الأعضاء هي غالباً أدوات العمل وآلات العمل، فالبطش باليد، والمشي بالرجل، والبصر والشم والكلام في الوجه، والسمع والتخيل والتفكير في الرأس، فشرع تطهير هذه الأعضاء الأربعة.

أما في الجنابة فشرع للإنسان أن يطهر جميع بدنه؛ وذلك لأن الجنابة تخلخل البدن كله، ولهذا يضعف الإنسان إذا حصلت منه الجنابة، ويؤمر إذا أراد أن يعود أن يغتسل فإن لم يمكنه فليتوضأ، ويدل لهذا ـ أعني: أن الجنابة تؤثر على جميع البدن ـ أن الرجل إذا زنى وهو محصن فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت من أجل أن يذوق جميع بدنه ألم العقوبة كما ذاق لذة الشهوة المحرمة.

الفائدة الخامسة والثلاثون : التكنية عما يُستقبح ذكره لقوله: {{مِنْ الْغَائِطِ} } وقوله: { ٍ ٌ ً {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} }.

الفائدة السادسة والثلاثون : أن التيمم جائزٌ بجميع ما على الأرض سواء كان رملاً أم تراباً أم حجراً أم غير ذلك.

فإن قال قائل: ننازع في هذه الفائدة لقوله: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} } و{مِّن}: تقتضي التبعيض، ولا يمكن أن يَعْلَقَ شيءٌ باليد من الأرض إلا إذا كانت ترابيةً؟

قلنا: هذا الإيراد وارد بلا شك وهو دليل من يقول: إنه لا بد أن يكون التيمم بأرض فيها تراب، وأما التيمم على ما لا تراب فيه ولا غبار فيه فإنه لا يصح.

لكن الجواب على هذا الإيراد: هو أنه قد علم بالضرورة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسافر الأسفار الطويلة في أيام الشتاء وأيام الصيف، وفي أسفاره يمر بالرمال ويمر بالأرض الممطورة، ولم ينقل أنه كان يحمل التراب معه ولا أنه كان لا يتيمم على مثل هذه الأراضي، وبهذا اندفع هذا الاعتراض، وسبق أن قلنا في التفسير: إن { مِن } يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون للابتداء.

الفائدة السابعة والثلاثون : أنه لا بد أن يكون الصعيد الذي يتيمم منه طيباً وهو الطاهر، وضده النجس، ولكن ليس هناك صعيد يكون نجساً، بل لا بد أن يكون متنجساً والمتنجس كالنجس، وعلى هذا فلا يصح التيمم على أرض متنجسة لقوله تعالى: { {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} }.

الفائدة الثامنة والثلاثون : وجوب استيعاب الوجه بالمسح في التيمم، لقوله: {{بِوُجُوهِكُمْ} } ومن ثَمَّ يجب أن ننبه بعض العامة الذين إذا تيمموا مسحوا الأنف وما حوله وتركوا الباقي، فيقال: هذا لا شك أنه لا يجزئ؛ لأن الآية صريحة قال تعالى: {{بِوُجُوهِكُمْ} } أي: كلها.

الفائدة التاسعة والثلاثون : أن اليد عند الإطلاق لا يدخل فيها الذراع لقوله: {{إِلَى الْمَرَافِقِ} }.

الفائدة الأربعون : وجوب الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين، فيبدأ أولاً بالوجه ثم باليدين، وهل هذا الترتيب مطابق لترتيب الوضوء؟

الجواب: بلى فغسل اليدين بعد غسل الوجه، إذاً مطابق.

فإن قال قائل: «الواو» لا تقتضي الترتيب بل هي لمطلق الجمع؟

قلنا: لكن تقتضيه بالقرينة، القرينة هنا أن الله تعالى بدأ بالوجه وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أبدأ بما بدأ الله به» [(83)] فظاهر السنة الترتيب لكنه ليس قطعياً.

لكن لو قال قائل: ما الحكم إذا خالف التيمم الترتيب؟

الجواب: الفقهاء يقولون: إذا كان التيمم عن جنابة فلا بأس أن يخالف الترتيب في التيمم؛ لأن الغسل لا يشترط له الترتيب، والتيمم بدلاً عن الغسل، أما في الحدث الأصغر فلا بد من الترتيب، ولكن يقال: إن طهارة التيمم لا يمكن قياسها على طهارة الماء لوجود الفوارق الكثيرة بينهما، وإلحاق الفرع بالأصل لا بد أن يكون بينهما اتفاق يجمعهما.

الفائدة الحادية والأربعون: انتفاء الحرج في هذا الدين الإسلامي، لقوله: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} } أي: من مشقة، فالدين الإسلامي والحمد لله كله مبني على اليسر، وليس اليسر منوطاً بهوى كل إنسان؛ لأنه لو كان منوطاً بهوى كل إنسان لكان بعض الناس يشق عليه أن يقوم يصلي الفجر في الشتاء، ولكن المعنى أن كل ما شرعه الله فهو ميسر ليس فيه مشقة.

الفائدة الثانية والأربعون : إثبات الإرادة لله لقوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ} ... {وَلَكِنْ يُرِيدُ} }، فأثبت الله تعالى لنفسه الإرادة بنفي إرادة الحرج وإثبات إرادة التطهير.

الفائدة الثالثة والأربعون : إثبات الإرادة الشرعية لقوله: {{وَلَكِنْ يُرِيدُ} }.

الفائدة الرابعة والأربعون : رفع الحرج عن هذه الأمة تارةً يكون برفع المشروع بالكلية، وتارةً بتخفيفه، وتارةً بفعل بدله، فهذه ثلاثة أقسام: إما أن يرتفع التكليف بهذا الشيء الذي فيه الحرج بالكلية، وإما أن يخفف، وإما أن يجعل له بدل.

مثال الأول: كفارة القتل، إذا عجز الإنسان عن صيام شهرين متتابعين تسقط عنه، أي: ترفع عنه بالكلية.

مثال الثاني: القيام في الصلاة إذا عجز الإنسان عنها، يخفف فيصلي قاعداً إذا لم يستطع أن يصلي قائماً.

مثال الثالث: أن يكون إلى بدل، فالإنسان العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يلزمه أنه يصوم لكن عليه البدل وهو: إطعام مسكين عن كل يوم، فصار الأمر والحمد لله واسعاً، وبناءً على هذه القاعدة التي أخذناها من كلام ربنا عزّ وجل نقول: إن من عجز عن الكفارات أياً كانت الكفارة وقت الوجوب فإنها تسقط عنه، وأما قول بعض العلماء: إنه لا يسقط من الكفارات عند العجز إلا كفارة الجماع في الحيض، وكفارة الجماع في نهار رمضان فهذا الحصر لا دليل عليه.

والصواب: أن جميع الكفارات إذا كان حين وجوبها عاجزاً عنها فإنها تسقط، كما قلنا في الزكاة إذا كان فقيراً فإنه لا زكاة عليه، ولو اغتنى هل نقول: اقضِ عن السنوات التي مضت بعد التكليف؟ لا نقول بهذا.

الفائدة الخامسة والأربعون : سعة رحمة الله عزّ وجل حيث نفى الحرج عن عباده، ولكن لو سألنا سائل: أليس يوجد في بني إسرائيل شيء من الحرج في عباداتهم؟ قلنا: بلى، لكن ذلك بسببهم، هم الذين تسببوا في ذلك، قال تعالى: {{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا *}} [النساء: 160] ، إلى آخره.

الفائدة السادسة والأربعون : أن التيمم مطهر وليس بمبيح؛ لأن بعض أهل العلم رحمهم الله يرى أن التيمم يبيح ما كان محظوراً بدون الماء، يعني يبيح الصلاة بدون ماء؛ لأن الأصل أن الصلاة بدون ماء حرام، لكن إذا عدم الماء أو خيف الضرر باستعماله وتيمم أبيحت الصلاة.

فيرى بعض العلماء: أن طهارة التيمم استباحة لما كان محظوراً، وبناءً على هذا لو تيمم لقراءة القرآن، لم يصلِّ نافلة؛ لأن النافلة أعلى من قراءة القرآن، وإن شئت فقل: لأن وجوب الطهارة للنافلة أقوى من وجوب الطهارة لقراءة القرآن، بل الوضوء لقراءة القرآن سنة وليس بواجب، ومس المصحف هو الذي تجب له الطهارة، ولو نوى صلاة نافلة لم يصلِّ بذلك فرضاً؛ لأن الفرض أعلى من النفل، ولو خرج الوقت وهو على طهارته بطل تيممه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، وهذا الرجل لم يتيمم إلا للصلاة الحاضرة، والصلاة الحاضرة تنتهي بخروج وقتها، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن التيمم مطهر، ودلالة ذلك في كتاب الله وسنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، دلالته من كتاب الله قوله تعالى: {{وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} } فبعد أن ذكر الوضوء والغسل والتيمم، قال: {{وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} }.

وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» [(84)] والطهور بالفتح: ما تحصل به الطهارة، وعلى هذا فيكون التيمم مطهراً رافعاً للحدث، فإذا تيمم لقراءة القرآن يصلي به النافلة؛ لأنه تطهر، وإذا تيمم للنافلة يصلي به الفريضة، وإذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يصلي به الصلاة الأخرى، ما دام لم ينتقض وضوؤه وهلمَّ جرَّا.

وإذا تيمم عن الجنابة أول مرة كفاه فلا يتيمم بعد ذلك إلا عن الحدث الأصغر فقط؛ لأنه حين تيمم للجنابة تطهر منها وارتفعت الجنابة فلا حاجة إلى أن نقول: أعد التيمم للجنابة كلما دخل وقت الصلاة؛ لأن الله تعالى سمى ذلك تطهيراً، والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سمى الأرض طهوراً.

بقي أن يقال: هل إذا قلنا: إنه مطهر هل هو مطهر طهارة مقيدة بوجود الماء أو طهارة مطلقة بمعنى أنه لو وجد الماء فهو على طهارته فلا يجب عليه استعمال الماء؟

الجواب: الأول، وعلى هذا فإذا تيمم لجنابة ثم وجد الماء وجب عليه الغسل.

لو قيل: أليس قد طهر من الجنابة؟

الجواب: بلى، إذاً لماذا توجبون عليه الغسل وقد طهر من جنابته؟

نقول: لنا أدلة في هذا:

الدليل الأول: قصة الرجل الذي رآه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد صلاة الفجر أو إحدى الصلوات، فقال: «ما منعك أن تصلي؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» . ثم جاء الماء بعد ذلك فأمره أن يغتسل [(85)] مع أن الرجل تيمم وصلى فأمره أن يغتسل.

الدليل الثاني: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجد الماء فليتقِ الله وليمسه بشرته»[(86)].

إذاً: عندنا دليلان من السنة، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الإجماع منعقد على ذلك، يعني أن العلماء أجمعوا بأن من تيمم لعدم الماء ثم وجد الماء فلا بد أن يتطهر به، وكذلك إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فالصحيح أنه يقطع الصلاة لأن وجود الماء يبطل التيمم فيكون كالذي أحدث في أثناء الصلاة فيجب عليه أن يعيد الصلاة.

حينئذٍ تكون القاعدة بأنه مطهر فيها شيءٌ من الاستثناء، ولكن هذا الاستثناء دل عليه النص والإجماع، ومعلوم أننا لا نقدم على النص شيئاً؛ لأننا قلنا: إنه مطهر بالنص فإذا وجد الماء وقلنا: يلزمك استعماله فإنما قلنا ذلك بالنص، ونحن لا محيد لنا عما دل عليه الكتاب والسنة.

مثال ذلك: رجل تيمم لعدم الماء لصلاة الفجر وبقي إلى العشاء، أيعيد التيمم عند وقت كل صلاة؟ إن قلنا: لا، أخطأنا، وإن قلنا: نعم، أخطأنا، فالجواب ينبني على الخلاف، فإذا قلنا: إنه مطهر فلا يعيده ويصلي بتيمم الفجر صلاة العشاء، وإذا قلنا: إنه غير مطهر يعيد التيمم؛ أي: كلما خرج وقت الصلاة بطل التيمم، وعليه فإذا أراد أن يصلي الضحى بتيمم صلاة الفجر على القول بأنه مبيح لا رافع، لا بد أن يتيمم ثانية.

الفائدة السابعة والأربعون : أن الإنسان لو تيمم ولبس الخفين ثم وجد الماء فهل يمسح عليهما؟

الجواب: نقول: التيمم لا يتعلق به طهارة؛ لأن القدم ليس لها دخل في التيمم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للمغيرة رضي الله عنه: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» [(87)] فدل هذا على أنه لا يمسح الخف إلا في طهارة تشمل القدمين، وعلى هذا إذا كان الإنسان في البر وليس عنده ماء ولبس الخفين على غير طهارة، وجاء وقت الصلاة وتيمم، لا نقول: اخلع الخفين؛ لأن القدم لا تتعلق بها طهارة التيمم، إذاً يبقى لابساً للخفين ولو يبقى عشر سنوات وطهارته تيمم فإنه لا حرج عليه.

الفائدة الثامنة والأربعون : إثبات الحكمة في شرع الله، وجه ذلك التعليل في قوله تعالى: {{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} } وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة من وجوه لا تحصى، أن الله سبحانه وتعالى حكيم في كل ما يخلق وفي كل ما يشرع.

الفائدة التاسعة والأربعون : وهي متفرعة عن الفائدة السابقة الاستسلام لقضاء الله الشرعي والكوني، فما دمت تعتقد أن هذا الحكم مبني على حكمة فسوف تستسلم، وتقول: ما دام لحكمة فإننا راضون، وكذلك لحكم الله الكوني، إذا أراد الله الجدب، أو أراد الله الفقر والمرض وكثرة الموت، فإننا نعلم أن هذا لحكمة ليس عبثاً ولا لمجرد المشيئة، بل هو لحكمة، وحينئذٍ نستسلم للقضاء الكوني والقضاء الشرعي.

لكن من أهل البدع من نفى الحكمة، وقال: إن الله تعالى لا يفعل لحكمة ولا يشرع لحكمة إنما هي مجرد مشيئة، ويأتي بشبهات منها حديث عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك (يعني: الحيض) فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» [(88)]، ولكن يقال: إن الأمر الشرعي عند المؤمنين هو حكمة، يعني مجرد أن أعرف أن الله شرعه أنا أؤمن بأنه لحكمة، فعائشة رضي الله عنها فوضت الحكمة إلى الله عزّ وجل؛ لأن هذا هو ما يؤمرون به وكفى بذلك حكمة.

الفائدة الخمسون : أن الطهارة بأقسامها الثلاثة: الغسل والوضوء والتيمم نعمة من الله عزّ وجل على العباد، لقوله: {{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} }، ولا شك أنها نعمة ومن رأى فضائل الوضوء وما يكفر من الذنوب، عرف نعمة الله عزّ وجل بهذا وكذلك الغسل من الجنابة ولاسيما في أيام الشتاء وأيام المشقة.

لو قال قائل: جماعة مشتركون في ماء، والماء لا يكفي أن يتطهر به الجميع فماذا يصنعون؟

الجواب: إن آثر أحدهما الآخر قلنا: الإيثار بالواجب لا يجوز، فلم يبقَ علينا إلا القرعة.

لو قال قائل: رجل عنده ماء قليل، كنصف قارورة صغيرة، وهذا الماء لا يكفي إلا لغسل وجهه ويديه فماذا يصنع؟

الجواب: إذا كان لا يكفي إلا غسل وجهه ويديه يستعمله ويتيمم عن الباقي.

فلو قيل: ذكرتم فيما سبق أنه لا يُجمع بين الطهارتين؟

فالجواب: نقول: لا يجمع بين طهارتين كاملتين، يعني أن الإنسان يتوضأ وضوءاً كاملاً ويتيمم، أما إذا لم يجد إلا بعض الماء، فقد قال الله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» [(89)] وقد أمرنا بالوضوء ولم نستطع إلا بعضه، وإذا قلنا: لا بد من الغبار فلا بد أن ينشف يديه قبل أن يتيمم، وإذا قلنا: ليس بشرط فلا بأس.

الفائدة الحادية والخمسون: أن الشكر هو العمل الصالح، لقوله تعالى: {{تَشْكُرُونَ}}.

فلو قال قائل: ما هو الشكر؟ نقول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم بَيَّنَهُ في قوله: «إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ}} [البقرة: 172] ، وقال: {{يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}} [المؤمنون: 51] »[(90)].

إذاً: فشكر الله هو العمل الصالح، ولا شك أن تفسير كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم وكلام الله عزّ وجل بعضه ببعض أولى من أن نلتمس تفسيرات أخرى، لكن ذكرنا فيما سبق أن الشكر محله القلب واللسان والجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، وأما الحمد فإنه يكون في مقابلة نعمة أو على كمال صفة المحمود ويكون بالجوارح واللسان.

* * *

قال الله تعالى: {{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *}} [المائدة: 7] .

قوله تعالى: {{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}} إنما أمر الله تعالى أن نذكر النعمة: من أجل أن نعرف فضله علينا حتى يسهل علينا الانقياد لطاعته؛ لأن الإنسان بمقتضى فطرته وطبيعته لا بد أن ينقاد لمن أحسن إليه فيقول عزّ وجل: {{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}} تـذكـروهـا، {{وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} } يعنـي العهد الذي عاهدكم به وهو قوله: {{إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} } فإن قول المؤمن: سَمِعنَا وَأَطَعنا، يعني التزامه بكل الشريعة بدون تفريط، بين أن يكون مما يهواه قلبه أو مما لا يهواه.

وقوله: {{سَمِعْنَا} }: أي: فيما يقال، {{وَأَطَعْنَا} }: أي: فيما يؤمر وينهى، فيتضمن تصديق الخبر وامتثال الأمر واجتناب النهي.

قوله: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ} } اتخذوا وقاية منه جلَّ وعلا وذلك بفعل أوامره وترك نواهيه على علم وبصيرة.

قوله: {{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} } الجملة هذه تعليل تتضمن التهديد، يعني أنه لا بد أن تكون التقوى مبنية على صلاح القلب وليست مجرد قول باللسان، بل لا بد أن تكون تقوى الإنسان في قلبه وجوارحه، ولهذا قال: {{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} } أي: بصاحبة الصدور، وما هي صاحبة الصدور؟

الجواب: هي القلوب، واعلم أن كلمة «ذات» تطلق في اللغة العربية على عدة معانٍ: منها أنها تطلق اسماً موصولاً في لغة طيء، كما قال ابن مالك رحمه الله:

وكالتي أيضاً لديهم ذاتُ***...........................

فقولنا: (جاءت المرأة التي أطاعت الله)، في لغة طيء يقولون: (جاءت المرأة ذات أطاعت الله)، فهي عندهم بمعنى «التي».

وتطلق أيضاً على الجهة، مثل قوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}} [الأنفال: 1] ، أي: الجهة أو الصلة التي بينكم.

وتطلق بمعنى صاحبة كما في هذه الآية: {{بِذَاتِ الصُّدُورِ} } أي: بصاحبة الصدور، ولا تطلق على النفس إلا في اصطلاح المتكلمين، فإنهم يطلقون الذات على النفس أي: على ما يقابل الصفة، ولهذا نجد في كلام الذين يتكلمون في العقائد نجد كثيراً ما يقولون: الذات والصفات، ويعبرون بالذات عن النفس، فقوله تعالى: {{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}} [آل عمران: 28] ، إذا أردنا أن نفسرها على حسب اصطلاح المتكلمين نقول: نفسه، أي: ذاته، وليست نفس الله عزّ وجل صفة سوى الذات بل هي الذات نفسها، فقول بعض أهل العقائد: ونثبت لله نفساً، قد يفهم منه بعض الناس، أن النفس صفة زائدة على الذات وليس كذلك، ولكن يريدون أننا نصف الله بالنفس فقط، ولكنها ليست هي صفة مستقلة بل هي الذات نفسها. فقوله: {{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}} كقوله تماماً: يحذركم الله الله، أي: أن الله عزّ وجل له نفس، وقوله: {{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}} [المائدة: 116] ، يعني: ما عندك وما عندي، فيجب التنبيه لهذا؛ لأن بعض الناس إذا قرأ في كتب العقائد «نثبت لله نفساً» فيظن أن ذلك صفة زائدة على الذات وليست كذلك.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أن من المشروع أن يذكر الإنسان نعمة الله، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ في ذلك تفصيل: فإن أدى عدم ذكرها إلى نسيان الواجب، كان ذكرها واجباً، مثل أن يرى نفسه قد شطحت وأبعدت عن فعل المأمور وترك المحذور فليذكرها نعمة الله، فليقل مثلاً: اذكري أيتها النفس نعمة الله عليك بالعافية وبالصحة وبإرسال الرسل وبإنزال الكتب وببيان الحق وما أشبه ذلك.

الفائدة الثانية: إثبات أن لله تعالى علينا نعمة وهو أمر لا يحتاج إلى برهان، ولكن هل النعمة تكون للمؤمن والكافر أو للمؤمن وحده؟

نقول: أما النعمة العامة التي يشترك فيها البهائم والإنسان فهي للمؤمن والكافر، فالكافر يتمتع بنعمة الله كما تتمتع البهيمة، وأما النعمة الخاصة: التي هي نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان والعلم فهذه خاصة بالمؤمن، فإذا سألك سائل: هل لله على الكافر نعمة؟ فقل: في ذلك تفصيل. أما النعمة العامة فنعم، قال تعالى: {{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}} [النحل: 53] ، وأما الخاصة: فإنه لا يدخل فيها الكافر؛ لأنها خاصة بالمؤمنين.

الفائدة الثالثة: أنه يجب على الإنسان أن يذكر الميثاق الذي واثق الله عليه وهو العهد بالسمع والطاعة.

فإن قال قائل: نحن لا نذكر هذا الميثاق؟ قلنا: إن عقد الميثاق يكون بالقول وبالفعل، أما القول فإننا لا نستحضره، حتى لو صح حديث: «إن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأخذ عليهم العهد والميثاق» [(91)]. وأما الفعل فنعم، هو ثابت وذلك بما فطر الله عليه الإنسان من التوحيد والاعتراف بالله عزّ وجل، وكذلك أيضاً بما أعطاه من العقل الذي يميز به بين الحق والباطل والصدق والكذب، وهذا ميثاق بالفعل، يعني أنت لا تستحضر أنك عاهدت الله عزّ وجل بالقول، لكن بما أعطاك من العقل والفطرة صار ذلك عهداً.

لو قال قائل: ما صحة قول: من قال: إن الميثاق هو الميثاق الذي أخذه النبي صلّى الله عليه وسلّم في بيعة الرضوان أو بيعة العقبة؟

الجواب: لا؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لما نزل قول الله تبارك وتعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *}} [آل عمران: 102] قالوا: ما نطيق هذا، فأمروا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ثم خفف عنهم.

الفائدة الرابعة: أن السمع المجرد لا يغني شيئاً، فلا بد أن يكون سمعاً واستجابة، فأما مجرد السمع فلا، وذلك لقوله: {{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} } ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: {{وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ *}} [الأنفال: 21] ، فنفى الله عنهم السمع؛ لأنهم لم يأتوا بفائدة السمع وهي الطاعة، فعلى هذا لا يكفي مجرد السماع بل السماع حجة على العبد، فعليه عند السماع أن يمتثل.

الفائدة الخامسة: فضيلة التقوى وأنها مبنية على تذكر العهد والميثاق، لقول الله تعالى: {{وَاتَّقُوا اللَّهَ} } وقد قلنا: إن أجمع كلمة في معنى التقوى هي: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.

الفائدة السادسة: تهديد من خرج عن التقوى، بقوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} }.

الفائدة السابعة: أن التقوى محلها القلب، لقوله: {{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} } يعني فاجعلوا مدار التقوى على القلوب. ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» [(92)] نسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعاً.

الفائدة الثامنة : عموم علم الله وأنه شامل لما ظهر وبطن، ووجه الدلالة من الآية: أنه أخبرنا بأنه عليم بذات الصدور، فيقتضي أنه كان عالماً بالظاهر والباطن.

* * *

قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ *}} [المائدة: 8] .

في الآية قراءتان: قراءة بالسكون: {شَنْئَانُ}، وقراءة بالفتح: {{شَنَآنُ} } والظاهر والله أعلم أن سبب القراءة بالسكون هو التخفيف؛ لأن {{شَنَآنُ} } فيها شيء من الثقل، لتوالي الحركتين، فإذا قيل: {شَنْئَانُ} صار ذلك أخف، على كل حال التعليل هذا تعليل لما وقع لا لما سيقع. بمعنى أنه ليس لنا أن نتصرف ونختار اللفظ الأسهل على اللسان لكن نعلل ما وقع من القراءات؛ لأن القراءة توقيفية.

قوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } سبق مراراً مثل هذه الصيغة وبيان ما يترتب عليها.

قوله: {{كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ} } {{كُونُوا} }: أَمْرٌ بأن نكون، والأمر هنا شرعي.

وقوله: {{قَوَّامِينَ} }: أي: ذوي قيام، وإنما قلت ذلك؛ لئلا يقال: إن الأمر في كثرة القيام وليس في القيام أصله، فنقول: «قوامين» التشديد فيها للنسبة وليس للكثرة، ويحتمل أن نجعلها للكثرة باعتبار كثرة المخاطبين، فإذا كانوا أمة فقام واحدٌ بهذا وقام واحد بهذا، وواحد بهذا صار المجموع كثيراً، فصاروا قوامين.

على كل حال: إن جعلت «فعَّالاً» للكثرة فهي باعتبار المجموع، إذا كان كل واحدٍ قائماً بالقسط وهم أمة صح أن يقال: قوامون، وإن جعلتها غير مبالغة فهي للنسبة، أي: كونوا ذوي قيام، فتشمل القليل والكثير.

والحاصل: أننا إذا قلنا إنه موجه للكثرة صار الذي يأتي بمرة واحدة ليس داخلاً في الأمر وليس ممتثلاً له، وإنما نأخذ ذلك من أدلة أخرى؛ لأن الذي قام بالقسط مرة واحدة قد امتثل، وإذا كان مأموراً به في واحدة فمن باب أولى يكون مأموراً به في كل مرة، وضابط التفريق بين المعنيين القرينة والسياق، فقول الله تعالى: {{وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}} [فصلت: 46] لو قال قائل: إن هذه للكثرة ما استقام؛ لأن المنفي على هذا المعنى هو كثرة الظلم فقط، فإذا قلنا للنسبة صح ذلك؛ لأن الله جلَّ وعلا نفى عن نفسه نسبة الظلم إليه ولو مرة واحدة، وأيضاً إذا قلت: «لا تكن أكَّالاً» فالمعنى لا تكثر الأكل، وليس المعنى لا تأكل أبداً، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لعن الله زوارات القبور» [(93)] فلا تدخل نهائياً؛ لأنه صح الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه لعن زائرات القبور[(94)].

وقوله: {{قَوَّامِينَ لِلَّهِ} } «اللام» هنا: إشارة إلى الإخلاص، أي: اجعلوا قيامكم بالقسط أي: بالعدل لله عزّ وجل، لا تخشوا في ذلك أحداً ولا تحابوا بذلك أحداً.

قوله: {{شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} } شُهَدَاءَ: نقول في إعرابها: يجوز أن تكون حالاً من فاعل قوامين، يعني: قوامين حال كونكم شهداء، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً لـ«كان»؛ لأن تعدد الخبر جائز، قال الله عزّ وجل: {{وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ *ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ *}} [البروج: 14 ـ 15] ، أربعة أخبار: الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد.

قوله: {{شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} } «شهداء»: جمع شهيد أو جمع شاهد، المعنى: أنكم إذا شهدتم فاشهدوا بالعدل.

قوله: {{بِالْقِسْطِ} } أي: العدل، وقد جاء في الحديث: «المقسطون على منابر من نور على يمين الله عزّ وجل»[(95)].

قوله: {{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} }: {{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} }: أي: لا يحملنكم، {{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} }: أي بغض، {{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} }: هم الجماعة من الناس، فإذا قيل: «قوم» وذكر معه نساء، فالقوم هم الرجال، والنساء للإناث، كقوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ}} [الحجرات: 11] ، وإذا ذكر «قوم» وحده صار شاملاً للرجال والنساء، قال تعالى: {{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ}} [الأعراف: 59] ، يعني الذكور والإناث.

وقوله: {{شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} } «على»: حرف جر، «أن»: مصدرية، «لا»: نافية، «تعدلوا»: فعل مضارع منصوب بـ«أن» وعلامة نصبه حذف النون، و«أن» وما دخلت عليه في محل جر، والتقدير: لا يحملكم بغضهم على عدم العدل وهو الجور.

وقوله: {{اعْدِلُوا} } حتى فيمن تبغضون، «اعْدِلُوا»: أي: قولوا بالعدل. والعدل: هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه.

قوله: {{اعْدِلُوا} } أي: العدل، وقلنا ذلك مع أنه لم يسبق ذكر العدل؛ لأن العدل مفهوم من الفعل الذي هو: اعدلوا؛ لأن مرجع الضمير قد يكون منصوصاً عليه بلفظه، وقد يكون بلفظ دال عليه، فهنا قوله {{اعْدِلُوا} }: دالٌ على أن الفعل مشتق من العدل، فيكون قوله: {{اعْدِلُوا} } أي: العدل الذي أمرتم به أقرب للتقوى ولم يقل: هو التقوى، بل قال: أقرب للتقوى؛ وذلك لأن العدل قد يحمل عليه مخافة الله فيكون تقوى، وقد يحمل عليه محبة الثناء عند الناس فلا يكون تقوى، ولهذا جاءت الآية الكريمة: {{أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} }.

قوله: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ} } بعد أن أمر بأن نكون قوامين، ونهى أن يحملنا البغض على ترك العدل ثم أمر بالعدل، قال: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ} } وهذه كالطابع على ما سبق.

قوله: {{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} } هذه الجملة نقول فيها مثل قولنا فيما سبق في قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} } [المائدة: 7] يعني أنها جملة تتضمن التهديد بمخالفة التقوى.

وقوله: {{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ} } قالوا: إن الخبير أدق من العليم؛ لأن الخبير من الخُبْر وهو العلم ببواطن الأمر، ولذلك سميت المزارعة مخابرة؛ وسمي الزارع خبيراً؛ لأنه يدس الحب في الأرض فيختفي، فالخبير هو العليم بخفايا الأمور.

قوله: {{بِمَا تَعْمَلُونَ} } أي: بالذي تعملونه من قول أو فعل، وذكر الله جلَّ وعلا هذا لكي نستقيم على أمره؛ لأننا لو خالفنا أمره لكان عالماً بنا سبحانه وتعالى.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: وجوب الإخلاص لله عزّ وجل في الشهادة لقوله: {{كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} }، وقال في آية أخرى: {{وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}} [الطلاق: 2] ، واعلم أنك إذا كنت مخلصاً لله بالشهادة فإنك لن تحابي قريباً ولا صديقاً، ولن يحملك بغضك لشخص على أن لا تشهد له ما دمت مخلصاً لله تعالى بالشهادة.

الفائدة الثانية: أن الواجب على الإنسان أن يشهد بالقسط ـ أي: بالعدل ـ ولو كان المشهود عليه قريبك، أباك أو أخاك لقوله تعالى في سورة النساء: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ}} [النساء: 135] ، ولا تعد شهادة الإنسان على أبيه وأمه عقوقاً بل هي بر؛ لأنك إذا شهدت عليهما منعتهما من الظلم وقد جعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم منع الظالم من ظلمه نصراً للظالم، فقال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» ، قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فيكف نصر الظالم؟ فقال: «تمنعه من ظلمه»[(96)].

الفائدة الثالثة: وجوب الشهادة بالقسط ولو كنت كارهاً؛ لأن بعض الناس قد يحمله كراهة أن يتضرر الشخص على كتمان الشهادة فتجده مع نفسه في صراع: هل يشهد أو لا يشهد؟ فالواجب أن لا يحملك قرب قريب أو بغض بعيد على أن لا تشهد، اشهد بالعدل.

لو قال قائل: أنا لا أريد أن أشهد مخافة أن يلحقني أذى فأكون آثماً بهذا؟

الجواب: يقول العلماء: إذا خاف ضرراً لا يحتمل فلا بأس، لكن يبين الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان الضرر يحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز كتم الشهادة.

الفائدة الرابعة: أن أساليب القرآن الكريم وإن شئت فقل ـ وهو أولى ـ أن تعبير القرآن الكريم بالعدل يدل على بطلان قول من يقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة، فهذا على إطلاقه فيه نظر؛ لأنهم يريدون بهذا أن لا يفرقوا بين الرجل والمرأة، ويريدون بهذا أيضاً أن لا يفرقوا بين المسلم والكافر، ويريدون بهذا أن لا يفرقوا بين البر والفاجر، والله تعالى قد أنكر هذا إنكاراً عظيماً فقال: {{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ *} {مَا لَكُمْ} } ما هذا الحكم؟ ما الذي حملكم عليه؟ {{كَيْفَ تَحْكُمُونَ}} [القلم: 35 ـ 36] هذا الحكم؟ وقال تعالى: {{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}} [الزمر: 9] .

وإذا تدبرت القرآن وجدت نفي المساواة فيه أكثر من إثباته، وأن الذي في القرآن هو العدل: وهو إعطاء كل ذي حق ما يستحق، ولذلك العبارة السليمة أن نقول: الدين الإسلامي دين العدل، وهو الذي أمر الله به في قوله: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى}} [النحل: 90] ، نعم إذا اتفق الناس في الحقوق صح أن نقول: إنه دين المساواة، إذا اجتمعوا في سبب الحكم وغاياته حينئذٍ نقول: هو دين المساواة، يعني إذا سرق الشريف وسرق الوضيع، هنا نقول: لا بأس ألاَّ يفرق بين الشريف والوضيع وأنه يسوى بينهما؛ لأن التسوية هنا عدل.

وعلى هذا فنقول: إذا كانت المساواة هي العدل فنعم، أما المساواة التي يرمي إليها هؤلاء فهذا ليس بصحيح، فالدين يفرق تماماً، في كل موطن تكون الحكمة فيه هي التفريق، لهذا يجب على طالب العلم إذا رأى بعض كتب المُحْدَثِين المعاصرين يقولون: الدين الإسلامي دين المساواة، يقول: قف، من قال هذا؟ هاتِ آية في إثبات التسوية، وأنا آتي لك بآيات كثيرة في نفي التسوية، لكن بدلاً من أن تقول هذا هاتِ الكلمة الحبيبة التي ترد على القلب ورود الماء البارد على كبد العطشان وهي العدل.

الفائدة الخامسة: أن العدل أقرب للتقوى وهو صريح.

الفائدة السادسة والسابعة: أن الأعمال الصالحة منها ما يبعد عن التقوى ومنها ما يقرب، وينبني على الفائدة السابقة تفاضل الأعمال، وتفاضل الأعمال قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، وأن الأعمال تتفاوت والعمال يتفاوتون أيضاً قال تعالى: {{لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}} [الحديد: 10] ، مع أنهم كلهم صحابة لكن لا يستوون، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام لخالد بن الوليد حين حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ما حصل قال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» [(97)] هذا يقوله النبي صلّى الله عليه وسلّم بين صحابي وآخر فكيف بمن بعدهم؟ هذا اختلاف في العمال.

وكذلك أيضاً اختلاف الأعمال قال تعالى: {{لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}} [النساء: 95] وهلمَّ جرَّا، فالأعمال تتفاضل، ويلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأعمال تتفاضل، والعمال يتفاضلون، وأن الإيمان يزيد وكذلك ينقص.

الفائدة الثامنة: فضيلة التقوى، وانظر كيف يكرر الله عزّ وجل التقوى في آيات كثيرة؛ لأنها في الحقيقة عليها مدار الإسلام، فإذا اتقى الإنسان ربه فسوف يقوم بدين الله تعالى على ما يريد الله جلَّ وعلا.

الفائدة التاسعة: تهديد من خالف تقوى الله لقوله: {{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} }.

الفائدة العاشرة: سعة علم الله، وأنه سبحانه وتعالى عالم ببواطن الأمور، وقد قال الله عن نفسه: {{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}} [الحديد: 3] ، وفسر النبي صلّى الله عليه وسلّم الباطن بأنه: «الذي ليس دونه شيء» [(98)] فليس دون الله شيء، كل شيء يراه، كل شيء يعلمه، كل شيء يقدر عليه، كل شيء في قبضته، ليس دونه شيء، وهذا قريب من قوله: {{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} }.

الفائدة الحادية عشرة : أن خبرة الله شاملة للعمل، واعلم بأنه إذا قيل: عمل فهو للقول والفعل، القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، لكن الفعل يطلق غالباً على عمل الجوارح فقط، أما العمل فيطلق على هذا وهذا حتى إن شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية ـ تلك العقيدة المباركة ـ قال: إن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، فجعل للقلب عملاً وله قولاً وهو كذلك.

فقول القلب: هو إقراره وتصديقه وإيمانه، وفعله: رجاؤه وخوفه وتوكله وما أشبه ذلك ففيه نوع حركة قلبية، أما القول فهو: إقرار وتصديق.

* * *

قال الله تعالى: {{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ *}} [المائدة: 9] .

قوله: {{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} } «وعد»: يقال: «وعد» ويقال: «أوعد»، قالوا: «أوعد» في الشر «ووعد» في الخير، وبنوا عليه قول الشاعر:

وإني وإن أوعدته أو وعدتـه***لمخلفُ إيعـادي ومنجزُ موعدي

فالإيعاد في الشر، والوعد في الخير.

قال: «وعد الله»، ولم يقل: أوعد؛ لأن الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن هذا الذي قاله بعض أهل العلم قد ينازع فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الوعد في العقوبة فقال: {{وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}} [التوبة: 68] ، وهذا مما يدل على أن الوعد يأتي في الخير ويأتي في الشر.

وهذا مطرد في القرآن، ولو كان غير مطرد لقلنا: إن إيعاد الله جلَّ وعلا الكفار بالنار على وجه السخرية كقوله تعالى: {{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ}} [النساء: 138] لكن لم يأتِ في القرآن ولو مرة واحدة (أوعد) في حق الكفار والمنافقين فهو غير مطرد.

قوله: {{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} } {{آمَنُوا} }: أي: بما يجب الإيمان به، وقد بَيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»[(99)].

وقوله: {{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} }: يعني عملوا الأعمال الصالحات، فالصالحات: صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، فمتى يكون العمل صالحاً؟ يكون العمل صالحاً إذا تضمن أمرين: الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان من أمة محمد أو من الأمم السابقة.

فلا بد من أمرين: الأول: الإخلاص لله عزّ وجل؛ لأن العبادة حق لله وحده فلا يجوز أن تشرك بها معه غيره، وللأدلة الكثيرة الدالة على وجوب الإخلاص لله تعالى في العبادة كما في قوله: {{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}} [الزمر: 2] ، وأيضاً قوله: {{وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}} [البينة: 5] ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» [(100)] والنصوص في هذا كثيرة.

أما المتابعة: فلأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(101)] فأيُّ عمل ليس عليه أمر الله ورسوله من عبادات أو معاملات فإنه مردود على صاحبه، إذاً: لا بد أن يكون العمل عليه أمر الله ورسوله.

ولا تتحقق المتابعة إلا إذا وافق العملُ الشريعة في أمور ستة؛ الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: النوع، أو الكيفية والتعبير بالكيفية أوضح، والرابع: القَدْر، والخامس: المكان، والسادس: الزمان، فلا بد أن تكون الموافقة للشريعة في هذه الأمور الستة.

فمن تعبد لله عبادةً علقها بسبب لم يجعله الله ورسوله سبباً فالعبادة باطلة لأنها بدعة مردودة، مثال ذلك: أن يقول المرء كلما لبس ثوباً: اللهم صلِّ على محمد، فقيل له: لماذا؟ قال: أتذكر لبس النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للثوب فأصلي عليه، فنقول له: هذه العبادة بدعة؛ لأنها لم ترد عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولا عن أصحابه أنهم كانوا يصلون على النبي إذا أرادوا اللباس.

ولا بد أيضاً أن يكون موافقاً للشرع في جنس العبادة، فإن تعبد لله بما لم يشرع جنسه فالعبادة مردودة عليه، ومثال ذلك: أن يضحي بفرس بدلاً عن البقرة فنقول: هذه الأضحية غير مقبولة؛ لأنها ليست من جنس ما شرع الله ورسوله فلا تقبل.

وأيضاً لا بد أن يكون موافقاً في النوع أو الكيفية وهو أخص من الجنس، فمن تعبد لله عزّ وجل بعبادة لم يشرع نوعها، فإنها لا تقبل، كما لو أحدث أذكاراً مشروعة من حيث الجنس، لكنها لنوع آخر فإنها لا تقبل لقول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(102)]، وكما لو سجد قبل الركوع فإنها لا تقبل لمخالفة الشريعة في الكيفية، وتقدم أننا أحياناً نعبر بالنوع وأحياناً بالكيفية، فالنوع هو الكيفية.

كذلك أيضاً لا بد أن يكون العمل موافقاً للشرع في قدر العبادة، فلو تعبد لله تعالى بعبادة زائدة أو ناقصة لم تقبل منه، كما لو صلى الظهر خمساً أو صلاها ثلاثاً لم تقبل لمخالفة الشريعة في العدد.

ولا بد من أن يكون العمل موافقاً للشرع في مكان العبادة كما لو اعتكف الإنسان في بيته بدلاً عن المسجد وانقطع للعبادة في البيت، فإنها لا تقبل، لأنها غير موافقة للشرع في المكان. ولا بد من موافقة العمل للشرع في زمان العبادة كما لو صام الإنسان في غير رمضان عن رمضان لم تقبل؛ لأنه في غير الزمن المشروع، وكذلك لو وقف بعرفة في غير يوم عرفة، أو رمى الجمرات في غير موسم الحج أو ما أشبه ذلك.

إذاً العمل الصالح هو ما وافق الشريعة في هذه الأمور الستة.

يقول الله عزّ وجل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: {{لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} } وهذا في مقابل الذنوب {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} في مقابل الحسنات فالسيئات تغفر والحسنات يثابون عليها هذا الثواب العظيم.

لو قال قائل: ما حكم الأيام التي تقام في بعض البلدان من الاحتفال بأيام المناسبات والذكرى كيوم كذا ويوم كذا مما لا يتقرب به إلى الله، لأن بعض أهل العلم يقولون: هذه بدعة، وبعضهم يقول: ليست بدعة، لأننا لا نتقرب بها إلى الله، إنما هي مناسبات للتنشيط والذكرى، مع أنكم ذكرتم أن البدعة ما خالفت الشرع في الست المتقدمة؟

الجواب: بالنسبة لهذه الأيام بعض العلماء قال: إنها ليست بدعة، يعني يوم الشجرة ويوم كذا ويوم كذا، يقولون هذه الأيام المقصود بها تذكير الناس، أما إذا كانت المناسبة مناسبة تولي أمير على إمرة، أو رئيس على رئاسة، أو ملك على ملك، فهذا إنما يفعل للتعظيم ولا يجوز؛ لأن الأعياد لا يجوز أن تكون إلا بمناسبات شرعية، وأما المناسبات غير الشرعية لا تشرع، لكن ما يذكر عن أيام الشجرة وأشباهها، يقولون: إننا لا نتخذها على سبيل أنها عيد، ولذلك لا نخصها بيوم معين إنما هي تذكير وتنشيط وكأنها ابتداء عمل، ولكن عندي لو أن الناس تنزهوا عنها لكان أحسن.

لكن لو قال قائل: قلتم: إن هذه الأيام ليست أعياداً بل لشحذ الهمة لكن ألا يشكل على هذا أنها تشبه بالكفار كأسبوع كذا ويوم كذا؟

الجواب: علة التشبه بالكفار تشتبه على كثير من الناس مع أن الأئمة نصوا على أنه: إذا كان مصدر الشيء من غير المسلمين ثم انتشر وصار المسلمون يفعلونه زال التشبه؛ لأن التشبه حقيقته: أن يقوم الإنسان بما يختص بالغير، وما دام أن هذه المسألة شاعت بين المسلمين فلا تعد تشبهاً، مثال ذلك: لبس البنطلون أتى من الكفار لكن تبعهم المسلمون وصار الآن يلبسه المسلم والكافر.

لو قال قائل: ما حكم تحري الإنسان لأوقات كاجتماع الناس في حفل أو فرح، فيتحرى هذا الوقت ويذهب ويخطب ويعظهم بخير، وكذلك إذا رآهم مجتمعين في عزائم في بيت أو غيره، وهل يعتبر هذا بدعة لأنه خصص هذا بالزمان أو المكان؟

الجواب: أما من جهة الموعظة فإذا وجد سبب لها فإنها تفعل في أي مكان، لكن إذا اتخذ هذا راتباً وكأنه هو السبب، قلنا: هذا خطأ، فمثلاً: الاجتماع في العرس أو في وليمة كبيرة، إذا رأى الإنسان من المناسب أن يتكلم، وذلك بأن رآهم متشوفين لكلامه، والناس يختلفون في هذه الناحية، فمن الناس رجالٌ يتشوف الناس إلى كلامهم ويتمنون أن يتكلموا، فهنا نقول: الكلام جيد، وكذلك لو طلب منه أن يتكلم، فهنا أيضاً نقول: تكلم؛ لأنك سئلت العلم، فإذا سئلت العلم فبيِّنه، أما إنسان ليس ذا أهمية عند الناس ولا الناس يترقبون كلامه يفرض نفسه عليهم ثم يتكلم في مثل هذه المناسبات، لا شك أن هذا فيه تضييق على الناس، وكثير من الناس يأتون إلى هذه الحفلات فيجتمع بعضهم ببعض مع طول الزمان ويتساءلون عن أحوالهم وعن قراباتهم، فيقطع هذا عليهم ما يريدون أو ما يتكلمون فيكون شهرة بين الناس، هذه واحدة، وكذلك العزاء أشد وأشد، لأن كون الإنسان يأتي ويخطب في الحاضرين تكون بدعة على بدعة؛ لأن أصل الاجتماع على عزاء غير مشروع كما نص على ذلك أهل العلم، منهم من كرهه وصرح بالكراهة، ومنهم من قال: إنه بدعة، وكتب الفقهاء بين أيدينا.

كذلك أيضاً ما أحدثه بعض الناس عند الدفن وذلك بأن يقوم أحدهم خطيباً ويخطب ويعظ الناس هذا أيضاً من البدع؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يفعل هذا، وغاية ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتهى إلى القبر مع أصحابه ولمَّا يلحد، يعني: ما تم تلحيد القبر، فجلسوا وجلس النبي عليه الصلاة والسلام معهم وجعل ينكت بمخصرة معه ـ ينكت بها الأرض ـ ويحدثهم عن حال الإنسان عند الموت وبعد الدفن، وهذه ليست خطبة، هذه موعظة وليست راتبة، لم يفعلها الرسول كلما دفن أحداً، بل فعلها لأنه ينتظر التلحيد، فبدلاً من أن يسكت أو يتكلموا في شيء غير مناسب تكلم عليه الصلاة والسلام[(103)].

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: فضيلة الإيمان والعمل الصالح وجه ذلك: ما رتب عليها من الثواب؛ لأن كل عمل رتب عليه ثواب فإنه فاضل مأمور به.

الفائدة الثانية: أن الإيمان وحده لا يكفي بل لا بد من عمل، ولهذا نجد كثيراً من الناس يركزون على العقيدة، فيقولون: عقيدتنا سليمة والحمد لله ولا يتعرضون للعمل وهذا قصور، بل لا بد مع العقيدة من عمل صالح.

الفائدة الثالثة: إثبات المغفرة لله عزّ وجل، لقوله تعالى: {{لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} } وقد تقدم معنى المغفرة وأنها ستر الذنب والتجاوز عنه.

فإن قال قائل: المغفرة هنا مطلقة، لم يقل: من الله؟

الجواب: هي مطلقة، لكن الله تعالى قال: {{وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ}} [آل عمران: 135] ، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الذي بيده المغفرة والرحمة هو الله عزّ وجل.

الفائدة الرابعة: تفضل الله عزّ وجل على عباده، حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأن العامل أجير إذا وَفَّى العمل أعطي أجره، مع أن المنَّة لله عزّ وجل أولاً وآخراً.

الفائدة الخامسة: عظم ثواب المؤمنين العاملين الصالحات حيث عظمه الله عزّ وجل، وتعظيم العظيم للشيء يدل على أنه عظيم عظمة لا يتخيلها الإنسان ولا يتصورها، وهو كذلك.

* * *

قال الله تعالى: {{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ *}} [المائدة: 10] .

ولما كان هذا القرآن مثاني كما وصفه الله بذلك، قال تعالى: {{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ}} [الزمر: 23] ، فلما ذكر ثواب المؤمنين العاملين للصالحات ثنى بذكر من يقابلهم فقال: {{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}} {{كَفَرُوا}} في مقابل الأعمال الصالحات، {كَذَّبُوا} في مقابل الإيمان، فكذبوا بما يجب التصديق به وكفروا بما يجب العمل به.

وقوله: {{كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}} فهم لم يستقيموا على الأمر ولم يصدقوا الخبر، بل قابلوا الخبر بالتكذيب، وقابلوا العمل بالكفر.

قوله: {{وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} }: المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية والكونية، فمن أنكر ربوبية الله وخلقه للمخلوقات وتصرفه في الكون، فهذا مكذب بالآيات الكونية، ومن أقر بذلك لكنه لم يقم بطاعة الله فقد كفر وكذب بالآيات الشرعية، وآيات الله تعالى كونية وشرعية.

فالكونية: هذا الكون بما فيه من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والبحار والأنهار وغير ذلك من المخلوقات العظيمة، التي بعضها لا تحيط به كبراً وبعضها لا تحيط به صغراً، إنك أحياناً تفتش الكتاب فتجد في طياته حشرات صغيرة جداً جداً لا تكاد تراها بالعين، وهذه مخلوقات الله يرزقها الله عزّ وجل ويعلم مستقرها ومستودعها ولا يخفى عليه أمرها، كما قال تعالى: {{وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}} [هود: 6] .

والآيات الشرعية: هي ما جاءت به الرسل وكانت آيات دالة على الله عزّ وجل؛ لأن البشر لا يمكن أن يأتوا بمثلها، فمن يأتي بشريعة تصلح للبشر في كل زمان ومكان؟ بالنسبة للشريعة المحمدية لا أحد، وكذلك الشرائع بالنسبة للأمم السابقة، هي ملائمة تماماً لأحوالهم وأزمانهم وأماكنهم، فلا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذه الآيات الشرعية.

قوله: {{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}}: {{أُولَئِكَ}} هذه مبتدأ ثاني، {{وَالَّذِينَ كَفَرُوا}}: هي المبتدأ الأول، «وأصحاب» خبر للمبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول والرابط الإشارة.

قوله: {{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}}: أي: أهل الجحيم الملازمون لها، والجحيم هي النار أعاذنا الله منها، وسميت بذلك لبعد قعرها وسوادها.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أن القرآن الكريم مثاني، إذا ذكر أهل العمل الصالح ذكر أهل العمل السيئ، وفائدة ذلك: أن لا يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؛ وذلك أن الإنسان إذا لم يكن أمامه إلا أوصاف المؤمنين وجزاء المؤمنين فإن ذلك قد يحمله على الرجاء وينسى الخوف، وإذا لم يكن أمامه إلا أوصاف الكافرين وعقوبة الكافرين، فقد يستولي عليه الخوف والقنوط من رحمة الله، فلهذا كان الله تعالى يذكر هذا إلى جنب هذا، حتى لا يستولي القنوط من رحمة الله عند ذكر ما يخوف، أو الأمن من مكر الله عند ذكر ما يُرَجِّي.

فإن قال قائل: أيهما أفضل للعامل أن يغلب جانب الخوف أو أن يغلب جانب الرجاء؟

الجواب: أن أحسن الأقوال في هذا: أنه عند عمل العمل الصالح يغلب جانب الرجاء، وعند الهم بالسيئة يغلب جانب الخوف؛ لأنه إذا عمل العمل الصالح وغلب جانب الرجاء أحسن الظن بالله، وأن الله تعالى سيقبل عمله، ويثيبه عليه فينشط على العمل، ويحتسب الأجر على الله.

وعند الهم بالمعصية لو غلب جانب الرجاء لقالت له نفسه: إن الله غفور رحيم، وهذه معصية سهلة وأنت إذا فعلتها فتب، باب التوبة مفتوح وما أشبه ذلك، لكن إذا غلب جانب الخوف، وخاف أن لا يوفق للتوبة وأن يزيغ قلبه، حينئذٍ يكف عن المعصية، فأحسن الأقوال في ذلك: أن ينظر الإنسان إلى حاله، فعندما يفعل الطاعات يغلب جانب الرجاء، وعندما يهم بالمعصية يغلب جانب الخوف.

لو قال قائل: إن الخوف والرجاء من العبادات القلبية فكيف يستطيع الإنسان أن يحقق الخوف والرجاء ويعرف أنه يمشي بين هذين؟

الجواب: هذا ليس انفعالاً في الواقع، وإذا قدر انفعالاً فإننا نقول للإنسان إذا مُنِّيَ بشيء يحبه: أيرجوه أو لا؟ يرجوه، وإذا خوف يخاف، لو أن رجلاً كريماً قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله الإنسان، يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس، لو أن رجلاً ظالماً قال: من فعل كذلك عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالاً، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف.

فإن قال قائل: ألم يقل الله عزّ وجل: {{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ *}} [المؤمنون: 60] ، فبيَّن الله تعالى أن من أوصاف هؤلاء السادة: أنهم إذا آتوا ما يؤتون فقلوبهم وجلة، يخافون أن لا يقبل منهم، كما جاء ذلك في تفسيره؟

قلنا: نعم هو كذلك، وهذا إذا خاف الإنسان أن يعجب بعمله فيجب أن يخاف، وأما إذا كان بريئاً من ذلك وهو يعلم أن ذلك العمل الصالح بمعونة الله، فليحسن الظن بالله عزّ وجل، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»[(104)].

الفائدة الثانية: أن الكفر قد يصحبه التكذيب وقد لا يصحبه، ولهذا أحياناً يذكر الله الكفر فقط، مثل قوله تعالى: {{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *}} [آل عمران: 131] ، وأحياناً يذكر التكذيب فقط، قال تعالى: {{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ}} [الزمر: 32] ، وأحياناً يقرن بينهما، وذلك لأن كلاً منهما قد يكون وحده موجباً للخلود في النار، فإذا اجتمعا جميعاً، صار ذلك أشد وأعظم والعياذ بالله.

الفائدة الثالثة: أن على الإنسان أن يكون مستسلماً استسلاماً تاماً لآيات الله مصدقاً بأخبارها منفذاً لأحكامها؛ لأن الله توعد المكذبين بالآيات والكافرين بها بأنهم أصحاب الجحيم، وقد ذكر الله عزّ وجل في سورة النساء قسماً مؤكداً، أنهم لا يؤمنون إلا بشروط فقال: {{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}} هذه الأولى، {{ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ}} هذه الثانية، {{وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}} [النساء: 65] هذه الثالثة، فمن حكَّم غير الله ورسوله فليس بمؤمن، ومن حكم الله ورسوله ولكنه صار في قلبه ضيق، ولم ينشرح صدره بما حكم الله به ورسوله فليس بمؤمن، ولهذا قال: {{ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ}}، ومن لم يجد حرجاً لكن صار يتكاسل ويتهاون في التسليم فإنه لم يؤمن، ثم قد يكون الانتفاء لما نهي عنه انتفاءً كاملاً، وقد يكون انتفاءً جزئياً حسب ما قام في قلبه وعمله.

الفائدة الرابعة: أن الكافرين المكذبين مخلدون في النار لقوله: {{أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}}، وكلما جاءت {{أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}}: فالمراد بها الملازمة الدائمة، كقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي من هذه الأمة يهوديٌ ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به ـ أو قال: لا يتبع ما جئت به ـ إلا كان من أصحاب النار»[(105)].

* * *

قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ *}} [المائدة: 11] .

الكلام على قوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } تقدم تفسيره كثيراً وأظنه لا يخفى.

قوله: {{اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ} } أمر الله تعالى أن نذكر نعمته، لا من أجل مجرد الذكر والخبر، ولكن للقيام بشكر هذه النعمة؛ لأنه لا يكفي مجرد أن أقول: إن الله سلمني من العدو، أو إن الله مكنني من العدو، أو إن الله نصرني على العدو، أو إن الله خذل عدوي هذا لا يكفي، لا بد أن يكون ذلك شكراً لله عزّ وجل، فإن كان شكراً بأن كان الإنسان يتحدث بنعمة الله ثناءً على الله فهذا من الشكر.

وقوله: {{نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ} }، {{إِذْ} } متعلقة بقوله: {{نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} } فتكون في موضع نصب على الحال.

قوله: {{هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} }، القوم هم المشركون، وقد هموا بقتل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهموا أيضاً بأن يقاتلوه في مكة ولكنَّ الله قال: {{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}} [الفتح: 24] ، وقال في سورة النساء: {{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ}} [النساء: 90] ، فعدة وقائع يهم الكفار بأن يبسطوا أيديهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ولكن الله تعالى يكف أيديهم ويسلم الرسول وأصحابه، ولذلك قال تعالى: {{فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} } أي: ولم يستطيعوا أن ينالوكم بسوء وهذه نعمة عظيمة، أن يهم عدوك بشيء ثم يحجزه الله عنك، لقد قـال الله عزّ وجل فـي سورة الأحزاب: {{إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا}} [الأحزاب: 9] ، وقال فيها: {{وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}} [الأحزاب: 25] .

لما أمر بذكر النعمة قال: {{وَاتَّقُوا اللَّهَ} } والتقوى هي: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي.

قوله: {{وعلى الله َفلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} } يعني وليتوكل المؤمنون على الله، ونعلم جميعاً أن قوله: {عَلَى اللهِ} متعلق بقوله: {{فلْيَتَوَكَّلِ} } فهي مقدمة عليه لإفادة الحصر، و«الفاء»: زيدت لتحسين اللفظ، وإلا لو قيل: وعلى الله ليتوكل، صح الكلام.

وقوله: {{فلْيَتَوَكَّلِ} } «اللام»: لام الأمر وأصلها مكسورة، لكنها تسكن إذا سبقها «الفاء» أو «الواو» أو «ثم»، وفي هذه الآية التي معنا سبقها الفاء، وفي قوله تعالى {{ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ}} [الحج: 15] ، سبقها «ثم»، وقوله تعالى: {{وَلْيَطَّوَّفُوا}} [الحج: 29] ، سبقها الواو.

قوله: {{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}}، «التوكل» أحسن ما قيل فيه: إنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، ثقة به تبارك وتعالى وتفويضاً إليه، فالتوكل على الله، أن تعتمد على الله في جلب المنافع، والإنسان محتاج إلى المنافع، ودفع المضار ثقةً بالله عزّ وجل، وتفويضاً إليه، وبهذا يظهر الفرق بين توكل الإنسان على العبد وتوكله على الرب، إن توكل الإنسان على الرب تفويض مطلق، فهو يعتقد أن الله تعالى هو الذي له الحكم فيه وله السلطة عليه، لكن توكله على شخصٍ وَكَّلَه أن يشتري له حاجة، ليس تفويضاً إليه، ولكنه وَكَّلَه وهو يعتقد أنه دونه في المرتبة، يعني: عندما تعتمد على شخص وكلته يشتري لك حاجة هل هو كتوكلك على الله؟

الجواب: لا، توكلي على الله توكل عبادة وتفويض واستسلام، وتوكلي على إنسان وكلته ليس إلا اعتماداً على شخصه: أنا الذي أدبره، وأنا الذي أريد أن يتوكل، وأنا الذي بيدي فسخ وكالته.

فالفرق بين التوكل على الله والتوكل على العبد فرق عظيم، لكن مع ذلك، لا ينبغي للإنسان أن يقول: توكلت على فلان في شراء كذا وكذا، بل يقول: وكلت فلاناً، لئلا يستعمل اللفظ الذي لا يطلق إلا لله في حق العبد.

وقوله: {{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}} يعني: الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أنه يجب على الإنسان أن يذكر نعمة الله عليه في جلب المنافع ودفع المضار، وجه ذلك: أمر الله جلَّ وعلا بذكر نعمه بكف أيدي الأعداء عنا.

لو قال قائل: في كثير من الأحيان ما يكاد الإنسان يذكر نعمة هو فيها إلا ويُحْرَمْها، فهل يجب عليه في هذه الحال أن يذكر نعمة الله عليه؟

الجواب: هذا غلط، الله عزّ وجل يقول: {{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ *}} [الضحى: 11] ، لكن ربما يكون ذكره إياها على سبيل الفخر والإعجاب فحينئذٍ يُحْرَمُ إياها، حتى لو كانت النعمة لا تستوجب فخراً ولا عجباً كصحة مثلاً أو مال أو ذهاب أو إياب أو أي شيء، فنقول: أبداً لا يمكن، الإنسان مأمور أن يتحدث بنعمة الله بدون فخر، وبدون إعجاب.

* * *

الفائدة الثانية: أن كف الأذى والضرر من النعم وهو كذلك، وكثير من الناس يظنون أن النعم هي الإيجاد، وهذا قصور، النعمة: إما إيجاد معدوم وإما كف موجود، ولهذا يشكر الله عزّ وجل على هذا وهذا.

الفائدة الثالثة: وجوب تقوى الله عزّ وجل عند ذكر النعم حتى لا يطغى الإنسان ويرتفع ويربأ بنفسه، لقوله: {{وَاتَّقُوا اللَّهَ} }.

الفائدة الرابعة: وجوب التوكل على الله عزّ وجل، لقوله: {{فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} }.

الفائدة الخامسة: إخلاص التوكل لله عزّ وجل، وجه ذلك: تقديم المعمول، والقاعدة عند البلاغيين: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

فإن قال قائل: هل التوكل يمنع فعل الأسباب؟

الجواب: لا، بل التوكل لا يتم إلا بفعل الأسباب، وأضرب لكم مثلاً بسيد المتوكلين محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومع ذلك كان يتوقى الحر ويتوقى البرد ويلبس الدروع في الحرب، ولبس عليه الصلاة والسلام في أُحد درعين، كل ذلك توقياً للسهام، فَفِعْل الأسباب النافعة الحقيقية لا ينافي التوكل، بل هو من تمام التوكل.

ولهذا لو قال قائل: أنا لن أسعى في طلب الرزق، يرزقني الذي رزق الثعابين في جحورها، أنا متوكل على الله؟

قلنا: هذا عجز وكسل. التوكل على الله: التفويض إذا لم تستطع الأسباب، فإذا عجز الإنسان عن الأسباب فليس عنده إلا التفويض، ولهذا تجد الكفار إذا غشيهم موجٌ كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين أي: فوضوا الأمر إلى الله، وكذلك الإنسان إذا ألم به شيء لا يستطيع دفعه تجده ليس له حول ولا قوة، أما مع القدرة على فعل الأسباب فإنه لا بد من فعلها، لو أن الإنسان قال: أنا أريد أن أسافر إلى مكة للحج، قلنا: خذ معك نفقة قال: لا حاجة لذلك أنا متوكل على الله، ماذا نقول في هذا؟ هذا عجز وتواني وكسل، إذا كنت متوكلاً على الله حقيقة فافعل السبب، خذ معك ما يكفيك للنفقة أو أجر نفسك على بعض الناس تكون معهم ويكفونك المؤنة أو ما أشبه ذلك.

الفائدة السادسة: أن التوكل من الإيمان، لقوله: {{اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}}، فوجه الأمر إلى المؤمنين؛ لأنهم هم أهل التوكل.

الفائدة السابعة: أن ترك التوكل على الله نقص في الإيمان، ولكن هل ينافي كمال الإيمان أو ينافي أصل الإيمان؟ فيه تفصيل فمن توكل على نبي ميت، وكل الأنبياء أموات إلا عيسى فهو حي في السماء فهذا ينافي أصل الإيمان، من توكل على قبر فهذا ينافي أصل الإيمان، فمن اعتمد على سبب معلوم وهو سبب شرعي أو قدري فذلك لا ينافي الإيمان، لكن لا تجعل عمدتك هذا السبب بل اجعله سبباً والمسبب هو الله عزّ وجل، ولهذا نجد الأسباب كثيراً ما تتخلف مسبباتها؛ لأن الأمر بيد الله عزّ وجل، {{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}} [آل عمران: 122] .

* * *

قال الله تعالى: {{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً لأَُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ *}} [المائدة: 12] .

قوله: {{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} } الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: «اللام» و«قد» و«القسم المقدر»، والتقدير: والله لقد، وهذه قاعدة كلما جاء تعبير بهذا فهو مؤكد بثلاثة مؤكدات ومثاله أيضاً قوله تعالى: {{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ *}} [التين: 4] وقوله: {{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ *}} [البلد: 4] وقوله: {{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}} [الأعراف: 11] فالآيات مؤكدة بثلاثة مؤكدات.

وقوله: {{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} } أي: عهدهم، والسياق هنا سياق غائي.

قوله: {{وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ} } هذا التفات من الغيبة إلى التكلم ولو كان الكلام على نسق واحد لقال: وبَعَثَ.

وقوله: {{وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} }: أي: جعلنا منهم اثني عشر رقيباً، قوله: {{اثْنَيْ عَشَرَ} } الأعداد المركبة مثل ثلاث عشر، وأربع عشر وثلاثة عشر وأربعة عشر، لا نعرب الجزء الأول وحده والثاني وحده، إلا اثني عشر واثنتي عشرة، فيعرب الجزء الأول بحسب العوامل، ففي الرفع نجعله بالألف وفي النصب والجر بالياء؛ لأنه ملحق بالمثنى، وإنما قلنا: إنه ملحق بالمثنى ولم نجعله مثنى حقيقة؛ لأنه ليس له مفرد، إذ إن «اثنا» ليس مفرده: «اثني»، لكن مفرده واحد، فلهذا يعربونه على أنه ملحق بالمثنى، ويكون إعرابه كما تقدم بالألف رفعاً وبالياء نصباً وجراً، ولكنه لا يضاف إلى عشر، بل يقال: اثنا مركب مع عشر، وعشر مبنية على الفتح لا محل له من الإعراب.

قوله: {{اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} } {{نَقِيبًا} } هذه تمييز وكلما جاءتك كلمة تفسر العدد وهي المعدود فأعربها على أنها تمييز، مثلاً: ثلاثة عشر رجلاً نقول: رجلاً: تمييز، ولهذا يقول صاحب الألفية:

اسم بمعنى: مِن مُبينٌ نكرة***يُنْصَبُ تمييزاً بما قد فسـره

وقوله: {{اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} } {{نَقِيبًا} } فعيل بمعنى فاعل، «وناقب» بمعنى منقب، مُنَقِّب: يعني مفتش والنقباء هم العرفاء؛ لأن العريف يفتش عمن جُعل عريفاً عليه وأصل التنقيب التفتيش، ومنه قوله تعالى: {{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ}} [قّ: 36] أي: فتشوا فيها. يعني: جعل الله منهم نقباء أي: عرفاء على قومهم كل سبط عليهم عريف؛ لأنهم اثنا عشر أسباطاً، وهذا من عناية الله عزّ وجل بهم، أن جعل عليهم العرفاء من أجل أن يوجهوههم ويؤدبوهم.

قوله: {{وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} }: أي: بالنصر والتأييد، وهذه المعية خاصة وسنتكلم إن شاء الله عليها في الفوائد.

قوله: {{لَئِنْ أَقَمْتُمُ} } هذا بدأ الميثاق، {{لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ} }: أي: أتيتم بها مستقيمة، والصلاة معروفة: هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، هذا هو الأصل، وعلى هذا فصلوات النصارى واليهود الآن صلوات محرفة، فهم كما حرفوا في التأويل حرفوا أيضاً في الأفعال.

قوله: {{وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ} }، {ءَاتَيْتُمُ}: بمعنى أعطيتم، والزكاة: مالٌ واجب في أموال مخصوصة، وقوله: {{وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ} } أي: إلى مستحقها. ولهذا نقول: إن «آتى» تنصب مفعولين: الأول: الزكاة، والثاني: محذوف، أي: آتيتم الزكاة أهلها، وسميت زكاة لأنها تزكي أخلاق باذلها، تزكيها يعني تنميها، فإن بذل المال ينمي الأخلاق بلا شك، وإذا أردت أن ينشرح صدرك فأكثر من النفقة لكن بدون إسراف.

قوله: {{وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي} }؛ أي: أقررتم إقراراً مستلزماً للقبول والإذعان، هذا معنى الإيمان، فمجرد الإقرار لا يعتبر إيماناً، ولو كان مجرد الإقرار إيماناً لكان أبو طالب مؤمناً؛ لأنه مقر برسالة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وقوله: {{بِرُسُلِي} } «الرسل»: جمع رسول: وهم الذين أرسلهم الله تعالى إلى بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء الذين قصوا علينا من بني إسرائيل.

قوله: {{وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} }؛ أي: نصرتموهم؛ لأن التعزير يعني النصرة وأصله من التقوية، قال الله تبارك وتعالى: {{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ}} [الفتح: 9] ، أي: تعزروا الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: {{وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً} }؛ أي: بذلتم المال محتسبين الأجر من عنده؛ لأن المقرض يعطي القرض على أنه سوف يرد إليه عوضه، فالإقراض لله: يعني احتساب الثواب منه؛ كأنك بذلت الشيء ابتغاء مرضاته لتنال بذلك ثوابه.

فإن قال قائل: قوله: {{وَأَقْرَضْتُمُ} } مع قوله: {{وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ} }، هل هو من باب عطف المتغايرين أو هو من باب عطف العام على الخاص أم ماذا؟

يرى بعض العلماء أنه من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الزكاة حقيقة إذا أدَّاها الإنسان محتسباً ثوابها فهي من إقراض الله، ويكون ذكر الإقراض وهو أعم من الزكاة بعد ذكر الزكاة ليشمل الزكاة وغيرها.

وقيل: المراد بالإقراض هنا الصدقة؛ أي: ما زاد على الزكاة وعلى هذا يكون العطف عليها من باب عطف المتغايرين.

وقوله: {{وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ} } القرض الحسن: ما كان خالصاً لله على وفق شريعة الله، وقد بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام الإحسان في عبادة الخالق: أنه تمام الإيمان والمراقبة، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[(106)].

قوله: {{لأَُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} } هذا جواب قوله: {{لَئِنْ أَقَمْتُمُ} }، وهل هو جواب للشرط التي هي: «إنْ» أو جواب للقسم المقدر المدلول عليه باللام، في قوله: {{لَئِنْ أَقَمْتُمُ} }؟ الثاني، فهو جواب القسم ولهذا لم يقترن بالفاء، ولو كان جواباً للشرط لاقترن بالفاء، وفي هذا يقول ابن مالك رحمه الله:

واحذف لدى اجتماع شرط وقسم***جواب ما أخرت فهو ملتزم

والذي أخر هنا الشرط، إذاً: الذي حذف هو جواب الشرط.

وقوله: {{لأَُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} } أَجْعَلُهَا مكفرة بالحسنات التي فعلت من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل وتعزيرهم، وإقراض الله قرضاً حسناً، فالسيئات تكفر بهذه الحسنات.

قوله: {{وَلأَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } هذه معطوفة على قوله: {{لأَُكَفِّرَنَّ} } وإذا جمعت بينها وبين أكفر، صار بها النجاة من المرهوب وحصول المطلوب، النجاة من المرهوب في قوله: {{لأَُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} }؛ لأنها إذا كفرت لم يعاقب عليها، وحصول المطلوب، في قوله: {{وَلأَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} }، وبالتتبع والاستقراء، نجد أن أغلب ما يكون تقديم النجاة من المرهوب، ليرد المطلوب على محل خالٍ مما يرهب، فتكون التصفية قبل التحلية؛ يعني: صَفِّ الشيء قبل أن تحليه، اكنس المكان قبل أن تفرشه، وتأمل الآن في القرآن والسنة وفي غيرهما أيضاً، تجد أن النفي غالباً يكون مقدماً على الإثبات: فكلمة الإخلاص «لا إله إلا الله» قدم فيها النفي على الإثبات؛ ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب.

وقوله: {{وَلأَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } {{وَلأَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} }: المراد بها جنة المأوى، وهي كما نرى تذكر أحياناً مفردة، وأحياناً مجموعة، قال تعالى: {{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا}} [الحديد: 21] ، «جنة»: هنا مفردة، وتأتي جنات كثيرة مجموعة، فإفرادها باعتبار الجنس وجمعها باعتبار النوع؛ لأن الجنة أنواع، وقد ذكر الله تعالى في آخر سورة الرحمن أربعة أنواع، قال تعالى: {{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ *}} [الرحمن: 46] ، ثم قال: {{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ *}} [الرحمن: 62] يعني سواهما لكن أيهما أشرف الأوليان أو الأخريان؟ الجواب: الأوليان، وابن القيم في النونية ذكر أن الفروق عشرة، لكن قال النظم يعييني أن أسوقها، إذاً تجمع الجنة على جنات باعتبار الأنواع وتفرد باعتبار الجنس.

وقوله: {{جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } لو أننا فسرنا، جنات بما نفسر به الجنات في الدنيا، وقلنا: الجنات: بساتين كثيرة الأشجار كثيرة الثمار، لم يذهب الذهن بعيداً ولاستقلَّ نعيم الآخرة، لكن إذا قلنا: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه ـ اللهم اجعلنا منهم ـ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أيهما أشد هزاً للمشاعر؟ الثاني بلا شك.

ولهذا قد نعتب على بعض الناس أن يفسر جنة المأوى بأنها البستان الكثير الأشجار، وأنها سميت بذلك لأن أشجارها ملتف بعضها إلى بعض فهي تستر من فيها، نقول: هذا لا شك أنه يقلل من تخيل الجنة وأنها شيء عظيم، فنقول: الجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ هذا يهز المشاعر ويوجب أن يسارع الإنسان ويسابق إليه.

وقوله: {{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} } معلوم أنه ليس المراد من تحت أرضها؛ لأن النهر إذا جرى من تحت الأرض فأي فائدة فيه؟ ولهذا لا ننتفع بالأنهار الجوفية، ولكن المراد بقوله: {{مِنْ تَحْتِهَا} } قال العلماء: أي: من تحت قصورها وأشجارها، وما أحسن اضطراد الأنهر تحت الأشجار الظليلة والقصور الفخمة العظيمة، لها منظر لا يتصوره الإنسان في الواقع، هذه الأنهار ليست كأنهار الدنيا، أنواعها أربعة: {{أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}} [محمد: 15]؛ يعني: لا يمكن أن يتغير وأنهار الدنيا تتغير، والثاني: {{وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ}} [محمد: 15] ، بل هو من أحسن ما يكون مذاقاً: {{وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}} [محمد: 15] ، وقد نفى الله عنها الغول، قال تعالى: {{لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزِفُونَ *}} [الصافات: 47] ، وقال {{وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصْفّىً}} [محمد: 15] ، نقي ليس فيه شيء مما يكون في عسل الدنيا، هذه أنهار أربعة تجري جريان.

الماء: ربما يتصور الإنسان كيف يجري، وكذلك اللبن الذي لم يتغير طعمه؛ لأن اللبن جارٍ، والخمر قد يتصور جريانه وقد لا يتصور؛ لأن الخمر ليس كله سواء، الرابع: العسل في تصورنا الآن أنه لا يمكن جريانه لكنه في الجنة نهر يجري، ثم إن ابن القيم رحمه الله ذكر في النونية أن هذه الأنهار تجري بغير أخدود، فقال:

أنهارها من غير أخدود جرت***سبحان ممسكهـا عن الفيضانِ

الله أكبر! النهر يجري ليس له أخدود يمنعه أن ينحرف يميناً ويساراً ولا حفر له على سطح مكان، ومع هذا أيضاً لا يجري إلا حيث شاء صاحبه، يصرفه كيف شاء ليس هناك عمال ولا عوامل وإنما هي: إرادات، قال تعالى: {{وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}} [الزخرف: 71] ، إذاً هنا ميثاق بين متعاقدين: عمل يسير في مقابل ثواب كثير.

قوله: {{فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ} } «مَن» هنا: شرطية جوابها {{فَقَدْ ضَلَّ}}، أي: فمن كفر بعد هذا الميثاق ولم يقم بما واثق الله عليه {}، «الضلال»: بمعنى الضياع والتيه، يعني تاه عن الصراط المستقيم، و{{سَوَاءَ السَّبِيْلِ}} أي: مستقيمه الموصل إلى المراد، وهذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: تذكير هذه الأمة وتذكير بني إسرائيل بما أخذه الله عليهم من الميثاق، أما تذكير بني إسرائيل فالأمر فيه واضح، لقوله تعالى: {{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} }، وأما تذكيرنا نحن الأمة الإسلامية؛ فلأنه ليس بين البشر وبين الخالق عهد يتضمن المحاباة إلا تفضلاً من الله عزّ وجل، فإذا قمنا بما أوجب الله علينا فلنا الأجر مرتين، حسب ما جاءت به النصوص عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم[(107)].

الفائدة الثانية: ذكر الله نفسه بالغيبة تعظيماً وتكبيراً له جلَّ وعلا، وجه ذلك قوله: {{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ} } ولم يقل: «لقد أخذنا»، وهذا كما يقول الملك لجنوده إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا لا يقول: إني آمركم، ونظير هذا قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}} [النساء: 58] .

الفائدة الثالثة: أن من أساليب البلاغة الانتقال من أسلوب إلى آخر لتنبيه المخاطب، لقوله: {{وَبَعَثْنَا} } بعد قوله: {{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ} } ولا شك أن تغير الأسلوب يوجب الانتباه.

الفائدة الرابعة: إثبات أن الله تعالى خلق أعمال العباد، لقوله: {{وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} }؛ لأن النقباء مفتشون، وإذا كان الله هو الباعث لهم، لزم أن تكون أفعالهم مخلوقة لله.

الفائدة الخامسة: الرد على القدرية لقوله: {{وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ} }، وجه الدلالة لأنهم قاموا بأمر الله، لكن القدرية يقولون: إن أفعال العبد ليست مخلوقة لله، وليس لله فيها تعلق.

الفائدة السادسة: الرد على الجبرية، لقوله: {{نَقِيبًا} } لأن النقيب: هو المنقب، فأضاف الله تعالى الفعل إليهم، وهذا يدل على أن الإنسان غير مجبور، ونصوص الكتاب والسنة تدل على بطلان قول القدرية وبطلان قول الجبرية.

الفائدة السابعة: أنه ينبغي للناس أن يتخذوا نقباء يرجعون إليهم في أمورهم، عند النزاع يكونون مصلحين وعند الإشكال يكونون موضحين وما أشبه ذلك، ولهذا أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، إذا كانوا ثلاثة في سفر أن يؤمروا أحدهم[(108)] من أجل أن يوجههم ويدبر شؤونهم، ولا يكون الأمر فوضى.

الفائدة الثامنة: منَّة الله على بني إسرائيل بأنه ناصرهم، لقوله: {{وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} } واعلم أن الله تعالى وصف نفسه بالمعية في عدة آيات، فمرة ذكرها عامة ومرة ذكرها خاصة بوصف، ومرة ذكرها خاصة بشخص، وكلها حق، فالعامة مقتضاها الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وتدبيراً وملكاَ وغير ذلك، ومن هذا قوله تعالى: {{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}} [الحديد: 4] ، وقوله: {{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}} [المجادلة: 7] ، والمعية الخاصة إما مقيدة بوصف كما في قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *}} [النحل: 128] ، لكن هذه تقتضي مع الإحاطة العامة تقتضي النصر والتأييد والدفاع، كما قال تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}} [الحج: 38] ، وإما مقيدة بشخص، مثل قوله تعالى لموسى وهارون: {{لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}} [طـه: 46] ، ومثل قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما حكاه الله عنه لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه: {{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}} [التوبة: 40] .

هذه المعية، هل هي حقيقة أو هي مجاز عن العلم والإحاطة والنصرة والتأييد وما أشبه ذلك؟

الجواب: الأول كسائر الصفات، أنها حقيقة وأنها تقتضي في كل موضع ما يناسبها.

لكن إذا قلنا: إنها حقيقة، هل تنافي ما ذُكر من علو الله جلَّ وعلا؟

الجواب: لا، أبداً، بل هو معنا سبحانه وتعالى وهو على عرشه، وليس معنى قوله {{مَعَنَا}}، أنه في الأرض، كلا، قال تعالى: {{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}} [الزمر: 67] ، ومن كان هذا شأنه كيف يمكن أن يتصور عاقل فضلاً عن مؤمن أن يكون معنا في أماكننا، فاللَّه سبحانه وتعالى معنا وهو عالٍ، ولا مانع؛ لأن الله بكل شيء محيط، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير، قال: «أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، ـ أصم: لا يسمع، ولا غائب: لا يرى ـ إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» [(109)]، نحن نؤمن بهذا، لكن ليس معنى ذلك أن الله عزّ وجل في نفس المكان؛ لأنك لو قلت هذا لكنت ممن عمل بالنصوص ولكن نظر إليها نظر الأعور؛ أي: من جانب واحد.

ولهذا لما نظرت الجهمية إلى هذا من جانب واحد، قالوا: إن الله معنا في كل مكان، لكنهم غفلوا عن نصوص العلو، ونحن نقول: إن الله تعالى معنا حقيقة وهو سبحانه وتعالى على عرشه حقيقة، ولا منافاة.

فإن قال قائل: هل يتصور العقل أن الشيء يطلق عليه أنه معك وهو بعيد عنك؟

قلنا: نعم، إنه يتصور في الأمور المخلوقة، فالقمر يقول المسافرون إنه معنا، والنجم يقولون إنه معنا، والشمس يقولون: إنها معنا، وأمكنة هذه المخلوقات في السماء، يعني العرب تقول: القمر معنا والقطب معنا والجدي معنا، يقولون هذا، ويعبرون عن هذا على أنها حقيقة ومحلها في السماء، ولا يعد ذلك تناقضاً، ثم على فرض أنه تناقض في المخلوق وأنه لا تجتمع المعية حقيقة والعلو حقيقة، فهل يقاس الخالق بالمخلوق؟

الجواب: لا يقاس بل يقال: نثبت لله ما أثبته لنفسه من علوه ومعيته، ونعلم أنه لا تناقض بل هو عالٍ ومعنا ولا منافاة، إذاً: الجواب على هذا نقول: ليس بينهما تناقض للوجوه التالية:

أولاً: أن الله جمع لنفسه بينهما، وما جمع الله بينه في كتابه فليس فيه تناقض، إذ لو كان لما صدق قوله تعالى: {{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}} [النساء: 82] ، فكل شيئين جمع الله بينهما فاعلم أنه لا تناقض بينهما.

ثانياً: لا تناقض ولا منافاة بين المعية حقيقة والعلو حقيقة أبداً؛ لأننا نحس بالواقع المشاهد المتفق عليه عند علماء اللغة أنه يقال للشيء إنه معنا وهو في مكانه في السماء بعيداً عنا.

ثالثاً: على فرض أن هذا ممتنع في حق المخلوق فليس بممتنع في حق الخالق؛ لأن الله سبحانه وتعالى: {{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}} [الشورى: 11] ، في جميع نعوته، فهو عليٌّ في دنوه قريب في علوه، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة المباركة ألا وهي: العقيدة الواسطية، وبه أيضاً نسلم من إلزام أهل التأويل لأهل السنة حيث يقولون: أنتم تنكرون علينا التأويل وأنتم تؤولون؛ لأنك إذا قرأت {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *}} [الحديد: 4] ، كل هذه الضمائر تعود إلى الله عزّ وجل، ما الذي يخرج المعية عن هذا؟ إذا كان قوله تعالى: {{خَلْقُ السَّمَاوَاتِ}}: أي: الله، {{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}} [الحديد: 4] : أي: الله، {{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ}}: أي: الله {{وَهُوَ مَعَكُمْ}}: أي: الله، لكن يجب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله أن يصان هذا الفهم عن الظنون الكاذبة، مثل: أن يعتقد الإنسان أنه معنا في مكاننا، أو أنه على السماء يعني أن السماء تقله، أو أنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صارت السموات الأخرى تظله، هذا يجب أن يصان عنه؛ لأن الله تعالى في العلو، وعلوه من لازم ذاته وهو من الصفات الذاتية التي لا ينفك عنها كما لا ينفك عن سمعه وبصره فلينتبه لهذا.

لكن ورد عن السلف رحمهم الله ـ عن كثير منهم ـ أنهم فسروا المعية بالعلم وهذا تفسير باللازم؛ لأن من لازم من كان معك أن يكون عالماً بك، ولا شك أن هذا التفسير صحيح غير منكر والتفسير باللازم تفسير صحيح لكنه ليس هو المطابق؛ لأن الدلالات: ثلاثة أنواع: دلالة تضمن، ودلالة مطابقة، ودلالة التزام، هذا من دلالة الالتزام، واضطروا إلى ذلك من أجل الرد على أولئك الجهمية الذين كانوا يقولون: إن الله معنا في نفس المكان، ولهذا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: نقول: إن الله معنا بعلمه، ولا نقول: كما قال هؤلاء الجهمية، إنه معنا ها هنا يعني: في الأرض فتبين بذلك لماذا صارت أكثر عبارات السلف: أن المعية يعني العلم؟ ونحن نقول هذا التفسير صحيح غير منكر؛ لأنه تفسير باللازم والتفسير باللازم قد استعمله السلف في كثيرٍ من الآيات ولا يعد هذا خروجاً عما تقتضيه الآية، لكن التفسير الذي ينكر على الإنسان، أن يؤول تأويلاً مخالفاً للفظ بأنواع الدلالات الثلاث وهي: المطابقة والتضمن والالتزام.

المعية الخاصة بالوصف كثيرة في القرآن قال تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *}} [النحل: 128] ، هذه الآية إذا آمن بها الإنسان سوف تحمله على ثقته بنفسه، لكن ثقته بنفسه: لا لأنه قوي قادر، ولكن لأن الله معه فإذا اتقى الإنسان ربه تقوى حقيقية، فإنه سوف يحصل له النصر والتأييد لأن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن الذي ينقصنا في الحقيقة هو التقوى، ولذلك نجد أننا فاشلون في كل المعارك التي خضناها مع إخوان القردة والخنازير وهم: اليهود.

ونجد أن الإخوة الذين عندهم ـ فيما يظهر لنا والعلم عند الله تقوى وقوة ـ نجد أنهم غلبوا من كانوا أكبر دولة فيما سبق وهم الروس، ولكن الذين غلبوهم عندهم من التقوى ما ليس عندنا، يقولون: في الشيشان كان الروس أذل من الكلاب عندهم، حتى إنهم لما أمر ضُبَاطُهم وقوادهم جُيُوشَهم أن تتجمع، كانوا يتجمعون وينحدرون من رؤوس الجبال، يقول لي رجل ويقسم بالله أن سبعمائة آلية للحرب يقودها الروس، يقول: إن الشيشان قالوا: لا يمكن أن تسير هذه من حولنا، إلا والعَلَمُ المكتوب عليه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» في المقدمة. فصاروا يقودونهم بلا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وهؤلاء يقول: أذل ما يكون، والذي قتل منهم ـ أي: من الروس ـ يقولون: سبعون ألفاً. ما كنا نظن هذا.

فأقول: إن الإنسان إذا وثق بنفسه لما معه من تقوى الله والإحسان في عبادة الله، فليبشر بأن الله تعالى معه وأن الله ناصره، ثم ليُعلم أنه ليس من الضروري أن ينصر الإنسان في حياته، بل إذا نصر ما يدعو إليه بعد موته فهو انتصار له بلا شك، ولهذا نحن نؤمن بأن انتصار الصحابة بفتحهم مشارق الأرض ومغاربها انتصاراً للرسول عليه الصلاة والسلام، فمن قام بالدعوة إلى الله مخلصاً لله متبعاً لشريعة الله ثم مات أو قتل، لكن بقيت الدعوة وانتصر بها من بعده، فهو في الحقيقة انتصار له، فيصدق قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *}} [النحل: 128] .

أما المعية المعينة بشخص فهي أعظم وأعظم، فقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: {{إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}} [التوبة: 40] ، أبلغ من قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *}}؛ لأنه تعيين للشخص، وكذلك قول الله تعالى لموسى وهارون: {{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}} [طـه: 46] .

الفائدة التاسعة: أن هؤلاء لو أوفوا بعهد الله لأوفى الله لهم بعهده، كما قال الله تعالى: {{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}} [البقرة: 40] ، ولقوله: {{لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ}} إلى آخره.

الفائدة العاشرة: أن الصلاة والزكاة مفروضة على الأمم السابقة، وهو كذلك، فالصلوات والزكوات مفروضة لكن لا يلزم من كونها مفروضة أن تكون مماثلة لما وجب علينا في الكيفية والوقت والمقدار، المهم أن جنس الصلاة مفروض وجنس الزكاة مفروض لكن قد يختلف، وهذا كقوله تعالى: {{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}} [البقرة: 183] ، فالتشبيه هنا للفرض، شَبَّه الفرض بالفرض ولا يلزم أن يكون صيامهم كصيامنا، وبقي الحج فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الأمم السابقة كان الحج مشروعاً في حقهم[(110)]، فهذه الأركان العظيمة ـ أركان الإسلام ـ مشروعة عند كل أمة.

الفائدة الحادية عشرة : أنه يجب على بني إسرائيل الإيمان بجميع الرسل وعلى رأسهم محمدٌ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لأن الله تعالى لم يتكفل لهم بهذا الثواب إلا إذا آمنوا برسله لقوله: {{وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي} }، ومن المعلوم أن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل، كما قال الله تعالى: {{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ *}} [الشعراء: 105] ، مع أنه لم يسبق رسول قبل نوح، لكن لما كذبوا نوحاً صار تكذيبهم إياه تكذيباً لجميع الرسل.

الفائدة الثانية عشرة : وجوب نصرة الرسل، لقوله: {{وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} }، فنصرتهم في حياتهم أن يكون معهم في الجهاد والدفاع وغير ذلك، ونصرتهم بعد وفاتهم أن ينصروا شرائعهم ويقيموها بين الناس، فواجب علينا نحن الآن أن ننصر شريعة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

الفائدة الثالثة عشرة : بيان فضل الله عزّ وجل على العباد حيث إنَّه يعطيهم الرزق ثم يقول تعالى: {{وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ} }، وهو المعطي أولاً والمثيب ثانياً لقوله: {{وَأَقْرَضْتُمُ} }، والحكمة في التعبير عن الإنفاق في سبيل الله بالقرض، أن الله جعل الإنفاق في سبيله بمنزلة القرض الذي يلزم المستقرض أن يوفيه.

الفائدة الرابعة عشرة : أنه لا بد أن تكون الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله حسنة لقوله: {{وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً} } ليخرج النقص عن الواجب والإسراف في البذل؛ لأن الإسراف ليس حسناً والنقص ليس حسناً.

الفائدة الخامسة عشرة : أن الأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة، لقوله تعالى: {{لأَُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} }، ويدل لهذا قوله تعالى: {{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}} [هود: 114] ، وقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها»[(111)].

الفائدة السادسة عشرة : أنه يُبدأ بالنجاة من المرهوب قبل بيان حصول المطلوب، لقوله: {{لأَُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأَُدْخِلَنَّكُمْ} } وهو شاهدٌ لما اشتهر عند العلماء أن التخلية قبل التحلية، يعني إزالة الشوائب والعوائق قبل أن يحصل المطلوب.

الفائدة السابعة عشرة : أن الجنة ليست واحدة لقوله: {{جَنَّاتٍ} } هذا إذا قلنا: إن هذا الجمع عائد على الجنات لا على من دخلها؛ لأن فيه احتمالاً أن يكون عائداً على من دخلها وأن كل واحد له جنة وإن كانت الجنة واحدة لكن تعددت باعتبار داخليها، فنقول: هذا محتمل ولكن القرآن دل على أنها جنات مجموعة أي: نفس الجنات، ففي سورة الرحمن: {{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ *}} [الرحمن: 46] ، وقال في الثانية: {{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ *}} [الرحمن: 62] .

الفائدة الثامنة عشرة : أن نعيم الجنة نعيم للنفس والقلب والسمع والبصر وكل شيء، وذلك حينما ذكر أن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار وهذا لا شك أنه يطرب السمع، فحفيف جريان النهر يطرب السمع، ولهذا تجد الإنسان يقف عند الشلالات متمتعاً بالاستماع إليها، وكذلك النظر أيضاً وكذلك القلب والنفس تستريح.

الفائدة التاسعة عشرة : أن في الجنة أنهاراً لا نهر واحد، لقوله: {{الأَنْهَارُ} } والأنهار: جمع نهر وقد ذكر الله عز جل أنواعها في سورة القتال، قال تعالى: {{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصْفّىً}} [محمد: 15] ، فالأنهار أربعة أنواع كما تقدم.

فإن قال قائل: كيف نجمع بين قوله تعالى: {{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ *فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ *}} [القمر: 54 ـ 55] ، فذكر نهراً واحداً وهنا ذكر أنهاراً؟

الجواب: الإفراد باعتبار الجنس فلا ينافي التعدد، فالمراد جنس الأنهار.

الفائدة العشرون: وعيد من كفر بعد الميثاق والنداء عليه بالضلال، لقوله: {{فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}} [المائدة: 12] .

الفائدة الحادية والعشرون : أن المؤمن يسير على سواء السبيل؛ أي: وسطها دون حافتيه، وجه ذلك: أنه إذا ثبت في حكم الكافر ضلال سواء السبيل فيثبت ضد حكمه للمؤمن؛ لأنه إذا تضادت الأعمال تضادت الجزاءات.

الفائدة الثانية والعشرون : التنبيه على أن الغالب أن وسط السبيل والطريق هو الحق؛ لأن سواء بمعنى وسط كقوله تعالى: {{فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ *}} [الصافات: 55] ، أي: في وسطها ومستقرها وهذا هو الغالب أن ما تطرف إلى اليمين أو اليسار فهو ضلال، ولذلك جاء في الحديث: «حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه»[(112)].

* * *

قال الله تعالى: {{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ *}} [المائدة: 13] .

قوله: {{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} } «الفاء»: عاطفة والعطف بالفاء يفيد الترتيب وإذا كان عطف فعلٍ على فعل، فإنه يفيد السببية مع الترتيب فإذا قلت: جاء زيد فعمرو، فالفاء للترتيب المحض؛ لأن العطف هنا عطف مفرد على مفرد، وإذا عطفت جملة على جملة فإنه قد يفيد الترتيب مع السببية وهو الغالب مثل أن تقول: كَفَرَ فلانٌ فكان في النار، آمن فلانٌ فكان في الجنة، أي: بسبب، وأحياناً تكون لمجرد الترتيب كما في قوله تعالى: {{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا}} [الأعراف: 4] ، فالهلاك بعد مجيء البأس.

قوله: {{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} }، الفاء تقدم أنها عاطفة تفيد الترتيب وتفيد السببية مع أن الباء التي بعدها تفيد السببية أيضاً.

وقوله: {{فَبِمَا نَقْضِهِمْ} } «الباء» للسببية وهي حرف جر، و«ما» زائدة.

لكن لو قال قائل: كيف يجتمع حرفان يفيدان التعليل وهما الباء والفاء؟ الجواب: نقول كيف يجتمع شاهدان على مشهود به واحد وتعدد الأسباب لا يستلزم تعدد المسبب.

وقوله: {{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} } أي: بنقضهم ميثاقهم، فـ«ما» هنا زائدة للتوكيد، كما تقدم، والمؤكد نقض الميثاق، يعني: فبتأكدنا نقض الميثاق حصل كذا وكذا، و«ما» تأتي زائدة وتأتي مصدرية وتأتي موصولة وتأتي شرطية، وقد جمع بعضهم معانيها في بيت واحد فقال:

محـامـل «ما» عـشر إذا رمت عدها***فحافظ على بيت سليم من الشعر

ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها***بكف ونفي زِيْدَ تعظيم مصدر

فمن جملة ما ذكر من المعاني أنها زائدة كما في هذه الآية، (بكف ونفي زيد) هذه الزائدة، فإذا قال قائل: ما الفائدة من الزائدة؟ قلنا: الفائدة التوكيد وهكذا جميع حروف الزيادة العاملة وغير العاملة فائدتها: التوكيد.

قوله: {{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} } «النقض»: ضد العقد، أي: حلهم الميثاق.

وقوله: {{مِيثَاقَهُمْ} }: أي: الذي واثقهم الله عليه، وهو قوله: {{لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً}} [المائدة: 12] ، فهؤلاء نقضوا الميثاق بسببه.

قوله: {{لَعَنَّاهُمْ} } «اللعن»: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فكانوا ـ والعياذ بالله ـ مطرودين مبعدين عن رحمة الله لا ينالهم الله برحمة، ومن لعنه الله لعنه اللاعنون، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: وما لي لا ألعن من لعنه الله أو من لعنه رسول الله[(113)].

قوله: {{لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} } وفي قراءة {{لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} }، {قاسية} اسم فاعل {قسية} صفة مشبهة، والصفة المشبهة أغلظ من اسم الفاعل؛ لأنها وصف ملازم، كما قال ابن مالك رحمه الله:

............................***كطاهر القلب جميل الظاهر

فالصفة المشبهة ملازمة، إذاً {قاسية} و {{لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} } قراءتان، وإذا كان في الآية قراءتان، فالمعنى أن الأمرين كلاهما حاصل، فهي قسية وهذا وصفها الملازم، وقاسية عند وجود ما يوجب لين القلب تقسو ـ والعياذ بالله ـ فهي قسية وصفاً قاسية فعلاً كما قلنا: في قراءة {{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}} [الفاتحة: 4] ، و«مَلِكْ»، قلنا: نجمع بين القراءتين فيكون المعنى: أنه ملك ذو تصرف، أي: ملك مالك؛ لأن بعض ملوك الدنيا يكون ملكاً غير مالك، وكثير من الناس مالك ولكنه غير ملك، كلنا يملك مالاً لكن لسنا ملوكاً، إذاً: {{لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} } {وقاسية} قريب من هذا.

قوله: {{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} } هذا أيضاً من ضلالهم والعياذ بالله ونقضهم العهد {{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} } أي: كلم الله عزّ وجل، «والكلم»: اسم جمع كلمة والجمع كلمات.

قوله: {{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} } أصل التحريف: التغيير: تغيير الشيء عن وجهه ولهذا تقول: انحرفت الدابة، يعني تغير مسيرها، وانحرفت السفينة: أي: تغير اتجاهها، إذاً «يحرفون»: أي: يغيرون الكلم عن مواضعه، وتغيير الكلم عن مواضعه عندهم نوعان: تغيير في اللفظ وتغيير في المعنى، من تغييرهم في اللفظ: أنه لما قيل لهم: {{وَقُولُوا حِطَّةٌ}} [البقرة: 58] ، قالوا: حنطة، ما قالوا: حطة، يعني حط عنا ذنوبنا بل قالوا: حنطة، يعني: أعطنا أكلاً، ولما وجب على الزاني المحصن أن يُرجم حرفوا ذلك وقالوا: إن هذا في الوضعاء وليس في الشرفاء، وصاروا يرجمون الوضعاء ولا يرجمون الشرفاء، هذا تحريف معنوي يعني حملوا النصوص على غير ما أراد الله عزّ وجل بها. إذاً: التحريف من هؤلاء يشمل التحريف اللفظي والمعنوي.

واعلم أن التحريف المعنوي يكون في الدليل والتعطيل يكون في المدلول، فقوله تعالى: {{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}} [الأعراف: 54] قالوا: استوى بمعنى استولى، حرفوا الدال إلى اللام، فالتحريف في الدليل وعطلوا المدلول فلم يثبتوا الاستواء، والآية تدل على الاستواء، وكل إنسان يحرف الدليل فسيعطل المدلول وسيدَّعي معنى لا يدل عليه اللفظ فيكون جانياً على النص من وجهين: الأول: تعطيل النص عما أريد به، والثاني: إثبات معنى لا يراد به.

قوله: {{عَنْ مَوَاضِعِهِ} } أي: عن المواضع التي أرادها الله به.

قوله: {{وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا} } «نسوا» تحتمل معنيين: الأول: نسوا: أي: تركوا، والثاني: نسوا: أي: بعد الذكر، فالأول نسيان عملي، والثاني نسيان علمي، فهل المراد في هذه الآية الأول أو الثاني؟

الجواب: كلاهما المراد، نسوا: أي: تركوا عن عمد، نسوا: أي: تركوا عن عدم علم، يعني: نسوا العلم الذي كانوا يعلمونه من قبل.

فإذا قال قائل: ما هو الدليل على تقسيم النسيان إلى هذا؟

قلنا: اقرأ قول الله تعالى: {{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}} [البقرة: 286] ، هذا نسيان علمي، واقرأ قول الله تعالى: {{وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ}} [الحشر: 19] ، هذا نسيان عملي، وقوله: {{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}} [التوبة: 67] ، هذا أيضاً نسيان عملي.

وقوله: {{حَظًّا} } أي: نصيباً، والحظ قد يكون في الخير وقد يكون في الشر، فقوله تبارك وتعالى: {{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}} [فصلت: 35] ، هذا حظ محمود، وإذا قيل مثلاً: فلان حظه من اليوم الآخر النار، هذا مذموم، فقوله: «حظاً»: أي نصيباً.

قوله: {{مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} } أي: من الوحي الذي نزل عليهم ليتذكروا به، فهم نسوا حظاً من التوراة؛ لأن الكلام الآن على اليهود، نسوا حظاً من التوراة أي: تركوه عمداً نتيجة تحريف الكلم عن مواضعه، أو نسوه بمعنى أنهم نسوه بعد العلم، وذلك أن كتبهم تلفت ولما تلفت صاروا يتخبطون فيها ويكتبون فيها ما أرادوا، فهذا وجه النسيان الذي هو ضد الذكر، والنسيان الذي هو ضد العمل.

وقوله: {{وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ} } هل المراد لا تزال أيها المخاطب، أو لا تزال أيها الرسول؟

الجواب: الأول، يعني لا تزال أيها الإنسان؛ لأنه لم يتقدم للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ذكر، أي: لا تزال أيها الإنسان أو أيها المتأمل في حالهم.

قوله: {{تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} } كلمة «خائنة» يحتمل أن تكون مصدراً كالعاقبة والعافية ويحتمل أن تكون اسم فاعل، فإن كانت مصدراً فالمعنى: لا تزال تطلع على خيانة منهم، وإن كانت اسم فاعل فالمعنى لا تزال تطلع على طائفةٍ خائنةٍ، أو نفس خائنة منهم، فتكون وصفاً لموصوف محذوف، أما كونها اسم فاعل فلا إشكال فيه؛ لأن اسم الفاعل يأتي على وزن فاعل، لكن كيف تكون مصدراً وهل يأتي في المصادر ما هو على فاعل؟ قلنا: نعم يأتي، فكلمة (العافية) في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم إني أسألك العافية» [(114)] مصدر «أسألك أن تعافني عافيةً»، وكلمة «العاقبة» كذلك مصدر، فاللغة العربية واسعة.

لو قيل: (خائنة) ألا يمكن أن تكون اسم فاعل على أن التاء فيها للمبالغة، وأن الأصل على خائن منهم، كما يقال في داعٍ داعية؟ نقول: يمكن؛ لأن فيهم ـ أي: في اليهود ـ من طبيعته الخيانة فيصدق عليه أنه داعية أي: أن التاء فيه للمبالغة وهذا من سعة معاني القرآن الكريم، أنك تجد اللفظة الواحدة تحتمل معاني كثيرة، والقاعدة: أن ما احتمل أكثر من معنى، ولا مرجح ولا تضاد فإنه يحمل على كل ما يحتمله من معنى.

قوله: {{وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ} } إلا قليلاً من اليهود فإنهم سالمون من هذه الأوصاف والعيوب، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وهو من أحبار اليهود حبر من أحبارهم وعالم من علمائهم وليس فيه شيء من هذه الأوصاف، بل من حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة آمن به واتبعه وشهد له بالحق. وله أمثال: فمنهم من هو سالم من هذه العيوب، والأوصاف الذميمة لكنهم قليل ولهذا قال: {{وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ} }.

قوله: {{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} } «اعف عنهم»: هل العفو عن القليل الذين لا خيانة فيهم، أو عن جميعهم؟ قيل: الضمير يعود على أقرب مذكور وهو القليل، يعني فاعف عن هؤلاء القليل الذين تقدم منهم الأذى والعداوة لرسالتك، ثم زالت أوصافهم السيئة، فيكون المراد: اعف عما مضى من سيئاتهم، وعلى هذا المعنى لا إشكال في الآية إطلاقاً. أي: اعف عن القليل الذين سلموا من الأوصاف الذميمة؛ لأن هؤلاء القليل كانوا يهوداً وكان منهم ما كان من المنابذة ونقض العهد لكن آمنوا، فنقول: على هذا التقدير لا إشكال في الآية إطلاقاً، لكن إذا قلنا: اعف عنهم أي: عن مجموعهم مع اتصافهم بهذه الأوصاف وخيانتهم، يبقى في ذلك إشكال وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قاتل اليهود بأمر الله، قال الله تعالى: {{قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *}} [التوبة: 29] . فكيف الجمع؟

ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف أي: بالآيات التي تأمر بقتالهم. وما أكثر الناس الذين إذا أعياهم الجمع بين النصوص قالوا: هذا منسوخ، فيكون كثير من الشريعة منسوخاً، مع أن بعض العلماء والمحققين يقول: أن كل النسخ لا يتجاوز عشرة أحكام، وعلى كل حال نحن نقول: إن بعض العلماء قال: إن هذه الآية منسوخة، وفي هذا إشكال؛ أي: أن تكون منسوخة.

أولاً : لأننا لا نعلم التاريخ، ومن المعلوم أن من شرط النسخ العلم بالتاريخ حتى نعلم أن هذا بعد هذا فيكون ناسخاً له.

ثانياً : من شرط النسخ أيضاً: أن لا يمكن الجمع فإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأنه إذا أمكن الجمع وقلت: هذا منسوخ، فإن هذا إلغاء للنص الآخر وإلغاء النص ليس بهين، فكونك تقول: هذا بَطَلَ حُكْمُه وهو ثابت بالقرآن والسنة ليس بهين، ولذلك لا يجوز الإقدام على دعوى النسخ إلا بدليل لا مفر منه، ومتى أمكن الجمع فإن القول بالنسخ محرم؛ لأنه كما تقدم إبطال لأحد الدليلين، وهذا صعب أن يكون دليل ثابت ثم تدعي أنه بَطَلَ.

ثانياً : أن سورة المائدة من آخر ما نزل حتى قال بعض أهل العلم: إنه لا نسخ فيها، وأن جميع الأحكام الموجودة فيها محكمة لا منسوخة، وهذا مشهور عند أهل العلم.

إذاً دعوى النسخ غير صحيحة، يبقى عندنا الجمع، جمع بعض العلماء بين هذا وبين الأمر بالقتال، أن الرسول عليه الصلاة والسلام عفا عن الذين خانوا وعن الذين نابذوه، عفا عنهم: أي خفف عنهم العقوبة فلم يقتلهم عليه الصلاة والسلام. فبنو قينقاع، وبنو النضير، هل قتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لم يقتلهم مع أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا نوع من العفو والصفح، وبنو قريظة أيضاً في الواقع أنه عفا عنهم؛ لأنه أنزلهم على حكم من رضوا حكمه، أنزلهم على حكم سعد بن معاذ وهذا نوع من العفو، وإلا لكان الرسول وضع فيهم السيف؛ لأنهم خانوا النبي عليه الصلاة والسلام وألبوا الأحزاب عليه، ومع هذا أنزلهم على حكم سعد بن معاذ الذي رضوه، فتكون الآية الآن محكمة، ويكون المراد بالعفو ليس العفو الكامل الذي يقتضي عدم عقوبتهم بأي عقوبة، ولكنه عفو جزئي، ولا شك أن هذا خير من القول بالنسخ، بل القول بالنسخ مع إمكان الجمع محرم؛ لأنه يعني إبطال النص الذي اُدعي أنه منسوخ كما تقدم.

قوله: {{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} } «العفو»: ترك المؤاخذة على الذنب، «والصفح»: الإعراض عنه، ولا يلزم من العفو الصفح، لكن في الغالب أنه يلزم من الصفح العفو، مثال ذلك: رجل أساء إليك فعفوت عنه ولم تقتص منه، هذا عفو، فإن أعرضت ولم تتكلم فيما جرى منه أبداً فإن هذا يسمى صفحاً.

قوله: {{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} } هذا كالتعليل لما سبق أي: إنما أمرناك بالعفو والصفح؛ لأن الله تعالى يحب المحسنين، وفيه أيضاً أنه إذا كان الله يحب ذلك فلا تتأخر في العمل به.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: إثبات الأسباب لقوله: { {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} } وجه ذلك: لأن الفاء والباء دلاَّ على السببية.

الفائدة الثانية: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله عزّ وجل، لقوله: {{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} }.

الفائدة الثالثة: أن اللعن عقوبة؛ لأن الله تعالى عاقب به من نقض الميثاق.

وهنا سؤال: هل يجوز لنا أن نلعن من لعنه الله ورسوله؟

الجواب: نعم، نلعن من لعنه الله ورسوله لكن على سبيل العموم إذا جاءت اللعنة على سبيل العموم، وعلى سبيل الخصوص، إذا جاءت اللعنة على سبيل الخصوص، فمثلاً نقول: لعن الله المعتدين، لعن الله الظالمين وما أشبه ذلك، والرسول صلّى الله عليه وسلّم دعا على قريش عموماً فقال: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» [(115)]، ولا يستبعد أن يوجد اللعن لشخص معين، أعني: الدعاء على شخص معين.

الحاصل: أننا لا نخص باللعن شخصاً معيناً حتى ولو كان من الظالمين؛ لأننا لا ندري بماذا يختم لهذا الرجل، فقد يختم له بالخير، حتى لو كان كافراً ومات على الكفر فإننا لا نلعنه؛ لأن هذا من باب سب الأموات، وقد أفضوا إلى ما قدموا ولا فائدة من ذلك؛ لأنه إن كان قد استحق اللعنة فهو ملعون لعنتَ أم لم تلعن، وإن لم يكن يستحق اللعنة بُؤْتَ بالإثم.

ولهذا لما دعا الرسول صلّى الله عليه وسلّم على قوم باللعنة فقال: «اللهم العن فلاناً وفلاناً» [(116)]نهاه الله تعالى بقوله: {{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ *}} [آل عمران: 128] ، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما أنا بشر يغضب كما يغضب البشر فأيما امرئ لعنته فاجعل ذلك كفارة له» [(117)] فالمراد باللعن في هذا الحديث السب، ولهذا لما قال الصحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله! وهل يلعن الرجل أباه، قال صلّى الله عليه وسلّم: «نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه» [(118)] لكن لو دعا على الكافر بالهلاك لا يدخل في اللعن؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد.

الفائدة الرابعة والخامسة: أنه كلما عصى الإنسان ربه قسا قلبه، لقوله: {{وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} }، عكس ذلك أن نقول: كلما أطاع الإنسان ربه لان قلبه، وما أكثر الذين يطلبون أن تلين قلوبهم ويسألون ما هو الدواء لقسوة القلب؟ نقول: الدواء لقسوة القلب كثرة طاعة الله عزَّ وجل.

الفائدة السادسة: أن للقلوب أحوالاً: قسوة وليناً، وهو كذلك، كما قال الله تبارك وتعالى: {{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}} [الزمر: 23] .

الفائدة السابعة: أن المعاصي سبب لقلة الفهم ـ أعني: فهم كلام الله عزّ وجل ـ أو للعدوان في فهمه لقوله: {{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} } وتحريف الكلم عن مواضعه: إما أن يكون سببه الجهل وفقد العلم، وإما أن يكون سببه الاستكبار والعدوان، وعلى كلٍّ فالجملة معطوفة على ما سبق، أو أنها حال من فاعل قاسية، يعني: حال كونهم يحرفون الكلم عن مواضعه، المهم أن المعاصي سببٌ لعدم الأخذ بالنصوص وسبب لتحريفها.

الفائدة الثامنة: أن المعاصي سبب لنسيان ما ذُكِّر به الإنسان، وقد تقدم أن النسيان نوعان: نسيان علم ونسيان عمل، وهذا كله لا شك سبب. أما كون المعاصي سبب لنسيان العلم فقد دل عليه قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ *}} [محمد: 17]، فإذا كانت الهداية سبباً لزيادة العلم فالمعصية سببٌ لنقصانها، وأما كون المعاصي سبباً لنسيان الترك فلقول الله تبارك وتعالى: {{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}} [المائدة: 49] ، يعني إن تولوا وأعرضوا فاعلم أن سبب ذلك هو أنهم أذنبوا، فأراد الله تعالى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم.

الفائدة التاسعة: أن هؤلاء قد أقيمت عليهم الحجة، ولكنهم تركوا العمل بعد إقامة الحجة، لقوله: {{مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} }.

الفائدة العاشرة: أن قسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه، ونسيان ما ذكر به الإنسان من خصال اليهود، وإذا كانت من خصالهم، فالواجب على الإنسان أن يبتعد عنها وأن يفر منها فراره من الأسد.

الفائدة الحادية عشرة: أن خيانة اليهود لا تزال باقية، لقوله: {{وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} }، وقد سبق تفسير كلمة خائنة، ومن تدبر تاريخهم عرف أنهم على ما وصفهم الله لا يزالون خونة، وأنه لا يُفرح منهم بعهد ولا يوثق منهم بوعد إذ إنهم خونة، إن رأوا قوة في مقابلهم ضعفوا أمامها، إن رأوا ضعفاً قووا أمامه، فهم يتبعون مصالحهم، ولا يبالون بوفاء الوعد أو العهد أو عدم وفائه؛ لأنهم لا يزالون خونة.

الفائدة الثانية عشرة : أن من اليهود من طهر من ذلك، لقوله: {{إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ}} وهذا هو الواقع فإن من اليهود من آمن برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وشهد له بالحق وحسن إسلامه وكان داعية لقومه.

الفائدة الثالثة عشرة : حسن معاملة الإسلام لعدوه، وذلك حين أمر الله بالعفو عنهم والصفح، ولا سيما إذا ظهر النصر لنا، فحينئذٍ يأتي دور العفو؛ لأن العفو الحقيقي الذي يمدح عليه صاحبه هو: العفو مع القدرة، أما العفو مع العجز فهذا ليس بعفو ولا يحمد عليه الإنسان.

الفائدة الرابعة عشرة : إثبات المحبة لله، لقول الله تعالى: {{وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} } ومحبة الله عزّ وجل ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والذوق المحسوس، فإن الإنسان يحس بمحبة الله عزّ وجل؛ أي: بأنه يحب الله ويعمل بطاعته، وكذلك أيضاً: إذا أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى لله، صار لله ولياً وذاق طعم الإيمان.

الفائدة الخامسة عشرة والسادسة عشرة : أن عدم المؤاخذة على الذنب من الإحسان، لقوله: {{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} }، فدل هذا على أن عدم المؤاخذة على الذنب يعتبر إحساناً، وكثير من الناس لا يفهم من الإحسان إلا الشيء الإيجابي، يعني الإعطاء، والصدقة، والهدية، والتبرع وليس كذلك. ويتفرع على هذه الفائدة أن فوات الأجر يعتبر عقوبة فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد انتقص من أجره كل يوم قيراط» [(119)] هذه عقوبة وإن كانت ليست عقوبة إيلام وتعذيب لكن فوات محبوب، ثم ليعلم أن أصل العفو ليس مشروعاً إلا إذا كان فيه إصلاح، فالعفو لا بد أن يكون في محله، ولذلك الله عزّ وجل اشترط في العفو أن يكون إصلاحاً فقال: {{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ}} [الشورى: 40] ولهذا لو كان عفونا عن هذا الرجل يؤدي إلى تسلطه وعدوانه على الناس لم نعف عنه، فالإحسان يتضمن شيئين: إما إيصال مطلوب، وإما العفو عن مرهوب.

الفائدة السابعة عشرة : الحث على الإحسان، لقوله: {{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}} [البقرة: 195] ، وقد تقدم غير بعيد أن الإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الخالق، وإحسان في معاملة المخلوق.

فالإحسان في عبادة الخالق: بَيَّنَهُ الرسول صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[(120)].

والإحسان في معاملة المخلوق: هو أن تبذل لهم المعروف وأن لا تعتدي عليهم بما ليس بمألوف، ومنهم من قال: الإحسان: بذل الندى وكف الأذى وهذا بمعنى ما ذكرنا، ومما يدل على أن كف الأذى يعتبر من الإحسان هذه الآية.

* * *

قال الله تعالى: {{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ *}} [المائدة: 14] .

قوله: {{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} } يعني وأخذنا من الذين قالوا: إنا نصارى ميثاقاً، ولم يقل: ومن النصارى، بل قال: {{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} }، مع أنه في الآية الأخرى يثبت الله تعالى لهم هذا الوصف، كما في قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى}} [المائدة: 69] ، لكن هنا قال: {{قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} }، وفائدة ذلك: إقامة الحجة عليهم حيث يدَّعون أنهم نصارى وأنهم أهل نصرٍ للحق، ومع ذلك نسوا حظاً مما ذكروا به.

وقوله: {{أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} } إذاً أَخَذَ الله الميثاق من اليهود وأخذ الله الميثاق من النصارى وكذلك من هذه الأمة، فإن الله تعالى أخذ منا الميثاق، كما قال تعالى: {{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}} [المائدة: 7] ، وقد أخذ الله الميثاق على بني آدم كلهم أن يؤمنوا به وبرسله ويوحدوه ولا يشركوا به شيئاً، فأخذ الله الميثاق على الذين قالوا: إنا نصارى {{فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} }، نسوا: أي: تركوا وهذا نسيان عمل، وهل يمكن أن يكون نسيان علم؟ لا يمكن، إن قلنا: إن بني إسرائيل قد سقطت عنهم المؤاخذة بالنسيان؛ لأنه إذا سقطت عنهم المؤاخذة فإنهم لا يعاقبون.

لكن إذا قلنا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان خاص بهذه الأمة، قلنا: إن قوله: {{وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} } [المائدة: 13] يتناول: نسيان العلم ونسيان العمل، ولا شك أن نسيان العمل أشد من نسيان العلم حتى على القول: بأنهم يؤاخذون بنسيان العلم.

وقوله: {{حَظًّا} } أي: نصيباً.

قوله: {{فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} } ولم يذكر الله تعالى لهؤلاء النصارى مثل ما ذكر لليهود من أنه لعنهم وجعل قلوبهم قاسية، وابتلوا بتحريف الكلم عن مواضعه، ونسوا حظاً مما ذُكِّروا به. أما هؤلاء فقال: {{فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} }، هذا العقاب يقول عزّ وجل: {{فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ} } أي: ألقيناها بينهم، لكنه عبر بالإغراء كأن كل واحد قد أغري بالآخر من شدة العداوة بينهم.

وقوله: {{الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} }، «العداوة»: بالقول والفعل، و«البغضاء»: بالقلب. يعني: فلا موالاة بينهم ولا موادة، بل العداوة التي هي ضد الولاية والبغضاء التي هي ضد المودة.

وقوله: {{إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} } يعني: حتى إلى وقتنا هذا، فالنصارى مختلفون متعادون، يضلل بعضهم بعضاً ويكفر بعضهم بعضاً.

فإن قال قائل: نحن الآن نجد أن النصارى متفقون؟

نقول: هذا الاتفاق اتفاقٌ ظاهري وإلا ففي قلوبهم من العداوة والبغضاء بعضهم لبعض ما لا يعلمه إلا الله، ثم هم متفقون على عدوٍ ثالث، كما في قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}} [المائدة: 51] ، فهم متفقون على عدوٍ ثالث وإلا فهم فيما بينهم مختلفون، قلوبهم متنافرة واعتداءاتهم ظاهرة.

وقوله: {{إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}} نقول: العداوة الآن والبغضاء بين النصارى وبين طوائفهم لا شك أنها موجودة؛ لأن خبر الله صِدْق، وقد قال: {{إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}}، لكن ما نشاهده من الاتفاق الظاهري: فإنه مخالف لما في الباطن، ثم كما تقدم لأن اتفاقهم ضد عدو للجميع وليس هذا بغريب في مسائل الدنيا وسياستها.

قوله: {{يَوْمِ الْقِيَامَةِ}} أما يوم القيامة فقد سبق أنه اليوم الذي يبعث فيه الناس وأنه سمي بذلك لأمور ثلاثة: الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين، والثاني: أنه يقام فيه الأشهاد، والثالث: أنه يقام فيه العدل.

قوله: {{وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} } «سوف»: للتحقيق، لكنها تدل على التراخي وأختها «السين» للتحقيق، لكنها تدل على الفورية، فإذا قلت: سيقوم زيدٌ. فالمعنى أنه يقوم الآن، وإذا قلت: سوف يقوم؛ أي: فيما بعد، لكن كلاهما يدل على التحقيق وأن الأمر محقق ولا بد من وقوعه.

وقوله: {{وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} } أي: يخبرهم بما كانوا يصنعون، وإخباره سبحانه وتعالى بأنه سوف ينبؤهم تهديد؛ لأنه إذا نبأهم بما صنعوا، فما بعد ذلك إلا الجزاء بما يستحقون.

وقوله: {{بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} } أي: بما كانوا يعملونه من نسيان الحظ مما ذكروا به.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: إقامة الحجة على الخصم بما يدعيه، لقوله: {{قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} }؛ لأنه تقدم أن الحكمة من قوله: {{قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} } دون قوله: ومن النصارى؛ لإقامة الحجة عليهم بما ادعوه، فهم يدعون أنهم نصارى، ومع ذلك نسوا حظاً مما ذُكِّروا به.

لو قال قائل: سمى الله الذين يَدَّعون أنهم أتباع عيسى بالنصارى وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين، ويرفضون نسبتهم إلى النصرانية، ما السبب في ذلك؟

الجواب: السبب في ذلك أنهم إذا انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دين وإلى رسول دينه حق، وهذا أهون من قولهم: إنا نصارى، لا سيما إذا قلنا: إن كلمة النصارى نسبة إلى بلد تسمى الناصرة؛ لأن النسبة حينئذٍ تكون نسبة أرضية وطنية، لكن إذا قلنا: مسيحيون صارت نسبة إلى رسول متبوع، كما يسمي أهل التحريف أنفسهم بأهل التأويل، قالوا ذلك تلطيفاً للأمر وجعل هذا الشيء أمراً مقبولاً؛ لأنهم لو قالوا: أهل التحريف؛ ما تبعهم أحد.

الفائدة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى لم يغفل أمةً من الميثاق الذي أخذه عليهم، لما تقدم أنه أخذ الميثاق على اليهود، وأخذه على النصارى، وأخذه على هذه الأمة؛ بل أخذه على جميع بني آدم.

الفائدة الثالثة: أن إضاعة حق الله من أسباب إلقاء العداوة والبغضاء بين الناس، بمعنى أنك متى وجدت عداوة وبغضاء بين الناس، فهذا بسبب إعراضهم عن دين الله لقوله: {{فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا} }، فـ{أَغْرَيْنَا}: و«الفاء» للسببية.

الفائدة الرابعة: أن العكس يكون بالعكس، بمعنى أن الناس إذا قاموا بطاعة الله واتفقوا عليها فإن الله يلقي بينهم المودة والمحبة والولاية.

الفائدة الخامسة: التفريق بين العداوة والبغضاء، العداوة: ضدها الولاية، والبغضاء: ضدها المحبة، وهناك فرق بين حبيبٍ ليس ولياً وبين حبيبٍ هو ولي، وبين بغيض ليس عدواً، وبغيض هو عدو؛ لأن البغيض قد يعتدي عليك فيكون بذلك بغيضاً عدواً، وقد لا يعتدي عليك ولكن يكرهك فقط، فلا يكون عدواً.

الفائدة السادسة: إثبات يوم القيامة، لقوله تعالى: {{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ *}} [الحج: 7] .

الفائدة السابعة: تهديد هؤلاء النصارى الذين نسوا حظاً مما ذكروا به وذلك في قوله: {{وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} }.

الفائدة الثامنة: إثبات علم الله، لقوله: {{يُنَبِّئُهُمُ} }؛ لأنه لا إنباء إلا بعد علم وهو كذلك.

الفائدة التاسعة: الرد على الجبرية، لقوله: {{يَصْنَعُونَ} } فأضاف الفعل إليهم، والأصل أن الفعل إذا أضيف إلى أحد فإنه قائم به مختار له، والجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، حتى في الحركات الإرادية يقولون: هو مجبر، حتى لو أراد الإنسان أن يأكل أو يشرب يقولون: هو مجبر على ذلك، ولا شك أن قولهم هذا يخالف المحسوس والمعقول والمنقول.

* * *

قال الله تعالى: {{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ *يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *}} [المائدة: 15 ـ 16] .

قوله: {{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} }: هم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك فالمراد بالكتاب هنا: الجنس وهو التوراة والإنجيل، وأضافهم الله تعالى إلى الكتاب وسماهم أهلاً له لإقامة الحجة عليهم ونفي العذر، كأنه قال: يا أهل الكتاب أنتم أهل الكتاب عندكم علم وعندكم معرفة، {{قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} } وأنتم تعرفون هذا الرسول كما تعرفون أبناءكم.

قوله: {{قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} } يريد به محمداً صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: {{يُبَيِّنُ لَكُمْ} } «يُبَيِّنُ» الجملة حال من رسول؛ أي: حال كونه يبين لكم؛ أي: يظهر لكم.

قوله: {{كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} } أي: يبين لكم حكمه؛ لأن الحاجة تدعو إليه. والبعض الآخر يعفو عنه، فيبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب مما تقوم به الحجة عليكم.

قوله: {{وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} }؛ أي: يتركه ولا يذكره؛ لأنه لا حاجة لذكره، وسماه عفواً لأن فيه ستراً لفضائحهم التي كانوا يقومون بها من كتمان ما أنزل الله، فيعفو عن كثير مما لا تدعو الحاجة إلى ذكره، ومن تدبر القرآن وجد فيه أخباراً كثيرة عن بني إسرائيل، قال الله تعالى: {{قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}} [الأنعام: 91] ، فهذا دأب أهل الكتاب.

قوله: {{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} }، «النور»: هل المراد به محمدٌ صلّى الله عليه وسلّم أو المراد ما يحصل من الكتاب والسنة من الهدى؟ المراد الثاني، وعلى هذا فيكون قوله: {{وَكِتَابٌ مُبِينٌ} } معطوفاً على نور، من باب عطف المقتضي على المقتضى، مثل قوله تعالى: {{الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى *وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *}} [الأعلى: 2 ـ 4] .

وأيضاً قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِيناً *}} [النساء: 174] ، فمحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم أتى بالنور الذي هو الهدي الساطع اللامع الذي لا ظلمة معه.

وقوله: {{وَكِتَابٌ مُبِينٌ} } هو القرآن وقد تقدم أنه سمي كتاباً لأمور ثلاثة: أولاً: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. ثانياً: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة. ثالثاً: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، وفعال: بمعنى مفعول، كما جاء ذلك كثيراً في اللغة العربية، مثل: غراس وبناء.

وقوله: {{مُبِينٌ} } هل المراد مبين لغيره أو بيِّن لنفسه؟

المراد كلاهما، وذلك؛ لأن «أبان» الرباعي يستعمل لازماً ويستعمل متعدياً، فتقول: أبان الصبحُ، بمعنى: بان، وتقول: فلان أبان الحقَ، بمعنى: أظهر، وإذا كانت الكلمة تستعمل في معنيين، فإنها تحمل عليهما بالشرطين اللذين ذكرناهما سابقاً، الأول: أن لا يتنافيا، وأن تحتملهما على السواء، وهنا الكلمة تحتمل هذا وهذا مع أن بعضهما لازم لبعض، فإنه إذا كان مبيِّناً لغيره فهو بَيِّن بنفسه.

قوله: {{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} } «يهدي به»: «الباء» هنا للسببية، «والهداية» هنا: إن كان المراد بقوله: «به» يعني: بدلالته، فالهداية هنا هداية دلالة، وإن كان المراد بقوله: «يهدي به» أي: باتباعه، فالهداية هداية توفيق ودلالة.

وننظر إلى بقية السياق، {{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} } {{مَنِ} }: مفعول أول، «سبل»: مفعول ثاني، و«رضوانه»: مفعول لـ«اتبع»، إذاً: المهدي هو متبع الرضوان، والذي هدي إليه هو سبل السلام.

قوله: {{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ}} أي: تطلَّبه وابتغاه ورأى ما يرضي الله فقام به.

قوله: {{سُبُلَ السَّلاَمِ} } ولم يقل: سبيل السلام، مع أن التعبير الغالب أنه يعبر عن طريق الإسلام بالإفراد، وعن طرق الضلال بالجمع، لكن هنا لما قال: {{اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} } تعين أن يكون المراد بالسبل هنا شرائع الإسلام؛ لأنه إذا كان متبعاً لرضوان الله فقد اهتدى وأسلم وآمن، لكن الإسلام له شرائع وله سبل، فلهذا قال: {{سُبُلَ السَّلاَمِ} }، وإضافة السبل إلى السلام من باب إضافة الشيء إلى مسبَّبِه؛ أي: السبل التي يحصل بها السلام، فالسلام من كل شيء، والسلام من النار، والسلام من الزيغ، والسلام من الشبهات، يعني تشمل كل معنى تحتمله كلمة السلام.

قوله: {{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} } {يخرجهم}: أي: الله عزّ وجل، والمراد بقوله: يخرجهم أي: من اتبع رضوانه، وعاد الضمير في قوله: {يخرجهم} إلى {مَنْ} بلفظ الجمع مراعاة لمعناها؛ لأن {من} لفظها مفرد ومعناها قد يراد به الجمع، فصح أن يعود الضمير إليها مجموعاً، وهذه قاعدة في «من»، سواء كانت اسماً موصولاً أو اسم شرط، فيجوز أن يعود الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار المعنى وبلفظ الإفراد باعتبار اللفظ، كما في قوله تعالى: {{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا}} [الطلاق: 11] ، فتجد أن الله تعالى أعاد الضمير إليها مرة بلفظ الجمع ومرة بلفظ الإفراد، ثم أعاد مرة ثانية بلفظ الإفراد.

فقوله: {{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا}} الضمير جاء بلفظ الإفراد، وقوله: {{يُدْخِلْهُ}} إفراد أيضاً، {{خَالِدِينَ}} أعاد الضمير بصيغة الجمع، وقوله: {{قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ}} جاء بصيغة الإفراد.

قوله: {{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} } الظلمات، ظلمات الجهل والشرك والمعاصي والفسوق وغير ذلك.

قوله: {{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} } الإذن: هنا قدري، والإذن القدري بمعنى: المشيئة والإرادة، ويقابله الإذن الشرعي، مثل قوله تعالى: {{قُلْ أآلله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}} [يونس: 59] ، معلوم أن الله أذن لهم قدراً لكنه لم يأذن لهم شرعاً، ومن الإذن الشرعي قوله تعالى: {{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}} [الشورى: 21] ، ومن الإذن القدري قوله في هذه الآية: {{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} } ومنها أيضاً قوله تعالى: {{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}} [البقرة: 255] ، فالإذن نوعان: إذن قدري وإذن شرعي.

والفرق بينهما: أن الإذن الشرعي لا يكون إلا فيما يرضاه الله عزّ وجل، والإذن القدري يكون فيما يرضاه وفيما لا يرضاه، هذا الفرق الأول.

والفرق الثاني: أن ما أذن به شرعاً فقد يقع وقد لا يقع، إذ إن الناس قد يمتثلون، وقد لا يمتثلون وأما ما أذن به قدراً فلا بد من وقوعه.

قوله: {{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} } الهداية إذا تعدَّت بـ «إلى» فهي هداية الدلالة، وعلى هذا فمعنى قوله: {{وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} } أي: يدلهم إليه، وهذا يعني فتح أبواب العلم لهم حتى يعلموا ما لم يكونوا يعلمونه من قبل.

من فوائد الآيتين الكريمتين:

الفائدة الأولى: خطاب اليهود والنصارى بأهل الكتاب، وقد يقول قائل: في هذا إكرام لهم وإعزاز لهم أن سماهم أهل الكتاب؟

والجواب عن ذلك أن نقول: سماهم أهل الكتاب لا إكراماً لهم، ولكن إقامة للحجة عليهم؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يجب عليهم أن يكونوا أول عامل به، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: {{وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}} [البقرة: 41] .

إذاً: فالذين يطنطنون الآن ويريدون أن يقربوا بين الأديان ويقولون: إن الله سماهم أهل كتاب، زعماً منهم أو إيهاماً منهم أن ذلك من باب التكريم لهم والرضا بما هم عليه، نقول: إن الله لم يخاطبهم بذلك تكريماً لهم، وكيف يكون ذلك إكراماً لهم؟ والله يقول: {{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ *}} [المائدة: 60] ، لكنه ناداهم بهذا الوصف، إقامة للحجة عليهم، وأن تصرفهم أبعد ما يكون عن العقل؛ لأن أهل الكتاب يجب أن يكونوا أول عامل به.

الفائدة الثانية: رفع شأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وذلك لقوله: {{رَسُولُنَا} }، فإن إضافة رسالته إلى الله لا شك أنها شرف، وكل ما يضاف إلى الله فهو شرف، حتى الجماد إذا أضيف إلى الله كان ذلك شرفاً له، قال تعالى: {{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ}} [الحج: 26] .

الفائدة الثالثة: أن محمداً رسول الله مرسلٌ إلى أهل الكتاب لقوله: {{قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} }، وهو كذلك، حتى أقسم النبي صلّى الله عليه وسلّم «أنه لا يسمع به يهوديٌ ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من أصحاب النار»[(121)]، فهو مرسل إليهم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين.

الفائدة الرابعة: أن محمداً رسول الله مبيِّن لقوله: {{يُبَيِّنُ لَكُمْ} } فهو عليه الصلاة والسلام سراجٌ منير، مبين للخلق كما قال الله تعالى: {{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}} [النحل: 44] ، والتبيين الذي ذكره الله هنا يشمل تبيين اللفظ وتبيين المعنى، كما قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}} [المائدة: 67] .

الفائدة الخامسة: أن أهل الكتاب أهل كتمان للعلم، لقوله: {{كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} }.

الفائدة السادسة: أن من كتم العلم من هذه الأمة ففيه شبه باليهود والنصارى؛ لأن هذا هو دأبهم، فمن كتم فقد شابههم في أقبح خصلة ـ والعياذ بالله ـ وهي كتمان ما جاءهم من العلم.

الفائدة السابعة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سكت عن أشياء من معايب أهل الكتاب لم يبيِّنْها لهم.

فإذا قال قائل: لماذا لم يبيِّن ويفضحهم؟

قلنا: فضيحتهم فيما بُيِّن كافية، وأما السكوت عما لم يبين؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، وقد يكون في هذا نوع من التأليف، أي: من تأليف قلوبهم.

الفائدة الثامنة: أن ما جاء به محمدٌ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كله نور، نور يشع، إن تأملت أخباره استنرت بها، وأحكامه كذلك، فهو نور يستنير به الإنسان في طريقه إلى الله عزّ وجل، وفي طريقه إلى معاملة عباد الله.

هو أيضاً نور في القلب، فكل من تمسك بشريعة محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم ازداد نوراً في قلبه وفراسة واستنباطاً للأحكام الشرعية وغير ذلك.

هو أيضاً نورٌ في الوجه؛ لأن المتمسك بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام لا بد أن يؤثر ذلك عليه في مقاله وفعاله وحاله، فيستنير الوجه، ولهذا تجد للعلماء الربانيين، نوراً في وجوههم يكاد يكون محسوساً، أما المعنوي فمعلوم حتى لو كان العالم الرباني جلده ليس بأبيض فإنه يستنير وجهه، والنور شيء واللون شيء آخر.

ونورٌ أيضاً في القبر، فإن الإنسان إذا كان مؤمناً ـ جعلنا الله منهم ـ يفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من روح الجنة ونعيمها[(122)]، هو أيضاً نورٌ يوم القيامة قال تعالى: {{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}} [الحديد: 12] .

إذاً: فكلمة نور شاملة عامة في كل ما يمكن أن يكون فيه ظلمة فالدين الإسلامي ينيره.

الفائدة التاسعة: أن القرآن مكتوب، وتقدم أنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا وفي اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة.

الفائدة العاشرة والحادية عشرة: أن القرآن الكريم مبيِّن للأشياء، وأوضح من ذلك قوله تعالى: {{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}} [النحل: 89] ، وكلمة «مبين» ذكرنا في التفسير أنها يصح أن تكون متعدية أو لازمة، فإن كانت لازمة فالمعنى: أنه بيِّن بنفسه، وإن كانت متعدية فالمعنى: أنه مبين لغيره، والقرآن لا شك أن بيانه بنفسه وإبانته لغيره هو وصفه، فإذا كان مبيناً وتبياناً لكل شيء، ألا يتفرع على هذا أنه لا يليق بنا أن نعرض عن تدبره بل علينا أن نتدبره، وأول ما يرد علينا من المسائل نطلبها في كتاب الله، فإن عجزنا عن استبيانها في كتاب الله ففي سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وسنة رسول الله مبينةٌ للقرآن بأمر الله، قال تعالى: {{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}} [النحل: 44] ، فإذا لم يكن في القرآن ولا في السنة وعجزنا عن إدراك الحكم الشرعي في الكتاب والسنة، حينئذٍ إما أن نسأل أهل الذكر، لقوله تعالى: {{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}} [النحل: 43] ، وإما أن نتوقف، وإن كان الإنسان أهلاً للاجتهاد فلا حرج عليه أن يجتهد كالإنسان الذي لا يعرف القبلة بنفسه ولا أخبره بها ثقة، فعليه أن يجتهد ويتحرى.

الفائدة الثانية عشرة : أن الهداية بيد الله ولهذا أدلة كثيرة، كقوله تعالى: {{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}} [الكهف: 17] ، وقوله: {{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}} [آل عمران: 73] ، والآيات في هذا كثيرة، فالهداية بيد الله، وقوله: {{إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}} [القصص: 56] ، وإذا كانت من الله، تفرع عن ذلك:

أولاً : أن لا نسأل الهداية إلا من الله وأن نلح على ربنا عزّ وجل بالهداية: اللهم اهدني، اللهم اهدني دائماً.

ثانياً : أن نعلم أن أفعالنا لا نستقل بها بل هي بتوفيق الله جلَّ وعلا، فيكون فيها رد على القدرية، إذا كان الله جلَّ وعلا يهدي معناه أن لأفعالنا علاقة بهداية الله، فيكون في ذلك رد على القدرية القائلين: بأن الإنسان مستقل بنفسه وبعمله وبمشيئته وبقدرته، وهل فيها موافقة للجبرية؟

الجواب: اقرأ قوله تعالى: {{مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} } فأضاف الاتباع إليه، خلافاً للجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا ينسب إليه فعله.

الفائدة الثالثة عشرة والرابعة عشرة : أنه كلما اتبع الإنسان ما يرضي الله ازداد معرفة بشريعة الله، لقوله: {{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} } واذكرها بالعكس من أعرض عن رضوان الله فإنه لا يهدى سبل الله؛ لأنه ليس أهلاً للهداية، وعلى هذا فنقول لكل طالب علم: أتريد أن يهديك الله ويرزقك علماً؟ سيقول: بلى، نقول: عليك باتباع رضوان الله، كلما رأيت شيئاً يرضي الله فافعله، وكلما رأيت شيئاً يغضب الله فاجتنبه.

الفائدة الخامسة عشرة : إثبات الرضا لله، لقوله: {{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} }، والرضا: صفة فعلية من صفات الله عزّ وجل، تتعلق بمشيئته ولها سبب، وسببها عمل العبد بتوفيق الله، وكل صفة من صفات الله يكون لها سبب فإنها من الصفات الفعلية؛ وذلك لأن السبب واقع بمشيئة الله، والصفة التابعة له تكون واقعة بمشيئة الله، فالرضا والغضب والفرح والضحك والعجب وما أشبه ذلك كلها من الصفات الفعلية.

لكن لو قال قائل: هل رضا الله عزّ وجل كرضا المخلوق؟

الجواب: لا، لقوله تعالى: {{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}} [الشورى: 11] ، هذا دليل أثري، والدليل العقلي: أنه إذا كانت ذات الرب عزّ وجل لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته؛ لأن القول في الصفات فرع عن القول في الذات، هذا ما مشى عليه أهل السنة وقالوا: ليس لنا أن نتحكم في كلام الله ورسوله بمقتضى أفهامنا، ولا أقول عقولنا؛ لأن عقولنا تبع تقتضي التبعية للكتاب والسنة، لكن بمقتضى أفهامنا، وهؤلاء المعطلة، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: أوتوا فهوماً وما أوتوا علوماً، عندهم فَهْم لكن ليس عندهم علم وليس عندهم عقل، أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً.

أهل السنة يؤمنون بهذه الصفات، ويؤمنون بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، أهل التعطيل يقولون: لا، لا نؤمن بهذا؛ لأن هذه صفات نقص، الرضا صفة نقص، والمحبة صفة نقص، والغضب صفة نقص، فيجب أن نفسرها بلازمها، أو نسكت ونقول: لا نعلم معناها، يعني أهل التعطيل عندهم لا يمكن أن نتجاوز أحد الطريقين إما أن نعطل وإما أن نفوض، التفويض المعنوي ليس التفويض الكيفي بل المعنوي، وفي ذلك يقول صاحب الخلاصة:

وكل نص أوهم التشبيهَ***فوضه أو أَوِّل ورم تنزيها

الواقع أن هذا ما نزه الله بل العكس نحن نقول: الرضا: صفة ثابتة لله عزّ وجل تستلزم الإثابة والإكرام، هم يقولون: لا، الرضا: هو الإثابة والإكرام وعبر عنه بسببه الملازم له، فنقول: يا ويل الإنسان أن يسمع كلام الله: يقول عن نفسه أنه يرضى ثم يقول: لا ترضى، إنه ليس لك رضا، ليس لك غضب، ليس لك فرح ـ لا إله إلا الله ـ كيف لا يكون له ذلك وهو الذي أخبر عن نفسه {{أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}} [البقرة: 140] ، كيف يصف نفسه بما ليس متصفاً به وهو الذي يقول لعباده: {{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}} [النساء: 26] ؟ وهل هذا إلا إلغاز أن يتكلم بكلام الله عزّ وجل وهو يريد خلافه؟ هذا إلغاز وتعمية، ولو أن المعطل فكر قليلاً لوجد أن تعطيله من أكبر العدوان في حق الله عزّ وجل.

نحن نقول: الإثابة ناتجة عن الرضا وهي دليل على الرضا، يعني دليلاً عقلياً على الرضا؛ لأن من أثابك يدل على أنه راضٍ عنك، فسبحان الله! تجد أن أهل الباطل سواء في المسائل العملية أو العلمية تجدهم متناقضين، وعلى هذا فالقاعدة الأصيلة الرصينة:

أولاً : أن تثبت ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو السنة.

ثانياً : أن تنفي عنه مماثلة المخلوقين وبذلك تسلم، أما أن تؤول ـ والحقيقة ـ أما أن تحرف فهذا ضلال، ومن الضلال أيضاً أن تفوض، كقولك: والله ما أدري، الرضا لا أدري ما هو، أنا لا أقرأ القرآن ولا أتكلم في شيء، هذا أيضاً شر عظيم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن مذهب المفوضة من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وصدق رحمه الله، إذا تأملت قول المفوضة عرفت أنه كفر وإلحاد، كيف ينزل الله علينا قرآناً، أشرف ما فيه أن نعلم بالله عزّ وجل وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، ثم لا نجد سبيلاً إلى فهم المعنى، ونجعلها عندنا بمنزلة ألف، باء، تاء.

وسبحان الله كيف يليق برجل مؤمن، أن يقول: ما قصه الله علينا عن فرعون وهامان وقارون معلوم المعنى، وما قص علينا عن نفسه غير معلوم، أي فائدة لنا من القرآن، ما دام ليس معلوماً فإننا لن نستفيد منه، قال تعالى: {{وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}} [البقرة: 78] ، أي: إلا قراءة، معناه أنه ليس لنا حظ ولا نصيب إلا مجرد القراءة، على كل حال عقيدتنا: أن نؤمن بكل ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو في السنة، من غير تمثيل وبذلك نسلم في عقيدتنا.

لو قال قائل: كثيراً ما نقول في مسائل الاعتقاد: ثبت بالحس والعقل والنقل، ويقول بعضهم: ثبت بالعقل والنقل، وآخر يقول: ثبت بالحس والنقل، ما الفرق بين الحس والعقل؟

الجواب: الحس: ما تدركه بالحواس كاللمس والشم والذوق.

والعقل: ما تدركه بقلبك، أي: بعقلك، هذا الفرق، وممكن أن يجتمع الدليل السمعي العقلي والحسي، مثال ذلك: اليد تضاف إلى الإنسان وتضاف إلى البعير وتضاف إلى الذرَّة، فاختلافها مدرك بالحس، كلنا نعرف هذا يده كذا، وهذا يده كذا، وهذه يدها كذا، ودليل العقل أن تقول فيما يتعلق بصفات الله: إذا كانت ذات الخالق لا تماثل المخلوق، فكذلك صفاته هذا دليل عقلي ليس حسياً.

الفائدة السادسة عشرة : أن طرق السلامة كثيرة متعددة، لقوله: {{سُبُلَ السَّلاَمِ} }؛ فمثلاً: أركان الإسلام خمسة، كل واحد سبيل، أبواب الجنة ثمانية كل باب له أناس مختصون به، إذاً: هناك سبل وهناك أبواب، والمراد بذلك الشرائع، أما الإسلام جملة فهو سبيل واحد.

الفائدة السابعة عشرة : أن من سلك سبيل الشريعة فقد سلم، لقوله: {{سُبُلَ السَّلاَمِ} }، سلم بكل معنى الكلمة، سلم في عقيدته.. في أعماله.. في جزائه؛ لأن هذا المسلك سيؤدي به إلى دار السلام التي يدعو الله إليها قال تعالى: {{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *}} [يونس: 25] .

لو قال قائل: ما حكم من يقول: إن أهل الكتاب ليسوا كفاراً؟

الجواب: هذا لا يعذر لأن هذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وإذا قال: إن أهل الكتاب يعني: اليهود والنصارى غير كفار فإنه قد كذب القرآن، ويعتبر مرتداً، إما أن يقر ويقول: هم كفار قامت عليهم الحجة، وإذا مات على هذا فهو من أصحاب النار، وإما أن يقتل ليكون معهم، وأخبرني بعض الطلبة بأن كثيراً من العوام لا يكفر أهل الكتاب، يقولون: هؤلاء يهود ونصارى ليسوا بكفار، فيجب أن يبيِّن، وهذه البدعة ما سمعناها إلا الآن، فهم كفار بنص القرآن، وإذا كان هذا في بلاد نجد فكيف بغيرنا؟ قال الله تعالى: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}} [المائدة: 73] ، وقال: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}} [المائدة: 17] ، وهذه أشياء واضحة، أليس الرسول صلّى الله عليه وسلّم قاتل أهل الكتاب؟

الجواب: بلى، وأخذ منهم الجزية ومن لم يسلمها قتله، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يقتل المسلمين؟ على كل حال: إذا كان هذا الأمر مشتبه على الناس يجب أن يبين في كل مناسبة، وكما ذكرنا سابقاً أن الله يناديهم بأهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم لا إقراراً لما هم عليه ولا إكراماً لهم.

الفائدة الثامنة عشرة : الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، فالآية صريحة لقوله: {{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ} }.

الفائدة التاسعة عشرة : أن المعاصي ظلمات، والكفر والشرك أعظمها ظلماً، قال الله تبارك وتعالى: {{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}} [لقمان: 13] ، والافتراء على الله كذباً من أعظمها ظلماً قال تعالى: {{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}} [الأنعام: 93] ، ومنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله، من أعظمها ظلماً قال تعالى: {{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}} [البقرة: 114] .

المهم: أن المعاصي كلها من الظلمات، الجهل أيضاً ظلمة؛ لأنه يُعمِّي على الإنسان الطريق ولا يدري أين يذهب، ولا أين يلجأ وكيف يعمل، وكذلك أيضاً من الظلم ظلم العباد بالعدوان عليهم في أموالهم أو أبدانهم أو أعراضهم.

الفائدة العشرون : أن الشريعة نور وهي كذلك، هي نور لا شك، ولا يحس بذلك إلا من آتاه الله تعالى إيماناً ويقيناً كاملاً، وكلما كمل الإيمان ازداد الإنسان نوراً وتبين له نور الشريعة ـ نسأل الله أن يبين لنا ذلك ـ.

الفائدة الحادية والعشرون : إثبات الإذن لله عزّ وجل ولست أقصد بالإذن الأذن التي يسمع بها؛ لأن هذا أمر لا نعلمه، لكن الإذن الذي هو الإرادة، وهو نوعان: إذن شرعي وإذن كوني، فالإذن الشرعي: ما شرعه الله عزّ وجل، فكل ما شرعه الله فقد أذن به شرعاً، ولا يلزم من الإذن الشرعي وقوع ما أذن الله به، والإذن القدري أو الكوني: هو ما أراده الله عزّ وجل وهذا الإذن لا بد أن يقع؛ لأنه إرادة الله ـ، لكن قوله: {{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} } هل المراد الإذن الشرعي أم القدري؟

الجواب: القدري؛ لأن إخراجهم من الظلمات إلى النور يتعلق بالربوبية أي: بالقدر.

الفائدة الثانية والعشرون: أنه كلما تمسك الإنسان بشريعة الله هداه الله تعالى، لقوله: {{وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} }، فالمعاصي سبب للزيغ، والطاعة والامتثال سبب للهداية والرشد، وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن ولا حاجة إلى استيعابها؛ لأنها تمر كثيراً.

الفائدة الثالثة والعشرون : أن الطرق منها المستقيم ومنها المعوج، فطريق الله تعالى مستقيم، وما سواه من الطرق فإنه معوج، ليس فيه قيام ولا يوصل إلى نتيجة.

* * *

قال الله تعالى: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *}} [المائدة: 17] .

قوله: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} } لا يخفى أن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: «اللام»، و«قد»، والقسم المقدر؛ لأن قوله: و{{لَقَدْ} } يقدر بقولك: واللهِ لقد كفر الذين قالوا.

إذا قال قائل: ما الذي أعلمكم أن هناك شيئاً محذوفاً هو القسم؟ نقول: أعلمنا ذلك ربنا عزّ وجل؛ لأن الله تعالى قال: {{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ *}} [الشعراء: 193 ـ 195] ، واللسان العربي: كلما جاءت مثل هذه الصيغة فهي مقدرة بقسم، وعلى هذا فيكون الذي دلنا على ذلك هو كلام الله عزّ وجل.

وقوله: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} }، وهؤلاء هم النصارى بنص القرآن: {{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}} [التوبة: 30] .

وقوله: {{إِنَّ اللَّهَ هُوَ} } «هو»: ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: الأول: الحصر، والثاني: التوكيد، والثالث: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا الأخير أحياناً يستغنى عنه ويعرف الخبر بدونه لكن يؤتى به، كقوله تعالى: {{لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ *}} [الشعراء: 40] فـ:{{هُمُ}}: ضمير فصل، ودليل ذلك نصب ما بعده، وإلا لكان مرفوعاً، ففي قوله: {{إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}} لا نحتاج لضمير الفصل للتمييز بين الصفة والخبر؛ لأن الضمائر تنعت ولا ينعت بها، وهنا لا يمكن أن تكون {{الْغَالِبِينَ}} نعتاً للواو من وجهين: أولاً: للقاعدة التي ذكرنا وهي أن الضمائر لا تنعت ولا ينعت بها، والثاني: أن {{الْغَالِبِينَ}} منصوبة، والواو مرفوعة، فلا يمكن أن تكون نعتاً لها.

وقوله: {{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} } أكدوا تأكيداً بهذا الضمير أن الله هو المسيح ابن مريم قاتلهم الله أنى يؤفكون، كيف يكون الله هو المسيح ابن مريم، ابن مريم مخلوق وليس بخالق، الخالق هو الله عزّ وجل، فكيف يكون الخالق عين المخلوق؟ هذا مستحيل عقلاً كما هو مستحيل شرعاً، هم أيضاً قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله.

وقوله: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} }، «المسيح»: بمعنى الماسح، والمسيح الدجال بمعنى الممسوح، وليُنتَبه إلى الفرق: المسيح هنا بمعنى: الماسح، قال العلماء: لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله فسمي مسيحاً، المسيح الدجال: مسيح: بمعنى ممسوح؛ لأن عينه ممسوحة حيث إنه أعور، وأما من استحب من العلماء رحمهم الله وعفا عنهم، أن يقال للمسيح الدجال: المسيخ، يعني ممسوخاً، وفي عيسى ابن مريم المسيح فهذا غلط؛ لأن الذي علَّم أمته أن يقولوا: «أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال» [(123)] أعلم منهم بذلك ومع ذلك سماه المسيح.

وقوله: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} } أضافه إلى أمه؛ لأنه ليس له أب، وسيأتينا في الفوائد إن شاء الله أن من ليس له أبٌ يضاف إلى أمه، ومريم هي بنت عمران وأخت هارون.

وهل هي أخت لموسى وهارون عليهما السلام؟

الجواب: لا، بل سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، وإلا فبينها وبينهما زمن بعيد.

قوله: «قل» يعني يا محمد، لهؤلاء: {{مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ} }، الله أكبر! حجة دامغة، من يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً.

إذاً: فالمسيح ابن مريم، مربوب مقدور عليه، يقدر الله على أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعاً، فكيف يكون هو الله عزّ وجل؟ هذا لا يمكن، لو أراد الله تعالى أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً، لا أحد يملك من الله شيئاً، وهذه حجة دامغة، والدليل على هذا: أن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، حاول اليهود أن يقتلوه، وفعلاً دخلوا وقتلوا من ألقى الله شبهه عليه، وقالوا: {{إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ}} [النساء: 157] .

قوله: {{فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} } «يملك» بمعنى: يمنع، من يمنع شيئاً أراده الله إن أراد بالإرادة الكونية القدرية أن يهلك المسيح ابن مريم، أي: يتلفه بعد أن كان موجوداً، المسيح ابن مريم الذي قلتم إنه هو الله، وأمه أيضاً التي أتت به فيهلك الفرع والأصل، الفرع عيسى والأصل أمه، فالله تعالى لو أراد أن يهلك المسيح الذي زعمتم أنه الله وأصله التي هي أمه، ومن في الأرض جميعاً، هل أحدٌ يملك أن يمنع الله جلَّ وعلا؟ لا واللهِ، لا أحد يملك أن يمنع الله، قال تعالى: {{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَآبَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً}} [فاطر: 45] ، والقادر على أن يبعثهم بكلمة واحدة كلهم يوم القيامة قادر على أن يهلكهم بكلمة واحدة ولا أحد يرده ولا أحد يملك منه شيئاً.

قوله: {{وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} } جميعاً: هذه حال من المسيح وأمه {{وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} } في قوله: {{وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} } يعني يهلكهم كلهم.

ثم قال: {{وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} }، كل ما في السموات والأرض، كل ما نشاهده فهو مملوك لله، وإذا كان مملوكاً لله، تعذر أن يكون هو الله، فاستدل الله عزّ وجل على أنه ليس الله بأمرين:

الأول: أن المسيح لا يملك أن يدفع شيئاً عن نفسه لو أراد الله أن يهلكه.

الثاني: أن كل شيء في السماء والأرض فهو ملك لله فكيف يكون عيسى هو الله؟ كيف يكون المملوك مالكاً؟ هذا مناقض للعقل والفطرة.

قوله: {{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} }، السموات وهي سبع، والأرض وهي سبع، السموات بنص القرآن أنها سبع، قال تعالى: {{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *}} [المؤمنون: 86] ، لكن الأرض ليس في القرآن تصريح بأنها سبع، لكن في القرآن ما يدل على أنها سبع، كقوله تعالى: {{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}} [الطلاق: 12] ، لو أردنا أن نقول: المماثلة في الوصف أو المماثلة في الكبر، أو المماثلة في العظم لكذبنا الواقع، إذ لا مقارنة بين السماء والأرض.

فإذا امتنعت الكيفية تعينت الكمية، فيكون المراد بقوله: {{مِثْلَهُنَّ}} أي: في العدد، وجاءت السنة صريحة بأنها سبع أراضين، كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من اقتطع من الأرض شبراً بغير حق ـ أو قال ظلماً ـ طوقه يوم القيامة من سبع أرضين»[(124)].

لو قال قائل: ذكرتم فيما سبق أن الأراضين سبع فأين الست الباقية؟

الجواب: الست الباقية في جوف هذه الأرض؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين» [(125)]. وهذا يدل على أن الأراضين في جوف هذه الأرض، لكن كيف؟ لا ندري.

وقوله: {{وَمَا بَيْنَهُمَا} } ما بين السماء والأرض، لكن قد يقول قائل: لماذا جعل الله تعالى ما بين السماء والأرض عديلاً للسماء والأرض؟ قلنا: لأن بين السماء والأرض من الآيات العظيمة ما جاز أن يكون قسيماً للسموات والأرض وعديلاً لهما.

إذاً نقول: «ما بينهما»: فيه آيات عظيمة، وتجول الناس الآن في الكون وفي الآفاق يدل على أن هناك أشياء من أعجب ما يكون من مخلوقات الله عزّ وجل، ولهذا في القرآن الكريم كثيراً ما يقرن ما بينهما، أي: بين السماء والأرض.

قوله: {{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}} هذا الدليل الثالث؛ لأن النصارى البلهاء الضلال قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم؛ لأنه خلق بدون أب، وافتدى بنفسه جميع الخلق، على زعمهم أن الخلق كانوا مستحقين للعذاب والعقوبة، وأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام افتدى الخلق بنفسه وصبر على القتل وعلى الصلب، فاستحق أن يكون إلهاً لهم.

قوله: {{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}} وإذا كان يخلق ما يشاء، فمن الذي يحجر عليه أن يخلق شخصاً من أم بلا أب، فقد خلق الله آدم لا من أم ولا من أب، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق بقية البشر من أم وأب، فالله على كل شيء قدير.

قوله: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *}} وهذا الدليل الرابع، فبقدرته خلق عيسى من أم بلا أب.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: التصريح والتأكيد بكفر من قال: إن الله هو المسيح ابن مريم وهم النصارى، فما بقي شك في أن النصارى كفار، ومن قال: إنهم غير كفار وأنهم مؤمنون فإنه كافر إن علم ما جاء في القرآن والسنة من كفرهم؛ لأن لازم قوله هذا تكذيب الله ورسوله، وما أدري ـ سبحان الله ـ؟ أيداهنون النصارى من أجل أنهم أقوياء مادياً وينسون من الذي أقدرهم على هذه المادة، من الذي أقدرهم على هذه المادة إلا الله، فكيف يخشونهم ولا يخشون الله؟ كيف يداهنونهم ويبسطون لهم الأرض ويفرشون لهم وروداً، ويقولون: أنتم مؤمنون بالله واليوم الآخر، وأنتم على دين، ونحن على دين، واليهود على دين، وكأن الخلاف الذي بيننا وبين اليهود والنصارى، كالخلاف الذي بين أحمد بن حنبل ومحمد بن إدريس ـ سبحان الله ـ وهذه البدعة راجت على بعض الناس حتى راج أنه لا يجوز قتل المرتد؛ لأن الناس أحرار، يختار الإنسان من دينه ما يشاء، ولا إكراه في الدين ـ سبحان الله ـ هذا انقلاب ـ نسأل الله العافية ـ هذا أشد من التفسخ الخلُقي؛ لأن هذا يعود على العقيدة، وأن لا نتبرأ منهم والله عزّ وجل يقول: {{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}} [الممتحنة: 4] .

لماذا نداهنهم؟ بل نكفرهم ونقول ما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [(126)] ونقول: إن آمنوا بمثل ما آمنا به فقد اهتدوا وإلا فهم على ضلال، لكننا في الحقيقة لا نستطيع الآن أن نقاتلهم ولا أن نجاهدهم، لأسباب كثيرة:

منها: أنه ليس عندنا حصيلة إيمانية توجب أن نقاتلهم، فالإيمان ضعيف في عامة المسلمين، لا أقول: في كل واحد، بل في عامتهم.

ثانياً: ليس عندنا حصيلة الاستقامة على دين الله وعلى العبادات، أين من يصوم النهار ويقوم الليل؟ كثير من المسلمين لا يصلون الصلاة في وقتها، وكثير من المسلمين لا يصلونها أبداً ولا يعرفون كيف يتوضؤون، أين الحصيلة؟

الثالث: أنه ليس عندنا غيرة دينية، بمعنى أن نقاتلهم من أجل الدين، كثير من الذين يقاتلون الكفار يقاتلونهم للأرض أو لآثار حسية كآثار الجاهلية، لا يقاتلونهم من أجل أن يقيموا دين الله على أرض الله، وتأمل هذا تجده واضحاً، وهناك أسباب أخرى لا يطيب لي أن أقولها في هذا المقام لكنها تظهر للمتأمل.

فنحن الآن في الحقيقة عاجزون عن مقاومتهم، لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نداهنهم في دين الله؛ لأنهم هم يودون، كما قال الله عزّ وجل: {{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ *}} [القلم: 9] ، يودون هذا، لكن يأبى الله عزّ وجل ـ إن شاء الله تعالى ـ أن نداهنهم في دين الله أبداً، ولن نداهن، نسالمهم ما دمنا ضعفاء وإلى أن يأذن الله لنا بالقوة ويأذن لهم بالضعف.

وأما مسألة الدين فلا يمكن إطلاقاً أن نبيع ديننا لهم ولا لغيرهم، ولا يحل لنا هذا، لكن مع الأسف أنه يوجد الآن من يحطمون الدين باسم الدين: الدين الإسلامي دين التسامح، دين التساهل، دين المحبة، هذا ليس بصحيح على إطلاقه، فالتسامح مع من؟ مع إخواننا المسلمين؟ نعم، أما غيرهم فقد قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *}} [التوبة: 73] ، وقال: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ *}} [التوبة: 123] ، لكن مَنْ مد إلينا يد المسالمة مددنا إليه يد المسالمة، إذا كنا عاجزين عن المقاومة، لقوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، أما الدين فلا نرضى أن يصاب بشيء أبداً بل نقول: دين الإسلام دين خاص يمتاز عن غيره بأنه يؤمن بجميع الأديان أنها حق من عند الله، لكنها منسوخة بالإسلام، بعض الناس الجهال يقولون: اليهود يؤمنون بموسى والنصارى يؤمنون بعيسى، ثم يقول: كلٌ يؤمن بنبيه ما المانع؟!

نقول: اقرأ قول الله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً *}} [النساء: 150] بعدها {{أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا}} [النساء: 151] ، أكد الله كفرهم، فقال: {{أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا}} هؤلاء النصارى واليهود الآن يقولون: {{نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}} [النساء: 150] ، اليهود يدعون أنهم يؤمنون بموسى، والنصارى يدعون بأنهم يؤمنون بعيسى، ويكفرون بمحمد، محمد الذي قال الله تعالى فيه: {{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ}} من يخاطب؟ الأنبياء {{وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي}} عهدي الثقيل {{قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}} [آل عمران: 81] .

إذا كان أنبياؤهم قد أُخذ عليهم العهد أن يؤمنوا بمحمد فهم من باب أولى ومع ذلك يكفرون بمحمد عليه الصلاة والسلام، ويقولون: نحن مؤمنون، ثم نقول لهم: أنتم في الحقيقة ما آمنتم؛ لأن محمداً صلّى الله عليه وسلّم موجود في التوراة وفي الإنجيل، مكتوب عندهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، هذا موجود، بل قال الله تعالى: {{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}} [البقرة: 146] ، مثل ما يعرف الرجل ابنه، يعرف أن محمداً رسول الله ومع ذلك كفروا، كيف نقول: هؤلاء مؤمنون؟

ثم نقول: إن الله تعالى حكم على كل إنسان كفر برسول أنه كافر بجميع الرسل، حتى بمن لم يأتِ من الرسل فهو كافر به، قال الله تعالى في قوم نوح: {{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ *}} [الشعراء: 105] ، من بعث من الرسل قبل نوح؟ لا أحد، ومع ذلك قال الله تعالى: إنهم كذبوا المرسلين.

فهؤلاء الذين يدعون أنهم مؤمنون بموسى وبعيسى نقول: أنتم الآن كافرون بموسى وعيسى، كافرون الكفر العام والكفر الخاص، أما العام: فكل من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل، أما الخاص: فإن رسلكم جاءت كتبهم صريحة بأن محمداً رسول الله حقاً، وعرفتموه كما تعرفون أبناءكم.

ونحن أطلنا في هذا وتكلمنا على ذلك بكلام طويل ليس له مساس بالتفسير لكن له مساس بالواقع؛ لأن الدنيا أمامي مدلهمة من مثل هذه الأفكار الخبيثة الرديئة التي يريدها بعض من ليس عنده إيمان إلا أن يشاء الله.

فيجب علينا أن نقاوم هذا الفكر مقاومة تامة بقدر ما نستطيع الآن، هذا جهاد ليس بالسيف لكنه جهاد بالرأي والفكر، فلا يجوز السكوت على هذا إطلاقاً، فالحاصل أن في الآية الكريمة: كَفَّر الله تعالى كفراً مؤكداً من قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم.

الفائدة الثانية: الثناء على عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، لكون الله وصفه بأنه المسيح، والمسيح علمُ لقب، أما اسمه العلم بلا لقب فعيسى.

الفائدة الثالثة: جواز انتساب الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب، لقوله: {{الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} } وأخذ المحققون من أهل العلم، أن من ليس له أب فإن عصبته أمه إذا لم يكن له عصبة؛ لأنه نسب إليها وجعلت بمنزلة الأب، أما إن كان له عصبة فأمه تأخذ فرضها والباقي لعصبته.

فإذا كان هناك ابن لامرأة ليس له أب، إما أنه ولد زنا أو أن أباه نفاه والتعن بنفيه أو لم يلتعن على خلاف، المهم أنه ليس له عصبة، ثم تزوج وجاء له أبناء، أمه هنا ليس لها إلا فرضها وهو السدس، والعاصب هنا أبناؤه، أما لو مات هذا الابن عن أمه وإخوانه من أم ليس لأب، فإخوانه من أمه يأخذون فرضاً، إن كان واحداً فالسدس، وإن كانوا أكثر فالثلث، وأمه تأخذ الفرض والباقي تعصيباً، لأنها بمنزلة الأب، وهذا القول هو الراجح: أن من ليس له أبٌ فعصبته أمه.

فإن قال قائل: إن كان للإنسان أب فهل يجوز أن ينسب إلى أمه؟

نقول: إن كان المراد الانتساب المطلق فهذا لا يجوز، وإن كان الانتساب لأنه اشتهر بها لكنه معروف أنه ولد فلان، فهذا لا بأس به، فمثلاً عبد الله بن بحينة: بحينة اسم أمه واسم أبيه مالك، ومع ذلك يطلق عليه هذا الاسم، كما نقول أيضاً في الانتساب إلى الجد، إذا كان للجد شهرة والانتساب إليه يعد شرفاً دون أن ينقطع الانتساب إلى الأب فلا بأس بذلك، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم عام حنين: «أنا النبي لا كذب، أنا بن عبد المطلب» [(127)] صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن عبد المطلب أشهر من عبد الله في قومه، وهو سيد معروف فلا بأس، لكن بشرط أن لا ينسى الأب، أما إن نسي فلا يجوز؛ لأنه يترتب على هذا مسائل حكمية.

الفائدة الرابعة: شدة الرد على النصارى حيث قال الله عزّ وجل: {{الْمَسِيحَ} } {{وَأُمَّهُ} } المسيح: الذين يرونه إلهاً، يقول الله عزّ وجل: لو أراد الله أن يهلكه ما استطاع أحد أن يمنعه، وهذا لا شك أن فيه صدمة قوية للنصارى، أن يقال في معبودهم وإلههم: إن الله تعالى قادر على أن يهلكه، وإذا أراد أن يهلكه فلا أحد يملك منعه.

الفائدة الخامسة: أنه إذا أراد الله شيئاً فإن الشرف والجاه والرئاسة ولو في الدين لا تمنع مما أراد الله؛ لأن المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك يقول الله عزّ وجل: {{فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} }.

الفائدة السادسة: أن نساء أهل الكتاب ـ ولو كانوا كفاراً، لكنهم منتسبون لأهل الكتاب ـ حلال، خلافاً لمن قال من العلماء: إنهم بعد أن بدلوا وغيروا وأشركوا فنساؤهم حرام، والصواب: أنَّ نساءهم حلال كطعامهم، ولو كانوا قد بدلوا وغيروا وكفروا وأشركوا.

الفائدة السابعة: الرد على أهل الباطل بالأدلة السمعية والعقلية؛ لأن الله رد عليهم بأدلة سمعية عقلية.

الفائدة الثامنة: بيان كمال سلطان الله عزّ وجل وأنه لا أحد يمنعه مما أراد، لقوله: {{قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} }.

الفائدة التاسعة: أنه عند المناظرة ينبغي بأن تبدأ بأول مَنْ يحتج به المناظر، وأنه على خلاف ما ناظر عليه، وجهه: أن الله بدأ بذكر إهلاك المسيح وأمه الذي يعتقد هؤلاء أنه إلهاً.

الفائدة العاشرة: عموم ملك الله عزّ وجل لقوله: {{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} }.

الفائدة الحادية عشرة : اختصاص هذا الملك بالله، لقوله: {{وَلِلَّهِ} } وجه الدلالة: أنه قدم الخبر، ومن القواعد المقررة عند أهل البلاغة وأهل الأصول: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

فإن قال قائل: إن الله تعالى أضاف الملك إلى غيره، في غير ما آية من كتاب الله، فما الجمع؟

قلنا: من أضاف الله إليه ملكاً فإنه ملك قاصر من جميع الوجوه، مثل قول الله تعالى: {{إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}} [المؤمنون: 6] ، ومثل قوله تعالى: {{أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ}} [النور: 61] ، ومثل قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}} [النور: 33] ، والآيات في هذا متعددة، فيقال: الملك المضاف إلى المخلوق ليس كملك الله عزّ وجل، بل هو ملك قاصر، لا يشمل كل ما ذكر، وهو أيضاً قاصر في التصرف فيه، إذ إن الإنسان لا يملك التصرف كما يشاء فيما هو ملكه، لو أراد الإنسان أن يتلف ماله وقال: هذا ملكي أنا لي أن أتلفه؟ قلنا: حرام عليك، ليس لك أن تتلفه؛ لأن الشرع نهى عن إضاعة المال، ولو أراد أن يعتدي على ملك غيره لقلنا: لا يمكن؛ لأن ملكك محصور، وبهذا نعرف أن الملك التام هو ملك الله عزّ وجل.

الفائدة الثانية عشرة : الإشارة إلى أن ما بين السماء والأرض هو خلق عظيم حتى جعله الله عزّ وجل عديلاً أو إن شئت فقل: قسيماً للسموات والأرض دليله قوله تعالى: {{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} }.

لو قال قائل: ما بين السموات والأرض خلق عظيم ولذلك جعله الله عزّ وجل قسيماً للسموات والأرض، فما مدى صحة أقوال أهل الهيئة في تلك المخلوقات؟

الجواب: ما يذكره علماء الهيئة في هذا الأمر لا يصدق ولا يكذب، مثل أقوال بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب، ولا يوافقون عليه لأنها مسافات هائلة، حتى إن بعضهم يقول: إن النجوم التي نراها الليلة هي نجوم البارحة، ولم يصل إلينا نورها إلا بعد أربع وعشرين ساعة، فهذا لا نصدقه ولا نكذبه، وقد تقدم أن هناك مخلوقات كالرياح والغيوم والأمطار، كل هذه المخلوقات بين السماء والأرض.

الفائدة الثالثة عشرة : أن الله تعالى له المشيئة المطلقة لقوله: {{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ *} {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا}} [الشورى: 49 ـ 50] ، وهذا من جملة كمال ملكه وتمام خلقه.

الفائدة الرابعة عشرة : أن أفعال العباد مخلوقة؛ لأن الله جلَّ وعلا إذا كان مالكاً للسموات والأرض وما بينهما وهو خالق ما يشاء، فالإنسان مما في السموات والأرض فتكون أفعاله مخلوقة لله.

الفائدة الخامسة عشرة: بيان عموم قدرة الله عزّ وجل، لقوله: {{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *}} والقدرة أن يفعل الفاعل ما أراد بدون عجز، وثَمَّ شيئان قدرة وقوة وبينهما فرق:

فالقوة: تكون من ذوي الإدراك وغيرهم فيقال: الحديد قوي، ويقال: فلان قوي، وأما القدرة فلا تقال إلا فيما له إدراك، إذ لا يقال عن الحديد مثلاً: إنه قدير.

ثانياً: أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف، وهي من هذه الناحية أخص من القدرة؛ لأنه ليس كل قادر قوياً، قد يكون الإنسان يقدر على أن يحمل هذا الكيس فوق ظهره لكن مع التعب والمشقة، هذا نقول: إنه قادر ولا نقول: إنه قوي، وإذا أخذه بسهولة ولم يتعب منه، قلنا: إنه قوي، ويلزم من قوته أن يكون قادراً.

والسادسة عشرة، والسابعة عشرة : أن القدرة تتعلق بكل شيء، فهو على كل شيء قدير من إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وتغيير الشيء وتحويله إلى شيء آخر، والهداية والإضلال وغير ذلك فكل شيء هو قادر عليه.

ويتفرع عن القدرة على الشيء أن يكون عالماً به؛ لأنه لا يمكن أن يفعل شيئاً مع قدرة إلا وهو عالم به، فتكون هذه الصفة متضمنة لصفة العلم، ومعلوم أنها تكون متضمنة أيضاً لصفة الوجود ومتضمنة لصفة الكمال؛ لأن بعض الصفات يستلزم صفات أخرى.

* * *

قال الله تعالى: {{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ *}} [المائدة: 18] .

قوله: {{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} } «اليهود»: أتباع موسى الذين يَدَّعون أنهم متبعون له، و«النصارى»: أتباع عيسى الذين يَدَّعون أنهم متبعون له، قالوا عن أنفسهم: {{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} } ولا يريدون أنهم أبناء الله بنوة الولادة؛ لأنه ما ادعى أحد منهم ذلك، غاية ما هنالك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وقوله: {{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} } هنا من باب المبالغة في المحبة والمودة؛ أي: أننا كأبنائه في مودته لنا وشفقته علينا وإكرامنا وإعزازنا وما أشبه ذلك.

وعلى هذا فيكون قوله: {{وَأَحِبَّاؤُهُ} } من باب عطف الصفة الأعم على الصفة الأخص، وإن كان بعض المفسرين قال: إنه من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن المرادف للأبناء هم الأحبة، لكن ما ذكرناه هو الأولى؛ لأن الأصل في المتعاطفين هو التغاير، والتغاير إما بالذوات وإما بالأوصاف، فإذا قلنا: أبناء الله يعني كأبنائه في الشفقة والحنو والإعزاز وما إلى ذلك، قلنا: {أَحِبَّاؤَهُ} تكون من باب عطف المعنى العام على المعنى الأخص.

قال الله تعالى مفنداً دعواهم: {{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} } فهنا أبطل الحجة قبل أن يذكر الرد، وهكذا ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة الخصم ثم تأتي بما يُثْبِت خلاف قوله. فهنا قال: {{فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} } وهذا يتضمن الشيئين مما ينافي أن يكونوا أحبة وأبناءً: الأول: أنهم أذنبوا، والأصل في الابن ألا يكون مذنباً في جانب والده، بل يكون سميعاً مطيعاً له لا عاصياً مذنباً. الثاني: من جهة الأبوة التعذيب منافٍ لدعواهم أن الله أب لهم أو أنه حبيبهم؛ لأن العادة أن المحب يعفو ويصفح عن حبيبه إذا اعتدى أو أذنب أو ما أشبه ذلك، فهنا نقض الله تعالى دعواهم بأمرين:

الأمر الأول : أنهم أذنبوا.

والأمر الثاني : أنهم عذبوا.

فكيف تقولون أنكم أحباء له وأنتم تعصونه وتذنبون ثم كيف يكون حبيباً لكم وهو يعذبكم؟ {{فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} }، ثم احتج الله عليهم بعد أن أبطل حجتهم، فقال: {{بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَنْ خَلَقَ} }، و«بل»: هنا للإضراب الإبطالي؛ لأنهم لما قالوا: {{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} } قال: {{بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَنْ خَلَقَ} } كسائر البشر، و«البشر» هم بنو آدم، وسموا بشراً؛ لأن أبشارهم بادية بخلاف بقية المخلوقات فإن غالبها أبشارها غير بادية، بنو آدم أبشارهم بادية لحكمة عظيمة، ولذلك تجدهم مفتقرين إلى اللباس شتاءً وصيفاً حياءً وخجلاً، فأراد الله عزّ وجل أن يجعل أبشارهم بادية حتى يعرفوا أنهم مضطرون إلى ستر هذه العورة، وإلى فعل ما يقون به أنفسهم من الأذى، إشارة إلى أنهم كما أنهم مستحقون لهذا حساً، فهم مستحقون له أيضاً معنى فليلبسوا لباس التقوى حتى يتقوا به النار، كما يلبسوا لباس الجلود حتى يتقوا بها الأذى.

وقوله: {{بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَنْ خَلَقَ} } أي: من سائر المخلوقات.

قوله: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} فالأمر إليه، يغفر لمن يشاء أن يغفر له فيوفقه لفعل أسباب المغفرة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن لدينا قاعدة مهمة وهي: أن كل فعل قرنه الله بالمشيئة فلا بد أن يكون موافقاً للحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة ترجح شيئاً على شيء بدون سبب.

وعلى هذا فقوله: {لِمَنْ يَشَاءُ} أي: لمن اقتضت حكمته أن يغفر له وهو التائب من الذنب، وكذلك من مَنَّ الله عليه بالمغفرة بدون توبة وهو المذكور في قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}} [النساء: 48] .

وقوله: {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} يعذب من يشاء أن يعذبه بأن فعل ما يقتضي التعذيب، وليس الأمر لمجرد مشيئة؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحداً إلا بذنب، قال الله تعالى: {{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا *}} [طـه: 112] ، لا ظلماً بزيادة السيئات ولا هضماً بنقص الحسنات، وعلى هذا فيكون التعذيب المقرون بالمشيئة مقيداً بما إذا اقتضت الحكمة أن يُعَذِّبَ، ومن ذلك: أنتم أيها اليهود والنصارى، فقد شاء الله تعالى أن يعذبكم وفعلاً عذبكم بذنوبكم؛ لأنكم عصيتموه.

قوله: {{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} } هذا تقدم الكلام عليه في الآية التي قبلها، لكن اختلف ختم الآيتين، فقال في الآية السابقة: {{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}} [المائدة: 17] ؛ لأن المقام مقام ردٍّ على الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، أما هنا فالمقام مقام تهديد ووعيد، فقال: {{وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} } أي: المرجع لا إلى غيره، وإنما قلت: لا إلى غيره، من أجل تقديم الخبر، وتقديم الخبر يفيد الحصر، إذاً: فليست المسألة مسألة دعوى أنكم أبناء الله وأحباؤه، وإنما المسألة مسألة عمل إما سيء وإما حسن.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: كذب اليهود والنصارى في دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه.

الفائدة الثانية: أن اليهود والنصارى يقرون بثبوت المحبة لله، فيقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقد أنكر طائفة من هذه الأمة صفة المحبة لله، وقالوا: إن الله لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ، وفسروا المحبة التي أثبتها الله لنفسه، بما لا يدل عليه ظاهر لفظه، فقالوا: المحبة: هي الثواب أو إرادة الثواب وفسروها بأحد المعنيين؛ لأن مذهبهم أن الإرادة ثابتة لله، فهم يثبتون أن الله مريد وله إرادة، ويثبتون أن الله خالق وله مخلوق، وأن الثواب شيء منفصل عن الله، فهو من جملة المفعولات وليس من جملة الصفات وهؤلاء هم الأشاعرة، يقولون: لا يوجد محبة بين الله وبين العبد، وإنما المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، اليهود والنصارى قالوا هذا، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فأثبتوا أن الله تعالى يحب وأنهم هم أحبابه.

الفائدة الثالثة: أن اليهود يَدَّعون ما يقتضي أن يكونوا خيراً من هذه الأمة، وجهه: أنهم قالوا ذلك في معرض الرد على رسالة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فكأنهم قالوا: نحن أحق بالرسالة منكم أيها العرب، فنحن أبناء الله وأحباؤه.

الفائدة الرابعة: الإشارة إلى ما اشتهر عند بني إسرائيل، أنهم شعب الله المختار ويرون أنهم أفضل العالمين، وأفضل من العرب الذين منهم ظهر الإسلام وبهم ظهر.

الفائدة الخامسة: إنكار الله تعالى عليهم هذه الدعوى من وجهين: الوجه الأول: رد ما ادعوه، والثاني: إثبات ما لا يمكن معه هذه الدعوة.

الفائدة السادسة: أنه ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة خصمك أولاً ثم تأتي بما يثبت قولك، ولهذا تجد العلماء الذين يذكرون أقوال العلماء ـ أي: اختلافهم ـ تجدهم يذكرون أولاً الرد على القول المقابل لأقوالهم ثم يذكرون ما يثبت أقوالهم، وهذا كله مبني على القاعدة المعروفة وهي: التخلية قبل التحلية.

الفائدة السابعة: أن عذاب الله لبني إسرائيل ـ أي: لليهود والنصارى ـ لم ينقطع ولن ينقطع، لقوله: {{فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} }، فلم يقل: فلِمَ عذبكم، ليستفاد بذلك أن تعذيب الله تعالى لهم مستمر؛ لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرار، واليهود معذبون مشردون خاصة؛ لأن دعواهم المحبة والنبوة أعظم من دعوى النصارى، وهم إن شاء الله سيعذبون العذاب الأخير على يد المسلمين وذلك حينما يقتتلون مع المسلمين، فيقتلهم المسلمون حتى إن اليهودي يختبئ خلف الشجرة فتنادي المسلم: هذا يهوديٌ فاقتله.

لو قال قائل: هل يؤخذ من قوله تعالى: {{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} } أن الحق يؤخذ ممن جاء به، وجه ذلك لم ينكر عليهم إثباتهم صفة المحبة؟

الجواب: لا شك أن الحق يؤخذ ممن جاء به وقد تقدم هذا كثيراً، وبينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قَبِلَ الحق من الشيطان[(128)]، والله قَبِلَ الحق من المشركين، والرسول قَبِلَه من اليهود أيضاً[(129)].

الفائدة الثامنة: إثبات الأسباب لقوله: {{بِذُنُوبِكُمْ} }.

الفائدة التاسعة: الاحتراز عما يوهم باطله، حيث قال: {{فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} } ولم يقل: {{فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ} } فقط؛ لأنه لو قالها بدون أن يقرنها بقوله: {{بِذُنُوبِكُمْ} } لأوهم أن الله تعالى يعذب بغير ذنب.

الفائدة العاشرة: أن هؤلاء الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه هم من البشر، والبشر عند الله سواء، وأكرمهم عند الله أتقاهم.

الفائدة الحادية عشرة : إثبات خلق الله عزّ وجل للبشر، لكن قد يقول قائل: هذا أمر لا حاجة إليه؛ لأنه أمر معلوم، ولكن الله تعالى قال: {مِمَنْ خَلَقَ} فبيَّن أن هؤلاء مخلوقون وأنهم كغيرهم من البشر.

الفائدة الثانية عشرة : إثبات المغفرة والتعذيب من الله عزّ وجل لمن شاء، ولكن هل هذا مجرد مشيئة إن شاء غفر وإن شاء عذب أو لا بد من سبب؟

الجواب: الثاني، لا بد من سبب، وقد تبين لنا قاعدة مهمة: أن كل فعل علقه الله جلَّ وعلا بالمشيئة فإنه تابع لحكمة، إذ ليس لله مشيئة مجردة بل هي مقرونة بحكمته تبارك وتعالى، كما قال الله تعالى: {{وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [الإنسان: 30] .

الفائدة الثالثة عشرة : إثبات المشيئة لله، والمشيئة: بمعنى الإرادة الكونية، واعلم أنه ليس فيها انقسام، يعني أنها لا تقسم إلى مشيئة كونية ومشيئة شرعية، بخلاف الإرادة، فالمشيئة: شيء واحد وهي الإرادة الكونية.

الفائدة الرابعة عشرة : اختصاص وانفراد الله عزّ وجل بالملك وأنه لا مالك معه لقوله: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ} ووجه ذلك تقديم الخبر على المبتدأ.

فإن قال قائل: إن الله أثبت لعباده ملكاً كقوله: {{أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ}} [النور: 61] ، {{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}} [النساء: 3] ، وما أشبه ذلك؟

قلنا: لا سواء بين الملكين، فملك الله تعالى عام تام، وملك الآدمي قاصر ناقص، ولهذا لا يملك الإنسان أن يتلف ماله، مع أنه ماله فلو أراد إنسان أن يحرق ماله، قلنا: لا يمكن وحجرنا عليه ومنعناه؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، بل هو مما نهى الله عنه.

الفائدة الخامسة عشرة : أن بين السموات والأرض من المخلوقات العظيمة ما اقتضى أن يكون مقابلاً ومعادلاً للسموات والأرض لقوله: { {وَمَا بَيْنَهُمَا} }.

الفائدة السادسة عشرة : أن مرجع الخلائق إلى الله وحده، لقوله تعالى: {{وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} } يعني: المرجع.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *}} [المائدة: 19] .

قوله: {{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} } في هذه الصفحة من المصحف نداء لأهل الكتاب مرتين، {{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} } والمراد بهم: اليهود والنصارى.

وقوله: {{قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} } وهو محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وقوله: {{يُبَيِّنُ لَكُمْ} } الجملة حالية، حال من رسول، يعني حال كونه يبين لكم؛ أي: يوضح ويفصل، ولم يذكر الله تبارك وتعالى المُبَيَّن ليكون أعم؛ لأن حذف المفعول يفيد العموم، وهذه قاعدة معروفة في اللغة العربية: أن الحذف يفيد العموم، فقوله: {{يُبَيِّنُ لَكُمْ} } أي: يبين كل ما يحتاج الناس إلى بيانه، ولهذا قال الله تعالى في القرآن الكريم: {{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}} [النحل: 89] .

وقوله: {{عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} } يعني حال كون البيان {{عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} }؛ أي: مدة من الزمن لم يأتِ فيها رسول، هذه المدة ليس لنا كبير فائدة في معرفتها على التحديد، لكن نعرف أنها مدة طويلة تقدر بنحو ستمائة سنة بين عيسى وبين محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن آخر الأنبياء الذين بعثوا إلى الناس هو عيسى عليه الصلاة والسلام ومن بعده محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فليس بينهما نبي، ولهذا ما يذكر في بعض التواريخ: أن خالد بن سنان وفلان وفلان أنهم أنبياء، وأنهم بعثوا بعد عيسى، فهذا كله ليس بصحيح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أخبر أنه ليس بينه وبين عيسى نبي[(130)]، ويدل على ذلك أن عيسى عليه السلام قال: {{وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}} [الصف: 6] ، فلم يأتِ أحد بعد عيسى إلا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وقوله: {{عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} } إنما نص على هذه الفترة ليتبين أن الناس كانوا في أشد الحاجة إلى بعثة الرسول وهذا هو الواقع، «فإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم» ؛ أي: أبغضهم وكرههم؛ لأنهم ليسوا على دين «إلا بقايا من أهل الكتاب» [(131)]، بقايا قليلة كما قال تعالى: {{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ}} [هود: 116] ، بقي القليل، وهذا القليل أيضاً يحتاج إلى رسول فلهذا نص على الفترة: وهي المدة الطويلة التي بلغت نحو ستمائة سنة ليتبين شدة حاجة الناس إلى بعثة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

قوله: {{أَنْ تَقُولُوا} } أي: لئلا تقولوا فـ«أن» وما دخلت عليه هنا في موقع التعليل، يعني أرسلناه إليكم حتى لا تحتجوا فتقولوا: {{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} }، وذلك لطول المدة فلم يأتهم رسل ولا أنبياء، فيحتجون، فيقولون: {{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} }.

وقوله: {{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} } «من» هذه يعربها المعربون على أنها: زائدة لفظاً لكنها تزيد في المعنى التوكيد، وهذه قاعدة معروفة عند البلاغيين: أن جميع الحروف الزائدة تفيد التوكيد، وأصل الكلام: ما جاءنا بشير ولا نذير، هذا الأصل، لكن إذا دخلت «مِنْ» صارت أدل على النفي مما لو لم تدخله، ولهذا يقولون: إن النفي قد يكون نصاً في التعميم إذا كان الحرف النافي هي «لا» أو اقترن بحرف الجر الزائد سواء كان «من» أو «الباء»، فقوله: {{مِنْ بَشِيرٍ} } «من» زائدة من حيث الإعراب، «بشير»: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ لأن حرف الجر أداة لفظية، فلا بد أن يكون تأثيرها في اللفظ أكثر من تأثيرها في المعنى، والمعطوف على الفاعل المجرور بحرف الجر الزائد يجوز فيه اعتبار المحل واعتبار اللفظ، فيجوز فيه الجر والرفع كما في قوله تعالى: {{مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}} [الأعراف: 59] بالرفع و«غيرهِ» بالجر، فيجوز فيها الوجهان.

واعلم أن الحرف الزائد في القرآن لا بد أن يقيد بأنه حرف زائد في الإعراب، وبعض المعربين يقول: حرف صلة ولا وجه له، بل يقال: إنه حرف زائد إعراباً، ومن العبارات التي تقال: زائد زائد، أي: زائد لفظاً زائد معنى، فالأول: زائد من الناقص، من «زاد» «يزيد»، والثاني من «زاد» المتعدي؛ لأن زاد تصلح ناقصة، وتصلح متعدية، قال تعالى: {{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}} [محمد: 17] هذه متعدية، وتقول: زاد الماء، هذا لازم.

لكن لو قال قائل: ذكرتم أن ضابط حرف الجر الزائد أنه إذا حذف استقام الكلام، وأحياناً يحذف حرف الجر ويستقيم الكلام وحرف الجر ليس بزائد، كما في قوله تعالى: {{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا}} [البقرة: 106] وكما في قوله تعالى: {{يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ}} [الأحقاف: 31] ؟

الجواب: «مِن» في قوله تعالى: {{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}} ليست زائدة بل «من» بيان لـ«ما»؛ لأن «ما» اسم شرط، وأسماء الشرط كلها مبهمة، فجاءت «مِن» للبيان، قال ابن مالك رحمه الله:

وزيد في نفي وشبهه فجر***نكرة كما لباغ من مفر

وقوله: {{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} } «من بشير»: يبشر بالخير، «ولا نذير»: يخوف من الشر.

وقوله: {{فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} } يعني: فالآن لا حجة لكم قد جاءكم بشير ونذير، وهو رسول الله محمد صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: {{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}} ختم الله عزّ وجل هذه الآية بالقدرة، إشارة إلى أنه تبارك وتعالى قادرٌ على أن يبعث الرسل وعلى أن لا يبعث الرسل وأن الأمر كله بيده تبارك وتعالى.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أنه ينبغي أن ينادى المخاطب بالوصف الذي يقتضي أن يقوم بما وُجِّه إليه لقوله: {{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ}} وهذا موجود في اللغة العربية، فإذا كنت تخاطب مؤمناً تقول: يا أيها المؤمن، وإذا كنت تخاطب رجلاً تقول: يا أيها الرجل، كأنك تذكر له ما كان ينبغي من أجله أن يستمع إليك ويمتثل ما توجهه إليه، وفي كوننا نوجه الخطاب بالنداء بالوصف الذي يقتضي أن يمتثل فيه فوائد:

أولاً: توبيخ هذا الرجل إذا خالف؛ لأنه لا ينبغي أن يخالف وهو متصف بهذه الصفة.

ثانياً: حثه على الموافقة باعتباره هذا الوصف الذي اتصف به، ولهذا نجد أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول دائماً: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر» [(132)] «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر»[(133)].

الفائدة الثانية: إقامة اللوم عليهم من الآخرين.

الفائدة الثالثة: أن محمداً رسول الله مرسل إلى أهل الكتاب اليهود والنصارى، لقوله: {{قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} } يعني: إليكم.

الفائدة الرابعة: أن الذين كفروا بمحمدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم من هؤلاء ـ أي: من اليهود والنصارى ـ كفار؛ لأنهم كفروا بالرسول الذي أرسل إليهم، أما قولهم: إنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، فنقول: هذا لا يكفي لا بد أن تؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

الفائدة الخامسة: الثناء على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكونه مرسلاً من عند الله لقوله: {{رَسُولُنَا} }.

الفائدة السادسة: إقامة الحجة على الأمة حيث إن محمداً رسول الله فهو حجة عليه الصلاة والسلام، فبمجرد أن شهد الله أنه رسوله كان ذلك حجة، وقد قال الله تعالى: {{لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ}} [النساء: 166] .

الفائدة السابعة: أنه لا حظ للرسول عليه الصلاة والسلام في شيء من الربوبية، وجه ذلك: أنه رسول والرسول لا يمكن أن يكون شريكاً للمرسل فيما يختص به.

الفائدة الثامنة: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مُبَيّنٌ للخلق، وأنه ليس فيما جاء به شيء من الغموض والإلغاز، لقوله: {{يُبَيِّنُ لَكُمْ} }.

الفائدة التاسعة: الرد على أولئك المفوضة في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إننا لا نعلم شيئاً من معاني أسماء الله وصفاته، وأن وظيفتنا أن نقرأ ولا نفصل، وهذا القول من أعظم الأقوال وأشدها فساداً حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، ومن المؤسف أن كثيراً من الناس بل حتى من العلماء من يظن أن هذا هو مذهب السلف، ويقولون: إن مذهب السلف التفويض، وهم في الحقيقة لم يعرفوا مذهب السلف، مذهب السلف: التفويض في الكيفية؛ لأن العقل يعجز عن إدراكها، والشرع لم يرد بها، وأما المعنى فإنهم يؤمنون به، ويثبتونه ويقررونه ويفصلون فيما يحتاج إلى تفصيل، وهذا أمر معلوم من كتبهم.

الفائدة العاشرة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كما أنه مُبَيِّنٌ للعرب، فهو مُبَيِّنٌ لأهل الكتاب.

فإن قال قائل: كيف يبين لهم ولغته تخالف لغتهم فإن لغة اليهود حتى الذين في المدينة في عهد الرسول تخالف اللغة العربية؟

نقول: عن طريق الترجمة، ولهذا لم ينتشر الإسلام في البلاد الأعجمية إلا بواسطة الترجمة.

الفائدة الحادية عشرة : أنه إذا احتجنا إلى معرفة اللغات الأجنبية لبيان الشريعة كان ذلك مما يثاب عليه؛ لأن من صفات النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه يبين للناس بأي وسيلة، وعلى هذا فمن تعلم اللغة غير العربية من أجل الدعوة إلى الله كان مثاباً على ذلك؛ لأنها وسيلة لتبيين الشريعة ونشرها.

لو قال قائل: ما توجيهكم لطالب العلم وهل يقتطع من وقته جزءاً لتعلم اللغات غير العربية؟

الجواب: هذا إذا كان الإنسان داعية يعرف من نفسه أنه ذو دعوة قوية وعنده بيان وإقناع، فلا بأس، أما أي إنسان يقول: ربما أكون، فهذا لا يشتغل بهذه اللغات عما هو أهم، لكني مع ذلك أنا أتمنى أني أعرف اللغة الإنجليزية لكن فات الأوان.

الفائدة الثانية عشرة : أن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم كانت على فترة من الرسل ليس بينه وبين عيسى رسول لقوله: {{عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} }.

الفائدة الثالثة عشرة : أنه كلما طال زمن الرسالة صار الناس أشد حاجة إلى الرسول، ولهذا جعل الله ذلك مِنَّة عظمى على أهل الكتاب حيث جاءهم على فترة، ومثل هذا يكون أيضاً في الواقع المحسوس، فالإنسان الذي يشرب الماء على عطش أشد شوقاً إلى الماء والحاجة من إنسان يشربه على ري.

الفائدة الرابعة عشرة : إثبات الرسالات السابقة للرسول عليه الصلاة والسلام لقوله: {{عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} } والظاهر لي أن هذا يشير إلى أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم هو آخر الأنبياء، لقوله: {{مِنَ الرُّسُلِ} } يعني ليس بعده رسول وهذا هو الذي صرح الله به في كتابه في قوله: {{وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}} [الأحزاب: 40] ، وتأمل قوله: {{وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}} ولم يقل: وخاتم المرسلين مع أنه قال: رسول الله؛ لأنه قد يكون نبياً ولا يكون رسولاً، ومحمدٌ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.

الفائدة الخامسة عشرة : رحمة الله تعالى بالخلق حيث أرسل الرسل؛ لئلا تقوم الحجة على الله، لقوله: {{أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} }.

الفائدة السادسة عشرة : أن من لم تبلغه الرسالة فإنه معذور، وهو ظاهر لقوله: {{أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} }.

الفائدة السابعة عشرة : أنه لا حجة للإنسان بالقدر على مخالفة الرسل، لقوله تعالى: {{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} } وجه الدلالة: لو كان لهم حق لم يرتفع بإرسال الرسل، وهو كذلك.

الفائدة الثامنة عشرة : أن الرسالات منحصرة في شيئين لا ثالث لهما: وهي البشارة والإنذار؛ لأن الناس ينقسمون بالنسبة للرسالات إلى قسمين: مطيع فله البشارة، وعاصي فله الإنذار.

لو قال قائل: البشارة هل تكون وسيلة لتأليف قلوب أصحاب المنكرات، كأن يقال لهم: أبشروا أنتم على خير ونحو ذلك؟

الجواب: لكل مقام مقال، قد يكون من الحكمة أن لا تنفر الناس بذكر التخويف والوعيد، وقد يكون بالعكس، فمثلاً: إذا كنت تخاطب شخصاً معيناً منغمساً في الآثام، فهنا ربما يكون جانب التخويف أفضل، لكن مع التخويف تقول له: يا أخي باب التوبة مفتوح، واذكر قول الله تعالى: {{وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}} [الفرقان: 68] ، حيث ذكر أمهات العظائم، ومع ذلك قال: {{إِلاَّ مَنْ تَابَ}} [الفرقان: 70] ، فلكل مقام مقال، لا يمكن أن تذكر شيئاً معيناً.

الفائدة التاسعة عشرة : قوة حجة هؤلاء لو لم يبعث الله إليهم رسولاً، لقوله: {{مِنْ بَشِيرٍ} } لأن «مِن» هذه للتوكيد يعني كأنهم يؤكدون أنهم لم يأتهم بشير ولا نذير.

الفائدة العشرون: تأكيد الكلام التأكيد المعنوي، ولست أقصد تأكيد النحويين، فالنحويون يقولون: إن التوكيد نوعان: توكيد معنوي وتوكيد لفظي، فما كان بتكرار اللفظ فهو لفظي، وما كان بالأدوات المعروفة، فهو معنوي، لكن لا أريد هذا، أريد أن المعنى قد يؤكد بجملة كاملة وهي قوله تعالى: {{فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} }.

الفائدة الحادية والعشرون : أنه متى احتيج إلى التوكيد فلا عيب في التكرار، ولهذا كان من آداب الخطبة أن الإنسان يكرر في المواضع الهامة وأن هذا لا يُعَدُّ عِيّاً ولا يعد زيادة.

الفائدة الثانية والعشرون : أن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم مشتملة على هذين الأصلين في الرسالات وهما البشارة والإنذار، لقوله: {{فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} } يعني به محمداً صلّى الله عليه وسلّم.

الفائدة الثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: إثبات قدرة الله عزّ وجل، لقوله: {{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}، وأنه لا يستثنى من قدرة الله تعالى شيء، بل كل شيء فالله قدير عليه، وأما قول بعضهم ـ كصاحب الجلالين ـ خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، فهذا خطأ إلا أنه على قاعدة منكري الأفعال الاختيارية الذين يرون أن ذلك صواب؛ لأنه يوجد طائفة من هذه الأمة يقولون: إن الله عزّ وجل لا تقوم به الأفعال الاختيارية، فالنزول إلى السماء الدنيا ممنوع عندهم، والاستواء على العرش ممنوع، والضحك ممنوع كذلك، والإتيان يوم القيامة ممنوع، كل الأفعال التي يفعلها بمشيئته واختياره يرون أنها ممنوعة. لماذا المنع؟ قالوا: لأنه مستحيل، والمستحيل على اسمه لا تتعلق به القدرة كالجمع بين النقيضين، فيقال لهم: هذا غلط، بل إن الأشياء التي تنافي الكمال لا يمكن أن يتصف الله بها كالنوم مثلاً فمستحيل أن الله جلَّ وعلا ينام، وهذا الكلام لا يرد إطلاقاً؛ لأنه مستحيل، لكن الله جلَّ وعلا ينزل إلى السماء الدنيا وينزل للفصل بين العباد ويستوي على العرش ويضحك ويعجب؛ لأنه لا ينافي الكمال بخلاف النوم فهذا ينافي الكمال.

الفائدة الخامسة والعشرون : أنه ينبغي أن يختم الكلام بما يناسب المقام، وجهه: أن مخالفة أهل الكتاب للرسول عليه الصلاة والسلام تعني أنهم معرضون للعقوبة، والله غير عاجزٍ عن عقوبتهم لكمال قدرته.

* * *

قال الله تعالى: {{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ *}} [المائدة: 20] .

قوله: {{وَإِذْ قَالَ مُوسَى} } «إذ»: هذه ظرف، ومن القواعد المقررة عند النحويين: أنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف، من متعلق، هذا المتعلق هو العامل في الواقع؛ لأن الظرف مفعول فيه فلا بد من فعل يقع فيه، والجار والمجرور في محل المفعول به فلا بد له من متعلق كذلك، ولهذا قال ناظم الجمل:

لا بد للجار من التعلقِ***بفعلٍ او معناه نحو مرتقي

وقوله: {{وَإِذْ قَالَ مُوسَى} } «إذ» هذه ظرف تحتاج إلى عامل، أرى أن جميع المعربين إلا من لم نطلع على إعرابهم في القرآن الكريم كلما جاءت «إذ» غالباً يقدرون لها «اذكر إذ قالوا»، وهنا هل نقول: إن متعلق «إذ»، «اذكر»، فيكون هنا الخطاب موجهاً إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو أن المراد: اذكروا أي: يا أهل الكتاب، نقول: يحتمل هذا أو هذا، فإن كان الثاني: فمعناه أن الله تعالى بنفسه يذكرهم، وإن كان الأول، فمعناه أنه أمر رسوله أن يذكرهم، ومؤدى المعنيين واحد.

قوله: «إذ قال موسى لقومه» وهم بنو إسرائيل {{يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} }، قوله: «يا قوم»: ناداهم مناداة البعيد، قال أهل البلاغة: وهذا يدل على إعراضهم وصدودهم وعلى بلاهتهم، ولا شك أن بني إسرائيل من أشد الناس عتواً حتى على نبيهم عليه الصلاة والسلام، فلذلك قال: {{يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} } و«النعمة» هي الإفضال والإحسان، والمراد: اذكروا هذه النعمة لتقوموا بشكرها، ثم بَيَّن هذه النعمة فقال: {{إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} } (إذ) متعلقة بـ(نعمة)؛ لأنها بمعنى إنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم.

وقوله: {{جَعَلَ فِيكُمْ} } «في» هذه للظرفية وينبغي أن نجعلها على معناها، وأن لا نجعلها بمعنى «من»، أي: منكم أنبياء، بل نقول: فيكم؛ لأن النبي يكون من سطة قومه، ومن أشراف قومه، وهي كقوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ}} [الجمعة: 2] .

قوله: {{أَنْبِيَاءَ} } فيها قراءتان: {أَنْبِئَاء}، {وَأَنْبِيَاء}، وكلاهما قراءة صحيحة؛ لأنهما سبعيتان، وهل المراد هنا بالأنبياء الرسل أو الأنبياء الذين دون الرسل؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأن فيهم رسلاً وفيهم أنبياء بلا رسالة.

قوله: {{وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} } أي: صيركم ملوكاً، وتأمل الفرق بين الأنبياء والملوك، الأنبياء قال: {{فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} } الملوك، قال: {{وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} } فهل معنى العبارة الثانية كالأولى؟ ولكنه جعل الملك عاماً؛ لأن أي واحد منهم يمكن أن يكون ملكاً بخلاف النبوة، فإنها من عند الله، ولهذا قال: {{فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} } ولم يقل: جعلكم أنبياء، أو يقال: جعلكم ملوكاً، والملوكية هنا ملكية نسبية اعتبارية، أي: باعتبار كونكم خدماً أذلاء لآل فرعون أصبحتم الآن أحراراً تملكون أنفسكم، ولا أحد يقيدكم فيما تريدون؟ الجواب: يحتمل المعنى هذا وهذا، ولا شك أن هذا وهذا حصل.

قوله: {{وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} } «وآتاكم» بمعنى: أعطاكم، والفرق بين «أتاكم» «وآتاكم»، أن «أتاكم» بمعنى: جاءكم، «وآتاكم» بمعنى: أعطاكم، ولهذا آتاكم تنصب مفعولين، لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول في هذه الآية: «الكاف»، والثاني: «ما»، يعني الذي لم يؤت أحداً من العالمين.

وقوله: {{لَمْ يُؤْتِ} } أصلها: لم يؤته، لكن حذف العائد الذي يعود على اسم الموصول، والأصل: ما لم يؤته أحداً من العالمين، وعلى هذا فتكون «أحداً» مفعولاً ثانياً.

وقوله: {{أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} } أي: من العالمين الذين سبقوكم بل والذين في وقتكم، وهنا تأمل أنه لم يقل عليه الصلاة والسلام: ما لن يؤتِيَ، بل قال: ما لم يؤتِ، وبينهما فرق، فلو قال: ما لن يؤتيَ؛ صار قوم موسى أفضل الناس إلى يوم القيامة ولن يُعطي أحدٌ مثلهم، لكن إذا قال: ما لم يؤتِ: يعني في الماضي، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى آتى هذه الأمة والحمد لله ما لم يؤتِ بني إسرائيل ولا غيرهم.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أنه ينبغي للداعية أن يُذكِّر من يوجه إليهم الخطاب بنعم الله عليه؛ لأن تذكيرهم بالنعم يوجب لهم محبة الله، ولهذا جاء في الأثر: «أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم»[(134)].

الفائدة الثانية: أنه كلما أنعم الله على عبده بنعمة وجب عليه من السمع والطاعة ما لم يجب على غيره.

الفائدة الثالثة: الإشارة إلى أن وجود الأنبياء بين الناس من أكبر النعم؛ لأن الله قدم ذلك على الملك فقال: {{جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} } ولا شك أن حاجة الناس إلى ذلك أعظم من حاجتهم إلى الملك وإن كانوا يحتاجون إلى هذا.

الفائدة الرابعة: تقديم مقام العلماء على الأمراء، لقوله: {{إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} } والعلماء ورثة الأنبياء، والأمراء إما من الملوك أو من ورثتهم أو نوابهم أو ما أشبه ذلك.

الفائدة الخامسة: أن من رزقه الله علماً فقد أنعم الله عليه نعمةً عظيمة، تحتاج إلى التذكر وهو كذلك؛ لأن نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه ذكرهم بهذه النعمة، وأنت الآن تعرف هذه النعمة في نفسك، فلو قدرت نفسك جاهلاً لا تدري كيف تتوضأ ولا كيف تصلي ولا ما الواجب في الوضوء، ولا ما الواجب في الصلاة، ولا ما مبطلات الوضوء، ولا ما مبطلات الصلاة، لكنت أعمى تسير بلا هدى، فإذا منَّ الله عليك بعلم هذه الأشياء فهي نعمة عظيمة لا يقابلها نعمة، لا سيما وأن هذه الأمة والحمد لله تشعر بأنها وارثة لأفضل الأنبياء محمد صلّى الله عليه وسلّم، فالعلماء من هذه الأمة يشعرون بهذا، أي: أنهم وارثون لمحمدٍ صلوات الله وسلامه عليه.

الفائدة السادسة: أن فك الحَجْرِ على المحجور عليه من نعمة الله، وهذا على المعنى الثاني؛ لأنه بذلك يأخذ شيئاً من الحرية، وقد تقدم معرفة الحجر في الفقه.

الفائدة السابعة: أنه ينبغي للإنسان أن يذكر تذكيراً خاصاً بما أنعم الله به على الشخص، نعمة خاصة وذلك لقوله: {{وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} }.

لو قال قائل: هذا يؤدي إلى أن يعجب المخاطب بنفسه، ويقول: أنا من أنا؟

قلنا: إذا خيف هذا الشيء منع، ولكل مقام مقال، أما إذا كان ذِكْرُ هذا الشيء يستلزم أن يقوم بأمر الله فليذكر ولا يضر، ولذلك كان الناس يوم القيامة يتوسلون إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، بما خصهم الله به من المناقب والكرامات[(135)].

* * *

قال الله تعالى: {{يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ *قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ *قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ *قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ *}} [المائدة: 21 ـ 26] .

قوله: {{يَاقَوْمِ} } النداء من موسى عليه الصلاة والسلام، والنداء هنا يتضمن شيئين:

الشيء الأول: أن فيه شيئاً من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء ولفظ القومية.

الشيء الثاني: أيضاً أنه قال: {{يَاقُوْمِ} } استعطافاً لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك.

قوله: {{ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} } قال: {{ادْخُلُوا الأَرْضَ} } لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، والأرض المقدسة قال العلماء: معناها الطاهرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء. ثم ما هي هذه الأرض وما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين والأردن وغيرها وجميع المنطقة، وهذا في زمن موسى، وأما بعد بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة من المسجد الأقصى، وكذا المسجد النبوي.

وقوله: {{الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} } أيضاً فيها بشارة بأنهم سوف يغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ادخلوا الأرض، والثانية: التي كتب الله لكم، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين:

كتابة شرعية: مثل قوله تعالى: {{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}} [البقرة: 183] .

وكتابة قدرية: مثل قوله تعالى: {{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ *}} [الأنبياء: 105] .

وقوله: {{كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} } قلنا: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدت بـ«على»، والمعنى كتب عليكم ولا يستقيم المعنى.

قوله: {{وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} } أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدبر والرجوع هزيمة وذل، ولهذا ورد النهي الشديد عن التولي يوم الزحف.

قوله: {{فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} } لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل، ولهذا قال: {{فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} } و{{فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} } حال من الواو في قوله: {{فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} } فماذا كان الجواب؟

كان الجواب كما قال تعالى: {{قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} } انظر للخطاب في قوله: {{قَالُوا يَامُوسَى} } لم يقولوا: يا نبي الله ولا يا رسول الله، {{قَالُوا يَامُوسَى} } وهذا لا شك أنه جفاء في مخاطبته، أن يخاطبوا نبيهم باسمه، ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم باسمه في قوله: {{لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}} [النور: 63] ، على أحد التفسيرين؛ لأن بعض العلماء يقولون: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضاً، وإن كانت هذه الآية تشمل هذا المعنى وتشمل المعنى الثاني وهو أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضاً إن شئتم أجبتم وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}} [الأنفال: 24] .

قوله: {{قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} }، ذكروا علة تدل على جبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم بل عدم عزيمتهم.

وقوله: {{إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} } الجبار: هو العاتي الكبير الجسم الطويل مأخوذٌ من قولهم في اللغة العربية: نخلة جبارة، والنخلة الجبارة: هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُه، يعني قوياً عالياً لا يتناول الإنسان ثمره بيده.

إذاً: {{جَبَّارِينَ} } تدور على المعنيين السابقين: الأول: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجسام لا نستطيع أن نقاتلهم.

قوله: {{وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا} } ـ سبحان الله ـ هذا قول صبيان، {{لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا} } من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟ لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، وأيضاً أكدوا هذا المعنى بقولهم: {{فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} }، وتأمل قولهم: {{فَإِنْ يَخْرُجُوا} } لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن «إن» الشرطية: تتميز عن «إذا» بأن «إن» يكون فعل الشرط فيها حاصلاً وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن «إذا» تدل على وقوع الشرط، لكن المؤقت حصول الشرط، إذا قلت: إن قام زيد قمت، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قام زيد قمت، إذا قام معناه أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام فهو شرط للتوقيت أي: توقيت القيام، لكن إن قام زيد قمت شرط لحصول القيام، وقد يحصل وقد لا يحصل وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: {{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ *}} [الزخرف: 81] ، هذا في حق الله، وفي حق الرسول: {{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}} [الزمر: 65] ، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، الأول: وهو أن يكون للرحمن ولد، والثاني: وهو أن يشرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الداعي إلى الإخلاص والتوحيد.

إذاً: هم يقولون: {{فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} } يعني: كأنهم مستبعدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتلوا بالتيه، كما سيأتي إن شاء الله، وهو: الضياع وعدم الاهتداء إلى هذا المكان. وتأمل أيضاً قوله: {{فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} } يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء، هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ لا يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل الإنسان حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله «إغاثة اللهفان» فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه.

قوله: {{قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} }، أولاً، ننظر في تركيب هذه الآية الكريمة، قوله: {{مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} } صفة لـ{{رَجُلاَنِ} }؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها، {{يَخَافُونَ} } صلة الموصول. {{أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} } «أنعم» هنا فعل وليس مفعول؛ لأن مفعول يخافون محذوف نقدره إن شاء الله بعدُ، {{أَنْعَمَ} } جملة فعلية محلها من الإعراب صفة لرجلان، ويجوز أن تكون حالاً منها لأنها نكرة خصصت، والنكرة إذا خصصت جاز وقوع الحال منها.

لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟

الجواب: لا؛ لأن قوله: {{أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} } إن قدر أنها حال، فلا إشكال لأن الوصف التابع لموصوفه إعراباً أولى بالموالاة؛ لأن الحال تابعة لموصوفها معنىً مفارقة له إعراباً، بخلاف النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالاً فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر هذا الأول.

ثانياً : أن قوله: {{مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} } شبه جملة، فهي في حكم المفرد. «وأنعم» جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ فلدينا ثلاثة أشياء: إما أن ينعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن ينعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة والمفرد، وشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم {{مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} }.

قوله: {{قَالَ رَجُلاَنِ} } الله عزّ وجل لم يبين مَنْ هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة. ولأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية.

لكن لو قال قائل: ألا يمكن أن يكون الرجلان موسى وهارون؟ الجواب: لا يمكن، ولو قلنا بذلك لفسد المعنى، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما، فلو كان هذا الأمر من الأمور التي تنبني عليه العقيدة لكان الله عزّ وجل بَيَّنَهُ إما في القرآن أو على لسان الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: {{مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} } أي: يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول يخافون محذوف، تقديره: الله.

وقوله: {{أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} } أنعم الله عليهما بأمور:

أولاً : خوف الله عزّ وجل، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله، والقيام بطاعته.

ثانياً : أنعم الله عليهما بالقوة: بقوة النفس؛ لأنهما الآن يقابلان أمة؛ لأن قوم موسى كلهم قالوا له: {{إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا} }. هذان الرجلان قابلا الأمة كلها، مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق.

وقوله: {{أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} } أيضاً بحصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكرها موسى عليه الصلاة والسلام، لا شك أنه سوف يُقْدِم، الأولى {{ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} } والثانية: {{الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} }، إذاً: أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة، وقد يكون أكثر من هذا.

لو قال قائل: قوله تعالى: {{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}} [يونس: 92] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض أجسام الموتى لآل فرعون، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون نفسه، فهل هذا صحيح؟

الجواب: نحن نعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئاً، ألم تعلم أنه قيل: إن رأس الحسين رضي الله عنه في النجف وفي سوريا وفي مصر!! يعني صارت ثلاثة رؤوس، فلا نصدق بهذه الأشياء، والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره وأكلته الحيتان أوْ لا ندري عنه، أما أن نقول: أن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فهذا لا نصدقه ولا نكذبه، وأما قوله تعالى: {{لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}}، أي: لبني إسرائيل، فنحن نصدق كلام الله سواء رأينا جسمه أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله عزّ وجل، لكن هلاكه كان آية لبني إسرائيل الذي كان يرعبهم.

لو قال قائل : وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنه صراع على الأرض وليس صراعاً عقدياً؟

الجواب: لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض، فالواجب علينا أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن كفروا بالله، لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عُدِّلت النية وأُصِلحَ العمل حصل خير كثير.

وقوله: {{ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} } أي: سيروا إليهم ولا تشعروهم بأنكم سائرون، وائتوهم بغتة، ادخلوا عليهم الباب بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قوتلوا في ديارهم إلا ذلوا. ولهذا سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة في الفتح، سأل الله تعالى أن يعمي الأخبار عنهم حتى يبغتهم في دارهم[(136)]. ولهذا قالا: {{ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} } أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم، و«أل» في قوله: «الباب» للعهد الذهني أي: باب المدينة.

قوله: {{فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} } يعني: إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، أي: ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه.

قوله: {{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} } لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم، بل يتوكلون على الله، فقالوا: {{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} } والجار والمجرور في قوله: {{وَعَلَى اللَّهِ} } متعلق بقوله: {{فَتَوَكَّلُوا} } والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: «وعلى الله توكلوا»، لصح، ولا يصح أن نجعلها عاطفة، يعني: لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكنها زيدت لتحسين اللفظ.

وقوله: {{فَتَوَكَّلُوا} } التوكل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتماداً صادقاً مع الثقة به وحسن الظن، وفعل الأسباب، هذه أربعة أوصاف: الأول: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب.

فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة فهذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله لكنه في شك فإنه ليس بمتوكل حقيقة، كذلك أيضاً لو أنه اعتمد على الله ولكنه لم يثق تلك الثقة، إما لما يعلم من ذنوبه أو لما يعلم من قصور الأسباب، أو لغير ذلك، فإنه لم يصدق التوكل، والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه تبارك وتعالى أنه حسبه لقوله تعالى: {{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}} [الطلاق: 3] وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته.

انظر إلى قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً}} ثم قال: {{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}} [الملك: 15] فلا بد من سعي ولذا قال تعالى: {{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}} [الجمعة: 10] فلا بد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصاً عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب التي يشهد لها القدر.

قوله: {{يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ *قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ *قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ *قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ *}} هذا شرط في إخلاص التوكل على الله عزّ وجل، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعد الله به في قوله: {{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}} [الطلاق: 3] .

وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع، انظر الجواب: {{قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا} } وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟

الجواب: الأول، يعني: لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها، دخلوها، هل هذا كلام؟! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ليس فيها أحد، وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخلها. لكن هذه عقلية بني إسرائيل.

ولذا قالوا: {{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ} } يقولون لموسى: {{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} }، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون؛ لأن الرب يطلق على السيد وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيداً للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين عزّ وجل؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم تبارك وتعالى.

فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم، يقولون: ما دام أن عندك رب، اذهب أنت وربك فقاتلا، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان يقاتل مع موسى ـ قاتلهم الله ـ، ومع ذلك قالوا: {{إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} } ها هنا: في المكان القريب؛ لأن «هنا»: للقريب، و«هنالك»: للبعيد. هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء ـ والعياذ بالله ـ فماذا قال موسى؟

قال: {{رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} } قوله: «ربِّ»، يخاطب ربه رب العالمين.

قوله: {{إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} }، يعني: لا أملك أمراً إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه هارون عليه السلام.

قوله: {{فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} } سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين. فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر. ماذا كانت إجابة الله؟

قال الله تعالى: {{فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} } أي: على بني إسرائيل الذين أمروا بالقتال {{مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} } تحريماً قدرياً، كما في قوله تعالى: {{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ}} [القصص: 12] ، فالتحريم قد يكون شرعياً كما في قوله تعالى: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}} [المائدة: 3] وقد يكون قدرياً كما تقدم.

قوله: {{أَرْبَعِينَ سَنَةً} } شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال تعالى: {{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}} [البقرة: 189] ، وإلى وقت ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «نحن أحق بموسى منكم»[(137)].

قوله: {{يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} } يعني: يضيعون، وسبحان الله المسافة بين مصر وأرض الشام تقدر بحوالي شهر، لكن هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليست سنة ولا سنتين بل أربعين سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ ولأن الله عزّ وجل أعماهم فحرموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حرموا إياه من أجل هذا العناد والعتو.

وقوله: {{يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} } فلا يهتدون سبيلاً، ولكن لماذا خص التيه بأربعين سنة؟ هناك جوابان:

الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالماً بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد تقدم كثيراً أن المحدد شرعاً أو قدراً ليس للعقل فيه مجال؛ إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية.

الجواب الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة، يمكن أن ينشأ فيها جيل جديد، على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندين، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يعترض عليه بأنه: هل هذه المدة مدة كافية؟ الجواب: نعم كافية؛ لأن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع إلى عادات وأخلاق في أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع.

قوله: {{فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} } أي: لا تحزن، كما قال تعالى: {{لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ}} [الحديد: 23] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين، مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة.

من فوائد الآيات الكريمات [21 ـ 26]:

الفائدة الأولى: فضيلة أرض الشام، لقوله: {{الْمُقَدَّسَةَ} } وسبق أن المقدسة، أي: المطهرة من الأوثان والشرك؛ وذلك لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله تبارك وتعالى: {{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}} [الإسراء: 1] ، فقوله: {{بَارَكْنَا حَوْلَهُ}} هذا أيضاً من تقديسها.

الفائدة الثانية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل، لقوله: {{الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} }.

الفائدة الثالثة: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه ذكر في الآية أن الأرض مقدسة، هذا الأول، والثاني: أن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: {{ادْخُلُوا الأَرْضَ} } وكأن هذه بشارة بأنهم سينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فالبشارة من وجوه ثلاثة كما تقدم.

الفائدة الرابعة: أن الكتابة نوعان: شرعية وقدرية، فالكتابة في هذه الآية بمعنى الكتابة القدرية، والكتابة القدرية: تأتي غالباً مقرونة بـ(اللام)، والكتابة الشرعية: تأتي غالباً مقرونة بـ«على»، وهذا غالباً لا دائماً بدليل قوله: {{وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ}} [الحشر: 3] والكتابة هنا: قدرية؛ لأن الله لم يفرض عليهم الجلاء فرضاً شرعياً ولكن قدرياً.

الفائدة الخامسة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم، لقوله: {{الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} } فهم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين؛ فهي كتبت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل، بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وموسى عليه السلام يخاطب قوماً صدقوا وآمنوا به، وقد قال الله تعالى: {{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ *}} [الأنبياء: 105] . إذاً: فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعاً فلا، وأما قدراً فيمكن، لكن شرعاً ليس لهم فيها حق إطلاقاً، قال تعالى: {{إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}} [الأعراف: 128] ، فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم يرثون بني إسرائيل.

الفائدة السادسة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد، لقوله: {{وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} } ولذلك نجد في الشرع أوامر ونواهي؛ لأن العبادة لا تتم إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجد فيه فعل وفيه ترك، حتى يتم الامتحان والاختبار، ونضرب مثلاً بالصوم فيه ترك للمحبوب، وفي الزكاة بذل للمحبوب، وهذا الذي يكون به تمام الامتحان.

الفائدة السابعة: أن الكفر ردة عن الاستقامة، لقوله تعالى: {{وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} } فالمرتد متأخر وليس متقدماً، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدماً، ولذلك نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم، نقول: أخطأتم، وذلك لأنهم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح تأخر، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن ردة أو ارتداد على الدبر، لكن موافقة السلف الصالح هي التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق.

الفائدة الثامنة: أن الارتداد عن العقب سبب للخسارة، أي: خسارة الدنيا والآخرة، قال تعالى: {{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}} [الزمر: 15] ، وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن «الفاء» في قوله: {{فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} } فاء السببية ولهذا نصب الفعل بعدها لوقوعه بعد النهي في قوله: {{وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} }.

الفائدة التاسعة: أنه ينبغي للإنسان الداعية إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، وهذا حلال، وهذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفز للنفوس على الامتثال، وجه ذلك أن موسى قال لقومه: {{فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} }.

الفائدة العاشرة والحادية عشرة : أن ذكر العقوبة الدنيوية أو أن ذكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المعاصي والمخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يحذرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنة من أجل الحث على الطاعة لا ينافي الإخلاص، وهذا من الثواب العاجل ومن عاجل بشرى المؤمن لأن الله تعالى يقول: {{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى *}} [الليل: 5 ـ 7] ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من أحب أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه» [(138)]، أليس هذا أمراً دنيوياً؟ ومع ذلك ذكره النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل الطاعة، وهي صلة الرحم.

وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقة أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ لأنه مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ قول الله تعالى: {{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}} [الفتح: 29] ، يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، ـ نسأل الله العافية ـ الله عزّ وجل يرشدنا إلى هذا ويُبَيِّن أن هذا هو طريق الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، وأنت تقول: إن هذا من الإشراك! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عوناً له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقاً، وانظر إلى الفواحش، الزنا مثلاً له عقوبة من أجل أن يرتدع الإنسان عنه ويخشى أنه إذا زنا أن يجلد أو يرجم، وكذلك قطع اليد في السرقة: من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، فلا يقال: يكفي الوازع الإيماني؛ لا يقال هذا، لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك أنه هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوٍّ لهذا الأصل.

لو قال قائل: أحياناً يجد الإنسان انشراحاً في العبادة أكثر من طلب العلم والقراءة؟

الجواب: السبب في ذلك: لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله، لصارت صدورنا أشد انشراحاً، لكن مع الأسف أن كثيراً من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم التوسع في طلب العلم فقط، وهذا لا شك أنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يجب أن يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين، وحماية هذا الدين من أعدائه وبهذا ينشرح صدره، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، درة غواص لا يمكن أن يفرط فيها إطلاقاً.

الفائدة الثانية عشرة: بيان جفاء بني إسرائيل وذلك أن موسى كان يخاطبهم بقوله: {{يَاقَوْمِ} } بهذا اللفظ، وهم يقولون: { {يَامُوسَى} } ولم يقولوا: يا نبي الله أو يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم.

الفائدة الثالثة عشرة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك لأن نبيهم عليه الصلاة والسلام وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي، فقالوا: إن فيها قوماً جبارين، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم سبحانه وتعالى.

الفائدة الرابعة عشرة: بيان جبن بني إسرائيل لقولهم: {{لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا} } وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأن الجبان هو الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إلا إذا خرج منها أهلها.

الفائدة الخامسة عشرة: تأكيد هذا الجبن مرة ثانية، لقولهم: {{فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} }.

الفائدة السادسة عشرة: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون لقولهم: {{فَإِنَّا دَاخِلُونَ} } وهذا لا يحتاج إلى توكيد لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها، فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، مَنْ ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا البلد من العدو؟

الفائدة السابعة عشرة: أن الله قد ينعم على بعض القوم ويفتح عليهم بما لم يفتحه على أحد غيرهم، لقوله: {{قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} }.

الفائدة الثامنة عشرة: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، لقوله: {{قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} }.

الفائدة التاسعة عشرة: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لقوله: {{يَخَافُونَ} } ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرجاء أيضاً مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة وعدم الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة في الطاعات وفي الأوامر.

الفائدة العشرون: أن الخوف من الله عزّ وجل من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد، أن ينعم الله عليه بالخوف منه، لقوله: {{أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} }.

الفائدة الحادية والعشرون: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّيَ الأخبار عن أهلها، لقول هذين الرجلين الناصحين: {{ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} } يعني: ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهداً في فتح مكة، حيث إن النبي صلّى الله عليه وسلّم سأل الله أن يعمي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها[(139)].

الفائدة الثانية والعشرون: أن من غُزي في عقر داره فهو ذليل، وهذا مَثَلٌ مشهور: ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذُلوا، لقوله: {{ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} } وأهل البلد مغلوبون.

الفائدة الثالثة والعشرون: أن الدخول على البلدة لا يكون بِتَسَوِّر الجدر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة رضي الله عنهم حديقة مسيلمة الكذاب، لم يتسوروا الجدران، بل فتحوا الباب ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك رضي الله عنه مشهوراً بالشجاعة والقوة، فطلب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا، فدخل وفتح لهم الباب، ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر[(140)].

الفائدة الرابعة والعشرون: أن التوكل على الله عزّ وجل من أسباب النصر، لقول هذين الرجلين: {{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} }.

الفائدة الخامسة والعشرون: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي، لقولهما بعد أن وجها قومهما إلى أن يدخلوا عليهم الباب: {{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} } ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» [(141)]. احرص على ما ينفعك: هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، واستعن بالله: يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله عزّ وجل حتى يحصل المراد.

الفائدة السادسة والعشرون: وجوب إفراد الله عزّ وجل بالتوكل، لقوله: {{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} } وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِل أمره إلى المتوكَل عليه، وهذا لا يجوز إلا لله، والمتوكل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله عزّ وجل.

وأما التوكل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِل أنه مفوض أمره إلى المتوكَل عليه بل هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فهذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة: بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكل فيه، فمثلاً: تقول: يا فلان اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، ولكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني: اعتماد معونة، وأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لستَ مفتقراً إليه لو شئتَ لعزلته، وهو أيضاً لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه إلى آخره، ولكن توكل العبد على الله عزّ وجل، ـ وأسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه ـ يشعر الإنسان بأنه بحاجة إلى الله، وأنه قد فوض أمره إلى الله عزّ وجل، ومن ثَمَّ لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه كما تقدم الفرق العظيم بين هذا، وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلاً، فالابن يعتمد على أبيه في الحصول على النفقة، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته.

هذه مسألة دقيقة جداً، فإن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض وأن الذي جعله سبباً هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله عزّ وجل، فإن ذلك لا ينافي التوكل، لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به، فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية ـ والعياذ بالله ـ وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا شرك أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيراً للمرضى، من اعتمادهم على الطبيب اعتماداً كلياً حتى إنه يشعر في نفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبب هو الله عزّ وجل، وأن الله تعالى إن قدر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب، كما أوقد النار لطهي طعامي مثلاً، فهذا لا بأس به، ولا بد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله عزّ وجل.

لو قال قائل: إذا أصيب الإنسان بالمرض وترك التداوي يحتج على ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم بأنه قال لأحد الصحابة: إني كان يُسَلَّم عليَّ فلما اكتويت ترك ذلك، فلما تركته سلم علي[(142)] وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني الطبيب، قال: أنا على ما أشاء قدير[(143)]، فهل في هذا حجة على ترك التداوي؟

الجواب: عندنا السنة وعندنا كلام الصحابة أيهما نقدم؟ الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام[(144)]، الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر الحبة السوداء أنها شفاء من كل داء إلا الموت[(145)] غرضه من هذا أن يستشفي الناس بها، ثم يحمل فعل بعض الناس، سواء الصحابة أو من بعدهم على أن عندهم من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فتكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، أما لو كان مصاباً بمرض القلب مثلاً ويخشى أنه لو ذهب إلى الأطباء وأجروا له العملية ألاَّ يتقنوها، فإذا لم يكن عنده الثقة في الطبيب هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان المرض خطيراً فلا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمراً معلوماً مثلاً، كالزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سلم بإذن الله وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، والبواسير الآن سهلة عند الأطباء، مع أن بعض العلماء يقول: حرام قطع البواسير؛ لأن في عهدهم كان قطعها خطراً، يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم ـ والحمد لله ـ علم الطب.

لو قال قائل: هل ينافي كمال التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب الحسية كالأدوية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية؟

الجواب: بعض الناس قد يعدل إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة الشرعية؛ لأنها ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل القراءة، ويكون شاكّاً فيها، وإذا كان شاكاً فيها لا تنفعه أو لا يثق بالقارئ لكن الأمور الحسية يثق بها كثيراً، لكن هناك أمراض لا ينفع فيها الأدوية الحسية، مثل الأمراض النفسية، فلا ينفع فيها إلا القراءة، والطبيب تجده يكشف على المريض عدة مرات ثم يقول: ليس فيه شيء، هذا لا ينفع فيه إلا القراءة، وليعلم أن الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفثه لا يستفيد، لكن لا ندري هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات، أو باعتبار القارئ.

* * *

الفائدة السابعة والعشرون : أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان، لقوله: {{يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ *قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ *قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ *قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ *}} وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رتب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه.

الفائدة الثامنة والعشرون: إصرار بني إسرائيل على المعصية، وعلى الجبن والخور لقولهم: {{إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا} } وهذا ظاهر في أنهم مصرون على معصية نبيهم الذي قال لهم: {{ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} }.

الفائدة التاسعة والعشرون: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: {{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} }، حتى قولهم: «اذْهَبْ»، بهذه الصيغة، كأنهم آمرون لموسى، أيضاً فيه استعلاء واستكبار {{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} } يعني: ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا رسول الله، أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، وجه ثالث من الغطرسة في قولهم: {{إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} } أي: لا نتحرك ولا نذهب معكم، لم يقولوا مثلاً: إننا ردء لك نحميك من ظهرك وما أشبه ذلك، ففيها أيضاً منتهى الغطرسة من بني إسرائيل.

الفائدة الثلاثون: أن موسى عليه الصلاة والسلام أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبروا هذا التعبير، لقوله: {{إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} } وقَارِن بينهم؛ أي: بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي صلّى الله عليه وسلّم، حيث كانوا يبتدرون أمره، ويتسابقون إليه، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة ـ والحمد لله ـ وبين الأمم السابقة.

الفائدة الحادية والثلاثون: أن موسى عليه الصلاة والسلام له الكلمة على هارون، لقوله: {{رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} } أما كون هارون أكبر من موسى أو موسى أكبر من هارون؟ فهذا يحتاج إلى دليل صحيح، ولكن موسى عليه الصلاة والسلام كان له الإمرة على هارون.

الفائدة الثانية والثلاثون والثالثة والثلاثون: جواز دعاء الإنسان ربه عزّ وجل أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور، لقوله: {{فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} }.

ويمكن أن يتفرع على هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؛ لأن الهجر مفارقة، ولكننا نقول: السنة دلت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعله وإلا فلا تفعل، فإن كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة، وأنت إنما هجرت للإصلاح ولأجل أن يرتدع، وهو لن يرتدع بالهجر بل يمكن أن يزيد في الشر، ونضرب لذلك مثلاً لو أنك رأيت رجلاً حالقاً لحيته وهجرته هل سوف ينتهي عن ذلك، إن كان سينتهي فلا بأس، وأما إذا كان لا ينتهي ويزداد كراهة لك ولما تدعوه إليه من الحق ويستمر فأي فائدة في هجره، ثم عندنا الحديث الصحيح: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة» [(146)]. وهذا مُسَلَّم، وما ورد عن السلف من الهجر يحمل على أنه هجر للإصلاح أو لئلا يغتر بهم الخلق، وعلى هذا إذا كنت تتألف العصاة وأهل الضلال فلا بد أن تصرح بأنهم على ضلال، لئلا يغتر الناس بهم، لكن لا تخصهم بأعيانهم حتى لا ينفروا، لكن إذا قلت: بعض الناس قال كذا أو يقال كذا فلن ينفروا.

الفائدة الرابعة والثلاثون: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق، لقوله: {{فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} }.

الفائدة الخامسة والثلاثون: الأخذ بالأكثر؛ لأن من قوم موسى من كانوا على الحق، وهما الرجلان اللذان قالا: {{ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} } فهل هما فاسقان؟ الجواب: لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصفا بالفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن الفاسقين هنا عام أريد به الخاص؛ أي: أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن في باله إطلاقاً أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصاً بالذين قالوا: {{إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا} }، وقد يقال: إن موسى عليه السلام لا يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه هارون.

الفائدة السادسة والثلاثون: استجابة الدعاء، لقوله: {{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ} } واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات: منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه الصفات ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، ولو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، ولو لم يقدر لم يستجب أيضاً.

الفائدة السابعة والثلاثون: أن التحريم يطلق على المنع القدري، لقوله: {{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} }؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أنه حرم عليهم دخولها شرعاً لكن قدراً، وهو كذلك أعني أن التحريم يكون كونياً ويكون شرعياً، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية. فمن التحريم القدري الكوني: قوله تعالى: {{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ}} [القصص: 12] تحريماً قدرياً، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ}} [المائدة: 3] وقوله: {{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}} [الأنعام: 146] .

الفائدة الثامنة والثلاثون: أن العقوبة تعم لقوله: {{فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} } وقد قال الله تعالى في آية أخرى: {{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً}} [الأنفال: 25] .

الفائدة التاسعة والثلاثون: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة، فإن هداية الخلق ليست إليه بل إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: {{فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} } [المائدة: 26] وقال لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: {{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ *}} [الشعراء: 3] وقال: {{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا *}} [الكهف: 6] والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع، فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يأس على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة، فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين.

لو قال قائل: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب هذه المواقف، وهي غضبه وإلقاؤه الألواح، وتعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، وقتله للفرعوني، وتسرعه بالسؤال في قصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال: {{إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي}} [الكهف: 76] ؟

الجواب: نقول للذين وصفوا موسى عليه الصلاة والسلام بالعصبية: إن كنت تخبر مجرد خبر فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الأوصاف التي تكون مدحاً لا قدحاً، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر مخرج عن الملة، وموسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد؛ ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[(147)]، فهو معروف بالشدة، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز أبداً، ثم إن له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والذي نرى أن الذي يتكلم في موسى عليه السلام أنه أساء الأدب بلا شك، أما كونه قادحاً أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب.

* * *

قال الله تعالى: {{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ *} } [المائدة: 27 ـ 31] .

قوله: {{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} } الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم وأمره سبحانه وتعالى أن يتلو عليهم هذا النبأ لأهميته، وإلا فمن المعلوم أن جميع القرآن قد أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يبلغه، ويبينه لهم لفظاً ومعنى، كما قال الله تعالى: {{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}} [النحل: 44] .

وقوله: {{نَبَأَ} } أي: خبر، وقيل: إن النبأ إنما يكون في الأمر الهام، والخبر: يكون في الهام وغيره.

وقوله: {{نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ} } هذان ابنان لصلبه، وإلا فجميع البشر بنو آدم، أحدهما اسمه: هابيل، والثاني اسمه: قابيل.

وقوله: {{بِالْحَقِّ} } أي: بالصدق الثابت، واعلم أن الحق يوصف به الخبر ويوصف به الحكم، فإن كان الخبر فهو: الصدق، وإن كان الحكم فهو: العدل، كما قال الله تعالى: {{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً}} [الأنعام: 115] فقوله: {{بِالْحَقِّ} } يعني: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه ولا اختلاف.

وقوله: {{إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً} } (إذ) متعلقة بـ(نبأ)، أي: نبأهما، حين قربا قرباناً، وهي في محل نصب حال من النبأ، يعني: هذه الحال: هما قرَّبا قرباناً، ولم يبينه الله عزّ وجل، هل هو ذهب أو فضة أو طعام أو بهائم، ولو كان في بيانه مصلحة لبينه الله عزّ وجل، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نتكلف ما هذا القربان؟ وهذه قاعدة ينبغي أن تبني عليها جميع ما تسير عليه كتب التفسير، أن ما أبهمه الله فهو مبهم، ولا حاجة إلى أن نتكلف ما هو هذا الشيء الذي أبهمه الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}} [النساء: 26] ويقول: {{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا}} [النساء: 176] . ولو كان في بيان هذا المبهم فائدة لبينه الله عزّ وجل.

وقوله: {{إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً} } المراد به: ما يتقرب به إلى الله عزّ وجل، قوله: {{فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} } والمتقبل هو الله، وأبهم للعلم به، كما في قوله تعالى: {{وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}} [النساء: 28] فإن الخالق هو الله بلا شك وأبهم للعلم به، والذي تقبل منه هابيل، تقبل الله منه، ولكن كيف علمنا أن الله تقبل منه، إما أن يكون كما ذكر عمن سبق، أنهم إذا غنموا الغنائم جمعوها فنزلت نار من السماء فأحرقتها، فإن كان فيها غلول فإن النار لا تنزل، وعلى هذا فيكون علامة القبول أن الله تعالى أنزل ناراً على هذا القربان فأحرقته، ويحتمل أنهما علما ذلك بأمارات أخرى، إما برؤيا أو بغير ذلك، المهم أنه لا بد أنهما قد علما أن هذا قُبِلَ وهذا لم يقبل.

قوله: {{وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} }، لماذا؟ لأن الآخر ليس عنده تقوى لله عزّ وجل، كما سيأتي في تعليل القبول، فهو ظالم لنفسه، إما بهذا القربان الذي قربه، يعني: أنه غصبه أو سرقه أو تملكه بغير طريق شرعي، وإما بمعاصٍ كثيرة تمنع من قبول العمل الصالح.

قوله: {{قَالَ لأََقْتُلَنَّكَ} } القائل: هو الذي لم يتقبل منه، قال ذلك حسداً لأخيه، {{لأََقْتُلَنَّكَ} }؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له: {{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} } يعني: أن الله لا يتقبل إلا من المتقين؛ ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني عملاً صالحاً واحداً لفخرت بذلك وفرحت به؛ لأن الله يقول: {{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} }. وجملة {{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} } جملة حصرية، طريق الحصر فيها «إنما» يعني: لا يتقبل الله إلا من المتقين، والمتقي: هو الذي قام بطاعة الله فاعلاً للمأمور تاركاً للمحظور.

قوله: {{قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} } وإنما قال ذلك لا افتخاراً بتقواه ولا إعجاباً بنفسه، ولكن حثاً لأخيه على أن يكون من المتقين، وبياناً بأن الله عزّ وجل إنما يتقبل لحكمة ويمنع لحكمة.

قوله: {{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} } «بسطتها» أي: مددتها مداً تصل به إليّ لتقتلني و«اللام»: للتعليل؛ أي: لأجل أن تقتلني، {{مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ} }، يعني: أن هذا رجل قال لأخيه: {{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} } فأنا لن أبسط إليك يدي لأقتلك، والمعنى: إنني لا أقتلك، وهو صريح في هذا، ولكن هل هذا يتضمن أنني لا أدافع عن نفسي؟ فيه احتمال أن المراد: ما أنا بمدافع عن نفسي بل سأستسلم، أو أن المعنى: ما أنا بقاصد قتلك، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة.

قوله: {{مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ} } قد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك، فبيَّن أنه ليس بعاجز، ولكنه يخاف الله، و«إنْي» فيها قراءتان «إنيَ» بفتح الياء وسكونها. و{ {رَبَّ الْعَالَمِينَ} } أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والعالمون: كل من سوى الله فهو عالم، وإنما سموا بذلك؛ لأنهم عَلَمٌ على خالقهم، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله عزّ وجل وتمام ملكه وسلطانه، وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية.

قوله: {{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} }، «إني» فيها قراءتان «إني» بفتح الياء وسكونها، والإرادة: هي ميل النفس إلى ما يجلب منفعة أو يدفع مضرة.

وقوله: {{أَنْ تَبُوءَ} } أي: أن ترجع بإثمي وإثمك، أما كونه يرجع بإثمه فواضح، لكن كيف يرجع بإثم أخيه، نقول: إن عدم قتال أخيه له سلامة من الإثم، فكأن أخاه الذي لم يقاتل وسلم من الإثم كأنه حمل القاتل إثمه، وليس المعنى: أن القاتل يكون عليه إثمان: إثم للمقتول لو قتله وإثم لقتله إياه، بل الظاهر أن المعنى: {{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} } أي: أن سلامته من الإثم كأن الآخر تحمله عنه وباء به.

قوله: {{فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} } {{فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} }: معطوفة على {{أَنْ تَبُوءَ} } {{فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} } لأنك قتلت نفساً بغير حق، {{النَّارِ} } أي: كونك من أصحاب النار، {{جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} } فكل ظالم فإنه يعذب؛ لأن الحق حق لآدمي، ثم إن كان ظلمه عظيماً فإنه يكون من أصحاب النار ويخلد فيها، وإلا فلا.

قوله: {{فَطَوَّعَتْ لَهُ} }: أي: سهلت له، أن يقتل أخاه، مع أن أخاه وعظه هذه الموعظة، لكن ـ والعياذ بالله ـ لم تنفعه، {{فَطَوَّعَتْ لَهُ} } أي: للقاتل {{نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} }؛ لأن نفسه سهلت عليه القتل، {{فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} } أي: فصار من الخاسرين، وإنما قلنا: أصبح، أي: صار؛ لأن الأصل في معنى الإصباح أن يكون في أول النهار، لكن قد يعبر بالإصباح على مجرد الصيرورة، مثلما تقول: فلان أصبح حزيناً على هذه المصيبة، وربما تكون قد أصابته في وسط النهار.

قوله: {{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا} } أي: أرسله، والغراب: هو الطائر المعروف، ولا يقال: لماذا اختاره الله عزّ وجل من بين سائر الطيور؛ لأن مثل هذه المسائل لا يمكن تعليلها ولا يمكن الإحاطة بها.

قوله: {{يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} } ذكر المفسرون أن غرابين اقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فبحث القاتل في الأرض ثم دفن الغراب، ولكن ظاهر الآية خلاف ذلك؛ لأن الله يقول: بعث الله غراباً، ولم يقل: غرابين، والظاهر أن هذا القاتل لقوة ما وقع في نفسه، كأنه ذهل عن هذا الأمر، فبعث الله هذا الغراب يبحث في الأرض، أي: يحرثها حتى يري هذا القاتل ماذا يصنع بأخيه؟

قوله: {{لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} } {يُرِيَهُ} أي: ليجعله يرى بعينه {{كَيْفَ يُوَارِي} } كيف يغطي، {{سَوْأَةَ أَخِيهِ} } أي: عورته؛ لأن الميت كله عورة، ولهذا أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يكفن الميت كله لا يخرج منه شيء، إلا من كان محرماً من الرجال فإنه يجب أن يكشف رأسه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ولا تخمروا رأسه» [(148)]، قال الرجل: {{يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ} } «الويل»: هو الثبور والتعب والإعياء، ويقال في كل حال يقع فيها الندم، وأصل {{يَاوَيْلَتَى} } يا ويلتي، لكن قلبت الياء ألفاً من أجل المد {{يَاوَيْلَتَى} } تمد عند الصياح، وهنا نادى الويل؛ كأنه يقول: يا ويلتا احضري فإني نادم.

وقوله: {{أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} } الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: كيف أعجز أن أكون مثل هذا الغراب؛ لأن بني آدم أكرم من الحيوانات، فصرَّح بأنه عجز أن يساوي أو يماثل الغراب، {{فَأُوَارِي سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} }.

وقوله: {{فَأُوَارِي} } منصوبة هنا لأنها جواب الاستفهام، في قوله: {{أَعَجَزْتُ} }.

فوائد الآيات الكريمات [27 ـ 31]:

الفائدة الأولى: أهمية هذه القصة، وجه ذلك أن الله أمر نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يتلوها على الأمة أمراً خاصاً، لقوله: {{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ} }.

الفائدة الثانية: أنه ينبغي لنا أن نعرف أخبار من سبق، لا سيما فيما فيه مصلحة؛ لأن الله إنما أمر بأن يتلوها علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أجل أن نعلم بها ونأخذ منها العبر، وكلما كان الشيء أشد، كان الاهتمام به أقوى، فمثلاً ينبغي لنا بل يتأكد أو يجب علينا أن نعرف سيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم منذ ولد إلى أن توفي، ولا سيما سيرته بعد أن أكرمه الله تعالى بالرسالة، حتى نعرف أحواله وأخلاقه وعباداته ودعوته وأعماله حتى يتم لنا التأسي به، ولا شك أن معرفة سيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم مما تزيد الإنسان إيماناً ومحبة له، وتقوي التأسي به عليه الصلاة والسلام.

الفائدة الثالثة: أن كل ما أخبر الله به فهو حق، لقوله: { {بِالْحَقِّ} } ولا يقال إن هذا قيد، وإنه قد يكون ما يتلوه النبي عليه الصلاة والسلام غير حق، بل هذا بيان للواقع، فإن جميع ما أخبر الله به فهو حق.

الفائدة الرابعة: أنه قد يشترك الرجلان في عمل، ويكون بينهما من الفرق كما بين السماء والأرض. إما في رد عمل الثاني، وإما في زيادة ثواب الأول، وإن لم يحرم الثاني من الثواب، وفي هذه القصة أن الثاني حرم من الثواب، فقد يعمل الرجلان عملاً واحداً فيما يظهر، ولكن يكون بينهما في الثواب والقبول والرد كما بين السماء والأرض.

الفائدة الخامسة: أن الله سبحانه وتعالى ـ له الحكم في القبول والرد، يتقبل أو لا يتقبل، ولكن من المعلوم أن الله جعل للقبول ميزاناً وجعل للرد ميزاناً، فمتى كانت العبادة خالصة لله موافقة لشريعته فهي مقبولة، متى عَمِلْتَ على الوجه الشرعي فإن عبادتك مقبولة، كما قال الله عزّ وجل: {{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}} [غافر: 60] ، فمن وفق للدعاء فليبشر بالإجابة، ومن وفق للعمل فليبشر بالثواب، ولولا هذا الرجاء من الإنسان لله عزّ وجل ما نشط على العمل ولا قام به.

الفائدة السادسة: أن التقوى هي سبب قبول الأعمال، لقوله تعالى: {{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} } وهل المراد هو تقبل الأعمال فقط أو تقبل الأعمال والدعاء؟ الظاهر العموم، ولهذا من كان أتقى لله كان أقرب لإجابة دعائه وقبول عمله.

الفائدة السابعة: أن غير المتقي لا يقبل منه، فهل المراد أنه لا يقبل منه في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة أو العموم؟ نقول: أما في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة فلا شك أنه لا يقبل، فإن الله لا يقبل عملاً مبنياً على معصية؛ لأن الله لا يرضى ذلك، فلا يقبله، فلو تصدق الإنسان بمغصوب، أي: غصب شيئاً وتصدق به، فإنه لا يقبل منه؛ لأن المعصية وقعت في نفس العمل الذي عمله الإنسان لربه عزّ وجل، ولو صلى الإنسان صلاة لا تجوز في وقت النهي، فصلاها في وقت النهي، فإنها لا تقبل؛ لأن صلاته إياها في هذا الوقت معصية، فكيف يتقرب إلى الله بمعصيته؟ أما إذا كانت التقوى مختلة في غير هذا العمل، فقد يحرم الإنسان الإجابة بسبب عمله السيئ وقد يجاب ويتقبل منه العمل الصالح، ثم تكون الموازنة في الآخرة، أيهما يرجح الحسنات أم السيئات.

الفائدة الثامنة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الأفعال، لقوله: {{فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا} } ولقوله: {{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} } وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، أن الله تعالى موصوف بصفات الأفعال، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة، والكلام، وغير ذلك.

لكن اعلم أن أصل صفة الفعل صفة أزلية، والذي يحدث هو المفعولات والفعل المقارن للمفعول، وأما أصل الفعل فهو صفة أزلية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالاً لكن مفعولاته غير معلومة لنا، يعني هناك أشياء قبل السموات والأرض نعلم أن الله تعالى خلقها، لكن لا ندري ما هي، ولا نعلم إلا ما علمنا الله سبحانه وتعالى.

الفائدة التاسعة: الترغيب في التقوى، لقوله: {{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} }.

الفائدة العاشرة: أنه لا حرج على الإنسان أن يخبر بوصف محمود إذا لم يقصد الفخر وإنما قصد مصلحة الغير، لقول هذا الذي تقبل منه: {{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} }؛ لأن هذه الجملة تصلح لأن يكون القائل مفتخراً بنفسه، وتصلح أن يكون القائل يريد أن يحث هذا على التقوى، وأيهما أقرب احتمالاً بالنسبة لهذا؟ الثاني أقرب؛ لأن الرجل من المتقين.

الفائدة الحادية عشرة: أن هذا الرجل الذي هدد بالقتل امتنع عن قتل صاحبه، فهل يؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد إنسان أن يقتله أن يستسلم؟ يحتمل هذا وهذا، فيحتمل أنه قال: {{مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ} } وأما المدافعة فسأدافع، ولكن مدافعة لا تصل إلى القتل، وعلى كل حال سواء كان هذا الاحتمال هو المراد أو الأول، فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر من أراده أحد على نفسه أن يقاتله، ومن أراده على ماله أن يقاتله، ومن أراده على أهله أن يقاتله[(149)]، وبيَّن أن المدافع إذا قتل فهو شهيد، وأن الآخر الصائل إذا قتل فهو في النار؛ لأنه أراد قتل صاحبه[(150)].

ولكن العلماء رحمهم الله قالوا: إن هذا بالنسبة للشريعة الإسلامية يختلف باختلاف المصلحة، ففي حال الفتنة ينبغي الاستسلام، وفي حال الأمن تجب المدافعة، وهذا هو الصحيح؛ لأنه في حال الفتنة ربما يترتب على القتل بالمدافعة، إراقة دماء كثيرة، ولهذا استسلم عثمان رضي الله عنه للقتلة، وطلب منه الصحابة أن يدافعوا عنه فأبى؛ لأنهم لو دافعوا لاشتبكوا بهؤلاء الخوارج ثم حصل إراقة دماء كثيرة، وهذا هو الأصح، أن يقال: إن الإنسان يجب عليه أن يدافع بقدر ما يستطيع، ولو أدى إلى قتل صاحبه، إذا لم يندفع إلا بقتله، إلا في حال الفتنة التي يترتب عليها المدافعة بالقتل ما هو أكثر ضرراً، فهنا يجب الاستسلام درءاً للمفسدة.

الفائدة الثانية عشرة: أن الإنسان ينبغي له إذا امتنع من شيء محرم، أن يبين لصاحبه أنه إنما امتنع لا عجزاً ولا خوفاً، ولكن للمعنى الذي من أجله امتنع، وذلك لقوله: {{مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} } ونظير هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الصائم: «وإن امرئ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم» [(151)]، ليبين أنه لم يقاتله عجزاً ولا ضعفاً ولكن لأجل الصيام الذي ينهى فيه الإنسان عن المقاتلة والمسابة.

الفائدة الثالثة عشرة: أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن معصيته، لقوله: {{مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} } ولا شك في هذا أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن المخالفة، كما أن الرجاء هو أقوى الأسباب الموجبة للطاعة والرغبة فيما عند الله.

الفائدة الرابعة عشرة: إثبات عموم ربوبية الله عزّ وجل، لقوله: {{رَبَّ الْعَالَمِينَ} }.

الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الإرادة للعبد، وأن هذا معلوم منذ خلق البشر أن للعبد إرادة، فيكون في ذلك رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يفعل الشيء قهراً وجبراً، لقوله: {{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} }.

الفائدة السادسة عشرة: أن من أريد قتله ولم يدافع خوفاً من الإثم، فإنه لا حرج عليه، ولكن كيف يكون خوفاً من الإثم؛ لأنه ربما يقتل الصائل فيتعجل؛ لأن الواجب في دفع الصائل أن يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن رجع عن صوله بالتهديد لم يضرب، وإن رجع بالضرب اليسير لم يضرب كثيراً، وإن رجع بالضرب الكثير لم يقتل، وإن لم يندفع إلا بالقتل فالحكم أنه يقتل، إلا أن العلماء رحمهم الله استثنوا من ذلك مسألة وقالوا: ما لم يخف أن يبادره بالقتل، فإن خاف أن يبادره بالقتل فلا بأس أن يقتله لأول وهلة، كما لو كان هذا الصائل معه سلاح أشهره على صاحبه، وصاحبه يخاف أن يطلقه عليه فيقتله، فحينئذٍ لا حرج أن تبادره بالقتل؛ لأن هذا الصائل ربما لا يعطيك فرصة أن تدفعه بيدك مثلاً، أو تصيح به أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ لا بأس أن تبدره بالقتل.

الفائدة السابعة عشرة: أن القتل سبب لدخول النار، لقوله: {{فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} } وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز: {{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *}} [النساء: 93] . وهل هو مخلد فيها أبداً؟ نقول: اختلفت الأمة في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه مخلدٌ فيها أبداً وهم الخوارج والمعتزلة، لكن الفرق بينهم أن الخوارج كفروه، وأما المعتزلة فلم يكفروه، بل قالوا: في منزلة بين منزلتين، والذي عليه أهل السنة والجماعة أنه يدخل النار ولكن لا يخلد فيها، ولكن هل يدخل النار قطعاً أو هو داخل في قوله تعالى: {{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}} [النساء: 116] المشهور في مذهب أهل السنة: أنه داخل تحت المشيئة، ولكن يبقى حق المقتول، هل يدخل تحت المشيئة؟

الجواب: إن تاب القاتل توبة نصوحاً، فإنه يدخل في ذلك، بمعنى: أن الله لا يعاقبه على حق المقتول لعموم قول الله تعالى: {{وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً *إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *}} [الفرقان: 68 ـ 70] .

فظاهر الآية أنه إذا تاب توبة نصوحاً فإن الله سبحانه وتعالى يتحمل عنه ولا يعذبه، وهذا في غير الحق المالي، يعني: نقول: لو تاب هذا القاتل، هل تسقط الدية عنه؟

الجواب: لا؛ لأنه حق للآدمي، ولهذا صرح الفقهاء رحمهم الله: بأن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه قبلت توبته ورفع عنه الحد، لكن لا يسقط عنه ما كان حقاً للآدمي في أمور الدنيا.

وأما إذا مات غير تائب فحق المقتول لا بد أن يؤخذ منه، وحق الله داخل تحت المشيئة، فالقاتل غير مضمون له أن ينجو من النار بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له، وهذا في الجزاء الأخروي. أما الدنيوي وهو الدية فلا بد من استيفائها لورثة المقتول سواء تاب أم لم يتب.

الفائدة الثامنة عشرة: أن الظلم من أسباب دخول النار، سواء كان الظلم في حق الله أو في حق المخلوق، لقوله: {{فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} } ويحتمل أن يقال: {{الظَّالِمِينَ} } هنا عام أريد به الخاص، وهو من ظلم مثل هذا الظلم إلا أن يعفو الله عنه كما في غير الشرك.

الفائدة التاسعة عشرة: الحذر من النفس الأمارة بالسوء؛ لأنها قد تطوع للإنسان أكبر المعاصي، فيجب على الإنسان أن يكون حازماً بالنسبة لنفسه، ويقظاً فلا يتبعها فيما تطوعه له من معاصي الله.

الفائدة العشرون: أن قتل النفس لا يخرج من الإيمان، لقوله: {{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} } والله تعالى وصفه بالأخوة بعد أن بيَّن أنه قتله، وإلا فقد يقول قائل: إنه قبل أن يقتله لا يترتب عليه إثم القاتل، وإن سهلته نفسه له، فتبقى الأخوة ولكن الله تعالى ذكر الأخوة بعدما تم القتل، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى قولاً صريحاً: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ}} [البقرة: 178] .

وقتال المؤمن لا يوجب الكفر ولا يخرج من الإيمان وتبقى الأخوة لقوله تعالى: {{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}} [الحجرات: 9 ـ 10] ، وبهذا التقرير نعرف أن الكفر في الكتاب والسنة قد يراد به الكفر الأصغر، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»[(152)].

الفائدة الحادية والعشرون: أن القتال لم يخرج الطائفتين المقتتلتين من أخوة الإيمان، وهذا دليل على أن القاتل لا يكفر، وبه يعرف الرد على قول بعض الناس: إن كل كفر أطلقه الله فالأصل فيه الكفر المخرج عن الملة إلا بدليل، والحقيقة أن الأمر بالعكس، أن كل كفر أطلقه الله فهو كفر دون كفر إلا بدليل يدل على أنه كفر أكبر.

الفائدة الثانية والعشرون: أن هذا الرجل الذي قتل أخاه وظن أنه ربح الميدان، بحيث لم يكن له منافس، صار من الخاسرين، فيستفاد منه: أن كل إنسان حسد أخاه وحاول أن يحول بينه وبين التوفيق، فإن الخسارة ستعود على هذا الحاسد.

الفائدة الثالثة والعشرون: أن أفعال الحيوان غير الإنسان مخلوقة لله وبإرادته، لقوله تعالى: {{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا} } فهل أفعال البشر مخلوقة لله وبإرادته؟

الجواب: نعم، أفعالنا مخلوقه لله وبإرادة الله عزّ وجل. هذا ما عليه أهل السنة والجماعة خلافاً للقدرية المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ولكن مع ذلك نقول: إن فعل الإنسان يقع باختياره وإرادته، فللإنسان اختيار وإرادة خلافاً للجبرية الذين قالوا: إن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار، فأهل السنة والجماعة وفقهم الله عزّ وجل للأخذ بالنصوص من جميع الجوانب، والمعتزلة أخذوا بنصوص، والجبرية الجهمية أخذوا بنصوص، فصاروا ينظرون إلى النصوص نظر الأعور الذي ينظر بعين واحدة.

أما أهل السنة ـ والحمد لله جعلنا الله منهم ـ فإنهم ينظرون إلى النصوص بالعينين جميعاً.

الفائدة الرابعة والعشرون: أن الحيوانات قد تكون مرشدة للبشر كما في هذه القصة، الغراب أرشد ابن آدم إلى أن يحفر لأخيه ويدفنه، وصارت سنة البشر إلى يومنا هذا، إلا من ضل عن الصراط المستقيم كالذين يحرقون موتاهم ويضعونهم في اليم وما أشبه ذلك، وهل الميزة في شيء معين يقتضي التفضيل المطلق؟

الجواب: لا، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها، أنه إذا امتاز أحد بشيء فإن هذا لا يقتضي التمييز المطلق، ومن ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه يكون في آخر الزمان أيام الصبر، للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة» [(153)] فهل يقال: إن هؤلاء الذين يكونون في تلك الأيام أفضل من الصحابة على سبيل الإطلاق؟

الجواب: لا، لكن يتميزون بميزة، كذلك نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام، أحياناً يفضل بعض الصحابة على بعض في قضية معينة، فلا يلزم من ذلك التفضيل المطلق، كما في قوله: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» [(154)] فأعطاها عليَّ بن أبي طالب، وهذا لا يقتضي أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر، وأمثال هذا كثير، فيجب أن نعرف الفرق بين الفضل المطلق والفضل المعين، فهل نقول: إن الغربان أفضل من بني آدم؟ الجواب لا وإن كان للغربان فضل في كيفية مواراة الأموات؟ لكن هذا لا يقتضي التفضيل.

لو قال قائل: ما الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق؟

الجواب: الفرق بينهما أن مطلق الشيء الجزء منه والشيء منه، فمطلق الشيء هو الذي يسمى شيئاً، والشيء المطلق: يعني الشيء الكامل، المطلق من غير قيد، فلا يقال: إنه قليل، ولا يقال: إنه ضعيف، فالشيء المطلق الكامل من الشيء، ومطلق الشيء هو الذي يصدق عليه أنه شيء وإن لم يكن كاملاً، لكن فرق بين أن تضيف الإطلاق إلى النوع أو إلى الجنس وأن تصف النوع بالإطلاق.

الفائدة الخامسة والعشرون: أن الله سبحانه تعالى ييسر للإنسان إذا ضاقت به الأرض ما لم يطرأ له على بال، فإن هذا الرجل ضاقت عليه الأرض ماذا يصنع بأخيه الذي قتله؟ ففرج الله عنه ببعث هذا الغراب.

الفائدة السادسة والعشرون: أن الواجب في الدفن ما توارى به السوأة، أي: ما يغطى به الجسم، لكن العلماء رحمهم الله زادوا على ذلك شرطاً لا بد منه وهو أن يكون الدفن موارياً للسوأة، ومانعاً للسباع وللرائحة، يعني: لا بد أن يمنع السباع أن لا تحفر القبر، وأن يمنع الرائحة أن لا تخرج من القبر، فلو أن إنساناً حفر حفرة يسيرة ثم وارى عليها التراب، لكن يسهل على السباع أن تحفره وتخرج رائحته، فإن هذا لا يجزئ، ولا بد من تعميق القبر على وجه يمنع السباع والرائحة، وكلما كان أعمق في الأرض فهو أحسن.

الفائدة السابعة والعشرون: أن بدن الميت كله عورة؛ لأن القبر يواري البدن كله، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن بدن الميت كله عورة، لكن هذا بالنسبة إلى وجوب تعميم الكفن لا بالنسبة للنظر، ولهذا قَبَّل أبو بكر رضي الله عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد موته، مع أنه لا حاجة لذلك، إنما هو شوق إليه، وأما المغسل فجاز له النظر إلى الميت للحاجة، ولذلك نقول: إن الأفضل ألا يمس سائره إلا بخرقة، لكن في العورة المغلظة لا بد أن تكون مستورة.

الفائدة الثامنة والعشرون: أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان، لقوله: {{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} } ولقوله في هذه الآية: {{كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} }، وهذا هو الحق أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان خلافاً لطائفتين مبتدعتين زائغتين، وهما: الخوارج والمعتزلة، فالمعتزلة قالوا: إن قاتل النفس عمداً يخرج من الإيمان، لكن لا يدخل في الكفر، بل هو في منزلة بين منزلتين هذا حكمه في الدنيا، أما في الآخرة فإنه مخلد في النار.

أما الخوارج فقالوا: إنه يكفر؛ لأنه ليس هناك إلا كافر ومؤمن، قال تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}} [التغابن: 2] ، وإحداث منزلة بين المنزلتين هذه بدعة، والخوارج أشجع من المعتزلة؛ لأنهم صرحوا بما يقتضيه الدليل على زعمهم، فصرحوا بأنه كافر، وأما المعتزلة فلاذوا بهذه الحيلة وهي قولهم إنه لا يكفر ولكنه في منزلة بين المنزلتين، وكلا القولين خطأ.

لكن لو قال قائل: الخوارج يكفرون من ارتكب كبيرة، فماذا يقولون في الحدود الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة، كقطع اليد والجَلْدِ؟

الجواب: مقتضى قاعدتهم أنهم كفار سواء جلدوا أم لا، حتى لو أقيم عليه الحد، لكن على كل حال: مذهبهم في هذا لا نستطيع معرفته إلا إذا قرأنا كتبهم، لكن على العموم كل كبيرة عندهم تخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر.

الفائدة التاسعة والعشرون والثلاثون : إظهار الندم الشديد من هذا الذي قتل أخاه، لقوله: {{يَاوَيْلَتَى} } وأصلها يا ويلي، ويا ويلتي، وهي كلمة تحسر وتحزن، وينبني على هذه الفائدة: أن فاعل المعصية إذا لم يتب فإنه يجازى بالخسران والندم وضيق النفس.

الفائدة الحادية والثلاثون: إقرار هذا الإنسان القاتل بما اقتضته الحال، مع ما في ذلك من لومه والقدح فيه، لقوله: {{أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِي سَوْأَةَ أَخِي} }.

الفائدة الثانية والثلاثون: أن هذا القاتل أصبح من النادمين على قتل أخيه، وعلى عجزه عن مواراة سوأة أخيه، فجمع الندم للأمرين جميعاً.

* * *

قال الله تعالى: {{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ *}} [المائدة: 32] .

قوله: {{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} } {{مِنْ}} هنا: للتعليل، {{أَجْلِ} }: بمعنى: سبب، أي: من سبب ذلك، والمشار إليه في قوله {{ذَلِكَ}} أي: ما جرى من قصة ابني آدم، وذلك أن ابن آدم الذي قتل كان هو أول من سن القتل في البشرية، وكان عليه في كل نفس تقتل بغير حق كفل من الوزر، فيكون قتله لهذه النفس كأنما قتل الناس جميعاً؛ لأن وزر كل نفس مقتولة بغير حق يكون عليه مثلها.

قوله: {{كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} } أي: كتابة شرعية على بني إسرائيل، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق.

وقوله: {{أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} } هذا القيد قيد لا بد منه؛ لأن القتل قد يكون بحق وقد يكون بغير حق. فالقتل قد يكون قتل نفس بنفس، وذلك في القصاص، فإن القصاص قتل بحق، والقصاص ليس على إطلاقه بمعنى: أننا نقتل نفساً بنفس، بل لا بد من شروط، لثبوت القصاص منها: أن لا يكون القاتل أعلى من المقتول في هذه الأمور الثلاثة: الدين والحرية وإن شئت قل الرق والملك، فإن كان أعلى منه فإنه لا يقتص منه، مثاله: كافر قتله مسلم، هذا لا يمكن أن يقتل؛ لأن القاتل أعلى من المقتول، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه: «لا يقتل مسلم بكافر»[(155)].

مثال الحرية والرق: أن يقتل شخص حُرٌّ رقيقَ رجل آخر، هذا أيضاً لا يقتل؛ لأن هذا حر وهذا عبد، فالقاتل أعلى فلا يقتل به.

مثال المُلْك: أن يكون للمكاتب عبد مملوك، كما لو اشترى عبداً مملوكاً يتجر به، ثم قتله، فهنا كلاهما عبد؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فهل يقتل هذا المكاتب بهذا الرقيق؟

الجواب: لا؛ لأنه مالكه، كلاهما عبد ولكن المكاتب مالكه، وبقية الشروط نذكرها في الفوائد.

قوله: {{بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ} } أطلق الله تبارك وتعالى الفساد، والمراد بالفساد: الفساد الذي تعم مفسدته لا الفساد الخاص، فلو أن شخصاً أحرق دكان آخر، فهذا فساد لكنه لا يقتل بذلك، بل لا بد أن يكون مراده الفساد العام، مثاله: قطاع الطريق الذين يعرضون للناس على الطرق، فيغصبونهم المال مجاهرة بقوة السلاح، هؤلاء لا شك أنهم مفسدون في الأرض، ومن ذلك عند كثير من العلماء: شارب الخمر إذا جُلِدَ ثم جلد ثم جلد ولم ينته فإنه يقتل[(156)]، ومن ذلك اللصوص الصائلون، المهم أن الفساد العام هذا يقتل صاحبه لأنه أفسد في الأرض.

قوله: {{فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} } كأنما قتل الناس جميعاً وهو لم يقتل إلا واحداً، و«كأن» هنا للتشبيه، فما وجه الشبه؟

قيل: إن هذا في المستحل لقتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض، والمستحل لقتل نفس محرمة كأنما قتل جميع الناس؛ لأن المراد: الجنس، كما قلنا في الذي يكذب رسولاً هو مكذب لجميع الرسل، فهذا الذي قتل فلاناً لاستحلاله قتله وهو معصوم يكون كالذي قتل الناس جميعاً؛ إذ إنه استحل قتل جنس النفس المعصومة، فيكون كقاتل الناس جميعاً.

وقيل إن المعنى: من قتل نفساً ممن يكون في قتله فتنة، كقتل السلطان وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا قتل السلطان صارت الفتنة، وصار الناس يقتل بعضهم بعضاً، فيكون بقتله هذه النفس كأنما قتل الناس جميعاً.

وقيل المعنى: كأنما قتل الناس جميعاً؛ لأنه إذا قتل نفساً قتل بها، ولو قتل عشرة قتل بهم، ولو قتل الناس جميعاً قتل بهم، بمعنى: أنه لن يخرج عن القتل ولو قتل الناس جميعاً أو قتل بعضهم.

فيكون المعنى: أن عقوبة القاتل بالقصاص لا فرق فيها، بين أن يقتل واحداً أو يقتل جميع الناس.

وقيل: إن معنى قوله: {{أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} } هذا في عقوبة الآخرة؛ لأن من يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، ولا أعظم من هذا الجزاء لو قتل نفسين، فكذلك لو قتل الناس جميعاً، فكذلك هذا أعظم جزاء، أنه في جهنم خالداً فيها {{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} } [النساء: 93] ، لكن المعنى الأول أظهر المعاني، أن من قتل نفساً عمداً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فإنما يقتلها مستحلاً للقتل، ثم إذا استحل القتل بنفس واحدة محترمة فكأنما استحله في جميع الناس.

قوله: {{وَمَنْ أَحْيَاهَا} } أي: أنقذها من الموت أو القتل، وليس المعنى: أنه نفخ فيها الروح؛ لأن ذلك لا يكون إلا لله عزّ وجل، وهذا يشمل أشياء:

أولاً : لو هم الإنسان بقتل شخص فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ، ثم استيقظ ورأى أن ذلك حرام، ثم كف عن هذا القتل، يكون قد أحيا هذه النفس، فبعد أن طوعت له نفسه قتله تراجع.

ثانياً : الدفع: دفع الصائل الذي يريد أن يقتل شخصاً، فيدفعه، ويكون بهذا أحيا نفساً، أي: أنقذها من القتل.

ثالثاً : ـ يعني من المعاني ـ أن يقع شخص في هلكة كحريق أو غرق أو هدم، فيأتي شخص آخر فينقذه، فهذا أحيا نفساً، فيكون كالذي أحيا الناس جميعاً في الثواب الذي يثاب عليه أو في حسن نيته بإنقاذ هذه النفس المعصومة، فيكون كأنه أنقذ الناس جميعاً؛ لأن طويته حسنة ونيته نية الرحمة، فإذا رحم واحداً من الخلق فكأنما رحم الناس جميعاً.

وقوله: {{عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} } لماذا خص بني إسرائيل؟ خص بني إسرائيل لأنهم أكثر الناس قتلاً للأنبياء، وللذين يأمرون بالقسط من الناس، فخصهم بذلك، لكثرة العدوان فيهم.

فإذا قال قائل: وهل أيضاً كثرة الإحياء موجودة فيهم؟

قلنا: لا، لكن قد يذكر الشيء مع مقابله لتمام التقسيم.

قوله: {{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ} } الجملة في مثل هذا التركيب مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المدلول عليه باللام، و«اللام»، و«قد»، وهذه الصيغة لها أمثلة كثيرة في القرآن.

قوله: {{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ} } {{رُسُلُنَا} }: الذين أرسلهم الله عزّ وجل، فأضاف الرسل إليه؛ لأنه هو الذي أرسلهم، وربما نقول: وتشريفاً لهم؛ لأن الرسول يَشْرُفُ بشرف مرسله، فالله عزّ وجل شرفهم بإضافة رسالتهم إليه جلَّ وعلا، وقد تأتي الرسالة مضافة إلى المرسل إليهم، مثل قوله تعالى: {{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}} [الأعراف: 101] ، ولا تناقض بينهما، فهم رسل الله لأنه هو الذي أرسلهم، ورسل إلى الخلق لأنهم بلغوهم رسالات الله عزّ وجل.

وقوله: {{بِالْبَيِّنَاتِ} } هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير: بالآيات البينات، أي: الواضحات الظاهرات التي لا يأتي بها إلا رسول من عند الله، وقد جعل الله عزّ وجل آيات الرسل مناسبة لعصرهم، كما ذكر أهل العلم، أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالعصا وباليد؛ لأن السحر انتشر في عهده، فأتى بآيات لا يمكن للسحرة أن يعارضوها، وعيسى عليه الصلاة والسلام أتى في زمن ترقى فيه الطب، فأتى بآيات لا يمكن للطب أن يعارضها، وهي: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه والأبرص، ومحمد صلّى الله عليه وسلّم بعث في قوم قويت فيهم البلاغة وانتشرت، وصاروا يتفاخرون، فجعل الله أعظم آياته عليه الصلاة والسلام القرآن الكريم الذي لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله بل ولا الجن قال تعالى: {{قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا *}} [الإسراء: 88] .

ثم بعد هذه البينات الواضحات التي أتت على مهل {{إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} } أي: بعد إتيان الرسل بالآيات البينات الواضحات، يكون كثير منهم مسرفين في الأرض.

وإعراب {{لَمُسْرِفُونَ} }: خبر «إن» و«اللام» لم تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأن {{فِي الأَرْضِ} } متعلق بـ{مسرفون}، والمعروف أن لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، لكن قالوا: إن «اللام» هنا مزحلقة، والأصل أن تقع قبل «إنَّ»، لكن كره العرب أن يجتمع مؤكدان في محل واحد ـ كما يقول النحويون ـ فزحلقوا اللام حتى وضعوها في الخبر، ولذلك صح أن نقول: إن قوله: {{فِي الأَرْضِ} } متعلق بـ«مسرفون»، والإسراف: هو تجاوز الحد بتعدي حدود الله عزّ وجل وانتهاك حرماته وعدم المبالاة بتكذيب الرسل وقتلهم.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: إثبات العلة للأحكام الشرعية، لقوله: {{مِنْ أَجْلِ} } وهذه من أقوى صيغ التعليل، وإثبات العلة والحكمة لا شك أنها من كمال الله عزّ وجل، فالله تعالى لا يشرع شيئاً إلا لحكمة، ولا يقدر شيئاً إلا لحكمة، وأما من قال: إنه لا يجوز إثبات الحكمة لله عزّ وجل وأن الله يفعل لمجرد المشيئة، ويشرع لمجرد المشيئة، فإن هذا قول باطل من نحو ألف وجه كما ذكره بعض العلماء، ثم إنه تنقصٌ لله عزّ وجل أن تكون أفعاله وأحكامه الشرعية مبنية على غير حكمة.

وقد أبطل الله تعالى ذلك في آيات متعددة: قال تعالى: {{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ *}} [الدخان: 38] {{مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ}} [الدخان: 39] ، وقال تعالى: {{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ *}} [المؤمنون: 115] . وذكر الله تعالى أنه ينزل من السماء ماءً ليحيي به الأرض بعد موتها، والآيات في هذا كثيرة، والنصوص كثيرة، وإثبات الحكمة لله هو غاية التنزيه عن النقص والعيب، خلافاً لمن قال: إنه لا يجوز إثبات الحكمة والعلة في أفعال الله تعالى وشرعه، قالوا: لأنك لو أثبت العلة لله لجعلت الله تعالى يفعل لغرض، والغرض ممنوع، ولهذا من عباراتهم السائرة الباطلة: سبحان من تنزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض، هذه العبارة لو سمعها العامي لبكى؛ لأنها مزوقة ومزخرفة ويعنون بالأبعاض: الوجه واليد والعين والقدم والساق، قالوا: لا يمكن أن يكون لله هذه الصفات؛ لأن هذه أبعاض.

والأعراض: الأفعال؛ لأن الفعل عرض كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا وما أشبه ذلك.

والأغراض: الحِكم، نحن نقول: سبحان من اتصف بما يليق به، ومن أعظم ما يليق به: الحكمة، أن تكون أفعاله وأحكامه الشرعية مبنية على الحكمة. إذاً نقول: الحكمة ليس فيها نقص.

فإذا قال قائل: إذا جعلتم الحكمة من صفات الكمال، فأوجبوا على الله ما تقتضيه الحكمة، واجعلوا الله تعالى يجب عليه أن يشرع هذا الشيء، وأن يوجب هذا الشيء، وأن يحرم هذا الشيء؛ لأن الحكمة تقتضيه، وحينئذٍ تكونون قد أوجبتم على الله تعالى أنتم بعقولكم؟

فنقول: هذا خطأ؛ لأننا نعلم أن ما شرعه الله فهو لحكمة، ولسنا نحن الذين نوجب على الله أن يفعل، ولسنا نحن الذين نجعل هذا الشيء لهذه الحكمة المعينة، وإذا كان الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الرحمة، أفلا يوجب على نفسه أن يفعل الشيء إذا اقتضته الحكمة؛ لأنه مقتضى هذا الوصف، فنحن نقول: لا نوجب على الله بعقولنا شيئاً؛ لأن عقولنا أقصر وأنقص من أن تدرك أن هذه هي الحكمة وأنه يجب الحكم لهذه الحكمة، لكن إذا علمنا أن الله أوجبها أو حرمها علمنا أن ذلك لحكمة.

فإذا قال قائل: هل توجبون على الله أن يوجب إذا اقتضته الحكمة؟

الجواب: نعم، لكن بإيجابه على نفسه، والله جلَّ وعلا وصف نفسه بأنه الحكيم وأنه أحكم الحاكمين، أما نحن فلا نوجب ذلك بعقولنا.

الفائدة الثانية: تعظيم الله نفسه جلَّ وعلا، في قوله: {{كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} } وأمثلة هذا كثيرة في القرآن، وقد استدل النصارى بهذا أي: إضافة الشيء إلى الله تعالى بنون التعظيم، أو بضمير الجمع استدلوا على باطلهم بأن الله ثالث ثلاثة، ولا غرابة في ذلك؛ لأن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه، أما نحن فنقول: إن الله تعالى قال: {{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *}} [البقرة: 163] ويقول الله تبارك وتعالى لعيسى ابن مريم: {{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}} [المائدة: 116 ـ 117] .

الفائدة الثالثة: أن الله عزّ وجل ضاعف العقوبة على كل من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، حيث جعله كالذي قتل الناس جميعاً.

الفائدة الرابعة: جواز تخصيص معين في الحكم وإن كان عاماً لكونه أكثر الناس عملاً به، وجهه أن الله خص هذه الكتابة على بني إسرائيل مع أنها عامة؛ لأنهم هم أكثر من انتهكوا حرمات الله عزّ وجل بقتل النفوس.

الفائدة الخامسة: قتل النفس بالنفس. لقوله: {{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}} [المائدة: 45] وكذلك ما جاء في السنة: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» [(157)] وما ذكر من الأدلة في منع قتل الوالد بالولد فهي ضعيفة.

أولاً: الحديث ضعيف: «لا يقتل والد بولده»[(158)].

الثاني : على تقدير صحته، يحمل على ما إذا كان هناك شبهة، وذلك لأنه يندر جداً أن يتعمد الوالد قتل ولده، وعلى هذا لما كان الخطأ محل ظن بالنسبة لقتل الوالد بولده، ارتفع حكم القصاص، نقول ذلك إن صح الحديث، أما إذا لم يصح فقد كفيناه، وأما التعليل بأن الوالد هو سبب وجود الولد، فيقال: هو سبب وجود الولد، لكن ما السبب بقتل الوالد بولده؟ الوالد هو السبب في قتل نفسه، ثم: نزيد هذا القول قوة إذا قلنا: أن قتل الوالد لولده من أعظم قطيعة الرحم.

والرسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر «بأن من أعظم الذنوب أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» [(159)]، فهذا من أعظم الذنوب، فكيف نجازي هذا الوالد بأن نرفع عنه القتل؟ فالصواب بلا شك، أن الوالد يقتل بولده، سواء كان الوالد هو الأم أم الأب لكن إذا تحققنا العمد.

الشرط الثالث: أن نعلم أنه عمد، فإن كان شبه عمد بأن ضربه بآلة لا تقتل غالباً، فإننا لا نقتله حتى لو مات بها، فلو ضربه بعصا أو سوط ثم هلك، لا يقتل به؛ لأن الأصل العصمة، وكون هذا الذي ضرب بالعصا يموت، إنما ذلك لخلل في نفسه، وعدم تحمل، والعصا لا يقتل مثله غالباً فلهذا لا يمكن أن يقتل به.

أما ما سبق في قولنا: الحرية والملك، فاعلموا أن هناك خلافاً في قتل الحر بالعبد، والصواب قتل الحر بالعبد؛ لعموم الأدلة الدالة على أن النفس بالنفس، والحديث الوارد: «لا يقتل حر بعبد» [(160)] ضعيف، وقد جاء في حديث الحسن عن سمرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قتل عبده قتلناه» [(161)]، فإذا كان الإنسان يقتل بعبده وهو ملكه فقتله بعبد غيره من باب أولى، فالصواب: أنه يقتل الحر بالعبد، والمالك بالمملوك، لكن بشرط أن يكون القتل عمداً وعدواناً واضحاً.

الفائدة السادسة: أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس، لقوله: {{أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ} }، ومن ذلك: قطع الطريق. يعني: هؤلاء الذين يعرضون للناس بالسلاح في الطرقات، فيغصبونهم المال، وربما يقتلونهم، هؤلاء مفسدون في الأرض، وكذلك من المفسدين في الأرض في وقتنا الحاضر: هؤلاء الذين يأتون بالمخدرات ويجلبونها إلى البلاد الإسلامية، هم مفسدون في الأرض لا شك، فإن قالوا: نحن لم نجبر الناس على أن يشتروا، قلنا: لكن وضعتم الأمر أمامهم، فأنتم مروجون وجالبون ولن يندفع شَرُّكُم إلا بالقتل، فكل إنسان لا يندفع شره إلا بالقتل من هؤلاء المفسدين فإنه يقتل.

الفائدة السابعة: أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس، ولكنه مقيد بالأدلة الأخرى الدالة على أنه ليس كل فساد يبيح قتل النفس، بل منه ما يبيح القتل ومنه ما يبيح دونه، فتحمل هذه الآية على النصوص الدالة على التخصيص.

الفائدة الثامنة: أن إنقاذ المعصوم كإنقاذ جميع المعصومين اعتباراً بالجنس، فمن أنقذ معصوماً من هلكة فكأنما أنقذ الناس جميعاً باعتبار الجنس، كما أن من كذب رسولاً فكأنما كذب جميع الرسل.

الفائدة التاسعة: أن {{مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} } وذلك باعتبار الجنس؛ لأن استحلاله لواحد استحلال للجنس، إذا لم يكن هناك سبب يبيح دمه.

الفائدة العاشرة: أن الله سبحانه وتعالى أقام الحجة على العباد وذلك بإرسال الرسل بالبينات.

الفائدة الحادية عشرة : تشريف مقام الرسل وذلك بإضافتهم إلى الله، لقوله: {{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ} }، وكل شيء من الأعيان يضيفه الله إلى نفسه عزّ وجل فإنه يفيد التشريف، ولهذا قال العلماء في قوله: {{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ}} [البقرة: 114] وفي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» [(162)]، وفي قوله: {{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}} [الحج: 26] ، وما أشبه ذلك، قالوا: إن هذه الإضافة تفيد التشريف وعلو المقام، ولا شك أن الرسل هم أفضل أجناس البشر.

الفائدة الثانية عشرة : أن الرسل أيدوا بالآيات البينات التي تدل على صحة رسالتهم وذلك لقوله: {{بِالْبَيِّنَاتِ} }.

الفائدة الثالثة عشرة : محبة الله عزّ وجل للإعذار وإقامة الحجة حيث جعل مع كل رسول آية بينة يؤمن على مثلها البشر، حتى لا يقول الناس: من قال: إن هذا رسول؟ أين البينة على أن هذا رسول؟ فإذا جاء بالآيات البينات قامت الحجة.

الفائدة الرابعة عشرة : أن من لم تبلغه الرسالة فهو معذور، لقوله: {{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ} } وهذا لإقامة الحجة عليهم، والنصوص في هذا واضحة، قال الله تعالى: {{رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}} [النساء: 165] وقال تعالى: {{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}} [الإسراء: 15] .

الفائدة الخامسة عشرة والسادسة عشرة: أنه لا بد أن يكون الرسول مبيناً لقومه ما أرسل به، لقوله: {{بِالْبَيِّنَاتِ}} فإنه يشمل الآيات الدالة على صدقهم، ويشمل الشرائع التي جاؤوا بها وأنها بينة واضحة، والأمر كذلك، فإن الله سبحانه وتعالى لم يخفِ على العباد ما يكلفهم به، فإن رحمته وحكمته تأبى ذلك، ولهذا قال الله لرسوله صلّى الله عليه وسلّم: {{لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *}} [القيامة: 16 ـ 19] ، فالله تعالى قد بَيَّنَ للخلق، قال تعالى: {{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}} [إبراهيم: 4] ، وينبني على هذه الفائدة، وهي فائدة البيان أهمية الترجمة، وأن على المسلمين أن يترجموا الشريعة إلى لغة من يخاطبونهم بها حتى تتم الحجة؛ لأنك لو أتيت إلى قوم عجم وتكلمت عندهم بأبلغ وأفصح الكلام العربي، ما استفادوا من هذا شيئاً، ولا يدرون ما تقول، وعليه فمن أراد أن يذهب إلى قوم يدعوهم إلى الله، لا بد أن يتعلم لغتهم حتى يتمكن من دعوتهم، أو يصطحب شخصاً يترجم له يكون عالماً باللغتين: الأصلية والفرعية، ويكون له إلمام بموضوع الترجمة، يعني موضوع ما يترجمه، يعني إذا كان يريد أن يترجم في الكلام على التوحيد لا بد أن يكون عنده إلمام بذلك لئلا يفهم الأمر على خلافه.

الفائدة السابعة عشرة والثامنة عشرة: أن بني إسرائيل مع الرسل المبينين لم يهتدوا بل كثير منهم بعد هذا البيان وبعد هؤلاء الرسل مسرفون متجاوزون للحد، ومن أمثله ذلك أنهم كانوا يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، ويقدحون في الرسل، ويؤذون رسولهم الخاص الذي أرسل إليهم وهو موسى، كما قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا}} [الأحزاب: 69] .

ويتفرع على هذه الفائدة: العلم بشراسة بني إسرائيل وأنهم أهل الغطرسة والاستكبار والتكذيب، وما زالوا إلى يومنا هذا على هذا الوصف.

الفائدة التاسعة عشرة : أنه إذا دعت الحاجة إلى تأكيد الخبر فإن الفصاحة تدعو إلى تأكيد الخبر، والمقام يدعو إلى توكيد الخبر، وإن كان المخبر من أهل الصدق، حتى يطمئن المخاطب، فإن قوله: {{ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} } أُكِّدَ بمؤكدين وهما: «إنَّ» والثاني: «اللام».

* * *

قال الله عزّ وجل: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [المائدة: 33 ـ 34] .

قوله: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} } إنما: أداة حصر، والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عمن سواه، وإذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه، واعلم أن «إنما» لا يليها إلا المحصور كلما جاءت، فإذا قلت: إنما القائم زيد، حصرت القيام في (زيد)، وإذا قلت: إنما زيد شجاع، حصرت زيداً في الشجاعة؛ لأنها أبرز أخلاقه.

وقوله: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} } «يحاربون»: فعل يدل على المشاركة؛ لأن «فَاعَلَ» تدل دائماً على المشاركة وقد لا تدل عليه.

فقول القائل: سافر زيد، هذا ليس فيه سفر من الجانيبن، لكن قاتل، وضارب، وشاتم، وما أشبهها كلها تدل على المشاركة، فالغالب في هذا الفعل أنه دال على المشاركة، فمعنى {{يُحَارِبُونَ اللَّهَ} }، أي: يتصدون لحرب الله عزّ وجل، وهل المعنى أنهم يحملون السلاح على الله؟ كلا، المعنى: أنهم يضادون الله في أمره، فيفعلون ما نهى الله عنه، ويتركون ما أمر به على وجه الاستكبار والعناد وهذه محاربة، ويحاربون الرسول قد نقول أيضاً: إنه يمكن أن يشمل الحرب بالسلاح والحرب بالرفض لما دعا إليه، لكن بالنسبة لله عزّ وجل لا يشمل الحرب بالسلاح؛ لأن هذا غير واقع ولا يمكن أن يقع.

قوله: {{وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} } أي: يفسدون في الأرض على وجه الإسراع، لقوله: {{وَيَسْعَوْنَ} } والسعي بمعنى: الإسراع، أي: أنهم يسرعون إلى الفساد في الأرض، وذلك لزعزعة الأمن والتسلط على الناس، وأخذ الأموال، وقتل النفوس، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية نزلت في المحاربين الذين هم قطاع الطريق.

قطاع الطريق: قوم يعرضون للناس في الصحراء وعلى الطرقات فإذا مر بهم أحد قتلوه وأخذوا ماله، أو أخذوا ماله وتركوه، أو أخافوه وروعوه، المهم أن جناياتهم تختلف لكنهم يعرضون للناس ويغصبونهم المال وربما يقتلونهم، وهذا يوجد كثيراً في البلاد التي تزعزع أمنها.

ومن ذلك أيضاً ـ أي: من الفساد في الأرض ـ السطو على البيوت الآمنة وقتل أهلها أو السرقة منها، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه تحزبات واجتماعات وفرق تؤذي الناس، بخلاف السارق الواحد هذا له حكم خاص، لكن هؤلاء الذين يتحزبون، ويكونون فئات وجماعات مروعة تسطوا على الناس في البنيان أو في الصحراء.

قوله: {{أَنْ يُقَتَّلُوا} } «أن» وما دخلت عليه خبر {{أَنْ يُقَتَّلُوا} } بالتشديد ولم يقل: «أن يقتلوا» كأنه والله أعلم يشير إلى شناعة قتلهم وإلى تعددهم أيضاً؛ لأنه إذا تعدد المحل أو تعدد الفعل صح أن تأتي الصيغة بما يدل على الكثرة، وهنا إذا قلنا: إن المراد بقوله: «أن يقتلوا» الجماعة الكثيرة، صار هذا لتعدد المحل، أن يقتل زيد وعمرو وبكر وخالد إلى آخره، وإذا قلنا: لشناعة القتل معناه أننا نقتلهم قتلاً شنيعاً ينزجر به غيرهم.

قوله: {{أَوْ يُصَلَّبُوا} } يعني: يصلبون، وهل المراد الصلب بعد القتل فيكون الجمع بين الأمرين؟ أو هو صلب فقط دون قتل؟ ظاهر الآيات الكريمة الثاني أن يصلب حتى يتضح بجنايته، ثم بعد ذلك ينظر ولي الأمر فيه بما يراه مناسباً.

لكن المعروف أن الصلب يكون بعد القتل، وقيل: يصلبون قبل القتل، فالأقوال ثلاثة: الرأي الأول : يصلبون بعد القتل، والرأي الثاني : يصلبون قبل القتل، والرأي الثالث : أن الصلب عقوبة منفردة يعني ليست مركبة مع القتل، وهذا القول هو ظاهر الآية في قوله: {{أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} } فيكون الصلب غير القتل لكنهم أوردوا على هذا الرأي أنه كيف يبدأ بالأشد ثم الأخف، فيقال: هذا لا مانع منه، القتل أشد ثم الصلب بدون قتل، ثم تقطيع اليد والرجل، والذين قالوا: إنه يصلب قالوا: يترك حتى يموت، وبعضهم قال: بل يطعن بالحربة حتى يموت، ويكون الأول قتل بلا صلب.

قوله: {{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ} } تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، فسرها العلماء بأن تقطع اليد اليمنى والرِّجْل اليسرى، ويكون القطع في اليد من مفصل الكف من الذراع، ويكون القطع في الرِّجل من مفصل القدم من العقب؛ لأن الرِّجل لها قدم ولها عقب، والعقب الذي يسمى العرقوب، فالعرقوب لا يقطع إنما يقطع من مفصل القدم من العرقوب.

قوله: {{أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} } هذا الرابع، أي: يطردوا منها ويبعدوا عنها، و«أل» في الأرض للعهد أي: الأرض التي سعوا فيها فساداً، حتى يكون ذلك أبعد لهم من مواطن الفساد وأنكى لهم.

قوله: {{لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} } يعني: ذلاً وعاراً { {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} } فيجمع لهم بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، وذلك لعظم جرمهم وشناعته وبشاعته وعدوانهم على عباد الله.

قوله: { {إِلاَّ الَّذِينَ} } مستثنى مما سبق، وقوله: { {تَابُوا} } أي: رجعوا إلى الله، وكفوا عن سعيهم في الأرض فساداً وعن محاربة الله ورسوله، وهنا لا بد من أن تمضي مدة نعرف بها صحة توبتهم، بأن يضعوا السلاح ويكفوا عن الإيذاء وتظهر عليهم علامة التوبة والصدق.

قوله: {{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} } يعني: تابوا من ذات أنفسهم فوضعوا السلاح، وكفوا عن قطع الطريق.

قوله: {{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} } أي: فاغفروا لهم وارحموهم؛ لأن الله عزّ وجل بمغفرته ورحمته يرفع عنهم العقوبة.

من فوائد الآيتين الكريمتين:

الفائدة الأولى: بيان عقوبة المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فساداً، وقلنا: إن المفسرين قالوا: إنه يراد بذلك قطاع الطريق الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في البنيان.

الفائدة الثانية: شدة محاربة الله ورسوله، وأن الإنسان إذا حارب الله ورسوله فإنه يخشى عليه، وذلك لعظم العقوبة، فإن عظم العقوبة يدل على عظم الجريمة، ومن المحاربين لله ورسوله: أكلة الربا، كما قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *} {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}} [البقرة: 278، 279] .

الفائدة الثالثة: عظم محاربة الرسول عليه الصلاة والسلام سواء كان بالسلاح الحسي أو بالسلاح المعنوي وهو رد دعوته والاستكبار عنها.

الفائدة الرابعة: أن الله تعالى يريد من عباده أن تطهر الأرض من الفساد، ولذلك عاقب الذين يسعون في الأرض فساداً بهذه العقوبة العظيمة، وقد قال الله تعالى: {{وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}} [الأعراف: 56] ، قال أهل العلم: الفساد في الأرض بعد إصلاحها يعني المعاصي، لقوله تعالى: {{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}} [الروم: 41] ، ولكن كما قلنا في الآية التي قبلها: من الفساد في الأرض ما لا يؤدي إلى هذه العقوبة على حسب النصوص.

الفائدة الخامسة: أن عقوبة هؤلاء متنوعة: الأول: القتل، والثاني: الصلب، والثالث: تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، والرابع: النفي من الأرض، و«أو» في هذه الآية هل هي للتنويع أو للتخيير؟ في هذا قولان للعلماء: منهم من قال: إنها للتخيير وأن للإمام أن يقتِّل أو يصلب، وله أن يعدل إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وله أن يعدل إلى النفي في الأرض، لكن يجب عليه أن ينظر ما هو الأصلح؛ لأن كل من خُيِّر لمصلحة غيره وجب عليه اتباع الأصلح، وكل من خير لمصلحة نفسه والتيسير على نفسه فله أن يختار الأيسر، فعندنا الآن تخيير مصلحة وتخيير تيسير، من خير لمصلحة الغير فتخيير مصلحة، فولي اليتيم إذا قيل له: لك أن تبيع ملكه أو تشتري له ملكاً أو ما أشبه ذلك، فهذا التخيير يعتبر تخيير مصلحة لا تشهي وتيسير.

وقوله تعالى في كفارة اليمين: {{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}} [المائدة: 89] هذا تخيير تيسير وتشهي.

فمن العلماء من قال: إن «أو» هنا للتخيير وأن الإمام مخير بين هذه العقوبات الأربع، ولكن يجب عليه أن يفعل الأصلح، فإذا كان الأصلح أن يقتلوا أو يصلبوا؛ لأن ذلك أعظم هيبة في قلوب المجرمين وجب عليه أن يقتل أو يصلب، وإذا كان المجرمون يرتدعون بدون ذلك، فإنه لا يعدل إلى الأعلى في العقوبة؛ لأن هذا كدفع الصائل.

ومنهم من قال: إن «أو» للتنويع وليست للتخيير، وأن هذه العقوبات تختلف بحسب الجرائم، ووزعوها كما يلي: قالوا: من قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، أي: إذا جمع بين الأمرين فإنه يقتل ويصلب؛ لأنه فعل جريمتين فضوعفت عليه العقوبة، ومن قتل ولم يأخذ مالاً فإنه يقتل ولا يصلب، ومن أخذ مالاً ولم يقتل، انتقل به إلى العقوبة الثالثة حسب سياق الآية، وهي الثانية حسب ترتيب العلماء وهي: {{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} } حتى وإن سرقوا ـ عند بعض العلماء ـ ما لا يبلغ النصاب، ـ أي: نصاب السرقة ـ مثل أن يكون مع الرجل أقل من نصاب السرقة وخرج عليه هؤلاء القطاع، ومعهم السلاح وقالوا: أعطنا ما معك، فأخذوه منه قهراً، وهو لا يبلغ ربع دينار فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقال بعض العلماء: إنها لا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إلا إذا أخذوا ما يقطع بمثله السارق وهو ربع دينار.

بقى علينا النفي من الأرض، والنفي من الأرض: أن الإمام ينفيه من بقعته التي هو فيها إلى أرض أخرى؛ لأنه إذا تغير عليه المكان والجو ربما يستقيم ويتوب، وقيل: معنى النفي من الأرض: أن يحبس، حتى لا يتجول في الأرض التي كان يتجول فيها؛ لأنه إذا حبس في بيت أو في حجرة صدق عليه أنه نفي من الأرض التي كان بالأمس يسير فيها في الهواء الطلق لا يخاف أحداً.

والصحيح أن المراد بالنفي من الأرض: الطرد من الأرض، إلا إذا كنا نخشى إن طردناه من أرضه أن يرتكب الجريمة في الأرض الأخرى، فحينئذٍ ليس له إلا الحبس، وعقوبة النفي من الأرض قال العلماء الذين يجعلون «أو» للتنويع، قالوا: هذا فيمن أخاف الطريق ولم يأخذ المال ولم يقتل النفس؛ لأننا إذا نفيناه كفينا الناس شره، وإذا حبسناه على القول الثاني كفينا الناس شره، لكن أي القولين أولى؟ الثاني أضبط لأن الخيانة مأمونة فيه، والأول أنسب؛ لأن المقصود من الحدود التقويم، أي: تقويم الناس، فإذا كانوا يمكن أن يُقَوَّموا بدون القتل والصلب قُوِّمُوا، لكن هذا لا تؤمن فيه الخيانة، أي: خيانة الإمام وولي الأمر، فيقول: هذا يستحق القتل والصلب، وتأتيه القضية نفسها في وقت آخر، فيقول: هذا لا يستحق القتل والصلب؛ لأن الثاني شريف والأول وضيع، فمن قال بالتحديد وأن هذا لا بد منه بحسب الجريمة، فقوله أقرب إلى الصواب من جهة الضبط، وأنه لا يمكن أن يتعدى ما حد له، ومن قال بأن «أو» للتخيير، وأن الإمام مخير فقوله أولى من حيث إن الحدود لتقويم الخلق، فإذا أمكن التقويم بما هو أقل وجب الاقتصار عليه.

فإن قال قائل: هل وقع مثل هذا في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟

الجواب: نعم، وقع، قدم أناس من جهينة أو عرينة أو عكل[(163)]، أو من هؤلاء وهؤلاء قدموا المدينة، فاستوخموها وأصيبوا بشيء من حُمَّاها، فأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها، وألبانها، ففعلوا، فشربوا من أبوال الإبل وألبانها وزالت عنهم الحُمَّى وصحوا، فبدلوا نعمة الرسول عليه الصلاة والسلام كفراً، فسملوا عيني الراعي، وسَمْلُها: أن تحمى حديدة مثل المخيط وتكحل بها العين ـ والعياذ بالله ـ وهذا تعذيب شنيع ونسأل الله العافية، ثم قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأرسل النبي صلّى الله عليه وسلّم، في إثرهم وجيء بهم بعد أن ارتفع النهار، فأمر بهم صلّى الله عليه وسلّم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن تسمل أعينهم بالمسامير؛ لأنهم فعلوا ذلك بالراعي، والقصاص واجب، وأبقاهم في الحرة يستغيثون ولا يغاثون، حتى إن الواحد منهم، يأكل الثرى من العطش، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام تركهم ولم يحسمهم[(164)]، يعني ما حسم الدماء، حتى لا يحصل النزيف، تركهم يرفسون بدمائهم ويستغيثون ولا يغاثون؛ لأن الرحمة بالناس عموماً تقتضي أن نعامل هذا المجرم بما يمنع الإجرام.

الفائدة السادسة: أن قطاع الطريق يجمع لهم بين العقوبة في الدنيا والآخرة لقوله: {{ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} }، مع أنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أن من أصيب بشيء من القاذورات، يعني: القبائح، وحد عليها فإن الحد يكون كفارة لذلك الذنب[(165)]. لكن لعظم جرم هؤلاء لم يكن الحد كفارة لهم، بل كان {{لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} }.

الفائدة السابعة: إثبات عذاب الآخرة، لقوله: { {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} }.

الفائدة الثامنة: أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، ربما يؤخذ من قوله: {{عَذَابٌ عَظِيمٌ} } ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في المتلاعنين، قال: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة»[(166)].

الفائدة التاسعة: أن هؤلاء المجرمين مع عظم جرمهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد، ويؤخذ سقوط الحد من قوله تعالى: {{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} } يعني: فإذا علمتم ذلك فاغفروا لهم، وهل هذا على إطلاقه بمعنى: أنه يعفى عنهم حتى فيما يتعلق بحقوق الآدميين من نفس أو جرح أو عضو أو مال أو هو خاص بحقوق الله؟ الثاني هو المتعين؛ لأن حقوق الآدميين لا بد من وفائها، وعلى هذا فإذا كان هؤلاء الذين تابوا ووضعوا السلاح وظهر صدقهم قد قتلوا أحداً، هل نقتلهم أو لا؟

الجواب: إذا طلب أولياء المقتول أن يقتلوا قتلوا؛ لأن حق الآدمي لا يسقط، لكن لو لم يتوبوا وأُتينا بهم، ثم قال أولياء المقتول: نحن قد عفونا هل يسقط؟ لا؛ لأنه حد، فالقتل حتم إذا لم يتوبوا؛ أما إذا تابوا انتقل الحد إلى حق الآدمي، إذا عفا فلا بأس.

وهل يلحق بذلك سائر الحدود كحد الزنا والسرقة وما أشبه ذلك؟ الجواب: نعم يلحق به؛ لأن التوبة إذا أسقطت هذا الحد العظيم في الجرم العظيم فما دونه من باب أولى، فالسارق مثلاً إذا تاب إلى الله، وأتى بالمال المسروق ورده إلى صاحبه فإننا لا نقطع يده؛ لأنه تاب إلى الله قبل أن نقدر عليه.

الفائدة العاشرة: أنهم إذا تابوا بعد القدرة فإن توبتهم لا تقبل، وهنا يرد إشكال، وهو ما جرى في قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك، فلما أدركه قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، والذي يظهر أن هذا المشرك قال: لا إله إلا الله تعوذاً من القتل، فلما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره الخبر، قال: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله» قال: نعم يا رسول الله، قتلته، لكنه قالها تعوذاً وخوفاً من القتل؛ لأنه لو كان صادقاً لأسلم قبل أن يهدد بالقتل، فجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم يردد: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله، فماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» [(167)]، حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم من قبل؛ لأنه إذا فعل هذا وهو مشرك ثم تاب، تاب الله عليه، قال تعالى: {{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}} [الأنفال: 38] .

إذاً نقول في هؤلاء: إذا تابوا بعد القدرة فإنه لا يسقط، نقول: لأن هذا حد وليس قتلاً للردة، والحد قد فعل ما يوجبه، والردة الذي يوجبها هو الشرك وقد زال بالإسلام، فلا يرد على هذا لا في المحاربين ولا في غيرهم من ذوي الحدود.

لو قال قائل: بعض البلاد التي يحدث فيها الشغب يقوم الحاكم بإنشاء بعض القوانين حتى يرجع أولئك المحاربين، كقانون العفو العام، فيعفو عن الجميع حتى لو سرقوا وقتلوا ونهبوا كل ما فعلوا فإنه يعفى عنهم إذا وضعوا السلاح، فهل له ذلك لكي يكف شرهم؟

الجواب: هذا إنما نجوزه إذا دعت الحاجة إليه، بأن كنا لا نقدر عليهم، فيكون جائزاً.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *} } [المائدة: 35] .

هذه الآية فيها نداء وفيها ثلاثة أوامر وفيها علة وغاية، أما النداء ففي قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} }، وقد تقدم ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا سمعت الله يقول: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } فأرعها سمعك[(168)].

ذكرنا من قبل أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن امتثال هذا من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، وأنه ينبغي إغراء الشخص المخاطب بما يحمله على الامتثال، يعني في الخطاب ينبغي أن تغري الشخص بما يحمله على الامتثال؛ لأن وصف الإنسان بالشيء الذي يحمله على الفعل والامتثال لا شك أنه يغريه ويزيده نشاطاً، فنقول مثلاً: يا أيها الكريم أكرم الضيف؛ لأنك إذا ناديته بـ(يا أيها الكريم)، فسوف يكون ذلك دافعاً له على إكرام الضيف.

وقوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } هكذا تأتي مطلقة في كثير من الآيات، فآمنوا بمن؟ نقول: الإيمان فسره النبي عليه الصلاة والسلام أبين تفسير حيث سأله جبريل عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر» [(169)]، وعلى هذا فيكون قوله: {{آمَنُوا} } أي: بما يجب الإيمان به وهي أركان الإيمان الستة.

قوله: {{اتَّقُوا اللَّهَ} } اتخذوا وقاية من عذابه وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم؛ لأن الإنسان قد يفعل شيئاً مأموراً به لكن على غير علم أو يترك شيئاً منهياً عنه على غير علم، لكن لا بد من العلم ليكون ذلك من خشية الله، كما قال الله تعالى: {{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}} [فاطر: 28] .

ولهذا فسر بعض العلماء التقوى بأنها أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله، والنور: هو العلم، ولهذا نقول: أجمع ما قيل في تعريفها: أنها امتثال أمر الله واجتناب نواهيه على علم حتى يحصل له الخشية؛ لأنه {{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}}.

هل نقول: اتقوا الله نفسه، أو اتقوا عذاب الله؟ كلاهما صحيح؛ لأن الله قال: {{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}} [آل عمران: 28] . فحذرنا الله تعالى من نفسه عزّ وجل، وإنما حذرنا منها لأنه قال لنا: {{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [المائدة: 98] . وهذا خبر أخبرنا به الله عزّ وجل وقال لنبيه: {{نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ *}} [الحجر: 49، 50] ، فإذاً يحذرنا الله نفسه أن يعاقبنا على مخالفته.

قوله: {{وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} }، أي: اطلبوا إليه، «الوسيلة»: مفعول {ابْتَغُواْ}، يعني: اطلبوا الوسيلة إليه، والوسيلة: هي التقرب إلى الله، كما فسرها كثير من المفسرين بأن معناها: ابتغوا القربة إليه، يعني: اطلبوا ما يقربكم إليه، فإذا كان الله أمرنا أن نطلب ما يقربنا إليه، فالذي يقربنا إليه هو امتثال أمره واجتناب نهيه طلباً للقرب منه.

وقوله: {{الْوَسِيلَةَ} } ليس المراد بالوسيلة ما هو معروف عند المتأخرين، بأن يتخذ الإنسان وسائل في دعائه أو نحو ذلك؛ بل المراد: ابتغوا التقرب إليه، لكن بعض المحرفين قال: المراد بالوسيلة: الولي أو النبي أو جاه النبي أو جاه الولي، وهذا تحريف باطل، وإنما الوسيلة: الشيء الموصل إلى الله وإلى التقرب إليه عزّ وجل.

مثال ذلك: الصلاة تقرب إلى الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولا يوجد هذا الوصف وهو القرب من الله على هذا الوجه إلا في صلاة الإنسان، يتصدق ويتقرب إلى الله بالصدقة، يصوم ويتقرب إلى الله بالصيام، يحج ويتقرب إلى الله بالحج، لكن لا يوجد مثل الصلاة، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فهو أقرب إلى الله ممن وقف بعرفة أو بالصفا أو بالمروة أو ممن يطوف بالبيت.

قوله: {{وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} } أي: ابذلوا الجهد في إعلاء كلمته؛ لأن الجهاد في سبيل الله أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، والمراد بقوله: {{فِي سَبِيلِهِ} } أي: دينه؛ لأنه هو الطريق الموصل إليه تبارك وتعالى.

وقوله: {{وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} } هذا أمر، ويأتينا إن شاء الله في استنباط الفوائد، أنه أمر مشروط بالقدرة كغيره من الأوامر.

قوله: {{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} } «لعل» هنا: للتعليل، أي: لأجل أن تفلحوا. «والفلاح»: كلمة جامعة لحصول المطلوب وانتفاء المكروه، فهي من أجمع الكلمات.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: بلاغة القرآن الكريم حيث تتنوع فيه العبارات، في النداء تارةً والأمر تارة والنهي تارة والحض والعرض.

الفائدة الثانية: أن من البلاغة أن نستعمل ما يكون به التنبيه في الأمور الهامة، وجهه: أن الله صدر هذه الأوامر الثلاثة المهمة بالنداء.

الفائدة الثالثة: أن الإيمان يحمل على امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وذلك لأنه وَجَّهَ النداء إلى المؤمنين، ولا شك أن الإيمان يحمل الإنسان على فعل الأوامر واجتناب النواهي، وكلما كان الإنسان أقوى إيماناً، كان أشد امتثالاً للأمر وأبعد عن النهي، وهذا شيء مجرب، حتى الإنسان نفسه أحياناً يجد في قلبه قوة الإيمان فتجده يرغب في الطاعة ويحب أن يستمر فيها، وأحياناً يفتر ويكسل فتجد الطاعات تثقل عليه، فكلما كان الإنسان أكثر إيماناً كان أكثر امتثالاً للأمر والنهي.

الفائدة الرابعة: وجوب تقوى الله، لقوله تعالى: { {اتَّقُوا اللَّهَ} } فالتقوى واجبة وقد ذكرت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، أمراً بها وثناءً على أهلها وبيان لجزائها، ولو أن طالب العلم جمع الآيات التي فيها التقوى أمراً وثناءً وجزاءً في القرآن الكريم من أوله إلى آخره، لوجد خيراً كثيراً.

الفائدة الخامسة: وجوب طلب القربة إلى الله، لقوله: {{وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} } أي: اطلبوا الوسيلة إليه.

الفائدة السادسة: وجوب التعلم، تعلم الدين، لكن بأي وسيلة نطلب القربى إليه؟ الجواب: بالعلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

الفائدة السابعة والثامنة : أنه كلما كانت العبادة تقرب إلى الله أكثر كان الاهتمام بها أكثر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا قيل: اسلك الطريق المقرب إلى الله، فإن من المعلوم أن ما يكون أقرب أو أشد تقريباً فهو أولى.

وينبني على هذه الفائدة أن الأعمال تتفاضل، بعضها أفضل من بعض، وهذا أمرٌ قررته الشريعة، فجنس الواجب أفضل من جنس التطوع، يعني الصلاة المفروضة أفضل من النافلة، وأيضاً صدقة الزكاة أفضل من صدقة التطوع، الصوم الواجب أفضل من النفل، والحج الواجب أفضل من النفل. هذا باعتبار الجنس، ويـتـفـاضـل أيـضـاً باعتبار نوعه.

كذلك أيضاً الجنس يتفاضل باعتبار الأجناس، فمثلاً الصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله، كما سأل ابن مسعود رضي الله عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» ، قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» ، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» [(170)]. فالأعمال فيما بينها تتفاضل، والأجناس تتفاضل، فأنواع الجنس تتفاضل. ومناط معرفة الفاضل هو الكتاب والسنة.

وهنا مسألة: من هو الأفضل: رجل يفعل العبادة بانقياد وانشراح صدر وقبول، وآخر يفعلها بمشقة شديدة ويجاهد نفسه عليها؟ الأول: أفضل مقاماً وأعلى منزلة، والثاني: يؤجر على مشقة المجاهدة أكثر من ذلك، لكنه لا يمكن أن ينال درجة الأول ومقام الأول.

ويشبه هذا من بعض الوجوه، أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر الصحابة «أن من ورائهم أياماً الصبر للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة» [(171)]، هل هو بهذا الأجر الذي كان من أجل مشقة العبادة عليه ينال مرتبة الصحابة؟

الجواب: لا، وهذه نكت في العلم ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لها وإلا فقد تخفى على كثير من الناس.

الفائدة التاسعة: وجوب الجهاد في سبيل الله، لقوله: {{وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} } ولكن هذا العمل ـ أعني الجهاد في سبيل الله ـ كغيره من الواجبات، لا بد أن يكون له شروط، من أهمها: القدرة، بأن يكون الإنسان مكافئاً للعدو في العدد والعدة، وإلا فمن المعلوم أنه من السفه والهلع أن يتقدم الإنسان ليقاتل عدداً أكثر من عدده وقوة أكبر من قوته.

ولهذا لم يوجب الله عزّ وجل الجهاد إلا حين قويت الأمة الإسلامية، ولم يوجب المصابرة إلا في الضعف فقط، فإن زادوا عن الضعف مع تكافؤ العدد فإنه لا يجب مصابرتهم، فلا بد من القدرة على الجهاد.

وهل يشترط أن يكون للمجاهدين إمام يأتمون به ويأتمرون بأمره، أو نقول: لا بأس أن يتكتل طوائف وطوائف وطوائف، وتجاهد كل واحدة من جهة؟

الجواب: الأول: لا بد من إمام يكونون تحت إمرته، حتى لا يكونوا أحزاباً يقتل بعضهم بعضاً عند النصر، أو يقاتل بعضهم بعضاً عند النصر، وكيف يمكن أن يقوم جهاد مع تفرق الأحزاب؟ هذا لا يمكن.

الفائدة العاشرة: الإشارة إلى الإخلاص، لقوله: { {فِي سَبِيلِهِ} } حيث أضافه إلى نفسه عزّ وجل إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أنْ يكون جهاده في سبيل الله، ومتى يكون الجهاد في سبيل الله؟ سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك أي: سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، وفي رواية: ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فعدل عن الجواب عن الثلاثة كلها وقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» [(172)]، وقضى على هذه الثلاث: فالذي يقاتل شجاعة ليس في سبيل الله، ومعنى الشجاعة أن الرجل الشجاع يحب القتال؛ ويحب أن يقاتل؛ لأن هذا يوافق طبيعته وغريزته.

الثاني : يقاتل حمية لقومه وعصبيته، ومن هؤلاء بعض العرب، مع الأسف يقاتلون اليهود باسم العروبة، ولو قاتلوا باسم الإسلام لأبادوهم؛ لأنهم إذا قاتلوا باسم الإسلام خرج من بينهم الرجس وهم النصارى، ودخل فيهم أمم لا تحصى من المسلمين من العجم وغيرهم، وأريد بالعجم مَنْ سوى العرب من الروم والفرس والبربر والهنود وغيرهم، أمماً لا يحصيها إلا الله ولحصل بذلك النصر بإذن الله، إذا قام هؤلاء المقاتلون المسلمون بما يلزمهم من طاعة الله عزّ وجل وعدم الإعجاب بالنفس.

الثالث : الذي سئل عنه الرسول عليه الصلاة والسلام: المقاتل رياءً ـ والعياذ بالله ـ هذا أخسرهم، يقاتل لأجل أن يقال: فلان جريء وشجاع، أو يقاتل لأجل أن يقال: فلان يجاهد في سبيل الله، وكلاهما باطل، والذي يقاتل ليقال: فلان جريء، هو من أول من تسعر بهم النار[(173)] ـ أعاذنا الله منها ـ نسأل الله العافية.

إذاً: لا بد أن تكون النية خالصة؛ لأن الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا يمكن أن يفرط فيما أوجب الله عليه؛ لأنه يريد هذا، يريد من غيره أن يقوم بطاعة الله فلا يمكن أن يفرط بطاعته.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *}} [المائدة: 36] .

لما أمر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يتقوا الله ويبتغوا إليه الوسيلة ويجاهدوا في سبيله وبَيَّن عاقبة هذا بأنه الفلاح؛ بَيَّن عاقبة من لم يقم بذلك من الكفار، فقال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} }.

قوله: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} } الإعراب: «إنَّ»: هذه تحتاج إلى خبر، وجملة الشرط {{لَوْ أَنَّ لَهُمْ} } تحتاج إلى جواب، وجوابها قوله: {{مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} } والجملة من الشرط وجوابه هي خبر «إن» في قوله: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} }.

قوله: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ} } «لو»: هذه شرطية، ولو الشرطية لا تدخل إلا على جملة فعلية، فأين الجملة الفعلية والتي بعدها «أن» المفتوحة وهي نائبة مناب مصدر؟ يقال في الجواب: إن فعل الشرط محذوف والتقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض.

وقوله: {{مَا فِي الأَرْضِ} } «ما»: اسم موصول يفيد العموم، أي: جميع ما في الأرض من معالم وأشجار وبحار وأنهار وحيوان وآدمي وكل شيء في الأرض {{وَمِثْلَهُ مَعَهُ} } إضافة مبذولة، {{بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا} }.

وقولنا: «مبذولة» إشارة إلى أن «اللام» في قوله: {{لِيَفْتَدُوا بِهِ} } متعلقة بهذا المحذوف.

وقوله: {{لِيَفْتَدُوا بِهِ} } أي: ليبذلوه فداءً عما لهم من العذاب.

قوله: {{مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} }، أي: ما تقبل الله منهم ذلك؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة الله وحق عليهم العذاب، ولهذا قال: {{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} } {{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} }: هنا بمعنى مؤلم، ففي هذه الآية يذكر الله عزّ وجل أن الكفار لن ينجوا من عذاب الله فمهما بذلوا من الفداء، فإنهم لن ينجوا منه، وأن عذابه أليم، أي: مؤلم، واقرأ قول الله تبارك وتعالى: {{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}} [النساء: 56] ، تعرف كيف كان هذا الإيلام.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: شدة عذاب الكفار.

الفائدة الثانية: أنهم لن يستطيعوا أن يفتدوا من هذا العذاب بما يمكن أن يملك.

الفائدة الثالثة: أن الله سبحانه وتعالى أراد منهم ما هو أيسر من ذلك وهم في زمن الإمكان أي: في الدنيا، ولكنهم أبوا، فيتحسرون في الآخرة أن يجدوا فداء، ولن يجدوا.

الفائدة الرابعة: إثبات يوم القيامة، لقوله: {{لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} }.

الفائدة الخامسة: أن الافتداء بعد حلول العذاب لا ينفع، لقوله: {{مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} } وهذا كقوله تعالى: {{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ}} [النساء: 18] ؛ لأنه قد فات الأوان وحل العذاب، وشاهد الإنسان عالم الغيب فلا يقبل منه.

الفائدة السادسة: أن عذاب الكفار عذاب مؤلم ـ والعياذ بالله ـ وهل هو مهلك؟

الجواب: لا، ليس بمهلك؛ لأنهم لا يموتون ولا يحيون حتى إنهم يتمنون الموت ولكن لا يحصل، يقولون: {{يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}} [الزخرف: 77] ، وهذا دعاء أن يقضي الله عليهم فيريحهم ولكنه يقول لهم: {{إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}} [الزخرف: 77] .

الفائدة السابعة: الرد على من قال: إن أهل النار يتأقلمون فيها ولا يحسون بألم ولا بعذاب، وإلا لما بقوا موجودين؛ لأن حرارة النار ـ أعاذنا الله منها ـ أعظم من نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً[(174)]، فيقال: إن الله تعالى يؤلمهم ولكنه يبدل جلودهم كلما نضجت جلودهم بُدِّلوا بجلود غيرها ليذوقوا العذاب.

فإن قال قائل: أليس في ذلك ظلم لهؤلاء؛ لأن هذه عقوبة عظيمة؟

فيقال: لا ظلم؛ لأنهم أُنْذِروا وبُيِّنَ لهم وتوعدوا بهذا العذاب، وأتوه من قبل أنفسهم، كما قال الله تعالى: {{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}} [البقرة: 57] ، وإنما أوردت هذا الإيراد؛ لأن بعض القائلين: بأن النار تفنى، وهو قول شاذ منكر بلا شك، يقولون: إن حكمة الله ورحمته تأبى أن يعذب هؤلاء أبد الآبدين، مع أن وجودهم في الدنيا كان قليلاً لا ينسب إلى العذاب المؤبد، فيقال: إنه قد قامت عليهم الحجة، وإنهم أمضوا دنياهم كلها بدون إيمان ولا طاعة فتكون آخرتهم كلها ليس فيها ثواب ولا رحمة.

* * *

قال الله تعالى: {{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ *}} [المائدة: 37] .

قوله: {{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} } الإرادة هنا: يحتمل أن يكون معناها المحبة لأن الإرادة تأتي بمعنى المحبة، كما قال الله تبارك وتعالى: {{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}} [النساء: 27] ، ومعلوم أن هذه الإرادة بمعنى المحبة؛ إذ لو كانت الإرادة إرادة كونية لتاب الله على جميع الناس، فمعنى {{يُرِيدُونَ} } يحتمل أن المعنى: يحبون أن يخرجوا من النار، ولكن أنَّى لهم ذلك، ويحتمل أن المعنى أنهم يخدعون بمعنى: أن النار ترفعهم حتى يكونوا قريبين من أبوابها، ويريدون الخروج ولكن يردون إلى أسفلها ـ والعياذ بالله ـ كقوله تعالى: {{كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا}} [السجدة: 20] ، والمعنيان صحيحان هم يحبون ذلك ويفعل بهم ما يكون طمعاً في خروجهم ثم يعادون.

وقوله: {{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} } بل هم فيها باقون كما قال تعالى {{وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}} [الحجر: 48] ، وإذا كانوا لا يخرجون منها وهم خالدون فيها أبداً، دل هذا ولا بد على أن النار باقية أبداً وهو كذلك، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وحكي إجماعاً لكن ذكر عن طائفة يسيرة جداً، أن النار تفنى بمن فيها، ولكنَّه قول ضعيف بل هو في الحقيقة باطل؛ لمخالفته لصريح القرآن، فإن الله ذكر التأبيد نصاً صريحاً في ثلاثة مواضع:

الموضع الأول : في سورة النساء، قال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا *}{إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}} [النساء: 168، 169] ، الموضع الثاني : في سورة الأحزاب، قال تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا *}{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}} [الأحزاب: 64، 65] ، الموضع الثالث : في سورة الجن لقوله تعالى: {{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}} [الجن: 23] ، أَبَعْدَ هذا التصريح الواضح الصريح نقول إنها غير مؤبدة.

وقوله: {{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} } «ما» هنا حجازية وليست تميمية، والدليل أنها عملت عمل ليس لأننا نعلم أن لغة القرآن هي لغة قريش، وهذه طريقة القرآن، قال الله تعالى: {{مَا هَذَا بَشَرًا}} [يوسف: 31] . ولم يقل: «ما هذا بشرٌ»، وفي الواقع لا نستطيع أن نستدل بالخبر على أن «ما» حجازية؛ لأن «الباء» عملت في الخبر عملاً لفظياً، فعلى هذا نقول: إن «ما» حجازية، والخلاف بين التميميين والحجازيين ليس في المعنى ولكن في العمل.

وإعراب قوله: {{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} } الباء حرف جر زائد.

وخارجين: خبر «ما» منصوب بالياء المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء، التي جلبها حرف الجر، وأنا عندي توسعة في مسألة النحو، فإن شئت قل: علامة جره أو علامة نصبه الياء؛ لأنه تسلط على الكلمة عاملان فعملا فيها، فالياء علامة الجر بالنسبة لحرف الجر، والياء علامة النصب بالنسبة للمحل.

وقوله: {{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} } بل هم باقون فيها، وعلى هذا فالباء حرف جر زائد، ومعنى قولنا: زائد، أي: أنه زائد إعراباً، وليس المراد بكونه زائداً أنه ليس له معنى بل له معنى، وهو: التوكيد؛ لأن جميع حروف الزيادة كما قال أهل البلاغة تفيد التوكيد.

قوله: {{وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} } نسأل الله العافية { } دائم، كإقامة الرجل بالبلد.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى والثانية : أن أهل النار يحبون بكل قلوبهم أن يخرجوا منها، هذا على الوجه الأول أن معنى يريدون يحبون، ولكن لن يحصل لهم ذلك.

وعلى المعنى الثاني: أن أهل النار يحملهم لهيبها حتى يكونوا في مكان يطمعون أن يخرجوا منها، على القول بأن الإرادة هنا بمعنى المشيئة، يعني ليست بمعنى المحبة.

الفائدة الثالثة: أن أهل النار الذين هم أهلها لا يمكن أن يخرجوا منها، لقوله: {{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} } وهذا خبر من الله عزّ وجل، وخبر الله حق.

الفائدة الرابعة: أن عذاب أهل النار مقيم والعياذ بالله، يعني: دائماً فإنهم لن يخفف عنهم، بل قالوا لخزنة النار: {{ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ}} [غافر: 49] ، لا كل العذاب، يوماً واحداً يخفف، فيقولون لهم موبخين: {{أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}} [غافر: 50] أي: في ضياع، لا ينفع إلى حد أنهم يدعون الله عزّ وجل يقولون: {{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ *}} [المؤمنون: 107] ، وهم في أشد الضرورة إلى الخروج، فيقول الله لهم: {{اخْسَأُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}} [المؤمنون: 108] أي: كونوا أذلة خاسئين ولا تكلمون، فما بعد هذا الخزي والذل والإهانة شيء. نسأل الله أن يقينا عذاب النار.

* * *

قال الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *}} [المائدة: 38] .

قوله: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} } «السارق»: اسم مشتق من السرقة، والاسم المشتق المحلى بـ«أل» يقولون إنه للعموم، ولهذا نقول: «أل» من الأسماء الموصولة وصلتها الصفة الصريحة، والسرقة: في الاصطلاح هي أخذ المال على وجه الاختفاء من مالك أو نائبه، أما في اللغة: فهي أخذ المال خفية من المالك أو من غيره. فالسارق: هو الذي يأخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائب مالكه.

فقولنا: «الذي يأخذ المال»: خرج به من أخذ ما ليس بمال، كما لو أخذ خمراً فإن هذا ليس بسارق اصطلاحاً؛ لأن الخمر ليس بمال، وخرج به من أخذ حراً، يعني سرق صبياً من بيت أهله فهذا ليس بسارق اصطلاحاً؛ لأنه ليس بمال، ويدخل فيه ما لو سرق عبداً ولو كبيراً فإنه يعتبر سارقاً؛ لأن العبد مال مملوك لسيده.

وقولنا: «من مالكه»، احترازاً مما لو أخذه من غير مالكه كما لو كان من غاصب، يعني أن رجلاً غصب مالاً، فسرقه سارق، أي: سرق هذا المال المغصوب فإنه لا يعد سارقاً اصطلاحاً، وإن كان يعد سارقاً لغة. لكنه اصطلاحاً ليس بسارق؛ لأن المال أخذ من شخص لا حرمة له، إذ إنه وضع يده عليه بغير حق.

قولنا: «أو نائبه» يعني: نائب المالك، مثل: الوكيل والوصي والناظر، وما أشبه ذلك، المهم أنه إذا أخذ المال من نائب المالك فهو سارق، وعلى هذا فالذي يسرق من الدكاكين التي فيها أموال للغير، يُحَرِّج عليها صاحب الدكان، هل يعتبر سارقاً؟؛ المال الذي في الدكان ليس لصاحب الدكان بل هو يبيع للناس نقول: نعم، إنه نائب عن المالك، فإذا قال السارق: أنا لم أسرق هذا المال من مالكه، قلنا: لكنك سرقته من نائب المالك.

قولنا: «على وجه الاختفاء» احترازاً مما لو أخذه قهراً فإنه لا يعد سارقاً بل يعد غاصباً، وكذلك لو أنه أخذه وهو مار كأن يكون في يد شخص ساعة يُحَرِّج عليها، أي: ينادي عليها، وفي مروره خطفها وهرب، هل يعد سارقاً؟

الجواب: لا؛ لأنه غير مختف، فلا يعد سارقاً، لكنه منتهب أو مختلس، مثاله: إنسان وقف عند الدكان، وكلم صاحب الدكان، فقال له: عندك السلعة الفلانية؟ قال: نعم، قال: أريد أن أراها، فالتفت صاحب الدكان وأتى بها إليه، فقال له: لا أريد هذه، أريد تلك التي في طرف الدكان، فذهب صاحب الدكان ليأتي بالسلعة، فسَرَق من المال الذي في الدكان، هل يعتبر سارقاً؟

الجواب: لا، هذا مختلس؛ لأن التفريط من صاحب المال، كيف تذهب لتأتي بالسلعة من أقصى الدكان، وعندك رجل لا تدري عن أمانته، فأنت الذي فرطت.

لو قال قائل: ألا يشكل على هذا قصة المرأة المخزومية التي كانت تجحد المتاع، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقطع يدها[(175)]؟

الجواب: اختلف العلماء في تخريج حديث المرأة المخزومية، فمنهم من قال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قطع يدها لأنها كانت تسرق لا أنها تجحد المتاع، لكنها ذكرت بهذا الوصف لأنها اشتهرت به؛ لا لأن الحكم مبني عليه، فالحديث فيه أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقطع يدها، قالوا: إن الحديث معناه أنها كانت تستعير المتاع فتجحده لأنها عُرِفت بهذا، لكنَّ هناك إضماراً تقديره: فسرقت فقطع يدها، لكن هذا غير صحيح، هذا تحريف للكلم عن مواضعه، والصحيح أن جحد العارية سرقة؛ لأن أي إنسان يريد أن يسرق فبدلاً من أن يذهب ويكسر الأقفال والأبواب ويأخذ على وجه الاختفاء، بدلاً من ذلك يأتي إلى الشخص ويقول: جزاك الله خيراً أنا محتاج إلى هذا الإناء أطبخ فيه للضيوف، وآتي به إليك إن شاء الله، وربما يبقى في الطعام فضلة فآتيك به، ويلين القول فيعطيه ثم بعد ذلك يجحد، فالتحقيق أن جحد العارية نوع من السرقة؛ لأنه أخذ المال على وجه الاختفاء.

قوله: {{وَالسَّارِقَةُ} } الأنثى يقام عليها الحد كما يقام على السارق، وهنا نجد أن الله ـ بدأ بالسارق قبل السارقة، وفي باب الزنا ذكر الله الزانية قبل الزاني، والحكمة في ذلك، أن السرقة مبناها على القوة والجلد والنشاط، والرجال أخص من النساء في هذا، فبدأ بهم، ولذلك نجد السُّراق من الرجال أكثر منهم من النساء، أما الزنا فبالعكس؛ لأن الزنا سلع البغايا ـ والعياذ بالله ـ فبدأ بالزانية؛ لأنه في النساء أكثر كما هو مشاهد.

قوله: {{فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} } {اقْطَعُوا}: الخطاب للأمة جميعاً، لكن المقصود بالذات والعين هو الإمام أو نائبه، لكن المسؤولية على الجميع، بمعنى لو تهاون الإمام وجب على الأمة أن تطالب بقطع يد السارق كما سنذكره إن شاء الله في الفوائد.

وقوله: {{فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} } «الفاء» هنا ما موقعها؟ يعني كيف جاءت الفاء والجملة ليست شرطية؟ والجواب عن هذا أن نقول: لما كان الاسم الموصول موغلاً في الإبهام صار كاسم الشرط، واسم الشرط إذا كان جوابه طلباً، يعني أمراً أو نهياً؛ وَجَب اقترانه بالفاء، وهذا واضح، ومثلها قوله تعالى: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ}} [النور: 2] .

وقوله: {{فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} } «أيد» هنا جُمِعت مع أن المقصود أن يُقطع من كل منهما يد واحدة، فكيف جمعت هل المعنى أن نقطع الأربع الأيدي أم ماذا؟ نقول: لا، لا نقطع الأربع الأيدي، إنما يقطع من السارق والسارقة يدان اثنتان، لكن الأفصح في اللغة العربية أنه إذا أضيف المثنى إلى ما يفيد التعدد فإنه يُجمع، كراهة أن تجتمع تثنيتان فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأن المضاف والمضاف إليه كأنهما كلمة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: {{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}} [التحريم: 4] ، مع أن الواحدة لها قلب واحد، وقال تعالى: {{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}} [الأحزاب: 4] ، ويجوز التثنية في غير القرآن مثاله: (اقطعوا يديهما)، ويجوز الإفراد: (اقطعوا يدهما)، إلا إذا كان يترتب على ذلك التباس واختلاف، فإنه يجب أن يكون الجزء الأول من المضاف والمضاف إليه على حسب الواقع، فمثلاً إذا قلت: اشتريت من الرجلين عبدهما، هنا إذا كان عبداً واحداً يجب أن تقول: عبدهما، ويدل ذلك على أن العبد مشترك بينهما، لكن إذا اشتريت من كل واحد عبده؛ تقول: عبديهما، إذا كنت اشتريت جمعاً، يعني كل واحد عنده عبدان واشتريت الأربعة، ماذا تقول؟ تقول: عبيدهما، وهذا يتعين لئلا يلتبس المعنى، أما إذا كان المعنى واضحاً فإنه إذا أضيف ما يفيد التثنية إلى ما يفيد التعدد فإنه يكون مجموعاً.

قوله: {{فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} } «أيد» هنا مطلقة من حيث الحد، يعني: حد اليد، ومن حيث الجهة:

أولاً: من حيث الحد: فهل نقطع من المنكب؟ أو من المرفق؟ أو من الكف؟ لأن كل هذا يسمى يداً، فاليد من المنكب إلى الأصابع.

ثانياً: الجهة، «أيديهما» أي: الجهتين؟ اليمين أو الشمال، أيضاً الآية مبهمة، فنقول: المراد قطع اليد اليمنى، والذي جعلنا نُعيِّن اليد باليمنى قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقد كان يقرأها «فاقطعوا أيمانهما»[(176)] وهذه القراءة إن كانت ثابتة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بلفظها، فهي قرآن، وإن كانت تفسيراً من ابن مسعود رضي الله عنه؛ فهو صحابي جليل عالم بالتفسير، والأقرب أنها قراءة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حث على أن نقرأ بقراءة ابن أم عبد وهو ابن مسعود[(177)]، إذاً تعينت الآن الجهة وهي اليمين.

الحد: هل هو الكف أو المرفق أو الكتف؟ نقول: اليد إذا أُطلِقت فالمراد بها الكف، والدليل قول الله تبارك وتعالى في التيمم: {{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}} [المائدة: 6] . واليد هنا حدها الكف، لدليل السنة الصريحة في هذا، كما في حديث عمار بن ياسر[(178)] وغيره، ولهذا لما أراد الله سبحانه وتعالى الزيادة على الكف قال في آية الوضوء: {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}} [المائدة: 6] ، إذاً فتعين أن المراد باليد هنا اليد اليمنى، وأن حد القطع من مفصل الكف.

قوله: {{جَزَاءً} } هذه منصوبة على أنها مفعول من أجله، أي: لأجل مجازاتهما على فعلهما.

قوله: {{بِمَا كَسَبَا} } أي: بما كسبا من الجريمة والمعصية والعدوان، وهذا المعنى يؤيد أن المراد باليد اليمين؛ لأن الغالب أن الإنسان يأخذ بيمينه ويعطي بيمينه، والغالب أيضاً أن اليمين أقوى من اليسار.

وقوله: {{جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} } أي: مجازاة لهما على ما كسبا من المال المبني على العدوان والظلم.

قوله: {{نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} } {{نَكَالاً} } مفعول من أجله أيضاً، أي: تنكيلاً لغيرهما، ونكالاً لهما أيضاً أن يعودا إلى مثله، فإن أي إنسان مهما بلغ من الطمع في المال إذا علم أن يده سوف تُقطع، فإنه سوف يُنكِل عن السرقة خوفاً من أن تقطع يده، وأصل النِّكَال بالكسر أصله القيد التي تقيد به يد الدابة فيمنعها من الهرب، كذلك النكال يمنع السُّراق من أن يسرقوا، فذكر الله تعالى حكمتين:

الحكمة الأولى : مجازاة هؤلاء على فعلهم، أي: السُّرَّاق، لقوله: {{جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} }».

والثانية : منع اعتياد السرقة منهم ومن غيرهم، وذلك في قوله: {{نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} }».

قوله: { } ختم الآية باسمين عظيمين من أسمائه، أولهما: العزيز الدال على العزة والغلبة والقهر، والثاني: الحكيم الدال على نفوذ حكمه، وعلى أن حكمه مقرون بالحكمة؛ لأن حكيم مشتقة من الحُكْم والحكمة، فهو عزّ وجل له الحكم التام، وله الحكمة البالغة.

ويُذكر أن أعرابياً بدوياً جلس إلى قارئٍ يقرأ: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} } والله غفور رحيم قال له: اقرأ الآية، قراءتك هذه غير صواب، فأعاد، وقال: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} } والله غفور رحيم قال: اقرأ، قرأها الثالثة، فقال: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *} } قال: الآن أصبت؛ لأنه سبحانه وتعالى، عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع.

فانظر إلى ذكاء هذا الأعرابي؛ لأن ختام الآيات في الغالب يكون مطابقاً، ولا يرد على هذا قول الله تبارك وتعالى عن عيسى: {{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *}} [المائدة: 118] ، ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأنه ذكر العذاب والمغفرة، فكأنه قال: أنت عزيز فيمن تُعذِّب، وحكيم فيمن تُثِيب، ولا يقع الثواب والعقاب إلا مطابق للعزة والحكمة.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: وجوب قطع يد السارق والسارقة، لقوله {{فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} }.

الفائدة الثانية: أن قطع أيديهما مخاطَب به جميع الأمة، لقوله: {{فَاقْطَعُوا} } والخطاب للأمة كلها، لكن الأمة في الواقع تتمثل في ولاة أمورها؛ لأنهم هم الذين يرعون مصالحها، فإذا حصل التقصير من ولاة الأمور وجب على الأمة أن ينبهوهم على ذلك.

الفائدة الثالثة: أن ظاهر الآية وجوب قطع أيديهما بأي سرقة كانت قليلة أم كثيرة، وسواء كانت من حرز أم من غير حرز، وسواء كانت ممن له شبهة في الأخذ أم لا.

والسنة[(179)] قد قيدت هذا العموم:

الأول: بما إذا كان نصاباً تُقطع فيه اليد، والنصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساويهما من المتاع، فهذه ثلاثة أشياء.

وهل الأصل ربع الدينار أم ربع الدينار والثلاثة دراهم؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، ويظهر أثر الخلاف فيما لو سرق متاعاً قيمته ثلاثة دراهم، ولكنه لا يساوي ربع دينار، فإذا قلنا: إن كليهما أصل، فقد سَرَق نصاباً، وإذا قلنا: إن الأصل ربع الدينار فإنه لم يسرق نصاباً؟

الصحيح أن النصاب ربع دينار، لكن الثلاثة دراهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كانت تساوي ربع دينار بدليل الديات تقديرها ألف مثقال ذهب، واثنا عشر ألف درهم فضة، فكانت الثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار. وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قطع في مِجَنٍ قيمته ثلاثة دراهم[(180)]، لكن الثلاثة الدراهم في ذلك العهد تساوي ربع دينار.

الثاني : الحرز، الآية ليس فيها ذكر الحرز، الحرز بمعنى: أن يسرق السارق المال مما يُحرَز به عادة، ومعنى يحرز: أي يُحفظ، مما يحفظ به عادةً، فإن سرق من غير حرز فلا قطع، مثال ذلك: الدراهم والدنانير، تحرز في البيوت وفي الصناديق ويقفل عليها وتراقب، فلو جعل الإنسان الدراهم والدنانير على عتبة الباب، أو في مرابض الغنم، فسُرِقت، فقد سُرِقت من غير حرز.

فإذا قلنا: إن الحرز شرط، قلنا: لا قطع على هذا الذي سرق من الدراهم من غير حرزها، وهذا يحتاج إلى دليل، إذ لو طالبنا مطالب وقال: لا بد أن تقطع يده لأنه سرق فما هو المانع من القطع؟ نقول: المانع من القطع أن كلمة السرقة أخذ المال على وجه الاختفاء، وأن الذي جعل المال في غير حرزه هو الذي فرّط فلا يقطع.

إذاً لا بد أن تكون السرقة من حرز، وحرز المال: ما جرت العادة بحفظه فيه.

وهل هذا الحرز يختلف؟ نعم يختلف باختلاف الأموال، ويختلف باختلاف الأحوال، أحوال الخوف والفوضى ليست كأحوال الأمن والقرار، يختلف أيضاً باختلاف السلطان هل هو قوي أو ضعيف، وهل هو عدل أو جائر؟

إذا كان السلطان قوياً، فهنا لا يتكلف الناس في إحراز الأموال تكلفاً شديداً؛ لأن قوة السلطان تمنع من السرقة، وإذا كان ضعيفاً كان بالعكس، لكن أيهما أشد حفظاً للأموال أن يكون عادلاً أو أن يكون جائراً؟

الجواب: أن يكون عادلاً؛ لأن الجائر ليس معناه القوي في العقوبة، بل الجائر هو الذي يقضي على هذا بقطع اليد وعلى هذا بعدم قطع اليد، إذاً العادل لا شك أن الناس يأمنون في عهده أكثر من الجائر، من الناحية الإلهية، يعني من ناحية الرب عزّ وجل، ومن ناحية الواقع.

أيضاً يختلف الحرز باختلاف حال الناس من إيمان وضعف إيمان، إذا كان عند الناس إيمان؛ كان الحرز يسهل، وإذا لم يكن عندهم إيمان كان لا بد من التحرز الشديد، كذلك يختلف الحرز بإقامة هذا الحد بقطع يد السارق، إذا كانت تُقطع يد السارق، فإن الإنسان لا يتكلف الحرز لأنه يعرف أن السُّراق لن يفعلوا، وإذا كانت لا تُقطع يُحكم عليه بحبس أسبوع أو شهر أو شهرين، أو سنة أو سنتين، فإنه يجب التشديد في الحرز، المهم أن الحرز يختلف باعتبارات متعددة، لكن لا بد لثبوت القطع من أن تكون السرقة من حرز.

الثالث: يُشترط أيضاً أن يكون المسروق مالاً محترماً، فلو سرق إنسان آلة لهو؛ فإن آلة اللهو ليست محترمة ولا قيمة لها شرعاً، فهل يقطع إذا سرق آلة لهو فخمة تساوي خمسة آلاف أو عشرة آلاف؟ الجواب: لا؛ لأنه مال غير محترم من أصله، فإن كان غير محترم بوصفه، مثل أن يسرق حلياً على صورة ثعبان أو على صورة أسد وما أشبه ذلك، هذا غير محترم لوصفه؛ لأن الصورة يجب طمسها أو كسرها إذا كانت مما يكسر، فهل يقطع أو لا؟ نقول: يُقطع، اعتباراً بالأصل أنه مال محترم.

إذاً لا بد أن يكون مالاً محترماً وهو الذي له قيمة شرعاً؛ فأما غير المحترم فلا يُقطع به؛ لأنه ليس بمال شرعي، ولا يُتقوَّم وليس له قيمة ولا ثمن.

الرابع: يشترط أيضاً انتفاء الشبهة، يعني أن لا يكون للسارق شبهة، فلو سَرَق من بيت المال، فإنها لا تقطع يده؛ لأن له شبهة، إذ إن له حقاً في بيت المال، بل كل مسلم له حق في بيت المال، فهو وإن كان محرَزَاً، لكن بالنسبة لهذا الشخص له حق فيه، وقد توسع الفقهاء رحمهم الله في مسألة الشبهة، ومنها هذه المسألة أنه إذا سَرَق الحر من بيت المال؛ فإنه لا يُقطع؛ لأن له فيه شبهة، والصواب أنه إن كانت الشبهة قوية فيُدرأ عنه الحد، وأما إذا كانت غير قوية وبعيدة، فلا ينبغي أن تُعطل الحدود من أجل أن يكون له حق من مليون مليون مليون مثلاً، هذا فيه تعطيل للحدود.

ومن الشبه إذا كان الناس في عام مجاعة، أو إذا كان الإنسان جائعاً، أما الأول فإذا كانت المجاعة عامة، والناس في سنة دهر وجدب وجوع؛ فإنه لا قطع؛ لوجود الشبهة وهي اضطرار هذا السارق إلى السرقة، ولو كان صاحب المال حاضراً لأوجبنا عليه أن يبذله له، فأما إذا كان الجوع خاصاً، فهذا لا يمنع من القطع؛ لأن هناك فرقاً بين هذا وهذا؛ لأن كل سارق يمكن أن يقول: إنه جائع، لكن المجاعة العامة هي التي تمنع القطع.

كذلك أيضاً قال أهل العلم: ولا يُقطع في بلاد الكفر، كالغزاة مثلاً، فالغزاة في بلاد الكفر لا يقطعون؛ لأنه لو قُطع لكان في ذلك تنفير عن الإسلام وربما يهرب هذا الرجل إلى بلاد الكفر ويبقى عندهم، وهذه مفسدة عظيمة، ولكن هل يرتفع عنه القطع دائماً أو يؤجل؟

الجواب: يؤجل، ومثل ذلك أيضاً ما وقع في بعض البلاد التي تحررت من الكفر ودخلت في الإسلام، لو قالوا: نحن إذا أقمنا الحدود ثار علينا الناس، فيثور علينا أولاً الشعب ثم الدول، فهل لنا الحق أن نؤجل حتى يتقوى الجانب الإسلامي؟

نقول: نعم، بدليل أن الحدود إنما جاءت في الشريعة الإسلامية متأخرة، نعم هي لدرء المفاسد، لكن هي أيضاً متأخرة حتى يتمكن الناس من قبولها، ثم إن المقصود من الحد، إصلاح الخلق، والتكفير عن المحدود، فإذا كان يترتب على إقامته مفسدة أعظم فليؤجل.

لو قال قائل: إذا وجب الحد على امرأة حامل سرقت هل يقام عليها الحد؟

الجواب: لا، يؤجل؛ لأن القطع يخشى منه على الجنين، والجنين بريء ليس منه جناية.

لو قال قائل: لو سرق الإنسان من مال أبيه هل يُقطع؟

الجواب: العامة يقولون: السارق من السارق كالسارق من أبيه، والمعنى أنه لا يقطع، السارق من أبيه يقولون: لا يقطع؛ لأنه له حق في مال أبيه، وهو الإنفاق عليه إذا كان محتاجاً، الزوج مع زوجته كذلك؛ لأن هذا فيه شبهة، وجرت العادة بأن الزوجين يتبسط أحدهما في مال الآخر، إذاً لا بد لإقامة الحد من انتفاء الشبهة، لكن كما تقدم هناك شبهة بعيدة، وشبهة قريبة.

لو قال قائل: هل يشترط ثبوت السرقة يعني: لو ادُّعِي على شخص أنه سارق، هل نقول: لا يقام عليه الحد حتى تثبت السرقة؟

الجواب: نعم؛ لأن الله قال: {{وَالسَّارِقُ} }، ولا يصدق عليه وصف السرقة إلا إذا ثبتت، وبدون الثبوت لا يصدق عليه أنه سارق، وتثبت السرقة بشهادة رجلين عدلين، فإن شهد رجل وامرأتان لم يُقَم الحد، لكن يضمن المال؛ لأن المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين، والحد لا يثبت إلا بشهادة رجلين، ولهذا فإنه لا مدخل للنساء في الحدود، لو يشهد أربعمائة امرأة على رجل أنه زنا؛ فإنه لا يقام عليه الحد، وكذلك في السرقة، وكذلك في بقية الحدود، لا مدخل للنساء في الحدود بل شهادة الحدود للرجال فقط.

إذاً لا بد من ثبوت السرقة، وتثبت بشاهدين أو بإقرار السارق، إذا أقر السارق فإنها تثبت السرقة.

لكن هل يُشترط تكرار الإقرار أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من يقول: لا بد أن يكرر الإقرار مرتين كل مرة بإزاء شاهد؛ لأنه لا بد من شاهدين فلا بد أن يقر مرتين، فلو أقر مرة لم تثبت السرقة، وقال بعض أهل العلم: تثبت بالإقرار مرة؛ لأنه شهد على نفسه، ولا عذر لمن أقر، فتثبت السرقة بإقراره مرة.

وإذا أقر سواء قلنا مرتين أو مرة فهل له أن يرجع، يعني هل يُقبل رجوعه بحيث لا نقيم عليه الحد؟

أكثر الفقهاء يقولون: يُقبل رجوعه عن الإقرار، وعلى هذا لا يقطع، لكن يؤخذ بحق الآدمي يُضمَّن المال، أما القطع فلا؛ لأنه رجع عن إقراره، وقال بعض العلماء: لا يرجع إذا أقر عند القاضي.

والصحيح في هذا التفصيل، أنه إذا وجدت قرائن تدل على صحة إقراره، فإنه لا يقبل الرجوع، وإذا لم توجد قرائن، فإنه يقبل رجوعه، ويكون الأمر بينه وبين ربه، فلو قال السارق: إنه سرق، قلنا كيف سرقت؟ قال: أتيت في الليل فكسرت الباب وكسرت الصندوق وأخذت المال، وهذا البيت هو الذي أنا سرقته، ووصفه تماماً، ثم رجع، هل يقبل مثل هذا؟ لا يمكن أن يُقبل؛ لأنه لو قبل مثل هذا، أي: قبل الرجوع عن إقراره لتعطلت الحدود، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: لو قبل رجوع المقر في الحد ما أقيم حد في الدنيا؛ لأن كل إنسان يمكنه أن يقر ثم يرجع، لا سيما إذا لُقِّن، وقيل له: ارجع لا تخف، بعد أن أمر القاضي بقطع يده وأُحضِرت السكين، وأحضِر الزيت لتحسم يده، وحضر رجال الأمير، ثم قال: اصبروا؛ أنا رجعت عن إقراري، هذا شبه تلاعب، فنقول: هذا لا يقبل؛ لأنه وجدت قرائن تدل على أن إقراره حق وليس عن تلاعب، وليس عن إكراه، هو الذي دلّ الناس على مكان السرقة وعلى كيفية السرقة، ولا شك أن مثل هذا لا يُقبل رجوعه عن إقراره.

إذاً يشترط ثبوت السرقة والدليل الآية: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} } إذ لا يصدق عليه أنه سارق أو سارقة إلا بالثبوت، والثبوت يكون بشهادة عدلين وإما باعتراف.

وهل لا بد من التكرار أم لا؟ فيه خلاف وتقدم.

الفائدة الرابعة: وجوب قطع يد السارق والسارقة اليمنى، كما فسَّر ذلك قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «فاقطعوا أيمانهما» فتُقطَع اليد اليمنى بربع دينار، ومن أين تقطع؟ تقطع مما يصدق عليه أنه يد، فأقل ما يصدق عليه أنه يد تقطع منه؛ لأن ما زاد على ما يصدق عليه اليد مشكوك فيه، والذي يصدق عليه أنه يد الكف، فتقطع من مفصل الكف من الرُّسْغ والكوع والكرسوع، الكوع الذي يلي الإبهام في طرف الذراع، والكرسوع الذي يلي الخنصر، والرسغ الذي في الوسط.

فإن قال قائل: كيف تقطع بربع دينار وهي لو قطعت عمداً لكان فيها خمسمائة دينار يعني لو أن إنساناً جنى على شخص وقطع يده، قلنا: عليك خمسمائة دينار، والسارق يسرق ربع دينار وتقطع يده. ولهذا أورد التشكيك في هذه المسألة أبو العلاء المعري فقال:

يد بخمس مئين عسجداً وديت

ما بالها قطعت في ربع دينار

تناقض ما لنا إلا السكوت له

ونستعيذ بمولانا من النار

فقال: تناقض، وجه التناقض عنده، أنه كيف يد ديتها خمسمائة دينار تقطع وتهدر بربع دينار هذا تناقض؛ لأنه إذا كانت اليد ديتها خمسمائة دينار فلا تقطع إلا بسرقة خمسمائة دينار؛ وإذا كانت تقطع بربع دينار صارت ديتها ربع دينار وإلا فتناقض؟ لكنهم ردوا عليه فقالوا:

قل للمعري عار أيما عار

جهل الفتى وهو عن ثوب التُّقى عاري

عار: أي: ليس عنده علم ولا عبادة.

يـد بخمس مئين عسجـداً وديت

لكنهـا قطعت في ربع دينـار

حماية النفس أغلاهـا وأرخصها

حماية المال فافهم حكمة الباري

فانظر إلى الجواب والشاهد في البيت الأخير، يعني أن ديتها جعلت خمسمائة دينار حماية للنفوس، حتى لا يجتريء أحد على قطع أيدي الناس، وقطعت في ربع دينار حماية للأموال حتى لا يجتريء أحد على السرقة، وهذا جواب واضح معقول.

وهناك جواب آخر، يشبه أن يكون أدبياً، قال: إنها لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة، لما خانت بالسرقة هانت وصارت قيمتها ربع دينار، ولما كانت أمينة كانت ثمينة وكانت قيمتها خمسمائة دينار، وعلى كل حال هذه أجوبة في الواقع لهؤلاء الذين يوردون مثل هذه الشبه، وإلا فإننا نعلم علم اليقين أن الله لا يفرق بين شيئين إلا وبينهما فرق أوجب التفريق في الحكم.

لو قال قائل: إذا قُدِّرَ أن السارق يستعمل شماله في السرقة ويعتمد عليها فهل تقطع اليمنى أم اليسرى؟

الجواب: تقطع يمينه حتى لو سرق بفمه، كأن يجد السارق حُلياً معلقاً فيعضه بفمه حتى يقطع حبله؛ لأنه لو استعمل يمينه لرآه الناس، الحاصل أن يمينه هي التي تقطع، وأيضاً إذا قُدِّر أن السارق الذي سرق ليس له يد يمنى فهل تقطع اليسرى أو لا؟

في هذا خلاف: منهم من يقول: لا تقطع؛ لأن الله إنما نص على اليمنى فقط، يعني: إنما جاءت الآية باليمنى فقط واليسرى لا تقطع؛ لأننا إذا قطعنا يسراه فوتنا عليه منفعة اليدين كلتيهما، وهذا لا يصح، كما قالوا: إن عين الأعور لا تُفقأ بعين الصحيح، مثال ذلك: رجل أعور ليس عنده إلا العين اليمنى فقط، فقأ عين رجل سليم اليمنى، هل نفقأ عين الأعور؟

المشهور من المذهب لا نفقأها؛ لأننا إذا فقأنا عينه فوتنا عليه البصر كله، وهو لم يفوت البصر على المجني عليه، وقد قال الله تعالى: {{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} } [المائدة: 45] ، وعين الأعور تؤدي البصر كله، فلا مساواة.

فأقول: إن بعض العلماء يقول: إذا لم يكن للسارق إلا يد يسرى، فإنها لا تقطع؛ لأن ذلك يفوت عليه منفعة اليدين، ولذلك أمر الله عزّ وجل في قطاع الطريق أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ لئلا تتعطل اليدان جميعاً، فمنهم من يقول: لا تقطع اليد اليسرى، ومنهم من يقول: تقطع، وإذا فوتنا عليه ذلك، فهو الذي جنى على نفسه؛ لإننا إنما قطعناها لأنه هو الذي سرق، وهو الذي جنى على نفسه، والمسألة تتجاذب فيها الأدلة.

إذا لم يكن له يدان هل نقطع الرجل؟

الجواب: لا نقطع الرِّجِل؛ لأنها ليست من جنسها، وإذا كانت اليمنى شلاء، هل نقطعها؟ تقطع لأن الآية عامة، ولا نقول: إننا لا نقطعها، ونقطع اليد اليسرى السليمة، بل نقطع الشلاء.

هل يجب علينا عند القطع أن نفعل ما يمنع نزيف الدم أم نتركه ينزف الدم ويموت؟ الأول، يجب أن نفعل ما يمنع نزيف الدم وأن لا ندعه يموت؛ لأن المقصود قطع اليد.

هل يجوز أو يلزم أن نُبَنِّج هذا السارق عند قطعه؟ يجوز أن نبنج هذا السارق؛ لأن القطع يحصل مع البنج وعدمه، بخلاف القصاص، فلو أن رجلاً قطع يد إنسان وحكمنا بالقصاص فلا نبنج يده من أجل أنه قطع يد المجني عليه؛ فإننا لا نبنجه بل نذيقه الألم كما أذاق المجني عليه الألم، وهذا فرق واضح.

وفيما سبق، يحسمون الدم بأن يأتوا بزيت يغلونه على النار. فإذا قُطِعت اليد، غمسوا طرف الذراع في هذا الزيت، وإذا انغمس تسددت أفواه العروق، لكن في ظني أن الطب ترقَّى الآن وأنه يمكن إيقاف الدم بدون هذه العملية، والواجب أننا نسلك أسهل ما يكون بالنسبة لإيقاف الدم؛ لأن المقصود هو إتلاف اليد وقد حصل، فإذا وجدنا طريقاً يمكن بها إيقاف الدم غير الحسم الذي ذكره العلماء، واستعملوه فيما سبق، فإننا نستعمله.

وهنا مسألة: إذا سرق مرتين هل نقطع غير اليمنى؟ نقول: إذا كان ذلك قبل القطع فإنه لا تقطع إلا اليد اليمنى، يعني لو سرق عشرين مرة قبل أن نقطعه لا نقطع إلا يداً واحدة، فإن قطعناها أول مرة، ثم سرق ثانية، فإنها تقطع رجله اليسرى لا يده اليسرى بل رجله اليسرى، لقول الله تبارك وتعالى في المحاربين: {{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ} } [المائدة: 33] فيكون القطع لليد اليمنى والرجل اليسرى، لئلا يتعطل جانب منه كامل عن المنفعة .

وقال بعض أهل العلم: إذا تكررت منه السرقة بعد القطع فإنه لا يقطع؛ لأن الله إنما أباح قطع اليد اليمنى فقط، والأصل احترام المسلم، فلو تكررت السرقة منه عشرين مرة، لا تُقطع إلا اليمنى فقط، لكن إذا لم يندفع أذاه إلا بالحبس أو القتل فعلنا ما يندفع به أذاه، أما أن نقطع شيئاً من أعضائه والله عزّ وجل إنما ذكر قطع يد واحدة فلا، لكن المشهور عندنا في المذهب أنه تقطع رجله اليسرى إلحاقاً له بالمحاربين، فإن سرق الثالثة فإنه لا يقطع.

وقال بعض العلماء: إنها تقطع يده اليسرى، فيبقى عنده رِجل واحدة، فإن سرق الرابعة، فقال بعض أهل العلم: إنها تقطع رجله اليمنى، وعلى هذا لا يبقى شيء من أطرافه، فإن سرق الخامسة قتل، وقد سمع أحد العوام رجلاً يحدث في المسجد، وقال هذا القول، تقطع اليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، ثم إن سرق قتل، فقال العامي على البديهة: بماذا يسرق وليس له يدان ولا رجلان؟ لكن الواقع أنه يمكن أن يسرق؛ لأنه باقٍ عنده الذراع، ويستطيع أن يأخذ المال به.

على كل حال: الذي يظهر أننا لا نتعدى حد المحاربين، يعني نقطع يده اليمنى، فإن عاد فرجله اليسرى فقط.

لو قال قائل: لو أراد السارق أن يعيد يده بعد قطعها هل له ذلك؟

الجواب: هذا سؤال جيد، فلو حاول السارق أن يجري عملية لرد يده لا يُمكَّن من ذلك؛ لأن المقصود قطعها، لكن لو كان قصاصاً بأن اقتص منه ثم أراد أن يجري العملية لردها هل نمنعه؟ الظاهر لا نمنعه، بخلاف السرقة، فللشارع قصد في إتلاف يده، وأما القصاص فالمقصود منه أن تقطع يد الجاني كما قطعت يد المجني عليه، ولهذا لو فرض أن المجني عليه ردت يده وعادت سليمة مائة بالمائة لا يقطع الجاني.

الفائدة الخامسة: الحكمة في وجوب قطع يد السارق، لقوله: {{جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} }.

الفائدة السادسة: أن العقوبة من جنس العمل، وإن شئت فقل: الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما سرق والغالب أن الأخذ والإعطاء باليمين قطعت يده.

فإن قال قائل: يلزم على قولكم بقطع الآلة التي سرق بها أن توجبوا قطع ذكر الزاني، فما الجواب؟

الجواب: على كل حال واضح، وهو أن الزاني ذكر الله له عقوبة خاصة والسارق له عقوبة خاصة، هذا دليل سمعي، وأما الدليل العقلي: فالضرر الذي يترتب على قطع الذكر ليس كالضرر الذي يترتب على قطع اليد؛ لأن هذا يلزم منه قطع النسل ومصادمة ما يريده الرسول عليه الصلاة والسلام من هذه الأمة وهو تكثير النسل[(181)]، وأيضاً لأن يد السارق إذا قطعت صارت نكالاً لأن اليد ظاهرة، لكن قطع ذكر الزاني لا يعلمه أحد؛ لأنه مستور، وحِكَمٌ أخرى، فلذلك لم يوجب الله تعالى أن يقطع ذكر الزاني، بل أوجب الجلد والتغريب لغير المحصن والرجم للمحصن.

الفائدة السابعة: الرد على الجبرية لقوله: {{بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} }، ووجه آخر معنوي، وهو أنه لو كان السارق والسارقة مجبرين ما صح أن يعاقبا؛ لأن المجبر لا حكم لفعله، حتى المكره على الكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، فإنه لا يكفر فالمهم أن في الآية رداً على الجبرية، وما أكثر الردود على أهل البدع والحمد لله.

الفائدة الثامنة: أن الحدود كفارة، لقوله: {{جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} } ولا يضاعف الله عليه الجزاء.

الفائدة التاسعة: الحكمة في إيجاب الحدود، لقول الله تبارك وتعالى: {{نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} } والنكال يكون للغير، كما قال الله تعالى: {{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}} [البقرة: 66] ، فإن من علم أن يده سوف تقطع بالسرقة سوف ينكل عنها ولا يسرق.

الفائدة العاشرة: بيان أن الله سبحانه وتعالى مع كمال رحمته ورأفته، فإنه شرع الحدود وأوجبها شرعاً؛ لأن ذلك عين الرحمة، إذ لولا الحدود لفشت بين الناس المعاصي، لكن الحدود تردعهم إذا لم يردعهم الإيمان، ولهذا يقولون: إذا خلا الإنسان من الوازع الديني فإنه يقرع بالرادع السلطاني.

الفائدة الحادية عشرة : إثبات اسمين من أسماء الله، وهما العزيز والحكيم، وما أكثر ما يقترنان في القرآن الكريم؛ لأن بهما تمام السلطة وكمالها، والعزيز: يعني أنه ذو العزة، والعزة ذكر ابن القيم رحمه الله لها ثلاثة معان:

المعنى الأول: العزة بمعنى الغلبة، ومنه قوله تعالى: {{لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}} [المنافقون: 8] .

ومنها قول الشاعر:

أين المفر والإله الطالب***والأشرم المغلوب ليس الغالب

المعنى الثاني للعزة: أنه سبحانه وتعالى ممتنع عن كل نقص، مأخوذ من الأرض العزاز، يعني الصلبة التي لا تُنال إلا بقوة ومعاول كبيرة وحديدية.

الثالث : العزة التي هي كماله أي: كمال وصفه.

وهو العزيز بعزة هي وصفه***فالعز حينئذٍ له ثلاثة معانٍ

أما الحكيم : فإن الحكيم مشتق من معنيين: المعنى الأول: الحكم، والمعنى الثاني: الحكمة؛ لأن هذه المادة الحاء والكاف والميم تدل على الحكم وعلى الحكمة، يعني الإحكام، فأما الحكم فإن حُكْم الله تعالى نوعان: النوع الأول: الحكم القدري، والنوع الثاني : الحكم الشرعي، مثال الأول: قول الله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: {{فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي}} [يوسف: 80] ، يعني يقدر، هذا حكم كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه، فإذا حكم الله تعالى بالشيء كوناً فلا بد أن يقع.

أما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: {{ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}} [الممتحنة: 10] ، يعني حكماً شرعياً، وأما قوله تعالى: {{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *}} [المائدة: 50] ، فالظاهر أنها شاملة، وإن كان السياق يقتضي أن المراد به الحكم الشرعي، لكننا نقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

فقوله: {{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}} [المائدة: 50] يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، الحكم الكوني ذكرنا أنه لا بد من وقوعه، وأما الحكم الشرعي إذا حكم الله على أحدٍ بشيء شرعاً هل يلزم منه الوقوع؟

الجواب: لا؛ لأن من الناس من لم يحكم بما أنزل الله، ولم يمتثل أمر الله، فلا يلزم من الحكم الشرعي أن يقع المحكوم به؛ لأنه شرع، والشرع قد يُخالَف وقد يوافق، أما الحكمة فإنها وضع الشيء في مواضعه، على حد قول بعض السلف: إن الله تعالى لم يأمر بشيء فيقول العقل: ليته لم يأمر به، ولم ينهَ عن شيء فيقول العقل: ليته لم ينهَ عنه، فهي وضع الأشياء في مواضعها، وأنت إذا تأملت أحكام الله تعالى الكونية وأحكامه الشرعية، وجدت أنها في موضعها.

فإن أدرك ذلك عقلك فهذا المطلوب، وإن لم يدركه فسلم الأمر لمن له الحكمة البالغة، ولذلك نجد الشرائع مطابقة للحكمة تماماً، فالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين وصلة الأرحام، وما أشبه ذلك كلها مطابقة للحكمة.

ونجد أيضاً الأحكام الكونية مطابقة للحكمة قال تعالى: {{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}} لماذا؟ {{لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}} [الروم: 41] ، فالفساد الذي يكون في البر أو في البحر هو فساد لكنه لحكمة عظيمة، وهي: أن يرجع الناس إلى دينهم ويكفوا عما كسبت أيديهم من المعاصي، وهلمَّ جرَّا.

يعني أحكام الله الكونية والشرعية كلها مطابقة للحكمة، ولكن لا يلزم من كونها مطابقة للحكمة أن يفهم الحكمة كل أحد من الناس، فقد تخفى على كثير من الناس، وقد تخفى على بعض الناس دون بعض، وما خفي عليك فَكِلْهُ إلى عالمه، ولذلك لما سألت المرأة عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[(182)].

إذاً: مجرد كون هذا الشيء محكوماً به من قِبل الله شرعاً فإننا نعلم أنه لحكمة، وأيضاً مجرد كون الشيء يقع في أحكام الله الكونية، وإن كانت لا تظهر لنا المصلحة فيه؛ فإننا نعلم أنه لحكمة، فعلينا أن نستسلم وأن لا نعارض، وأن لا نقول: كيف ولا لِمَ؟ لأن ذلك فيه اعتراض، اللهم إلا رجلاً يريد أن يسأل عن الحكمة، حتى يطمئن قلبه، وحتى يعرف من صفات الله ما لا يعرف؛ فهذا لا بأس به.

واعلم أن الحكمة نوعان: حكمة غاية، وحكمة وضع الشيء على ما هو عليه، ويمكن أن نقول: حكمة صورية وحكمة غائية، فالصورية: أن يكون الشيء على هذه الصورة، فكونه على هذه الصورة، هذه حكمة، كون الصلوات مثلاً خمساً وفي أوقات مختلفة، هذه حكمة، كونها تنقطع على الوتر، هذه حكمة، صلاة الليل وصلاة النهار، فصلاة النهار وترها المغرب، وصلاة الليل وترها النافلة المعروفة، هذه حكمة، كون هذه الأمور مشروعة لغاية، أيضاً حكمة، وهكذا أيضاً المخلوقات هي على وضعها التي هي عليه حكمة، والغاية التي تصل إليها هذه المخلوقات لا شك أنها حكمة، فصار الحكيم مشتق من الحُكْم والإِحْكام الذي هو الحكمة، والحكم نوعان: كوني وشرعي، والحكمة نوعان: صورية وغائية.

الفائدة الثانية عشرة : حسن الختام في الآيات الكريمة، وأنها مطابقة تماماً للأحكام التي خُتِمت بها، فالعزة من معناها الغلبة، ولا شك أن إيجاب قطع الأيدي يدل على العزة والغلبة وكمال السلطة، الحكمة أيضاً تُنَاسِب القطع لأن فيها حكماً صارماً، وفيها أيضاً حكمة بالغة.

فلذلك كانت الجملة: {{وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} } مطابقة تماماً لما ذكر في الآية الكريمة من قطع يد السارق، وبيان الحكمة من ذلك، ورأيت في كتاب السيوطي الإتقان أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ يقول: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} } والله غفور رحيم فاستنكر الأعرابي هذا وقال: أَعِد الآية، فأعادها مرة ثانية باللفظ الأول: «والله غفور رحيم» ثم قال: أعدها، فأعادها مرتين أو ثلاثاً، ثم أعادها على الصواب، فقال: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *} } فقال: الآن أصبت؛ لأنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع.

انظر، كيف الفهم، وهو أعرابي لم يتعلم؟ لكن واضح أن الله سبحانه وتعالى لو قال: «والله غفور رحيم» ما ناسب وجوب القطع، هذا يناسب التوبة، قال تعالى: {{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} } المائدة: 39] أما القطع فإنه يناسب العزة والحكمة.

الفائدة الثالثة عشرة : الرد على كل ناعق يقول: إن قطع الأيدي وحشية، وأن ذلك يستلزم أن يكون نصف الشعب أشل، ليس له إلا يد واحدة، لقوله: { $ % × {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}} فيقال: بل هذه هي عين الحكمة وعين الصواب؛ لأنه لو ترك الناس لحصلت الفوضى وابتزاز الأموال، والسطو على الآمنين، فكان قطع اليد لا شك أنه هو الحكمة، وانظر إلى الشعوب التي تطبق هذه الحدود الشرعية كيف تقل فيها الجريمة، وعلى العكس الشعوب التي لا تطبقها.

وهذا كقول القائل: إن قتل القاتل يعني كثرة إزهاق النفوس، وهذا أيضاً مصادم تماماً لقول الله تعالى: {{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}} [البقرة: 179] ، فالقصاص هو الحياة في الواقع، لنا فيه حياة؛ لأن من هَمَّ بالقتل ثم ذكر أنه سيقتل امتنع وكف عن القتل، ثم ليُعلم أن المقتول ظلماً، لا بد أن يقتل قاتله، لقول الله تعالى: {{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}} [الإسراء: 33] ، سلطاناً شرعياً بأن له القصاص، وسلطاناً قدرياً؛ بأن الله تعالى يمكن من العثور على هذا القاتل حتى يُقتل، وهذا شيء مشاهد دائماً، يقتل القاتل ويهرب، وإذا به يأتي بقدر الله عزّ وجل، وهذا داخل في قوله: {{فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}} أي: قدرياً وشرعياً، وكأن الأمر حاصل ولا بد، ولهذا قال: {{فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}} [الإسراء: 33] ؛ كأنه قال: لا بد أن يقتل أي: ولي المقتول ظلماً، ولكن لا يسرف في القتل، وذلك لأن ولي المقتول ظلماً قد تأخذه الحمية والغضب، فيسرف في القتل، فنهاه الله عزّ وجل عن ذلك، وجعل الأمر قصاصاً.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [المائدة: 39] .

قوله: {{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} } «مَنْ»: هذه شرطية، وهي عامة تعم السارق وغير السارق، كل إنسان يتوب من بعد ظلمه ويصلح فإن الله يتوب عليه، يدخل فيها السارق من باب أولى؛ لأنها في سياق الحكم على السارق، فإذا تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه.

والفائدة من ذكر هذه الآية بعد قوله: {{فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} } [المائدة: 38] هي أن السارق قد تقطع يده، والحد هنا يكفر ما سبق من ذنب، لكنه في قرارة نفسه يريد أن يسرق إذا سنحت له الفرصة، فهل يتوب الله عليه في هذه الحال؟

الجواب: لا؛ لأنه لم يتبْ، فلا بد أن يتوب، فلا يقال: إنه قد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من فعل شيئاً من هذه القاذورات وأصيب بها في الدنيا فإنه كفارة له[(183)]، يعني الحدود كفارة، كما يدل عليه أيضاً قوله تعالى: {{جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} } [المائدة: 38] .

وقوله: {{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} } «هذا» فيمن تاب من بعد إقامة الحد عليه بالقطع، فالقطع يُكفِّر ما مضى، لكن إذا كان في نية هذا السارق؛ أنه إذا تسنى له السرقة سرق، فهل يتوب الله عليه؟

الجواب: لا؛ لأنه لم يتب إلى الله، ومثله من قتل قصاصاً أيضاً، لو كان في قلبه أنه لم يتب من الفعلة التي فعلها، وأنه لو تسنى له أن يقتل أحداً لقتله، فإن القصاص لا يُكفِّر عنه؛ لأن هذا فيما بينه وبين الله، وهو لم يتب فيما بينه وبين الله.

إذاً لو قال قائل: هل الآية تعارض الحديث بأن الحدود كفارة؟

الجواب: لا، الحدود كفارة لما سبق ومضى، وأما ما يبقى في قلبه من إرادة المعصية، فإنه لم يتب قال تعالى: {{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ} } أي: تاب من ظلم نفسه وظلم غيره؛ لأن المعصية إن تعدت إلى الغير ففيها ظلمان: ظلم النفس وظلم الغير، وإن كانت خاصة بالإنسان، ففيها ظلم واحد وهو ظلم النفس، وعجباً للإنسان المسكين أن يُقدم على المعصية، وهو يعلم أنه بذلك ظالم لنفسه، ولو أن أحداً أراد أن يظلمه لكان يدافع عن نفسه، ويمنعه من الظلم، فكيف لا يدافع عن نفسه من نفسه، ولكن الهوى يعمي ويصم.

المهم أن قوله: {{مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ} } يشمل ظلم نفسه، وظلم غيره.

وقوله: { {وَأَصْلَحَ} } أي: أصلح ما فسد بظلمه؛ لأن الظلم يفسد القلب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه» [(184)]، فالمعاصي تُفسِد، فإذا أصلح فإن الله يتوب عليه، والإصلاح في تحقيق التوبة والعمل الصالح.

قوله: {{فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} } يتوب عليه أي: يقبل توبته، واعلم أن لله تبارك وتعالى على عبده توبتين: التوبة الأولى: التوفيق للتوبة، والتوبة الثانية: قبولها من التائب، فمن الأول قوله تعالى: {{ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}} [التوبة: 118] ، تاب عليهم قبل أن يتوبوا بدليل قوله: {{لِيَتُوبُوا}} هذه التوبة توبة التوفيق، أن الله يوفق الإنسان إلى التوبة فيتوب إلى ربه عزّ وجل.

وأما قبول التوبة: فمثل قوله تعالى: {{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}} [الشورى: 25] ، ومثله هذه الآية: {{فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} }، أي: يقبل توبته.

وهل يصح في قوله: {{فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} } أن يكون بمعنى يوفقه للتوبة؟

الجواب: لا، لقوله: {{فَمَنْ تَابَ} } فهو الآن قد وفِّق: {{فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} } أي: من هذا الظلم الذي تاب منه.

وقوله: { {وَأَصْلَحَ} } أي: أصلح ما فسد بظلمه، وقد تقدم، وذلك بتدارك الواجب إن أمكن تداركه، وبالإقلاع عن المحرم فلا يستمر عليه، هذا هو الإصلاح ولا بد منه.

قوله: {{فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} } الجملة مؤكَّدة بـ(إنَّ)، من أجل طمأنينة العبد التائب بأن توبته لن تذهب سدى.

وقوله: {{غَفُورٌ رَحِيمٌ} } هذان اسمان كريمان من أسماء الله، مقترنان كثيراً في القرآن؛ لأن بالأول زوال المكروه، وبالثاني حصول المحبوب، فالأول غفور؛ يعني للذنوب، والثاني رحيم، يعني أنه يوصل الخير إلى عباده بمقتضى رحمته سبحانه وتعالى.

لو قال قائل: هل الغفور هنا اسم فاعل أو صفة مشبهة أو صيغة مبالغة؟

نقول: الظاهر والله أعلم أنها صيغة مبالغة، وليست اسم فاعل؛ اسم الفاعل مثل قوله: {{غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ}} [غافر: 3] ، لكن هذه صيغة مبالغة، وجاءت بصيغة المبالغة؛ لكثرة غفران الله تعالى لعباده، ولكثرة من غُفِر لهم، فما أكثر ما يغفر الله لنا ذنوبنا بما شرع لنا من أسباب المغفرة، وما أكثر الذين غُفِرت ذنوبهم، فلهذا جاء هذا الاسم بصيغة المبالغة.

فما هي المغفرة؟ المغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، هذا معناها، وإنما قلنا بهذا من أجل أن يطابق الوصف المعنوي الوصف الحسي؛ لأنهم يقولون: إنها مشتقة من المِغْفَر. والمِغْفَر هو ما يغطي به المقاتل رأسه يتقي به السهام، وإذا تأملت المغفر وجدت أنه حصل به شيئان: الستر والوقاية.

إذاً فالغفور معناه: الساتر لذنوب عباده الواقي لهم من عذابه، وما أكثر الذنوب، ولو أن الله تعالى أطْلَعَ الناس على ذنوبنا لكان كما قال القحطاني رحمه الله في النونية:

والله لو علموا قبيح سريرتي***لأبى السلام عليّ من يلقاني

يعني: لو أن الله كشف الذنوب لكان الإنسان يُهجَر، لكن من لطفه عزّ وجل أنه يسترها، وفي النهاية لا يعاقب عليها، كما جاء في الحديث الصحيح: «أن الله تعالى يوم القيامة يخلو بعبده المؤمن وحده ويقرره بذنوبه، يقول: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، ويقر، لا يستطيع أن ينكر، فيقول الله له: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» [(185)] أقيك عذابها وعقوبتها مع سترها.

وقوله: {{رَحِيمٌ} } أي: ذو رحمة بالغة، قال الله تعالى: {{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ}} ماذا؟ {{ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}} [الأنعام: 147] والرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عزّ وجل بالقرآن والسنة وإجماع السلف، وقد أنكرها أهل التعطيل الذين حكموا على الله بعقولهم، وتركوا الكتاب والسنة؛ لأن من أصول عقيدتهم أن تلقي الصفات من العقول، فما اقتضى العقل نفيه، وجب نفيه، وما اقتضى إثباته؛ وجب إثباته، وما لم يقتضِ نفيه ولا إثباته توقفوا فيه، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنهم انقسموا فيه قسمين، بعضهم توقف فيه وأكثرهم نفاه، قال: لأنه لا بد من دليل إيجابي على ثبوته، وأنت ترى أن هذا الأصل الخبيث يستلزم تكذيب ما جاء في القرآن، وإثبات ما لم يأتِ في القرآن؛ لأنهم قالوا: إذا أثبت العقل شيئاً أثبتناه، يعني سواء وجد في الكتاب والسنة أم لا، وإذا نفى شيئاً نفيناه، يتصرفون هذا التصرف في معبودهم وإلههم، ولا شك أن الإنسان إذا تأمل هذه القاعدة الخبيثة وجدها خطراً عظيماً، ولولا أنهم يعذرون بأنهم قالوا ذلك تأويلاً لكان أمرهم خطيراً جداً.

نحن نؤمن بأن لله تعالى رحمة، وهم لا ينكرون الرحمة إنكار تكذيب لكنهم ينكرونها إنكار تأويل، ولذلك لم يكفروا، ولو أنهم أنكروها إنكار تكذيب لكفروا؛ لأن هذا تكذيب للخبر، لكنهم ينكرونها إنكار تأويل، ويقولون: إن الرحمة هي الثواب أو إرادة الثواب، والمعلوم أن الثواب شيء منفصل عن الله عزّ وجل مخلوق بائن من الله، وإرادة الثواب صفة في ذات الله، لكن هم يُقرون بالإرادة أي: يثبتون الإرادة التي هي إحدى الصفات السبع، وعجباً أنهم يثبتون الإرادة بطريق خفي، وينكرون الرحمة مع أن طريقها واضح، في الإرادة يقولون: نحن نستدل بأن الله مريد بالتخصيص، يعني كونه يخصص مثلاً الإنسان على هذا الوجه، يعني مستطيل القامة، له عقل وإرادة، وما أشبه ذلك، وخصص البعير بخصائصه، والشمس بخصائصها، والقمر بخصائصه، هذا يدل على الإرادة، يعني لولا الإرادة لكانت المخلوقات كلها سواء. فهم يقولون: التخصيص يدل على الإرادة، ودلالة التخصيص على الإرادة دلالة خفية لا يعرفها كل إنسان، حتى طلاب العلم لا يعرفونها إلا إذا قرؤوها، لكن دلالة النعم على الرحمة واضحة، كلٌّ يعرف أن من رحمة الله أن جعل الليل والنهار، وجعل الأمطار والأنهار وغير ذلك، يعرفها الخاص والعام.

والعجيب أنهم يقولون: الرحمة لا نُثبتها لانتفاء دلالة العقل عليها، والإرادة نثبتها لدلالة العقل عليها، فيقال: سبحان الله، أيما أبين دلالة العقل على الرحمة أو على الإرادة؟! دلالة العقل على الرحمة بلا شك.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: حث الإنسان على التوبة حتى لو ظَلَمَ، لقول الله تعالى: {{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} }، والله تعالى لم يقل هذا لمجرد الخبر، بل لأجل الحث على التوبة.

الفائدة الثانية: التائب من الظلم مهما كان، حتى التائب من الشرك إذا تاب وأصلح فإن الله يتوب عليه، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظلم يشمل الشرك، كما قال الله تعالى عن لقمان أنه قال لابنه: {{يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}} [لقمان: 13] .

الفائدة الثالثة: أن فعل المعاصي وترك الواجبات ظلم، لقوله: {{مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ} } وذلك أن النفس عند الإنسان أمانة يجب أن يسعى لها بما هو الأصلح والأنفع، فإذا خالف فهو ظالم خائن للأمانة.

الفائدة الرابعة: أنه لا بد في التوبة من الإصلاح؛ لقوله: { {وَأَصْلَحَ} } ولكن هل الإصلاح شرط للتوبة في جميع الأعمال؟ أو شرط للتوبة في ذلك العمل الذي وقع فيه الظلم؟

الجواب: الثاني، ولهذا نقول: الصحيح أنه يجوز أن يتوب من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن هو لا يستحق أن يسمى تائباً على وجه الإطلاق، بل يقيد أنه تائب من كذا.

إذاً قوله: { {وَأَصْلَحَ} } أي: ما أفسده بظلمه وإن لم يكن أصلح جميع أحواله.

الفائدة الخامسة: تأكيد توبة الله على من تاب وأصلح، لقوله: {{فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} } وقد تقدمت شروط التوبة قريباً وأنها خمسة.

الفائدة السادسة: بلاغة القرآن الكريم حيث يختم الأحكام بما يناسبها من أسماء الله، لقوله: {{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} }.

الفائدة السابعة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عزّ وجل وهما الغفور والرحيم.

* * *

قال الله تعالى: {{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *}} [المائدة: 40] .

قوله: {{أَلَمْ تَعْلَمْ}} الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه، فكل من يصح توجه الخطاب إليه فإنه داخل في قوله: {{أَلَمْ تَعْلَمْ}} لأن خطاب المفرد في القرآن الكريم يشمل كل من يتأتى خطابه، أو كل من يصح توجيه الخطاب إليه إلا إذا دل الدليل على أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون خاصاً به، فقوله: {{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *}} [الشرح: 1] ، هذا خاص بالرسول صلّى الله عليه وسلّم، لكن إذا لم يدل الدليل على أنه خاص بالرسول صلّى الله عليه وسلّم فإن القرآن يخاطب كل الناس، فإنه يُحمل على أنه موجَّه إلى كل من يصح توجه الخطاب إليه، وقد ذكرنا فيما سبق الخلاف في هذا، هل هو موجه للرسول صلّى الله عليه وسلّم أولاً، ثم لغيره ثانياً، أو لغيره أولاً، ثم لغيره تأسياً، أو لكل من يصح منه الخطاب؟ هذا هو الأولى.

وقوله: {{أَلَمْ تَعْلَمْ}} أيها المخاطب أن الله له ملك السموات والأرض، وأتى بهذه الآية في مكانها اللائق؛ لأن ما سبق من الآيات كان في إقامة الحدود، فلعل النفس تقول: لماذا كل هذه الشدة، لماذا هذه الغلظة، فقال الله عزّ وجل: {{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}}، والاستفهام هنا للتقرير، فإذا كان له ملك السموات والأرض، فإنه يحكم بما شاء، ويفعل ما شاء، ولهذا قال: {{يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} } في هذه الآية قَدَّم التعذيب على المغفرة، وفي آية أخرى قدم المغفرة على التعذيب، والمناسبة واضحة؛ لأن الكلام هنا عن الحدود والعقوبات، فناسب أن يُقدم التعذيب على المغفرة.

قوله: {{يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} } لا تظن أن الله إذا قال: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا تظن أن الأمر على غير حكمة، بل يعذب من يشاء إذا اقتضت الحكمة تعذيبه، ويغفر لمن يشاء إذا اقتضت الحكمة أن يغفر الله له، ولهذا قال الله عزّ وجل: {{وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [الإنسان: 30] .

ثم ختم هذه الآية بقوله: {{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}} [فاطر: 44] ، فهو سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، القوة ضدها الضعف، قال الله تعالى: {{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}} [الروم: 54] ، لكن القدرة ضدها العجز، والفرق بينهما أن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة، والقوة تكون من ذي الإرادة وغيره، فالإنسان يقال له قادر، ويقال له قوي، والجدار يقال له قوي، ولا يقال له قادر؛ لأن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: تقرير عموم ملك الله عزّ وجل، لقوله: { {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} }.

الفائدة الثانية: أن الملك العام في السموات والأرض خاص بالله، دليله تقديم الخبر في قوله: { {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} } قال علماء البلاغة: وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص.

الفائدة الثالثة: أن ملك السموات والأرض لله لا يشاركه فيه أحد، قال الله تعالى: {{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}} [فاطر: 13] ، وقال الله تعالى: {{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ *}} [سبأ: 22] .

فإذا قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة، واختصاص ملك السموات والأرض بالله، وبين قول الله تعالى: {{أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ}} [النور: 61] ، وقوله: {{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}} [النساء: 3] ، وما أشبه ذلك من إثبات الملك للمخلوق؟

الجواب: نقول: ملك الله عزّ وجل عام، يتصرف كما يشاء في كل شيء، أما ملك الإنسان فخاص ومقيّد، أيضاً لا يتصرف الإنسان في ملكه كما يشاء، فالإنسان ممنوع من الربا، وممنوع من الغش، وممنوع من المعاملة المجهولة، بل ممنوع من أن يتلف ماله، فالملك إذاً قاصر تصرفاً وعيناً، حتى الأعيان لا يملك الإنسان منها كل شيء، يملك ملكه الخاص، لكن ملك الله عزّ وجل عام في كل شيء، في الأعيان والتصرف فيها، ولذلك ليس لنا الحق أن نتصرف فيما ملكنا الله إلا بإذن الله.

الفائدة الرابعة: إثبات العقوبة والمغفرة لله عزّ وجل وذلك لكمال سلطانه، لكن نجزم أنه لن يعذب أحد إلا بذنب يستحق العذاب عليه.

الفائدة الخامسة: إثبات المشيئة لله، لقوله: {{يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} }، ولا شك أن الله عزّ وجل له المشيئة التامة، يقول المسلمون كلهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

فإن قال قائل: مشيئة الله في أفعاله واضحة، يعني كونه ينزل المطر وينبت النبات ويخلق السموات والأرض، ويحيي ويميت هذا واضح، لكن هل له مشيئة في أفعال العباد؟

الجواب: نعم له مشيئة في أفعال العباد، قال الله تبارك وتعالى: {{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا}} [البقرة: 253] ، كررها مرتين، ليبين أن فعلهم بمشيئة الله عزّ وجل.

الفائدة السادسة: إثبات قدرة الله عزّ وجل على كل شيء؛ لقوله: { {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} } فهو سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، وهل يُستثنى من هذا العموم شيء؟ الجواب: لا يُستثنى شيء، بل هو قادر على كل شيء ولا استثناء فيه.

قبل أن نبدأ في تفسير هذه الآية فإننا نحب أن نلقي شيئاً من الأضواء على ما يتعلق بتفسير كتاب الله عزّ وجل، فنقول:

أولاً : معرفة تفسير كتاب الله فرض، إما فرض كفاية وإما فرض عين، وعلى هذا فمن قام بمعرفة تفسير القرآن الكريم، فإنه قد قام بفريضة من فرائض الله عزّ وجل.

ووجه كون التفسير فرضاً أن الله تعالى قال: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ *}} [ص: 29] وقال تعالى: {{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا *}} [محمد: 24] ومن المعلوم أن الله تعالى لم ينزل علينا القرآن لمجرد أن نتعبد بلفظه، بل لنعرف معناه ونطبقه عملاً وعلماً وإلا لكانت فائدته قليلة، لو كان المقصود مجرد أن نتعبد لله بتلاوته، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل[(186)].

فإذا قال قائل: إلى أي شيء نرجع في التفسير فكتب التفسير كثيرة، وتناولها للقرآن على وجوه متنوعة، فإلى أيها نرجع؟

نقول: أهم شيء نلاحظه في هذا، ما يتعلق بالعقيدة، وعلى هذا فنحذر من كل من ينحى منحى أهل التعطيل في صفات الله عزّ وجل وأسمائه، فإذا عُرِف أن صاحب هذا التفسير من هؤلاء القوم فلنحذره حتى وإن كان فيه فوائد من الناحية اللغوية أو الفقهية، لكن يجب أن نحذره في مقام العقيدة، لئلا نزلّ.

ولنضرب لهذا مثلاً، الكشاف للزمخشري: لا شك أنه تفسير جيد في تحرير المعنى، وفيما يرمي إلى البلاغة، وأن كل من جاء بعده ممن ينهجون هذا المنهج، كلهم عيال عليه، حتى إنك لترى العبارة: عبارة الزمخشري بنصها وفصها في هذه التفاسير، لكنه في مسألة العقيدة سيء يجب الحذر منه، حتى قال بعضهم: إنه لا يطلع على ما في كتابه هذا من الاعتزال إلا بالمناقيش ـ يعني أنه خفي ـ كما أن الشوكة لا تخرج إلا بمنقاش، كذلك لا يمكن أن يخرج الإنسان اعتزاليات صاحب الكشاف إلا بالمناقيش، وضرب لهذا مثلاً: قال: إنه قال: ـ عفا الله عنا وعنه ـ في قوله تعالى: {{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}} [آل عمران: 185] قال: أي فوز أعظم من أن يزحزح الإنسان عن النار ويدخل الجنة، هذا الكلام لا أحد يشعر بأن فيه انحرافاً، لكن إذا علمنا أن الرجل ذكي، وأنه يغلف المعاني بما يخفى على كثير من الناس، فهو يريد بهذا أن ينكر الرؤية أعني رؤية الرب عزّ وجل؛ لأن رؤية الرب عزّ وجل أعظم فوزاً من أن يدخل الإنسان الجنة ويزحزح عن النار، لكن الرجل ذكي، فمثل هذه العبارة يقرؤها الإنسان على أنها عبارة سليمة ليس فيها شيء، ولكن ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبله العذاب. الحاصل أن الإنسان لو رجع إلى تفسير الزمخشري وأعجبه بلاغته وحسن أسلوبه لكنه صغير ليس عنده علم، نقول: لا بد أن ينبه على هذا، ويقال: خذ ما يتعلق بالبلاغة، وما يتعلق بالنحو، وما يتعلق بالمعنى، لكن احذر مسألة العقيدة.

إذاً: على أي تفسير نعتمد؟

نقول: أولاً: إن التفاسير الأثرية، أي: التي تفسر القرآن بالآثار عن الصحابة، وعن كبار التابعين، هي أولى ما يلتفت إليه وعلى رأسها تفسير ابن جرير، لكن في تفسير ابن جرير آفة، وهو أنه يطلق التفسير عن الصحابة والتابعين بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وكأنه رحمه الله يريد أن يجمع ما روي؛ فإما أن المنية أدركته قبل تمحيصه، وإما أنه يريد أن يكل هذا إلى القارئ، ولهذا إذا مر عليك شيء مشكل من تفسير القرآن بالأثر في ابن جرير أو غيره، فارجع إلى السند ربما تجد فيه آفة توجب رد ما روي عن ابن عباس أو عن مجاهد أو غيرهما.

ومن خير ما نرى من التفاسير، تفسير ابن كثير رحمه الله، فهو تفسير أثري نظري، لكنه أحياناً يتغاضى عن الكلام عن بعض الإسرائيليات أو بعض القصص، وهذه لا شك أنها آفة لكن كما تقدم: متى أنكر قلبك شيئاً من هذا فارجع إلى الأسانيد أو إلى أصل هذا المتن المروي، فقد يكون من الأشياء التي رُخِّص فيها عن بني إسرائيل، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» [(187)]. لكنه تفسير جيد.

ثانياً: ومن التفاسير التي تعنى بتفسير القرآن بالقرآن تفسير الشيخ الشنقيطي رحمه الله حسب الاسم والعنوان؛ لأنه معنون بأضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن.

ثالثاً: أما تفاسير المتأخرين بعضها تجد الكلام الطويل العريض على الآية، ثم إذا أردت أن تحصل منه شيئاً لا تجد شيئاً، فهو قش هش فائدته قليلة، اللهم إلا النادر، وعلى كل حال طالب العلم يستطيع أن يميز بين الغث والسمين.

لكن هنا مسألة أحب أن أنبه عليها طالب العلم وهي: أني أُريد منك أن تحاول فهم القرآن بنفسك، اقرأ الآية، تدبر معناها، ثم سيكون لديك شيء من المعنى، ثم بعد ذلك ارجع إلى أقوال المفسرين؛ لأن تعويد الإنسان نفسه على أخذ المعاني أو بعبارة ثانية على تفسير القرآن بنفسه يكسبه فهماً كثيراً؛ لأنه امتثال لأمر الله تعالى في قوله: {{لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}} [ص: 29] ، لكن لا تجزم إذا كان الأمر ليس بواضح إلا بعد مراجعة كتب التفاسير.

رابعاً: ومن المفسرين من ينحى منحى آخر، فيذكر المسائل الفقهية مثل القرطبي رحمه الله، فإنه ينحى هذا المنحى، تجد في تفسيره مسائل كثيرة من مسائل الفقه، وهذا ولا شك أنه طيب ويفيد طالب العلم.

والمسألة الثانية في التفسير قال العلماء: يرجع أولاً إلى تفسير القرآن بالقرآن، وهذا كثير، ثم إلى تفسيره بالسنة، ثم إلى تفسيره بأقوال فقهاء الصحابة، ولا سيما من لهم عناية بتفسير القرآن، كابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، ثم إلى كبار التابعين الذين تلقوا التفسير عن الصحابة كمجاهد.

فمثلاً إذا قال لك قائل: ما هي القوة المذكورة في قوله تعالى: {{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}} [الأنفال: 60] ؟ ننظر في القرآن لا نجد تفسيراً لها، لكن نجد تفسيرها في السنة، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»[(188)].

إذاً نفسر القوة بأنها الرمي، أي: تعلم الرمي، والرمي في كل زمان ومكان بحسبه، وقد كان الناس في السابق يرمون بالنبال وما أشبهها، ثم صاروا يرمون بالبارود، أي: بالبنادق والرصاص، ثم صاروا الآن يرمون بالصواريخ قريبة المدى وبعيدة المدى، والرمي الذي ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام، يشمل أي رمي كان، حسب أساليب الحرب التي في وقته.

كذلك لو قال لك قائل: ما هو يوم الدين؟ ننظر، فالقرآن فسره، قال الله تعالى: {{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *}} [الانفطار: 17، 18] إذاً يوم الدين هو اليوم الذي لا ينفع فيه إلا العمل ولا يملك فيه أحد لأحد منفعة، وأمثال هذا كثير.

ولا يعني هذا أننا إذا رأينا الآية تحتمل معان أخرى غير ما ذُكِر أن نقتصر على ما ذُكِر؛ لأن كلام الله تعالى أوسع من أن يحيط به البشر، قد يفهمون معنى ونحن نفهم معنى آخر للآية، لكن إن كان يُضاد ما فهمه الصحابة والتابعون، فإننا لا نقبله، أما إذا كان لا يضاده فلا مانع من أن نقول: الآية واسعة، تشمل هذا وهذا؛ لأن كلام الله واسع.

فالحاصل: أننا عند الاختلاف نرجع إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسنة، ثم بأقوال فقهاء الصحابة، ثم بأقوال كبار التابعين، لكن إذا فهم الإنسان المعنى فلا حاجة للرجوع للتفسير.

فإذا قال قائل: كيف أتوضأ؟ قلنا: هذا واضح في قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}} [المائدة: 6] ولا حاجة للتفسير.

تنبيه:

الاقتصار في تفسير القرآن على اللغة دون النظر إلى القرآن والسنة وأقوال الصحابة لا شك أن هذا المنهج غلط، فالرجوع إلى اللغة مطلقاً غلط، فلو رجعنا إلى اللغة فقط في تفسير قوله تعالى: {{وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}} [البقرة: 43] لكان المعنى: وأقيموا الدعاء، وهذا غلط.

القاعدة الثالثة : قد تكون الآية محتمِلة لوجهين فأكثر، فماذا نصنع إذا احتملت الوجهين فأكثر؟ نقول: أي هذه المعاني أظهر؟ فإذا كان أحد هذه المعاني أظهر وجب حملها على هذا الأظهر، لا سيما إذا كان الأخفى يعادل الأظهر، فإننا نأخذ بالظاهر.

فمثلاً قول الله تبارك وتعالى: {{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}} [المائدة: 64] ، تحتمل الآية معنيين.

أحدهما أظهر من الثاني، المعنى الأول: أن المراد باليدين هما اليدان الحقيقيتان اللتان يأخذ الله بهما ويقبض.

المعنى الثاني: القوة، لكن هذا المعنى الثاني بالنسبة للأول ضعيف جداً، فنقول: لا يمكن أن نحمله على المعنى الثاني؛ لأن المعنى الأول أظهر، والله عزّ وجل لا يمكن أن يخاطب عباده بما هو أظهر، ويريد الأخفى، هذا مستحيل؛ لأن الله قال: {{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}} [النساء: 26] ، ويقول: {{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا}} [النساء: 176] ، فلا يمكن أن نحمل كلام الله عزّ وجل على المعنى الأخفى مع وجود الأظهر، بل يتعين أن نأخذ بالأظهر.

أما إذا كان المعنيان محتملين، يعني أن المعنى صالح لهذا وهذا فحينئذٍ إن كان المعنيان لا يتعارضان وجب حمل الآية على المعنيين جميعاً، ولا مانع، وإن كانا يتنافيان وجب أن نطلب المرجِّح من الخارج؛ لأن اللفظ الذي بين أيدينا ليس فيه ترجيح، فنحتاج إلى مرجِّح من الخارج.

مثال الأول : قول الله تبارك وتعالى: {{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ *وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ *}} [التكوير: 17، 18] . الليل إذا عسعس: قال بعضهم: معناها أدبر، وقال بعضهم: معناها أقبل، وكلاهما صالح في السياق وفي اللغة العربية، فماذا نقول في مثل هذا؟ نقول: تُحمل الآية على المعنيين جميعاً ولا مانع؛ لأن كلام الله تعالى واسع، ومثاله أيضاً قوله تعالى: {{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ *}} [الطور: 6] ، هل معنى: «البحر المسجور» الذي سيسجَّر ويكون ناراً يوم القيامة أو المسجور المملوء، أو المسجور الممنوع عن الفيضان على الأرض فيه أقوال، هل كل قول ينافي الآخر؟

الجواب: لا، هل المسجور ظاهرة في أحدها دون الآخر؟

الجواب: لا، بل اللفظ صالح للجميع، حينئذٍ نقول: المسجور، الذي سيسجر كما قال الله تعالى: {{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ *}} [التكوير: 6] والمسجور المملوء كما تقول العرب: دلو مسجورة، أي: مملوؤة، والمسجور الممنوع كما يقال: سجرت الدابة بالقيد، أي: منعتها من الشرود، فالآية صالحة للجميع، أي: تحمل على الجميع، ولا مانع لأن كلام الله عزّ وجل كما تقدم واسع.

مثال آخر : قول الله تبارك وتعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}} [البقرة: 228] ، يرى بعض العلماء أن المراد بالقروء الأطهار، ويرى آخرون أن المراد بالقروء الحيض، هذان المعنيان لا يمكن أن تحمل الآية عليهما جميعاً؛ لأنهما متنافيان، إذاً لا بد من مرجِّح خارجي، المرجح الخارجي إما من السنة أو من كلام العرب أو من غير ذلك، المهم لا بد من مرجح، إذا رجعنا إلى المرجح الخارجي، وجدنا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أطلق الأقراء على الحيض، فقال للمستحاضة: «اجلسي قدر ما تحبسك أقراؤك» [(189)]، أو كلمة نحوها.

فهنا نقول : المراد بالقروء الحيض، يتعين ذلك لدلالة السنة على هذا، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم، أنه متى احتملت الآية معنيين فأكثر ولا مرجح لأحدهما ولا منافاة بينهما، فإنها تُحمل عليهما جميعاً.

القاعدة الرابعة في التفسير: هل يجوز للإنسان أن يفسر القرآن برأيه أو لا يجوز؟

الجواب: لا يجوز، ومعنى تفسيره بالرأي أن تحمله على ما تعتقد، فتجعل القرآن تابعاً لرأيك وعقيدتك، وهذا يقع كثيراً من أهل الأهواء؛ يحملون القرآن على ما يعتقدون، فيكونون قد قالوا في القرآن برأيهم، وهذه آفة قَلَّ من يسلم منها، حتى الفقهاء رحمهم الله، تجدهم إذا مر بهم النص وهو على خلاف ما يرونه تجدهم يحاولون أن يصرفوه إلى ما يرون، وهذا لا يجوز، هذا يعني أن الإنسان جعل نفسه مشرعاً مع الله، فالله يريد كذا وهو يحمله على غيره، وهذا من أعظم المحرمات، أعني: تحريف الكلم عن مواضعه، نعم لو فُرِض أنك حملته على غير ظاهره لدليل من القرآن والسنة فلا بأس، لكن لمجرد أنك تعتقد خلاف ما يدل عليه الظاهر فهذا لا يجوز أبداً، ولا يحل، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، ومن اتخاذ الإنسان نفسه مشرعاً مع الله، وهذا نجده كثيراً عند الفقهاء رحمهم الله في بعض المسائل، تجد أن الإنسان يحرف الدليل تحريفاً ظاهراً من أجل أنه يعتقد خلاف ما يدل عليه، ولهذا أمثلة.

مثلاً يرى الفقهاء رحمهم الله أن الرجل لا يجوز أن يتطهر بفضل طهور المرأة، ويجوز للمرأة أن تتطهر بفضل طهور الرجل، ثم يستدلون بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يغتسل الرجل بفضل المرأة، ولا المرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعاً» [(190)]، ماذا نقول الآن؟ نقول هذا تناقض، كيف يستدل بهذا الحديث على منع تطهر الرجل بفضل طهور المرأة، وجواز تطهر المرأة بفضل طهور الرجل مع أن الحديث واحد؟!! والذي يحمل على هذا هو اعتقادهم أن هذا هو الصواب.

وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها المشهور: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» [(191)]، هذا الحديث حمله بعض الفقهاء على أن المراد به النذر، وقال: إن المرء إذا مات وعليه صيام فرض رمضان أو كفارة فإنه لا يصام عنه، والذي حملهم على صرف الحديث من عمومه، اعتقادهم أن الفرائض يكلف بها الإنسان بنفسه، ولا أحد يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد.

فانظر كيف حملوا الحديث على مسائل نادرة الوقوع، وصرفوه عن مسائل كثيرة الوقوع، أيهما أكثر أن يموت الإنسان عن صيام رمضان أو عن صيام نذر؟ الأول بلا شك، وهذا خطأ في الاستدلال، وقد تقدم في اقتضاء الصراط المستقيم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نبه على هذا، وأنه لا يجوز أن تحمل النصوص على المسائل النادرة، وتترك المسائل الكثيرة الوقوع.

ومما يتعلق بالقرآن وتفسيره مراعاة المعاني عند قراءة القرآن، فإن بعض الناس يقف على رأس آية موقفاً لا يتلاءم مع المعنى، وهذه مسألة تحتاج إلى فهم الإنسان، لا إلى التقيد بالرموز، أعني: علامات الوقف الموجودة في المصحف؛ لأن بعض هذه الرموز الوقف عليها خطأ واضح، وأضرب لهذا مثلاً:

قال الله تعالى: {{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ *}} [الأنبياء: 21] . بعض الناس يصل، فيقول: {{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ *}}، وهذا يفسد به المعنى؛ لأن جملة {{هُمْ يُنْشِرُونَ}} مستقلة عن التي قبلها، ومعناها: أم لهم آلهة من الأرض أهم ينشرون، يعني أهذه الآلهة تُنشِر وتحيي الأموات؟ فتكون الجملة هنا مستأنَفَة، وهي استفهامية أيضاً حُذِف منها حرف الاستفهام لإبطال دعوى هؤلاء لآلهتهم التي يعبدونها.

كذلك أيضاً بعض الناس يقرأ: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}} [النساء: 43] فيقف على قوله: {{لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ}} وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا قرأ: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ}}، ثم استأنف فسد المعنى تماماً، أما قول الله تعالى: {{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *}} [الماعون: 4، 5] فلا بأس أن تقف على قوله: {{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *}} [الماعون: 4] لأنها رأس آية والله تعالى أعلم بكتابه، فإذا كانت رأس آية فقف ولا مانع وإن تعلق ما بعدها بما قبلها، ثم قد يكون في الوقف فائدة.

فمثلاً: إذا قرأت {{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *}} [الماعون: 4] ثم وقفت، فالذي يسمع القراءة ينتبه تجده متشوقاً لما يأتي بعدها، فإذا قرأت {{الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *}} برد قلبه وانشرح صدره.

تنبيه: أرى كثيراً من إخواننا القراء الآن إذا انقطع بهم النَّفَس أعادوا ما قبل الأخير بكلمة أو كلمتين مع أن ما يعيدونه له تعلق بما قبله أي: بما لم يعيدوا، وهذا يقتضي إما التسلسل بأن يبدأ الإنسان من أول الآية ثم ينقطع نفسه في هذا المكان، والذي نرى أن انقطاع النَّفَس إذا كان لعذر يبدأ من حيث انقطع، اللهم إلا إذا انقطع في كلمة بين حروفها فهنا لا بأس أن يعيد الكلمة لأن بعض الناس يقرأ أربع آيات أو خمس آيات فتصير الخمسُ عَشْرَ آيات لأنه يكرر وهذا ليس بصحيح، ولا إخال أن الصحابة يفعلون هذا، ولذلك لما التزم بعض القراء هذا رأينا من يقرأ بالوصل في قوله تعالى: {{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ}} [المائدة: 41] وهذا غلط لأن الصلة تخل بالمعنى، لكن الصواب أن يقف على قوله تعالى: {{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}} [المائدة: 41] ثم يقرأ {{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}} [المائدة: 41] .

كذلك أيضاً من جهة التحزيب للقرآن، شيخ الإسلام رحمه الله انتقد التحزيب الموجود في بعض الأحيان، تجد أن الحزب يقف على آية ما بعدها متعلق بها تعلق الروح بالجسد، لكن مكتوب مثلاً حزب، ثلاثة أرباع حزب، ثمن، وما أشبه ذلك، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ما هكذا حَزَّبَهُ الصحابة، الصحابة يُحزِّبُونه ولكنهم يراعون المعنى، فإذا كان باقٍ على تمام المعنى سطر أو سطران أخَّروا التحزيب، وهذا صحيح، في بعض الأحزاب تتعجب كيف يكون هذا آخر الحزب وما بعده متعلق به تعلقاً واضحاً؟

هذا ما يحضرني الآن من الكلام على شيء من قواعد التفسير، وقد ألفنا كتاباً صغيراً في قواعد التفسير يدرس في المعاهد العلمية، فمن شاء فليرجع إليه[(192)].

وهنا مسألة: وهي أني أريد أن أنبه طالب العلم أنه يجب عليه أن يعتني بالتفسير، فكثير من طلاب العلم يعتني بالعقيدة وهذا طيب، وكثير منهم يعتني بالفقه وهذا طيب، وكثير منهم يعتني بالحديث وهذا طيب أيضاً، ولكن فيما أرى والعلم عند الله، قليل من يعتني بالتفسير، وهذا من العجائب، فالقرآن الكريم مملوء من كل خير، أحياناً تحاول أن تطلع على كلام الفقهاء في حكم مسألة من المسائل وتحاول فلا تجدها، وإذا هي موجودة في القرآن، والله عزّ وجل يقول: {{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}} [النحل: 89] ، ولهذا؛ القرآن فيه كنوز عظيمة، حتى إن الإنسان يقف أحياناً يتأمل ما وجه ارتباط هذا بهذا، أو ما وجه كون هذه الكلمة مرفوعة أو منصوبة أو ما شابه ذلك، فعليك بالتفسير، لكن لو قرأ طالب العلم في التفسير دون أن يسبق له شيء من علوم الآلة كعلوم اللغة بفروعها قد لا يدرك شيئاً.

لو قال قائل: بعض المفسرين المعاصرين يحاول أن يربط بين آيات القرآن وبين الاكتشافات العصرية، فما حكم هذا؟

الجواب: نعم بعض المعاصرين يحاول أن يربط الاكتشافات العصرية بالقرآن، لكن بعضهم يتجاوز ويفرط في هذا، ويفسِّر القرآن بما يطابق الحاضر، وهو بعيد عنه، لكن إذا كان المعنى قريب فلا بأس، وقد رأيت بعض الناس لما قيل: إنهم وصلوا إلى القمر، صار يدندن على تفسير قول الله تبارك وتعالى: {{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ *}} [الرحمن: 33] ، وقال: إن هؤلاء نفذوا إلى أقطار السموات، وأن المراد بالسلطان هو العلم، وهذا حرام، فلا يجوز تفسير الآية بهذا المعنى، حرام لا إشكال فيه؛ لأن الآية ظاهرة جداً في أن هذا من باب التحدي، وأنهم لن يستطيعوا النفوذ والله يقول: {{مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}}، هل أحد نفذ من أقطار السموات؟ يعني لو قلنا: نفذوا من أقطار الأرض وتعدوا الجاذبية، لم ينفذوا من أقطار السموات، والآية واضحة بأنه يوم القيامة، قال الله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ *فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ *فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ *فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ *فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَانِ *} [الرحمن: 26، 35] ، ثم مَنْ قال: إن السلطان هو العلم، في هذه الآية؟ صحيح أن السلطان يأتي بمعنى العلم، مثل قوله تعالى: {{إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا}} [يونس: 68] لكن في هذه الآية المراد بالسلطان القدرة؛ لأنه قال: {{إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ}} ولا سلطان لكم، فالسلطان يأتي بمعان متعددة، في كل موضع بحسبه.

فهؤلاء الذين يفسرون القرآن بما حدث من اكتشافات، بعضهم يفرط في هذا فيتجاوز الحد، ولم يعلم أنه ربما يأتي يوم من الأيام تكون النظرية التي حمل عليها القرآن نظرية خاطئة وحينئذٍ يُخَطَّئ مدلول القرآن.

لو قال قائل: ما حكم كتابة بعض الآيات على الأسواق التجارية والمدارس والمنازل وغير ذلك؟

الجواب: بعض الناس يستعمل الآيات أو الاستدلال بالآيات في معانٍ غير مقصودة، مثلاً، كثيراً ما نرى على المنازل أو على الأسواق التجارية أو حتى على الإدارات، {{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}} [التوبة: 105] هذا لا يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يرى هذا العمل، الله عزّ وجل يراه، والمؤمنون الموجودون يرونه، لكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يراه، فكيف نكذب ونقول فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، كذلك أيضاً ربما تطبق الآية على غير المراد، ولأن تحويل الآية إلى المعنى الذي اختاره هذا الرجل حرام إذا لم تدل عليه.

لو قال قائل: بعض المفسرين يتكلف في إيجاد المناسبة بين الآيات وبين السور فما رأيكم في هذا؟

الجواب: المناسبة بين الآيات حقيقة أنها من علم التفسير، وينبغي للإنسان إذا أمكن أن يعرف المناسبة بين الآية والآيات التي قبلها، لكن المبالغة في هذا والتكلف لا داعي له؛ لأن حسبنا أن نقول: الله أعلم بمراده، وإذا قال الإنسان الله أعلم فيما لا يعلم فهذا خير، ولهذا بعض الآيات لا يمكن أن تعرف المناسبة بينها، مثل قوله تعالى: {{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى}} [البقرة: 238] في سياق المعتدات، هذه لا تستطيع معرفة المناسبة، وهذا من الحكمة أن يقطع الله تبارك وتعالى أطماع الخلق في أن يحيطوا بكلامه علماً.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ *}} [المائدة: 41] .

قوله: {{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} } المراد بالرسول هنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، وفي قوله: {{لاَ يَحْزُنْكَ} } قراءتان «يُحزِن»، و«يَحزُن»، وكلاهما سبعيتان صحيحتان أي: لا يجعلك تحزن قول هؤلاء الذين يسارعون في الكفر.

وقوله: {{يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} } أي: يتسابقون فيه، والكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي الكافور أو الكُفُرَّى الذي هو وعاء طلع النخل؛ لأنه يستر الطلع الذي في جوفه، والمراد بالكفر هنا: الكفر بالله عزّ وجل.

والكفر بالله يدور على شيئين: إما الجحود وإما الاستكبار؛ إما الجحود والإنكار ـ يعني: التكذيب ـ وإما الاستكبار مع الإقرار.

لو قال قائل: كفر إبليس من أي النوعين؟

الجواب: من الاستكبار؛ لأنه مؤمن لكنه مستكبر والعياذ بالله، وكفر قريش الذين يقولون: {{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا}} [ص: 5] ، كفر إنكار وتكذيب.

لو قال قائل: قسمتم الكفر إلى قسمين ولم تذكروا القسم الثالث وهو كفر الجهل الذي يُلحق به عُبَّاد الصليب وعباد القبور؛ لأنهم ليسوا معاندين ولا مستكبرين بل هم جهال، نريد التفصيل في هذا؟

الجواب: هؤلاء لو كانوا جاهلين عفا الله عنهم، وبعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام يعدون معاندين، ولا نستطيع أن نقول إنهم جهال بل نقول معاندون، هذا لا شك فيه، فالنصارى معاندون. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودياً ولا نصرانياً ثم لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أهل النار» [(193)].

قوله: {{مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} } مِن: هنا بيان للاسم الموصول الأول وهو قوله: {  ْ {الَّذِينَ يُسَارِعُونَ} }.

قوله: {{مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} } قوله بأفواههم: متعلق بـ«قالوا»، أي: قالوا بأفواههم: {{آمَنَّا} } {{وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} }، وهذا الوصف ينطبق تماماً على المنافقين، كما قال الله تعالى: {{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ *}} [البقرة: 8] ، وهؤلاء في الكفر كاليهود والنصارى كما قال الله تعالى: {{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ}} [الحشر: 11] يعني اليهود.

قوله: {{وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} } بيَّن الله تعالى أحوال اليهود، والذين هادوا هم الذين قالوا: {{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}} [الأعراف: 156] : أي: رجعنا إليك من المعصية إلى الطاعة، فيُسمون الذين هادوا، ويُسمون اليهود، أما التسمية الأولى فلقولهم: {{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}}، وأما الثانية: فنسبة إلى أبيهم يهوذا.

قوله: {{وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ} } هل هي جملة مستأنفة أو معطوفة على قوله: {{مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} }؟

إذا جعلناها معطوفة يكون إعرابها خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: ومن الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا هم سماعون فتقرأ: {{مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} } ثم تقول: {{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} } والتقدير: «هم سماعون»، وإذا قلنا: إن الجملة مستأنفة جعلنا: {{وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} } خبراً مقدماً، وسماعون صفة لموصوف محذوف وهو المبتدأ، والتقدير: «ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب».

وقوله: {{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} }: أي: قابلون له، يقبلون الكذب من أحبارهم الذين يقولون: إن محمداً ليس بنبي، وهذا من أكذب ما يكون، بل هو أكذب شيء بعد الكذب على الله عزّ وجل.

قوله: {{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} } أي: سماعون لكذبهم، فيكون الله عزّ وجل ذكر أن هؤلاء الذين هادوا ويسمعون للكذب مطلقاً، ويسمعون لقوم آخرين لم يأتوا إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وتكون «اللام» للتعدية أو للتقوية.

وقوله: {{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} } تحتمل معنيين، والقاعدة أن الكلمة تحمل على المعنيين إذا كانا صحيحين، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما.

فالمعنى الأول: أنهم سماعون للكذب ممن أَتوك وممن لم يأتوك، فهم يستجيبون للكذب من أي إنسان، سواء كان يأتي إليك أو لا يأتي.

والمعنى الثاني: في قوله: {{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} } أي: يسمعون منك ليوصلوه إلى قوم آخرين، فكأنهم واسطة بين الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبين من ينقلون إليه الخبر، وتكون «اللام» تعليلية، يعني: سماعون لك من أجل قوم آخرين، يُوصِلون ما تقوله إليهم، فإذا أوصلوه إلى هؤلاء القوم الآخرين حرّفوه وبدلوه وغيروه، ولهذا قال: {{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} } يعني أن القوم الآخرين وهم أحبار اليهود الذين ينقل إليهم العامة ما يسمعونه من النبي صلّى الله عليه وسلّم، فهؤلاء يُحرفون الكلم من بعد مواضعه، والتحريف بمعنى التغيير، أي: يغيرونه عن وجهه، فيقولون: المراد كذا، والمراد كذا على خلاف ما أراد الله ورسوله.

وهل المراد أنهم يحرفون الكلم من التوراة أو أنهم يحرفون الكلم من التوراة وغيرها؟

الأَولى العموم، فهم يحرفون الكلم من التوراة، ويحرفون الكلم من القرآن.

قوله: {{إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا} } يعني ما نريد من الحكم فخذوه {{وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} }، والإشارة بما يدل على البُعد ليس لرفع شأنهم، ولكن لإبعادهم عن الثناء وأن يكونوا على حق.

قوله: {{يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} } الإيتاء والإعطاء إنما يكون في المحسوسات وفي المنقولات، لكنه قد يستعمل في المعاني كما في هذه الآية، وأصل هذه القصة نزلت في يهوديين زانيين. فالأحبار يُعَيِّنُونَ لهؤلاء القوم الذين ينقلون إليهم الأخبار شيئاً معيناً أي: حكماً معين، فيقولون: {{إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا} } من محمد فخذوه، واقبلوه، {{وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} } يعني احذروا أن تقبلوه، فصار الآن هؤلاء الأحبار الذين يُنقل إليهم الكلام من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، يقولون لأتباعهم: اعرضوا هذا على محمد فإن أعطاكم إياه فخذوه وإلا فاحذروا.

وضرب المفسرون لهذا مثلاً بقصة الرجم، كان الرجم ـ أعني رجم الزاني ـ محكوماً به في التوراة وكانت بنو إسرائيل ترجم من زنا، فلما كثر الزنا في أشرافهم صعُب عليهم أن يرجموا أشرافهم فقالوا: لا نرجم ولكننا نحمِّم الوجه، أي: نسوده، ونُرْكِبُ الزانيين على حمار، كل واحد منهما مستدبر الآخر، ونطوف بهما في الأسواق فقط، ولا نرجم، فقدر الله عزّ وجل أن يزني من اليهود رجل وامرأة، فرفعوا الأمر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم[(194)]، وقال أحبارهم: إن آتاكم محمد هذا، يعني تحميم الوجه والطواف بهم في البلد فخذوه، وإن لم يعطكم وأمر بالرجم فاحذروا.

وهذا مثال وليس حصراً لمعنى الآية، بل المراد أنهم يعينون ـ أي: الأحبار ـ أحكاماً لعامتهم ويقولون: إن حَكَمَ بها محمد فاقبلوها وإن لم يحكم فاحذروا.

قوله: {{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} } وتحريفهم الكلم هنا تحريف معنوي، بمعنى أنهم جعلوا الرجم منسوخاً وأنه لا يجب العمل به، وسنذكر إن شاء الله في الفوائد أن التحريف ينقسم إلى قسمين.

قوله: {{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} } يعني: ضلاله {{فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} } وهذا تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني أن الله إذا أراد فتنة أحد فإنه لا يستطيع أحد من الخلق أن يرد هذه الإرادة، بل لا بد أن تقع، ولكن هل إرادة الله في فتنة أحد من الناس مبنية على غير حكمة؟

الجواب: لا، بل هي مبنية على حكمة، والحكمة ذكرت في قول الله تبارك وتعالى: {{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}} [الصف: 5] ، إذاً هم السبب، فلما علم الله أن ليس في قلوبهم خير أزاغها، كما قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [الأنفال: 70] .

إذاً نقول: {{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} } أي: إضلاله: {{فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} }، هذا فيمن هو أهل للإضلال.

قوله: { [ ء {أُولَئِكَ الَّذِينَ} } أولئك: المشار إليهم هؤلاء اليهود الذين لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم.

قوله: {{لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} } أي: من الشك والشرك والإلحاد وغير ذلك، وإنما ذكر القلوب؛ لأن القلوب هي محل الصلاح والفساد، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»[(195)].

قوله: {{لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} } أي: ذل وعار، وذلهم وعارهم أما من جهة اليهود فبقتالهم والغلبة عليهم، وقد حصل والحمد لله ذلك، فإن قبائل اليهود التي كانت في المدينة منهم من قُتِل ومنهم من جُلِّي، فهذا خزيٌ في الدنيا، وأما في الآخرة فلهم عذاب عظيم لا يعلم كنهه؛ لأنه من الأمور الغيبية، ومن شاركهم في عملهم استحق مثل عقوبتهم، والمنافقون خزيهم أن الله عزّ وجل بَيَّنَ حالهم وكشف عوارهم، كما قال الله تبارك وتعالى: {{وَلَوْ نَشَاءُ لأََرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}} [محمد: 30] ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد علم أَسماء أُناس من المنافقين وأَخبر بهم حذيفة بن اليمان[(196)]، ولهذا يُقال: إنه صاحب السر.

قوله: {{خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}} وهو عذاب النار، نسأل الله أن يجيرنا منها، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: الشهادة لمحمد صلّى الله عليه وسلّم أنه رسول، لقوله: {{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ} }.

الفائدة الثانية: تعظيم الله تعالى لرسوله؛ لأن صيغة النداء على هذا الوجه من علامة التعظيم، كما تقول: يا أيها الملك، يا أيها الأمير، يا أيها الكريم.

الفائدة الثالثة: تقوية النبي صلّى الله عليه وسلّم، أي: تقوية قلبه وتسليته بقوله: {{لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} } يعني لا يهمنك أمرهم، فإن عاقبتهم أن لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الأخرة عذابٌ عظيمٌ.

الفائدة الرابعة: أن الناس يختلفون في الكفر، فمنهم من يسارع فيه بخطا حثيثة، ومنهم من هو دون ذلك؛ لأنه قسَّم فقال: {{لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} }، يعني وهناك أناس لا يسارعون فيه، فالداعية إلى الكفر مسارع فيه، وغير الداعية غير مسارع.

الفائدة الخامسة: الإشارة إلى أن المدار في الإيمان على القلب، لقوله: {{مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} } فالإيمان باللسان ليس إيماناً حتى يكون مبنياً على إيمان القلب، وإلا فإنه لا ينفع صاحبه.

الفائدة السادسة: أن الإيمان محله القلب، لقوله: {{وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} }، ولكن إذا قال قائل: ألسنا مأمورين بأن نأخذ الناس بظواهرهم؟

الجواب: بلى، نحن مأمورون بهذا، لكن من تبين نفاقه فإننا نعامله بما تقتضيه حاله، كما لو كان معلناً للنفاق، فهذا لا نسكت عليه، أما من لم يعلن نفاقه، فإنه ليس لنا إلا الظاهر، والباطن إلى الله، كما أننا لو رأينا رجلاً كافراً فإننا نعامله معاملة الكافر، ولا نقول: إننا لا نكفره بعينه، كما اشتبه على بعض الطلبة الآن، يقولون: إذا رأيت الذي لا يصلي لا تكفره بعينه، كيف لا أكفره بعينه!! إذا رأيت الذي يسجد للصنم لا تكفره بعينه؛ لأنه ربما يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، هذا غلط عظيم، نحن نحكم بالظاهر، فإذا وجدنا شخصاً لا يصلي قلنا: هذا كافر بملء أفواهنا، إذا رأينا من يسجد للصنم قلنا: هذا كافر، ونُعَيِّنُهُ ونلزمه بأحكام الإسلام، فإن لم يفعل قتلناه، أما في أمر الآخرة لا نشهد لأحد معين، لا بجنة ولا بنار إلا من شهد له النبي صلّى الله عليه وسلّم أو جاء ذلك في القرآن.

الفائدة السابعة والثامنة : أن من اليهود من هو سماع للكذب نقَّال للكذب، بمعنى أنه يصدق الكذب ولا يتحرى فيه ويقبله، وأيضاً ينقل الكذب وهذا شيء مشاهد، فينبني على هذه الفائدة أن من كان هذه حاله ففيه شبه من اليهود، فالذي يقبل الكذب ويتحدث به، ويأخذه مسلَّماً مشابهاً لليهود، والذي ينقل الكذب كذلك مشابه لليهود، فمن كذَّب أو صدَّق بالكذب، فإنه مشابه لليهود بلا شك، وهذا يقتضي الحذر من هذا الخلق الذميم.

الفائدة التاسعة: تعاظم اليهود أعني أحبارهم، واستكبارهم عن الحضور إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكأنهم يظنون أنهم إذا حضروا فهذا ذل وصغار، ولكن الله أذلهم وأصغرهم ـ والحمد لله ـ بعدم إيمانهم بالنبي صلّى الله عليه وسلّم.

الفائدة العاشرة: بيان هذا الوصف الذميم من اليهود، وهو تحريف الكلم، والمراد بالكلم هنا الوحي الذي جاءت به الرسل، التوراة والقرآن وغيرهما، قال العلماء: والتحريف نوعان: الأول: التحريف المعنوي، والقائلون به كثير، والثاني: التحريف اللفظي، والقائلون به قليل.

أما الأول: التحريف المعنوي فهو أن يصرف كلام الله وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم إلى غير ما أراد الله ورسوله، سواء في الأمور العقدية أو في الأحكام الفقهية، إذا صرف النص عما لا يريد الله ورسوله، فإنه محرف للكلم، ولكن تحريف آيات الصفات أشد من تحريف غيرها من الآيات لسببين: الأول: لشرف موضوعه؛ لأن البحث في أسماء الله وصفاته هو من أشرف العلوم، حتى كانوا يسمونه الفقه الأكبر، الثاني: أنه ليس للعقل فيه مجال، فواجب الإنسان التسليم وعدم التحريف، فالتحريف هنا أشد من أن يحرف الإنسان آية في حكم من الأحكام أو حديثاً؛ لأن الأول يتعلق بالخالق، وهذا يتعلق بالمخلوق.

الثاني: التحريف اللفظي ، وهو أيضاً محرم، ولكنه قليل، وذلك لأن محرف التحريف اللفظي إن كان لا يتغير به المعنى، فلن يقيم عليه؛ لأنه لا يستفيد، سوف يظهر الناس عليه حتى العامة سيردون عليه، وإن كان يتغير به المعنى، فقد جمع بين التحريف اللفظي والتحريف المعنوي، فالذي يقول: إن الله استوى على العرش، لكن معنى استوى: استولى، هذا محرِّف تحريفاً معنوياً، والذي قرأ: {{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}} [النساء: 164] بنصب لفظ الجلالة، هذا محرف تحريفاً لفظياً ومعنوياً؛ لأنه إذا قال: كلم اللـهَ موسى تكليماً، صار الكلام من موسى، وهذا تحريف معنوي، وإذا نصب لفظ الجلالة، فهو تحريف لفظي، والذي يقول: الحمد لله ربَّ العالمين، بنصب (رب) محرِّف تحريفاً لفظياً؛ لأن المعنى لا يختلف، لكن اللفظ يختلف، وكل أنواع التحريف المعنوي واللفظي محرم، ثم إن تعمد الشيء مع علمه بمراد الله ورسوله، فهذا قد يصل إلى الكفر والعياذ بالله؛ لأنه قال على الله ما يعلم أن الحق في خلافه.

الفائدة الحادية عشرة : أن التحريف المذموم، هو الذي يقع بعد معرفة الإنسان للحق؛ لقوله: {{مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} } وفي الآية الأخرى {{عَنْ مَوَاضِعِهِ}} [المائدة: 13] فهم يريدون أن يُزيلوا الكلم عن مواضعه.

أما الإنسان الذي تأوَّل بتأويل سائغ فإنه لا يذم، ولا يُعد فعله تحريفاً يأثم به؛ وذلك لأن أهل التأويل لهم شُبَه، فهم فهموا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه وهذا فهم خاطئ بلا شك، فقالوا: إذا قلت: إن معنى قوله تعالى: {{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}} [الأعراف: 54] إنه علا على العرش واستقر فقط؛ جعلته جسماً، والأجسام متماثلة، وما أشبه ذلك من الشبهات، وكذلك في مسألة اليدين والعينين، لكن لو قالوا: إن قوله: {{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}} بمعنى أنه أعدم العرش فهذا لا يصح؛ لأنه لا يسوغ، فالتأويل السائغ هو الذي له وجه في اللغة، فقولهم: استولى له وجه في اللغة؛ لأن استوى تأتي بمعنى العلو المعنوي، والعلو المعنوي معناه الملك والقهر والاستحواذ، وما أشبه ذلك من الشبهات.

وهنا تنبيه وهو أن الصواب أنه لا فرق بين ما يقال عنه أصول وفروع ما دام أن النص يسوغ فيه الاجتهاد، ثم تأوله الإنسان فلا يقال: إنه آثم كما تقدم، ولكن يقال: إن هذا خطأ، ونحن وإن كنا قد نعد تأويلهم تحريفاً فإننا نأثم به إذا وافقناهم ونعلم أنهم على غير صواب، ولهذا قد يعذر القائل ولا يعذر التابع.

الفائدة الثانية عشرة : أن من حرَّف الكلم عن مواضعه من هذه الأمة ففيه شبه من اليهود، فيقتضي هذا التحذير من تحريف الكلم عن مواضعه؛ لئلا يقع الإنسان في مشابهة اليهود.

الفائدة الثالثة عشرة : أن اليهود لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم، لقوله: {{يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} }.

الفائدة الرابعة عشرة : ذم أولئك الذين لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم، وإذا لم يوافق أهواءهم ذهبوا يتطلبون الرخص من هذه الأمة، فإن كثيراً من الناس على هذا المنوال، إذا أُفتي بما تطمئن إليه نفسه قَبِلَهُ، وإلا ذهب يطلب آخرين يفتونه بما يشتهي، فهذا نقول: إن فيه شبهاً من اليهود.

الفائدة الخامسة عشرة : شدة كراهة أحبار اليهود للحق، لقوله: {{وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} }، لم يقولوا: فلا تأخذوه، بل قالوا: {{فَاحْذَرُوا} }، وهذا أشد وقعاً من قولهم: فلا تأخذوه، وكان مقتضى المقابلة أن يقال: وإن لم تؤتوه فلا تأخذوه، لكنهم قالوا: {{فَاحْذَرُوا} }.

لو قال قائل: ما أسباب رد الحق عند علماء بني إسرائيل؟

الجواب: أقول: رد الحق قد يكون استكباراً، وقد يكون لشبهة تعرض للإنسان، ونحن نعلم أن علماء بني إسرائيل ردوا الحق استكباراً؛ لأن الله يقول: {{أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ *}} [الشعراء: 197] ، لكن عوام بني إسرائيل لهم شبهة، وهي أن علماءهم يقولون: إن محمداً عربي، والله جلَّ وعلا يقول: {{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ}} [الجمعة: 2] ، ثم لا يذكرون قوله: {{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *}} [الجمعة: 3] ، فيشبهون.

الفائدة السادسة عشرة : إثبات إرادة الله عزّ وجل، وأنها شاملة حتى لإرادة الإنسان لقوله: {{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} } واعلم أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية: وهي التي بمعنى المحبة، وإرادة كونية وهي التي بمعنى المشيئة، فهنا في قوله: {{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} }: الإرادة إرادة كونية، أي: من يشأ الله فتنته، كذلك قوله تعالى: {{إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ}} [الزمر: 38] الإرادة كونية أيضاً، وفي قول الله تبارك وتعالى: {{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}} [النساء: 27] ، هذه إرادة شرعية؛ لأنها لو كانت إرادة قدرية لتاب الله على جميع الناس، لكنها إرادة شرعية بمعنى أن الله يحب أن يتوب علينا.

إذاً الفرق بين الإرادتين من حيث حقيقتيهما أن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة، والفرق بينهما: أن الإرادة الكونية لا بد من وقوع مراد الله بها، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، والفرق الثاني: أن الإرادة الكونية تكون فيما يحبه الله وما لا يحبه الله، والإرادة الشرعية لا تكون إلا فيما يحبه الله.

فإذا قال قائل: هل الله يريد الكفر؟

قلنا: فيه تفصيل، بالإرادة الكونية نعم، وبالإرادة الشرعية لا، وبه نعرف ضلال من يقول: كل ما وقع فهو محبوب إلى الله، وهذا غلط، لو أخذنا بهذا لزم من ذلك أن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان، وهو عزّ وجل لا يحب هذا ولا يحب الفساد.

لو قال قائل: الإيمان هل هو مراد لله كوناً أو شرعاً؟

الجواب: إن وقع فهو مراد كوناً وشرعاً، وإن لم يقع فهو مرادٌ شرعاً.

لو قال قائل: قوله تعالى: {{جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}} [الكهف: 77] هل فيها دليل أن للجمادات إرادة؟

الجواب: نعم، لها إرادة، لقوله تعالى: {{يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}}، فالجمادات لها إرادة، أليس النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «هذا أُحد يحبنا ونحبه» [(197)]؟ أليس تسبيح الحصى يُسمع بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام[(198)]؟ أليس الله يقول: {{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}} [الإسراء: 44] . كل هذا يدل على أن الجماد له إرادة.

الفائدة السابعة عشرة: أنه لا أحد يملك أن يغير مراد الله، لقوله: {{فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} }.

الفائدة الثامنة عشرة : أن المدار في الصلاح والفساد على القلب، لقوله تعالى: {{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} }.

الفائدة التاسعة عشرة : أنه يجب على الإنسان المستدل أن ينظر إلى النصوص من جميع الجوانب، وذلك أنك إذا نظرت إلى قوله: {{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} } لقلت: إن إرادة الله تعالى لتطهير القلب مجرد مشيئة، لكن إذا قيدتها بالنصوص الأخرى عرفت أن عدم إرادة الله تطهير قلوب هؤلاء؛ لأنهم ليسوا أهلاً لذلك، كما قال الله تعالى: {{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}} [الصف: 5] ، وكما يتضح هذا جلياً في قول الله تعالى: {{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}} [الأنعام: 124] .

الفائدة العشرون: أن في الآية شاهد واضح لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله»[(199)].

الفائدة الحادية والعشرون : أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائماً أن يطهر قلبه، وأن يعتني بأعمال القلب، واعتناء المرء بأعمال القلب يجب أن يكون أشد من اعتنائه بعمل الجسد؛ لأن عمل الجسد يقع من كل إنسان، من مؤمن ومنافق، لكن عمل القلب هو المهم. ـ أسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعاً ـ.

الفائدة الثانية والعشرون : بشارة النبي عليه الصلاة والسلام، بأن هؤلاء القوم لهم الذل والعار في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

الفائدة الثالثة والعشرون : الوعيد لهؤلاء لعلهم يرجعون، فإن الوعيد على المعصية من أسباب العدول عنها، بحيث لا يَقْدِمُ عليها، وإذا أقدم استعتب وتاب.

الفائدة الرابعة والعشرون : إثبات أن لبني آدم دارين هما: الدنيا والآخرة، الدنيا: يكون عذابها إما من الله وإما من عباد الله، قال تعالى: {{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}} [التوبة: 14] هذا على أيدي الرسول وأصحابه، وقد يكون من الله عزّ وجل، كما إذا ابتلوا بالأمراض والقحط والجدب وغير ذلك، أما عذاب الآخرة فمن الله وحده، لا أحد يستطيع أن يعذب أحداً في الآخرة ولا أن يثيبه.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *}} [المائدة: 42] .

قوله: {{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} } {{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} } خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم سماعون للكذب أكالون للسحت، هل هذه الجملة تأكيد لما سبق، أو هي مغايرة؟

يحتمل المعنيين: يحتمل أن تكون تأكيداً لما سبق؛ لأن المقام مقام عظيم ومهم يحتاج إلى تكرار وتأكيد بيان أوصافهم القبيحة للحذر منها، ويحتمل أن تكون مغايرة لما سبق، وذلك بأن نحمل «اللام» في الأولى على أنها للتقوية، وفي الثانية على أنها للتعليل.

وقوله: {{أَكَّالُونَ} } صيغة مبالغة تدل على كثرة أكلهم للسحت، و«السحت» فيها قراءتان «للسحُت» بضم الحاء، و«للسحْت» بسكون الحاء، قراءتان سبعيتان مثل: نَهْر ونَهَر، فما هو السحت، هل هو أكل المال بالباطل، هل هو أكل الربا، هل هو الرشوة؟

الجواب: شامل لكل ذلك، والمعنى العام أن نقول: السحت كل ما اكتسب بكسب محرم فهو سحت، فيشمل الربا وهو شائع في اليهود، والرشوة وهي أيضاً شائعة في اليهود، والغصب والسرقة والغش والخيانة وغير ذلك، ووجهه: أن الحرام يسحت الحلال وينزع بركته، أو أنه نفسه، أي: الحرام سحت ينسحت ويزول ولا يكون فيه بركة، فالسحت إذاً وصف في نفسه وفي غيره، أما كونه وصفاً في نفسه؛ لأنه لا بركة فيه، كما قال تعالى: {{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ *}} [الروم: 39] ، وكما جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه، فيمن كسب مالاً محرماً أنه إن أنفقه لم يبارك له فيه، وإن تصدق به لم يقبل منه، وإن خَلَّفَهُ كان زاده إلى النار[(200)].

وأما كونه وصفاً في غيره؛ لأنه يسحت المال الآخر، والحاصل أن هؤلاء جمعوا بين فساد القول وفساد الغذاء، فهم سماعون للكذب يقبلونه ويتحدثون به، ويأخذونه مسلماً وأكالون للسحت.

قوله: {{فَإِنْ جَاءُوكَ} } يعني: لتحكم بينهم {{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} } الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام وأمته مثله، قال تعالى: {{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}} [الأحزاب: 21] لكن الفاعل في قوله: {{فَإِنْ جَاءُوكَ} } هل المراد به أهل الذمة، أم المعاهدون، أم كل كافر، أم كل مؤمن، أم ماذا؟ نقول: أما المؤمن، فلا يجوز الإعراض عن الحكم بين المسلمين خصوصاً من وكل إليه الأمر مثل القضاة، فلا يجوز لأي قاضٍ إذا ترافع إليه الخصمان أن يتعذر بل يجب أن يحكم بينهما، أما المُحكَّم الذي ليس بقاضٍ فله أن يحكم وله أن لا يحكم، لكن لو استفتي يجب أن يفتي بشرع الله، أما التحكيم فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، مثل أن يكون نزاع بين قريبين فيقولان: لا نريد أن نصل إلى القاضي ولكن نحكم فلاناً فلا يلزمه أن يحكم، لكن لا شك أنه يتأكد عليه أن يحكم، لما في ذلك من فض النزاع وبيان حكم الله عزّ وجل، ولكن لا يحكم حتى يستوثق من الجميع.

أما غير المسلمين، فالصواب أن الإنسان مخير إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، سواء كانوا ذميين تحت حكمنا أو معاهدين منفصلين عنا، أو حربيين، والحربي غالباً لا يمكن أن يأتي إلينا؛ لأنه إذا أتى قتل؛ لأنه مباح الدم.

قوله: {{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} }. «أو» هنا هل هي للتنويع أو للتخيير؟

الجواب: هذه للتخيير، وإذا كانت للتخيير فهل هو تخيير تشهي أو مصلحة؟ نقول: هو تخيير مصلحة، وسيأتي في الفوائد إن شاء الله تعالى.

قوله: {{وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} } لا في الدنيا ولا في الآخرة، إن تعرض عنهم ولا تحكم بينهم، فإنهم لن يضروك لكن قد يؤذونك، والأذية لا يلزم منها الضرر، بدليل أن الله سبحانه وتعالى أثبت أن بني آدم يؤذونه، ونفى أن يضره أحد، فقال جلَّ وعلا: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني» [(201)] وكذلك في القرآن: {{إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}} [آل عمران: 176] الأذية ثبتت في القرآن والأحاديث القدسية، قال الله تعالى في القرآن: {{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}} [الأحزاب: 57] وقال في الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر» [(202)] فالضرر منفي عن الله عزّ وجل بالقرآن والأحاديث القدسية، والأذية ثابتة، ومن المعلوم أنه لا يلزم من الأذية الضرر، بدليل أن الإنسان إذا جلس إلى جنبه رجل آكل بصلاً فإنه يتأذى به ولا يضره.

وقوله: {{شَيْئًا} } نكرة في سياق النفي بـ«لن» فيعم أي شيء، لن يضروك به في الدنيا ولا في الآخرة.

وقوله: {{وَإِنْ حَكَمْتَ} } يعني رأيت أن تحكم واخترت أن تحكم فاحكم بينهم بالقسط، والقسط هو العدل، حتى لو كان الحكم لكافر على مسلم يحكم عليه بالعدل، حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا: يجب أن يعدل بين الخصمين ولو بين مسلم وكافر، في اللفظ واللحظ والجلوس والتقديم وكل شيء؛ لأن هذا حكم يجب أن يعدل فيه، فعبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم ليخرص على اليهود الثمار، جمعهم وقال: إني جئتكم من أحب الناس إليَّ، يعني: الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وإنكم لأبغض إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير ـ رضي الله عنه كلمة شجاع ـ وما حبي له وبغضي لكم بموجب أن لا أعدل فيكم، وإلا من المعلوم أن النفس بالطبيعة البشرية تميل مع من تحب، وعلى من تبغض، لكن هو يقول: لا يمكن أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وعدل فيهم رضي الله عنه[(203)].

قوله: {{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} } هذا حث على العدل في كل شيء، و{{الْمُقْسِطِينَ} } يعني: العادلين، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «أن المقسطين على منابر من نور عن يمين الله عزّ وجل، الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا عليه»[(204)].

إذاً المقسط: هو العادل، والقاسط هو الجائر، قال تعالى: {{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا *}} [الجن: 15] .

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: تأكيد كون هؤلاء اليهود سماعين للكذب، لقوله: {{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} }.

فإن قال قائل: يرد على قولك تأكيد القاعدة المعروفة أنه إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد حمل على التأسيس؟ قلنا: نعم، هذا وارد لكن له جواب.

و الجواب: أننا إذا قلنا إنه للتأسيس، صارت الجملة الأولى دالة على معنى واحد، والثانية على معنى واحد، وإذا قلنا: للتوكيد؛ صار كل منهما دالاً على معنيين، فمن ثَمَّ يترجح أن يكون ذلك للتأكيد.

الفائدة الثانية: التحذير من هذا الوصف القبيح وهو الاستماع للكذب أو نَقْلِ الكذب؛ لأن الله أكد بيان هذا الوصف القبيح من اليهود.

الفائدة الثالثة: أن من اتصف بذلك ففيه شبه من اليهود.

الفائدة الرابعة: التحذير من وصف قبيح آخر وهو أكل المال بالباطل، لقوله: {{أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} } والله عزّ وجل لم يذكر هذا الوصف إلا لنحذره.

الفائدة الخامسة: أن من اكتسب المال الحرام ففيه شبه من اليهود، فآكلو الربا مشابهون لليهود، وآكلو الأموال بالغش مشابهون لليهود، وآكلو الأموال بالحلف الكاذب مشابهون لليهود، فكل من اكتسب مالاً بغير حق بطريق محرم فهو مشابه لليهود، كالراشي والمرتشي، فالرشوة شائعة في اليهود.

الفائدة السادسة: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مخير بين أن يحكم بين اليهود وألا يحكم، لقوله: {{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ} } و«أو» هنا للتخيير.

فإن قال قائل: هل التخيير على إطلاقه؟

الجواب: لا، بل هو مقيد بالمصلحة، والقاعدة عندنا أن التخيير إذا كان للتيسير على المكلف فهو للتشهي يفعل ما يشاء، وإذا كان للمصلحة وجب اتباع المصلحة.

الفائدة السابعة: أن من أعرض عن شيء بأمر الله فإن ذلك لا يضره، لقوله: {{وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ} }، يعني: فلم تحكم بينهم فلن يضروك شيئاً، ولكن هل انتفاء الضرر يجب أن يكون في الحال أو ولو في المستقبل، بمعنى أنه ربما يتضرر لأول وهلة، ثم تكون العاقبة له؟ الجواب الثاني: لأن الإنسان قد يتضرر لأول وهلة ولكن تكون العاقبة له، وحينئذٍ يكون كأن لم يتضرر.

الفائدة الثامنة: أنه يجب الحكم بين الناس بالعدل، لقوله: {{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} } يعني: إن أردت أن تحكم كما خيرناك فاحكم بينهم بالقسط.

الفائدة التاسعة: أنه لا يجوز للإنسان أن يراعي فـي حكمه قريباً ولا صديقاً ولا غنياً ولا فقيراً، لقوله: {{بِالْقِسْطِ} } وهذا يعني: أن ينظر إلى القضية من حيث هي قضية لا من حيث إنها قضية فلان بن فلان.

الفائدة العاشرة: إثبات المحبة لله عزّ وجل، أي: أن الله يحب، وفي آية أخرى قال تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}} [البقرة: 222] . وهل هذه المحبة مجاز عن الثواب أو هي محبة حقيقية؟ يتعين الثاني، ففيها إثبات أن الله تعالى يحب، ومن أهل التأويل من قال: إن الله تعالى لا يحب، قال ذلك تأويلاً لا تكذيباً، يعني هو لم يقل: إن الله لا يحب، بل قال: إنه يحب، لكن معنى المحبة كذا.

ويجب أن نفرق بين الطريقين الذي يقول: إن الله لا يحب، هذا كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، والذي يقول: إنه يحب، لكن معنى المحبة كذا، فهذا ليس بكافر، ففرق بين إنكار المحبة تأويلاً وإنكارها تكذيباً وجحوداً، فالأشاعرة ومن وراءهم جميع المتأولين يقولون: إن الله لا يحب؛ لأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين؛ ولأن المحبة تتجدد لأنها معلقة بأوصاف وأسباب، والله تعالى منزه عن الحوادث.

إذاً ما معنى المحبة؟ قالوا: معناها: الثواب، ولم يعلم المساكين أنه يلزم من إثبات الثواب إثبات المحبة، إذاً لا يمكن ثواب بلا محبة أبداً، فهم وإن فروا من إثباتها لفظاً فإنها تلزمهم إلزاماً، المهم أنهم يقولون: إن المحبة بمعنى: المثوبة، فقيل لهم: إن الله يقول: {{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}} [المائدة: 54] قالوا: نعم، يحبهم أي: يثيبهم، ويحبونه، أي: يفعلون ما يثيبهم عليه، ولكن هذا لا شك أنه مخالف لظاهر اللفظ ومخالف لإجماع السلف، فما من السلف أحد قال: إن المحبة بمعنى: الثواب.

فإذا قال قائل: وهل عندكم نص من كل واحد من السلف أن المحبة بمعناها الحقيقي؟

قلنا: لا، لكن كون هذه النصوص ترد عليهم ولم يرد عنهم تفسير بخلاف ظاهرها يدل على أنهم أجمعوا على إثباتها، ولا حاجة لأن ينقل إجماعهم على كل مسألة بعينها، لكن ما دامت نصوص الكتاب والسنة ترد عليهم، ولم يأتِ عن أحد منهم ولا حرف واحد أنه أوَّلها بخلاف ظاهرها، فإن هذا يدل على أنهم مجمعون على إثباتها.

أما قولهم: إن هذا يلزم منه أن تقوم الحوادث بالله عزّ وجل، فنقول: وليكن، نحن نؤمن بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، وأن صفاته منها ما يتجدد ومنها ما لا يتجدد، بمعنى منها ما يحدث بأسباب، ومنها ما لا يحدث بأسباب، فالعلم مثلاً أزلي أبدي، لكن المحبة ليست كذلك، إذا كان الله يحب هذا العبد فمحبته لهذا العبد بعد وجود أسباب المحبة، فمحبته لهذا العبد المعين حادثة ولا مانع، وقيام الأفعال الاختيارية به من كمال صفاته ولا شك.

الفائدة الحادية عشرة : إثبات تفاضل محبة الله عزّ وجل، وجه الدلالة: أن المحبة هنا علقت بوصف وهو الإقساط؛ لأن «مقسطين» من الرباعي، وإذا كان كذلك فإن المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، أرأيت لو قلت: أَكْرِمْ المجتهد من الطلبة، فإن إكرامك يزيد بزيادة الاجتهاد وينقص بنقصه.

إذاً إثبات كون الله يحب المقسطين يدل على تفاضل محبة الله عزّ وجل وأنه يحب أحداً أكثر من أحد، ويحب أحداً ولا يحب الآخر، وهذه القاعدة في كل شيء.

الفائدة الثانية عشرة : الحث على الإقساط، أي: العدل، وجه ذلك: كون الله يخبر أنه يحب المقسطين يتضمن الحث على العدل، فهذا ليس مجرد خبر، بل هو خبر يراد به الحث والإغراء على العدل.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ *}} [المائدة: 43] .

قوله: {{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} } «كيف» هنا: اسم استفهام، والمراد به: التعجيب، يعني: اعْجَبْ كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله، وهم يدَّعون أنهم مؤمنون بها فإن هذا من التناقض، إذا كان لديهم كتاب يهتدون به، ويدَّعون أنه هو كتابهم وشريعتهم ودينهم، فكيف يتحاكمون إلى غيره؟ هذا مما يوجب الشبهة في تحكيمهم للرسول عليه الصلاة والسلام وأنهم ما أرادوا الحق، لو أرادوا الحق لرجعوا إلى الكتاب الذي عندهم؛ لأنهم يعتقدون أنه حق.

إذاً: المسألة الآن مسألة اشتباه وأنهم لم يريدوا حقيقة التحكيم وهذا هو الواقع؛ لأنه لما زنا منهم الزانيان، أتوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يريدون أن يوافقهم فيما أحدثوه في عقوبة هذه الفاحشة، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم برجم الزانيين، ثم أنكروا ذلك وقالوا: هذا خلاف ما عندنا، ما الذي عندكم؟ قالوا: نحن عندنا أننا نسود وجوه الزانيين ونطوف بهما في الأسواق خزياً وعاراً، فأخبرهم عبد الله بن سلام أو غيره بأن التوراة تنص على أن الزانيين يرجمان.

فقال: ائتوا بالتوراة، فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك ـ لأن عبد الله بن سلام من أحبار اليهود ـ فرفع يده فإذا فيها آية الرجم توافق ما حكم به النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم إني أول من أقام ـ أظنه قال ـ حكمك بعد أن أماتوه ، أو من أحيا حكمك بعد أن أماتوه»[(205)].

فالله عزّ وجل يُعَجِّبُ الرسول عليه الصلاة والسلام، {{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} }، يعني: بعد أن حَكَّموك وحَكَمْتَ تولوا وأبوا حتى جيء بالتوراة فإذا هي مطابقة تماماً لحكم النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: {{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}}، المشار إليه: التحكيم.

قوله: { ٌ ً ي {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} } يعني: وما هؤلاء بالمؤمنين، وأتى بـ«أولاء» مقرونة بالكاف الدالة على بعد المشار إليه، وهذا لدنو منزلتهم وليس لعلوها، يعني: ما هؤلاء المنحطون الذين نزلوا إلى أسفل السافلين بالمؤمنين، فهؤلاء لا آمنوا بالتوراة ولا آمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وإعراب هذه الجملة:

«ما»: نافية تعمل عمل ليس.

«أولاء»: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم ما، والكاف: حرف دال على الخطاب.

«بالمؤمنين»: «الباء»: حرف جر زائد، «المؤمنين»: خبر «ما» منصوب بياء مقدرة على الياء المجلوبة لحرف الجر الزائد، لماذا لا نقول: منصوب بالياء ما دام الياء هي الياء، سواء كان الاسم منصوباً أو مجروراً؟ قالوا: لأجل إحكام القواعد، وإلا حقيقة اللفظ لم يتغير سواء قلت: إن الباء حرف جر زائد أو إنها منصوبة؛ لأن علامة النصب في جمع المذكر السالم وعلامة الجر واحدة وهي الياء، لكن يقولون: إتقاناً للقواعد لا بد أن يكون هذا.

وقوله: {{وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} } هنا نفى الله عزّ وجل أن يكون هؤلاء مؤمنين، وأتى بحرف الجر الزائد، وقد ذكر علماء البلاغة أن جميع الحروف الزائدة تفيد التوكيد، وعليه فتكون الباء هنا وإن كانت زائدة إعراباً زائدة معنى، وهو: التوكيد، فإذا قلت: ما زيد قائماً، وما زيد بقائم، فالثانية أوكد.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: العجب من هؤلاء اليهود الذين يحكمون النبي صلّى الله عليه وسلّم طلباً للرخصة وعندهم التوراة.

الفائدة الثانية: أن من استفتى عالماً طلباً للرخصة ففيه شبه من اليهود، ولهذا قال العلماء: يحرم الاستفتاء طلباً للرخصة، وقالوا: من تتبع الرخص فقد تزندق، وصفة تَتَبُّعِ الرخص أنه إذا أفتاك عالم ولم ترد فتواه ذهبت إلى عالم آخر ليفتيك بما يناسبك، ولا شك أن المستفتي إنما أراد اتباع الهوى دون الهدى؛ لأنه لما أفتي بما يرى هو أنه الحق ذهب إلى عالم آخر، وقلنا: يرى أنه الحق؛ لأنه لم يستفتِ هذا العالم إلا وهو يعتقد أن فتواه حق وشريعة، فلما لم يوافق هواه ذهب ليستفتي آخر، فصارت حاله تنادي بأنه لا يريد الهدى وإنما يريد الهوى.

نعم لو أن الإنسان استفتى عالماً في مكان في بلدته، لا يرى عالماً أحسن منه، لكن في نيته أنه لو حصل له أن يستفتي من هو أعلم لفعل، فهنا نقول: لا بأس أن يأخذ بقوله، وإذا ظفر بعالم أوثق منه عنده فليستفته، ويكون هنا بمنزلة استعمال التراب بدلاً عن الماء عند العجز عنه، وبمنزلة أكل الميتة عند العجز عن أكل المذكاة، وعليه فيفرق بين شخصين سألا عالماً ثم استفتيا غيره، أحدهما سأل هذا العالم؛ لأنه لا يرى في بلده من هو أعلم منه، وفي نيته أنه إذا ظفر بمن هو أوثق استفتاه، فاستفتاء هذا للعالم الثاني حكمه جائز، والثاني استفتى العالم الذي في بلده على أن فتواه هي الحق، لكنه تثاقلها، ثم استفتى عالماً آخر لعله يجد رخصة، هذا لا يجوز، اثنان عملهما واحد لكن حكمهما مختلف.

الفائدة الثالثة: تناقض اليهود وذلك بطلبهم الحق مع أن أداة الحق عندهم، فقد حكموا الرسول عليه الصلاة والسلام مع أن التوراة فيها حكم الله، أي: فيها ما يعتقدون أنه حكم الله.

الفائدة الرابعة: أن ما جاء في التوراة فهو حكم الله، ولكن هذا قبل أن تبدل وتغير ويخفى منها ما يخفى ويبدى منها ما يبدى، قال الله تعالى: {{قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}} [الأنعام: 91] .

الفائدة الخامسة: أن الأحكام التي في التوراة هي حكم الله، لقوله تعالى: {{فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} } لكن هذا في التوراة الثابتة، وأما بعد أن حرفت وغيرت وأخفيت فالحكم متغير، لقول الله تعالى: {{قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}} [الأنعام: 91] .

لو قال قائل: في قوله تعالى: {{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}} [آل عمران: 93] إشكال، والإشكال: أليست التوراة منسوخة بعد نزول القرآن؟

الجواب: بلى هي منسوخة، لكن من أجل أن يرد عليهم من كتابهم؛ لأنهم هم لا يؤمنون بالقرآن بل يؤمنون بالتوراة.

الفائدة السادسة: عتو اليهود وأنهم بعد أن يتبين لهم الحق يتولون، لقوله: {{ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ} } لأن {{ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ} } تدل على الترتيب والتراخي.

الفائدة السابعة: أن من طلب الفتوى تتبعاً للرخصة فليس بمؤمن، لقوله تعالى: { ٌ ً ي {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} } لكن هل ينتفي عنه أصل الإيمان أو كمال الإيمان؟ الظاهر الثاني أنه ينتفي عنه كمال الإيمان.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ *}} [المائدة: 44] .

قوله: {{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} }، «إنا» «نا» معروف أنها للجماعة أي: ضمير جمع، لكنها إذا أضيفت إلى الله فالمراد بها: التعظيم قطعاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى إله واحد كما قال الله تعالى: {{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}} [البقرة: 163] وقال تعالى: {{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ}} [آل عمران: 18] .

وقوله: {{أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ} } أي: من أعلى؛ يعني أن الله تعالى أنزلها على موسى لكنه جلَّ وعلا كتبها بيده في ألواح، نزلت من السماء على موسى عليه الصلاة والسلام وجاء بها مكتوبة في الألواح.

قوله: {{فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} } الهدى: العلم، والنور: آثار هذا العلم، وذلك أن الإنسان كلما ازداد علماً ازداد نوراً وبصيرة في دين الله عزّ وجل.

قوله: {{يَحْكُمُ بِهَا} } أي: بالتوراة وما فيها من الهدى والنور، {{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}} [النساء: 69] .

قوله: {{الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} } {{الَّذِينَ أَسْلَمُوا} } يعني: الإسلام التام، الذي هو إسلام القلب وإسلام اللسان وإسلام الجوارح، يعني: الاستسلام لله ظاهراً وباطناً.

ولا تعجب أن يوصف الأنبياء بالإسلام؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أقوى الناس استسلاماً لله عزّ وجل، قال الله تبارك وتعالى عن يوسف: {{تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}} [يوسف: 101] ، وقال الله تعالى عن إبراهيم: {{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *}} [البقرة: 131] ، فإسلام الأنبياء متضمن للإيمان؛ وذلك لأنه إسلام القلب واللسان والجوارح.

قوله: {{لِلَّذِينَ هَادُوا} } متعلقة بـ«يحكم»، يعني: يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود.

وقوله: {{لِلَّذِينَ هَادُوا} } بمعنى: رجعوا، وذلك بعد توبتهم من عبادة العجل، فإن هذا رجوع إلى الله عزّ وجل.

قوله: {{وَالرَبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} } قيل: إن الربانيين والأحبار العطف فيهما من باب عطف الصفات، وأن الربانيين هم الأحبار، وقيل: بينهما فرق، فالرباني: هو الذي أتم العبودية لله، وربى الناس عليها حتى وإن لم يصل إلى درجة الحبر بالنسبة للعلم، والأحبار: هم الذين وصلوا إلى غاية كبيرة من العلم، فالحبر: واسع العلم، قالوا: لأنه يتفق في الاشتقاق، مع البحر لكنه ليس بالاشتقاق التام الذي يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف والترتيب، بل يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف دون الترتيب؛ فحبر وبحر كل كلمة حروفها ثلاثة متفقة، وعلى هذا فيكون الحبر: هو واسع العلم أي: الذي عنده علم واسع.

والرباني: من دونه لكنه يربي الناس على عبادة الله عزّ وجل، ويربيهم أيضاً على العلم، وقد قيل في غير هذه الآية: إن الرباني هو العالم الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ لأن هذا لا شك أنه من الحكمة، وأقرب وسيلة إلى حصول العلم أن يربى الطالب بصغار العلم قبل كباره.

قوله: {{بِمَا اسْتُحْفِظُوا} } يعني: يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله، أي: بما جُعِلوا حفَّاظاً عليه؛ لأن أول من يحفظ الدين ويقوم بحفظه والذود عنه هم العلماء الأحبار والربانيون، ولهذا قال: {{بِمَا اسْتُحْفِظُوا} } أي: بسبب ما استحفظوا من كتاب الله.

قوله: {{مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} } والمراد بها: التوراة، لقوله: {{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} } وأضيفت التوراة إلى الله؛ لأنه سبحانه وتعالى كتبها بيده، هذا هو المشهور عند العلماء سلفاً وخلفاً.

قوله: {{وَكَانُوا عَلَيْهِ} } أي: على الذين استحفظوا شهداء؛ لأن العلماء يشهدون بأن هذه شريعة الله، وينشرونها بين عباد الله، فكانوا شهداء على الخلق ببلوغ الشريعة إليهم.

قوله: {{فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} } لا تخشوا الناس؛ أي: لا تخافوهم وتخضعوا لهم واخشوا الله، وهذا كالإشارة إلى كونهم إذا زنا فيهم الشريف تركوه وإذا زنا فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، واعلم أن الخشية والخوف بينهما فروق:

الفرق الأول : أن الخشية تكون عن علم، والخوف قد يكون عن علم وقد يكون بدون علم.

الفرق الثاني : أن الخشية تكون لعظمة المخشي، وأما الخوف فيكون لضعف الخائف، وإن لم يكن المخوف قوياً.

الفرق الثالث : أن الخشية أكمل من الخوف، ولهذا كانت ألفاظها الخاء والشين والياء، وكلها مشتقة من الشيء القوي.

قوله: {{ثَمَناً قَلِيلاً}} يعني: لا تستبدلوا آيات الله بالثمن القليل، فما هو الثمن القليل؟ الثمن القليل إما الجاه وإما الرتبة والشرف، وإما الرشوة فهم يحكمون بغير شريعة الله، طلباً لبقاء شرفهم وجاههم وسيادتهم أو من أجل مال يبذل إليهم رشوة، ووصفه الله بأنه قليل لأن جميع ما في الدنيا مهما بلغ فهو قليل، قال الله تعالى: {{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى}} [النساء: 77] .

قوله: {{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} } أي: أيُّ إنسان لم يحكم بما أنزل الله من يهود ونصارى وغيرهم {{فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} } «أولاء»: مبتدأ، وهم: ضمير فصل، وجاء ضمير الفصل لإفادة الحصر والتوكيد؛ وقد تقدم أن ضمير الفصل له ثلاث فوائد، الأولى: إفادة الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل، ويظهر ذلك بالمثال: إذا قلت: زيد الفاضل، وعبرت تعبيراً آخر: زيد هو الفاضل، أيهما أبلغ في إثبات الفضل لزيد؟ الثاني، فقولنا: زيد هو الفاضل يعني: لا غير فيفيد الحصر والتوكيد أيضاً، ويفيد التمييز بين الخبر والصفة؛ لأنك إذا قلت: زيد الفاضل، يحتمل أن تكون الفاضل صفة لزيد، ويترقب المخاطب الخبر، زيد الفاضل ما شأنه؟ يتوقع الإنسان الخبر، فإذا قلت زيد هو الفاضل لم يحتمل أن تكون الفاضل صفة، بل تتعين أن تكون خبراً، وهل ضمير الفصل له محل من الإعراب؟ هو حرف في صورة ضمير وليس له محل من الإعراب، ولهذا قال الله تعالى: {{لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ *}} [الشعراء: 40] ، فقال: {{الْغَالِبِينَ}}، مما يدل على أنه ليس له محل من الإعراب، لو كان له محل من الإعراب لكان الضمير مبتدأ، والغالبون: خبر، ولهذا نقول في إعراب: {{إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}}: «الواو» اسم كان، و«الغالبين» خبرها.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: ثبوت إنزال الله تعالى للتوراة، لقوله: {{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ} }.

الفائدة الثانية: شرف التوراة، حيث إن الله تعالى أنزلها من عنده، لكن كما تقدم في التفسير: أن المراد بالتوراة: التي لم تغير ولم تبدل.

الفائدة الثالثة: أن في التوراة هدى ونور، لقوله: {{فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} }، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: {{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ}} [البقرة: 185] فالقرآن كله هدى وكله نور قال تعالى: {{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِيناً}} [النساء: 174] ، وفي هذه الآية، قال الله تعالى في التوراة: {{فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} } وهذا التعبير بينه وبين التعبير القرآني بالنسبة للقرآن الكريم فرق عظيم؛ لأن التوراة جعل فيها هدى ونور، والقرآن جعله هو الهدى والنور.

الفائدة الرابعة: أن التوراة أصل للأنبياء الذين جاءوا من بعد موسى، لقوله: {{يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} }، وعلى هذا فالشرائع التي أتت من بعد التوراة تعتبر تكميلاً للتوراة وتحقيقاً للعمل بها، ومن ثَمَّ نقول: هل الإنجيل داخل في ذلك؟ نقول: نعم الإنجيل مكمل للتوراة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: {{وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}} [آل عمران: 50] .

فلو قال قائل: هل يجوز أن نقول هذه الآية من التوراة أو من الإنجيل؟

الجواب: إذا كانت منزلة من عند الله عزّ وجل فهي آية؛ لأنه كما تقدم: أن هذه الشرائع لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، ولو أنكر البعض على من يقول هذه الآية من التوراة أو الإنجيل فهذا خطأ إلا إذا كان ينكرها خوفاً من الالتباس فلا بأس؛ لأن العامي إذا سمع هذا يظن أن التوراة والإنجيل قرآناً.

الفائدة الخامسة: جواز وصف الأنبياء بالإسلام، لقوله: {{النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} } والمراد هنا: الاستسلام الظاهر والباطن؛ لأن هناك إسلاماً ظاهرياً فقط، كما في قول الله تبارك وتعالى في قصة لوط: {{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *}} [الذاريات: 35 ـ 36] فجعل الذين في البيت من المسلمين، ومن المعلوم أن امرأة لوط ليست مسلمة بل هي كافرة، لكنها قد خانت زوجها فأظهرت الإسلام، ولهذا قال: {{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامَرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا}} [التحريم: 10] فقوله: {{فَخَانَتَاهُمَا}} ليس بفعل الفاحشة ولكن بإخفاء الكفر عنهما.

فالمهم أن الإسلام قد يطلق على من أظهر الإسلام وإن كان قلبه منطوياً على الكفر، لكن إسلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على عكس ذلك، إسلام الأنبياء هو استسلامهم لله ظاهراً وباطناً.

الفائدة السادسة: أنه لا عذر لليهود في الخروج عن شريعة الله؛ لأن الله تعالى قيض لهم الأنبياء الكثيرين يحكمون لهم بالتوراة، لكنهم عاندوا وكفروا.

الفائدة السابعة: أن أهل العلم ورثة الأنبياء في إظهار حكم الله والدعوة إلى شريعته، لقوله: {{وَالرَبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} }.

الفائدة الثامنة: الثناء على أهل العلم، وأنهم هم حفظة شريعة الله، لقوله: {{بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} } وهذا أمر لا شك فيه، أن العلماء هم حفظة شريعة الله وهم ورثة الأنبياء، هم الذين يلزمهم الدعوة إلى الله على بصيرة، ونشر شريعة الله.

الفائدة التاسعة: أن كُتُبَ الله عزّ وجل هي أصل العلوم التي يدعو بها من حفظها من عباد الله، لقوله: {{مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} } وعليه فتكون التوراة من كتب الله التي يجب علينا أن نؤمن بها.

الفائدة العاشرة: أن العلماء شهداء على شريعة الله موثوقون مؤتمنون، هذا هو الأصل، لكن قد يخرجون عن هذا الأصل، وهو: الشهادة على شريعة الله عزّ وجل التي ينشرونها بين الناس، لكن هل كل عالم كذلك؟

الجواب: لا، ولهذا نقول: العلماء ثلاثة أصناف: عالم ملة، وعالم أمة، وعالم دولة.

عالم الملة: هو الذي يحرص على حفظ الملة ونشرها بين الناس والدعوة إليها وهذا هو العالم حقيقة.

وعالم الأمة: هو الذي يرى ما يريده الناس فيفتيهم به ولو خالف الشرع؛ لأنه يريد أن يساير ويقبل رأيه ولا يبالي.

والثالث: عالم دولة: وهو الذي يرى ما تريده الدولة فيدعو إليه ويحكم به، ويحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما تريده الدولة.

وقد ظهرت دعوة قبل سنوات تدعو إلى الاشتراكية[(206)]؛ بسبب تأثير الشيوعيين على بعض البلاد العربية، فظهرت دعوة الاشتراكية وتأميم الممتلكات، وصار بعض العلماء يحاولون أن يجدوا لهذا المنهج شيئاً يؤيده من القرآن والسنة، فصاروا يأتون بالآيات والأحاديث البعيدة عن مرادهم ليثبتوا هذا، حتى سمعنا من يقول: إن قول الله تبارك وتعالى: {{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}} [الروم: 28] ، يعني: أنتم والعبيد الذين تملكونهم سواء، وهذا لا شك أنه تحريف؛ لأن معنى الآية: أن الله تعالى ضرب لنا مثلاً من أنفسنا:

ـ هل السيد يرضى أن يشاركه عبده في خصائصه وحقوقه؟

الجواب: لا، قال تعالى: {{هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}} [الروم: 28] ، بناء على أنهم شركاء لكم وهذا لا يمكن أن تقروا به، فكذلك الرب عزّ وجل، هل يرضى أن يكون أحد من خلقه شريكاً له؟ لا يرضى، كما أنكم أنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في الرزق، هذا معنى الآية.

واستدلوا أيضاً بأحاديث: «الناس شركاء في ثلاث» [(207)] وما أشبه ذلك، نسمي هؤلاء العلماء: علماء دولة، يعني يرون ما تريده الدولة فيصرفون الناس إليه ـ نسأل الله العافية ـ لكن العلماء الربانيين الذين استحفظهم الله على كتابه لا يمكن أن يسلكوا هذا المسلك.

الفائدة الحادية عشرة : تحريم خشية الناس في إضاعة شريعة الله، لقوله: {{فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} } واعلم أن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم سبباً لكون الإنسان يخشى الناس دون الله، فقال عزّ وجل: {{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *}} [آل عمران: 175] الشيطان يأتي إلى ضعاف الدين وإلى ضعاف الهمة والحزم، يقول: لا تفعل هذا، فإذا فعلت تقوم عليك الأمة، تنكر عليك الأمم، فيخاف، والمؤمن حقاً لا يخاف يقول: ما دمت على بصيرة وعلى دين فأنا لا أخاف إلا الله عزّ وجل، ولهذا قال: {{فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} }.

لو قال قائل: متى يصدع الداعية بالحق ولا يخشى الناس، ومتى يكون الأمر فيه سعة، هذا إذا وجد من يصادمه؟

الجواب: إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على نفسه فهذا هو الذي يخشى الناس، أما إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على الحق وأنه لو جهر به ضاده الوالي الذي عنده وقمع هذه الدعوة وربما يتوصل الأمر إلى غيره، فهذا لا حرج أن يؤخر الدعوة إلى وقت يمكنه فيه أن يجهر بها.

الفائدة الثانية عشرة : أن المنحرف عن الدين وعن نشر العلم ينحرف لأحد سببين: السبب الأول: خشية الناس، والسبب الثاني: الطمع في الدنيا، وجه ذلك قوله تعالى: {{ثَمَناً قَلِيلاً}} فلو أنك تأملت أسباب الانحراف، وأعني بذلك انحراف العلماء، لوجدته يدور على شيئين: إما الخوف من الناس، وإما طلب الدنيا والرئاسة والمال وما أشبه ذلك.

الفائدة الثالثة عشرة : أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، لقوله: {{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} } واختلف العلماء رحمهم الله، هل المراد بهذا العموم الخصوص؟ يعني: أن المراد بذلك اليهود فقط؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله أو المراد العموم؟

منهم من قال: أن المراد بهذه الآية: اليهود؛ لأنها في سياق التثريب عليهم؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله فهم كافرون.

ومنهم من قال: إنها عامة؛ لأن لفظ «مَنْ» صريح في العموم، والصحيح أنه من حيث الحكم عامة، يعني: حتى لو نزلناها لفظاً على اليهود؛ لأن السياق في ذَمِّهِم، فإننا نقول: إذا ثبت هذا الحكم في اليهود ثبت في غير اليهود من باب العموم المعنوي الذي هو القياس، يعني إن قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص، وأن المراد بذلك اليهود قلنا: هذه دلالة الآية لفظاً، لكن إذا قلنا بالعموم بغض النظر عن السياق، صارت الآية تدل لفظاً على الشمول لليهود، وغير اليهود، وعلى القول بأنها للخصوص، نقول: يلحق بذلك من لم يحكم بما أنزل الله من غير اليهود إلحاقاً معنوياً.

ولكن ليعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله، إما أن يكون لطمع، وإما أن يكون لكفر بما أنزل الله، وإما أن يكون لعدوان وظلم على الغير.

فإن كان لطمع فإنه فاسق، كقاضٍ تنازع عنده رجلان، فأعطاه أحدهما رشوة فحكم بغير ما أنزل الله؛ طلباً للرشوة والطمع، هذا نقول: إنه فاسق.

الثاني: رجل تخاصم إليه رجلان، وكان بينه وبين أحدهما عداوة، فحكم عليه والحق معه، نقول: هذا ظالم معتدي، ليس له غرض في الحكم عليه، لكن يريد أن ينتقم منه؛ لأنه يكرهه أو بينه وبينه سوء تفاهم، وهذا أعظم وأشد من الأول؛ لأن الأول له منفعة قد تدعو النفس إليها، أما الثاني فليس له غرض إلا العدوان، فهو أشد وأعظم بلا شك.

الثالث: أن يحكم بغير ما أنزل الله كراهة لما أنزل الله، أو اعتقاداً منه أن ما حكم به خير من حكم الله عزّ وجل، أو أنه مخير بين أن يحكم بما أنزل الله أو بغير ما أنزل الله، فهذا يكون كافراً خارجاً عن الإسلام؛ لأنه كره الإسلام أو ظن أن غيره أحسن منه، أو أن غيره مثله، والله عزّ وجل يقول: {{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}} [المائدة: 50] أي: لا أحد أحسن من الله حكماً، فإذا حكم وهو يعتقد أنه مثل حكم الله، فقد كذب ما تدل عليه الآية، وهو قوله: {{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}} وإذا اعتقد أنه خير منه؛ فإنه أشر وأقبح من الذي قال: إنه مساوٍ له.

لو قال قائل: قوله تعالى: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} } هل المعنى فأولئك هم الكافرون فيما حكموا فيه أو الكافرون الخارجون عن الملة؟

الجواب: هذا محل خلاف وقد تقدم، فمن العلماء من قال: إن قوله تعالى: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} } هذا فيما حكموا به، كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» [(208)] مع أن هذا لا يخرج من الإسلام، فعليه يكون المعنى هم الكافرون فيما حكموا به فقط، لا الخارجون عن الملة، وقيل: هم الكافرون، أي: الموصوفون بالكفر المخرج عن الملة، ولكن الأدلة دلت على أن هذا مقيد بشروط:

الأول: أن يكون الحاكم عالماً بحكم الله، والثاني: أن يكون عالماً بمخالفة هذا الحكم لحكم الله، والثالث: أن يجعله بديلاً عن حكم الله، والرابع: أن لا يرضى بحكم الله، فإذا تمت هذه الشروط صار حينئذٍ خارجاً عن الملة.

فإذا حكم بغير ما أنزل الله وهو لا يعلم بحكم الله، فإنه لا يكفر؛ لأن من شرط الحكم بالكفر أن يكون الإنسان عالماً به، فكيف إذا حكم بتأويلٍ ممن حرَّف الكلم عن مواضعه من علماء السوء؟ فيكون هذا أشد عذراً له وأبعد عن تكفيره.

وإذا قال: هو يعلم بحكم الله، وهو راضٍ بحكم الله لكنه يرى أنه لا يصلح في هذا الوقت مثلاً، قلنا: هذا كفر؛ لأن الشريعة الإسلامية باقية إلى يوم القيامة، فإن الذي شرعها علم ـ عزّ وجل ـ بما يُصلِح الخلق، وعلم أن محمداً خاتم النبيين، ولا بد أن تكون شريعته صالحة لكل زمان ومكان إلى آخر الدنيا، لكن يجب أن يُعَلَّمَ أولاً؛ لأنه قد يُلَبَّسُ على بعض الحكام ممن لا يعرف أحكام الشريعة فيأتيه جلساء السوء وقرناء السوء ويقولون: هذا يحتمل التأويل ويحتمل كذا، ويحتمل كذا، ثم يوردون العبارة المشهورة القيمة: «الشريعة الإسلامية جاءت بجلب المصالح ودفع المفاسد» ويتراءى لهم أن هذا الشيء صالح ثم يقولون للولاة: اجعلوه سنة واجعلوه نظاماً، مع أنَّ الإنسان قاصر النظر، قد يبدو له في هذه الحال أنه صالح لكن عواقبه فاسدة، فمتى علمنا أن الله حرم هذا الشيء أو أوجب هذا الشيء علمنا أن النتائج المثمرة في الواجب معلومة ولكنها قد تكون مجهولة لنا، معلومة في المآل، وكذلك المفاسد التي فيما حرم الله، قد لا تكون معلومة لنا في الحاضر لكنها تُعْلَمُ في المآل.

وهذه مسألة خطيرة للغاية؛ لأن من الناس من يقدم على التكفير مع انتفاء شروطه، ويحصل بذلك شر كثير، تمرد على الحكام، وتضليل للعامة، وفوضى في المجتمع، ودماء تراق بغير حق. واسأل مَنْ سلفك مِنْ الأمة، ماذا حصل من الخوارج الذين كَفَّروا معاوية ـ رضي الله عنه ـ ثم كفروا علياً رضي الله عنه وهم يقومون الليل ويتلون القرآن، وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الصحابة وهم الصحابة، «يحقر أحدهم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم» [(209)] ومع ذلك حصل من شرهم ما لا يعلمه إلا الله، ومن قرأ عنهم ـ وآخر الأمة كأولها ـ علم أن الخروج على الأئمة لا شك أنه مفسدة عظيمة، وأن بقاء الحكام على غير ما أنزل الله لا شك مضرة عظيمة، لكن الواجب أن يُدرأ أشد المفسدتين بأخفهما، فإذا جرت الدماء يصعب جداً إيقافها وأن تحقن بعد أن أريقت، لكنَّ إصلاح الحكام ربما يتحقق مع المران والمجالسة والمناصحة.

فلهذا أقول: إن المسألة خطيرة، وإن الواجب على الإنسان أن يدرس ما قاله أهل العلم في هذه المسألة دراسة خالية من العاطفة، كلنا نحب أن تكون كلمة الله هي العليا والله تعالى يعلم ذلك، وكلنا يحب أن يكف الشر عن الأمة، لكننا نعلم جيداً خطورة الوضع فيما إذا قيل: إن هذا الحاكم كافر وليس عندنا فيه من الله برهان.

فإذا وجدنا كفراً بواحاً صريحاً واضحاً عندنا فيه من الله برهان، وطبقنا البرهان على الواقع وتبين أنه كفر، فهل يسوغ لنا أن نخرج على الإمام؟ حتى: لو قلنا: إنه يسوغ؛ فلا بد من شروط، أهمها: أن يكون لنا القدرة على إزاحته وأن ننظر ماذا يترتب على الخروج وفقاً للأصول العامة من الدين الإسلامي، أما أن نخرج عليه بدونها فلا يليق، وليس من الحكمة ولا من الشريعة. وهل أُمر المسلمون وهم مضطهدون في مكة أن يقاتِلوا؟ ما أمروا أن يقاتِلوا؛ لأنهم لا طاقة لهم بذلك، فإذا قدرنا أن هذا الحاكم كافر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان كالشمس، ورأيناه يسجد للصنم، فهل نخرج عليه؟

الجواب: لا نخرج، ومسألة الخروج هذه لا تجوز إلا بشروط، فأين القدرة الآن من هؤلاء الذين يخرجون فئات وفئات؟ ثم يحصل من الشر العظيم ما هو معلوم للجميع، وهذه الفئات أيضاً لا تتسلط على الحكومة نفسها بل تتسلط على الشعب المسكين الأعزل الذي لا حول له ولا قوة، فيقتلون النساء والصبيان ويدمرون البلدان بحجة أنهم يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وهم بهذا الفعل ما حصلوا على المقصود ولا أثمروا ولا أنتجوا، إنما كان الضرر عظيماً مستطيراً، لذلك أكرر أن هذه المسألة من أخطر ما يكون في وقتنا الحاضر، فيجب وجوباً مؤكداً لازماً التثبت في هذا الأمر والتأني والنظر بالحكمة وإدراك العواقب وفقاً للأصول العامة من الدين الإسلامي، والله المستعان وهو حسبنا أن يقينا شر الفتن ويصلح أحوال المسلمين.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *}} [المائدة: 45] .

قوله: {{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} } «كتبنا»: أي: فرضنا، وكما قال تعالى في آية أخرى: {{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}} [البقرة: 183] فالكَتْبُ بمعنى الفرض، والكتابة نوعان: كتابة شرعية، وكتابة قدرية كونية، فما تعلق بالأمر والنهي الذي يفعله المكلف فهي كتابة شرعية، وما تعلق بالخلق والتكوين فهي كتابة قدرية، فمن الأول هذه الآية: {{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} } ومن الثاني قوله تعالى: {{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ}} [الإسراء: 4] هذا في القضاء، وقال في الكتابة: {{كَتَبَ اللَّهُ لأََغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ *}} [المجادلة: 21] هذه كتابة قدرية قال تعالى: {{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}} [الأنعام: 54] والأمثلة كثيرة.

قوله: {{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} } أي: في التوراة، والنص على التوراة يتضمن توبيخ هؤلاء اليهود الذين يقولون: إنهم يعملون بالتوراة ولكنهم لا يطبقونها قال تعالى: {{كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}} [الجمعة: 5] .

قوله: {{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} } يعني: أن من قتل نفساً قُتل بها، كلمة (نفس): القاتل والمقتول لفظ عام في الموضعين، فلننظر هل شريعتنا على هذا أو تختلف؟ الأصل أنها على هذا، والدليل على هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس» [(210)] هذا لفظ الحديث، وهذا لفظ الآية التي حكاها الله عزّ وجل عن التوراة أن النفس بالنفس، إذاً فالأصل أن من قتل نفساً قتل بها.

فلننظر مثلاً شاب مسلم قتل طفلاً مسلماً، يُقْتَلُ به؛ لأن النفس بالنفس، ورجل قتل امرأة يقتل بها، وعاقل قتل مجنوناً يقتل به، وكافر قتل مسلماً يقتل به؛ لأن الآية التي معنا تقتضي أنه يقتل به.

إذاً: كافر قتل مسلماً يقتل به، مسلم قتل كافراً يقتل به، نحن الآن نأخذ الأحكام من الأدلة التي بين أيدينا وهي قوله تعالى: {{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} } والحديث: «النفس بالنفس» [(211)] والد قتل ولده يقتل به، ولد قتل والده يقتل به، حر قتل عبداً يقتل به، سيد قتل مملوكاً يقتل به، فكل قَتْل الأصل فيه أن تقتل النفس بالنفس، يبقى النظر هل هذا العموم خصص؟ نقول: نعم خصص، فإذا لم يثبت التخصيص في مسألة ما فالأصل العموم.

ولننظر كافر قتل مسلماً يقتل به لا شك، مسلم قتل كافراً لا يقتل به، ما الذي أخرجه من العموم؟ أخرجه من العموم ما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يقتل مسلم بكافر» [(212)]، والتعليل أن المسلم طاهر عَبْد لله حقيقة، والكافر نجس متمرد مستكبر، والمسلم من أولياء الله، والكافر من أعداء الله، فكيف يكون هذا نداً لهذا، أو بدلاً عنه، فالمسلم أعلى منزلة عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فإذاً عندنا منقول ومعقول في أن المسلم لا يقتل بالكافر.

هل يقتل الرجل بالأنثى؟ نعم يقتل، الآية عامة، فيقتل الرجل بالأنثى، يعني إذا قتل رجل امرأة فإنه يقتل، فإذا قال إنسان: الرجل أشرف من المرأة وبه يقوم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولايات والأحكام فهم القضاة وهم الولاة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة» [(213)] فكيف تكون المرأة كفئاً للرجل فيقتل بها؟ نقول: عندنا عموم، وعندنا أيضاً دليل خاص، وهو أن جارية من الأنصار كان عليها أوضاح من ذهب أو فضة فقتلها يهودي، رَضَّ رأسها بين حجرين وأُدركت قبل أن تموت، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان فلان فلان حتى ذكروا اليهودي، فأشارت أن نعم، يعني: أنه هو الذي قتلها، فأخذوا اليهودي فاعترف، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالعدل: «أن يرض رأسه بين حجرين» [(214)]، فرض رأسه بين حجرين قصاصاً، فهنا قُتِلَ رجل بامرأة.

فإذا قال قائل: الرجل ناقص عن هذه المرأة بالدين، فنقصه جعله يكون مكافئاً لها؟

قلنا: هذا لا أثر له؛ لأن الدين إذا كان القاتل هو الأدنى لا يؤثر شيئاً، أصلاً لأن المسلم إذا قتله الكافر قتل الكافر.

إذا قتل عاقل مجنوناً يقتل به، لكن لو قال قائل: إذا قتل العاقل مجنوناً أراح الناس منه ومن شره، قلنا: يقتل للعموم.

قتل والد ولده يقتل به، حتى يوجد دليل، طلبنا دليلاً، ما وجدنا دليلاً صحيحاً، وحديث: «لا يقتل والد بولده» [(215)] ليس له إسناد مستقيم، والتعليل بأن الوالد كان سبب وجود الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سبباً في موته، هذا التعليل عليل بل هو تعليل ميت ليس فيه حراك، وإلا فمن كان السبب في الهلاك؟ الوالد هو الذي قتل، ولهذا لو قيل: إن قتل الوالد بالولد أولى من قتل الأجنبي بأجنبي؛ لأن قتل الوالد لولده ارتكاب شيء منهي عنه بخصوصه في القرآن قال تعالى: {{وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ}} [الإسراء: 31] .

ثانياً: قتل الوالد لولده من أكبر قطيعة الرحم وهذه جناية، فكيف يكون ارتكاب هذا الوالد لهذه الجناية؟ ومع ذلك نقول: لا قصاص، فإذا تبين أن المخصص لا يصح نقلاً ولا يصح عقلاً وجب أن يكون الحكم عاماً حتى في قتل الوالد بولده.

ولد قتل والده، يقتل ولا إشكال؛ لأن قتله لوالده من أكبر العقوق فلا ينبغي أن يتسامح فيه.

مملوك قتله سيده يقتل به، مالك قتل عبده يقتل به، هذا الأصل والفرع، لعموم «النفس بالنفس»؛ ولأنه جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من قتل عبده قتلناه» [(216)]، وإذا قتل الحر عبد غيره قُتل به؛ لأنه إذا قتل بعبده الذي هو يملكه فقتله بعبد غيره من باب أولى.

إذاً: لم يصح الآن في تخصيص هذه الآية إلا أنه لا يقتل مسلم بكافر، والباقي على عمومه، ومن ادعى إخراج شيء من هذا العموم، قلنا: مرحباً، هاتِ الدليل الذي يقنع، وحينئذٍ نقول: آمنا بالله، والشريعة يكمل بعضها بعضاً، فما عمم فيها في مكان وخص في مكان أخذنا به.

لو قال قائل: هل يقتل الكبير بالصغير والصغير بالكبير؟

الجواب: الصغير لا يقتل بالكبير، يعني: لو أن صغيراً دون البلوغ قتل كبيراً لا يقتل؛ لأنه مرفوع عنه القلم، ولأنه ليس له قصد صحيح، وكذلك يقال في المجنون إذا قتل العاقل فإنه لا يقتل.

قوله تعالى: {{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} } يعني: أن من قلع عين شخص قلعنا عينه، فعَيْنٌ بعَيْنٍ، ولا بد من المماثلة، فاليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى؛ لأن التعريف في قوله: {{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} } يدل على أن الثاني هو الأول، وهذا يقتضي المماثلة، ولأنه جاء بالباء الدالة على البدل، والبدل لا بد أن يكون مساوياً للمبدل منه.

مثاله: رجل قلع عين شخص ضعيف النظر، والقالع نظره قوي تقلع عينه، كما لو قتل الصحيح مريضاً فيقتل به، رجل سليم العين قلع عين شخص العوراء لا تقلع؛ لأنها لا تبصر، فاقدة المنفعة، أي: ميتة.

رجل أعور ليس له إلا عين يمنى قلع عين سليم اليمنى وله ـ أي: الأعور ـ عين يمنى؟ العلماء مختلفون في هذا، منهم من قال: تقلع عين الأعور، وأخذ بالعموم، في قوله: {{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} } فهذا الرجل الأعور الذي ليس له إلا عين يمنى قلع عين رجل سليم العينين، اليمنى عمداً فتقلع.

فإذا قال قائل: إنكم إذا قلعتم عينه الباقية صار أعمى؟

نقول: من الذي جعله يتعدى على هذا الرجل ويقلع عينه؟ هو الذي جنى على نفسه، ونحن لم نجنِ عليه، وقال بعض العلماء: إنه لا تقلع عينه؛ لأن ذلك يؤدي إلى فوات منفعة لا يوجد لها نظير في البدن وهي الإبصار، لكن بعضهم قال: يُعطى الدية كلها، الأعور الآن لما قلع عين الصحيح اليمنى وهو له عين يمنى، نقول: لا نقلع عين الأعور، لكن تلزمه الدية كاملة عن عين الصحيح العينين، مع أن العين فيها نصف الدية، لكن هنا تلزمه الدية كاملة؛ لأن إبقاء عينه عوضاً عن إبصار كامل بالنسبة للأعور، والإبصار الكامل فيه دية كاملة، وبعضهم يقول: ليس فيها إلا نصف الدية، مطلقة.

والذي يظهر أن الصواب أحد أمرين: إما أن تقلع عينه، ويقال: أنت الذي جنيت على نفسك، وإما أن لا تقلع لكن يلزمه للآخر دية كاملة فيضاعف عليه الغرم.

قوله: {{وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ} } الأنف له قصبة من العظام، وله أرْنَبَةٌ من العظام الرقيقة، فهل المراد العظام الرقيقة أو كل الأنف؟ بعض العلماء يقول: كل الأنف، إذا قص الأنف من عند الجبهة قصصنا أنفه من عند الجبهة، وبعضهم يقول: لا يمكن أن يكون أنف بأنف إلا إذا كان القطع من الجانب اللين من الأنف؛ لأنه هو الذي يمكن الاستيفاء منه؛ لأن له حداً فاصلاً بَيِّناً، يسمى المارن، أي: مارن الأنف، وهو ما لان منه، لكن القول الراجح الأول: أنه يقتص من الأنف من حيث كان موضع الجاني، لا سيما في وقتنا الحاضر، فالطب الآن متقدم ولا يمكن أن يكون فيه حيف؛ لأن الذين قالوا: لا يقتص من العظم، قالوا: يخشى أن يكون فيه حيف فيتقطع، العظم ولا يكون الاقتصاص تاماً، نقول: الآن الحمد لله في وقتنا الحاضر الطب متقدم يمكن أن يقتص بالشعرة.

إذا قلنا بهذا فهل المعتبر المساحة أو النسبة؟ إذا قلنا: المساحة، وكان المجني عليه أنفه كبيراً، والجاني كان أنفه صغيراً، وقطع نصف أنفه الكبيرة، ونصفه يقابل أنف الثاني بالكامل، وربما زيادة أيضاً فهل يعتبر بالمساحة أو بالنسبة؟ العبرة بالنسبة، وقد نجد أن بعض الناس يكون عنده حاسة شم يشم الروائح الطيبة والخبيثة، وآخر لا يشم، ولو كان عنده أطيب الروائح أو أخبث الروائح لا يشم، فهل إذا قطع الرجلُ الذي يشم أنفَ من لا يشم، فهل نقطع أنفه أو لا؟ يقطع؛ لأن الآية عامة {{وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ} }، ولأن الشم ليس في نفس الخيشوم بل الشم بالمخ ليس بالأنف، ولهذا يوجد أناس انقطعت آنافهم في حرب أو آفة أو غير ذلك وهم يشمون، وأناس آنافهم سليمة ومع ذلك لا يشمون، إذاً الأنف الأشم وغيره سواء.

قوله: {{وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ} } الأذن أيضاً تقطع بالأذن لا بد من المماثلة أيضاً، اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى سواء كانت صماء أو غير صماء؛ لأن السمع ليس في نفس الغضاريف لكنه من الداخل، فإذا قَطع شخص أذن آخر فإنه يُقطع به.

إذا كان أذن القاطع تتحرك وأذن المقطوع لا تتحرك، هل تقطع أذن القاطع؟

على كل حال تقطع، وقد ذكروا لنا أن أناساً يحركون آذانهم تحريكاً كبيراً ليس صغيراً، لكن أكثر الناس لا يستطيعون؛ لأن هذه الحركة غير مقصودة والفائدة منها قليلة، وإلا لقلنا: إن هذا مثل الشلاء والسليمة، على أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إن الشلل في الأذن والأنف لا يؤثر؛ لأن الأنف والأذن الصورة باقية ولو كان هناك شلل.

قوله: {{وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} } «الباء» هنا لا شك أنها بدل أو عوض، فلا بد أن يكون السن المقلوع مماثل لسن الجاني فمثلاً هل تقلع الثنية بالرباعية؟

الجواب: لا، لعدم الاتفاق، والباء كما تقدم أنها للعوض أو للبدل، لا يمكن أن تكون الرباعية بدلاً عن الثنية أو العكس، والثنايا هما السنان المتلاصقان وما وراءهم الرباعية.

فإذا قلع بعض السن يعني: كسر بعض السن، هل يقتص منه؟ نعم يقتص منه ويقدر بالنسبة، إذا كان الجاني قد برد سن المجني عليه حتى ذهب نصفه، نبرد سن الجاني حتى يذهب نصفه، فإذا قال الجاني: يا جماعة ارأفوا بي، قصوا السن بدلاً عن البرد بالمبرد، هل نطيعه؟ لا نطيعه؛ لأنه كما آلم المجني عليه فإننا نؤلمه، ولهذا لو قال لنا في مسألة العين أو في مسألة الأذن: بَنِّجُوني قلنا: لا نبنجك كما أنك فعلت بالمجني عليه نفعل بك.

بالنسبة للأذن: إذا أخذ بعض الأذن، ما دام يمكن القصاص فإنه يجب القصاص، وهو العدل.

قوله: {{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} } لما ذكر الله تعالى الأعضاء ذكر الجروح لكن بقي أعضاء ما ذكرت، مثل اليدين والرجلين والأصابع، لكن يثبت الحكم فيها بالقياس على ما ذكر.

قوله: {{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} } كلمة «الجروح» عامة تشمل كل جرح، لكن كلمة قصاص تقيد هذا العموم، إذ إن المفهوم منها أن الجروح قصاص فيما يمكن الاقتصاص منه، والفقهاء رحمهم الله يقولون: لا يمكن القصاص في جرح إلا في جرح ينتهي إلى عظم، والجرح الذي لا ينتهي إلى عظم لا يمكن القصاص منه، فمثلاً الجرح في الرأس حتى يصل إلى عظم الرأس، يمكن فيه القصاص، الجرح في الساق حتى يصل إلى العظم يمكن، في الفخذ كذلك، في الظهر كذلك، في الأضلاع كذلك، لكن في البطن لا يمكن هذا على ما سبق، وعندي أنه في الوقت الحاضر ممكن؛ لأن الأطباء عندهم من الحذق ما يمكن أن يُقَدِّروا الجرح بكل دقة، وإذا كان الله عزّ وجل لم يُبَيِّن موضع الجروح بل قال: {{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} } فنقول: متى ثبت إمكان القصاص في أي جرح في أي موضع، فإنه واجب.

وهل القصاص يكون بالمساحة أو بالنسبة؟

هذه عندي فيها إشكال، مثل رجل بطنه كبير وآخر بطنه صغير، هل نعتبر المساحة أو النسبة؟ اعتبار النسبة، واللهِ أقرب إلى العدل، يعني: إنساناً جرح بطن طفل صغير، مساحة الجرح نصف سنتيمتر من بطن الصبي والسنتيمتر أظنه الأرقام التي على المسطرة، فنصف السنتيمتر أو السنتيمتر من بطن الصبي كبير بالنسبة لبطنه، لكن الجارح هذا بطنه ما شاء الله بطن بعير، إذا قلنا بالمساحة لم يؤثر في بطنه شيئاً، وأيضاً قد يكون المجني عليه ذراعه طويلة لو أخذنا بالمساحة لزم أن نأخذ كل ذراع الجاني، ولكن إن كان القطع من النصف قلنا: خذ النصف، وإذا كان من الثلث قلنا: خذ الثلث، هذا هو القول الراجح، فإذا لم يمكن فالصواب: أن للمجني عليه أن يطلب القصاص مما دونه من المفصل، وله أن يطلب أرش الزائد أيضاً، هذا هو القول الراجح؛ لأن الله تعالى أمر بالعدل وهذا هو العدل فالظاهر والله أعلم أن الجروح بالنسبة.

وقوله: {{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} }: يعني: أنه يقتص من الجاني بمثل ما جنى على المجني عليه، فإذا كان جرحه في جانب الرأس الأيمن يقتص منه في جانب الرأس الأيمن، وإذا كان جرحه في الجانب الأيسر يقتص منه في الجانب الأيسر، وهلمَّ جرَّا.

قوله: {{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ} } من تصدق به: أي: بالقصاص، وهذا يحتمل معنيين:

المعنى الأول: أن يتصدق المجني عليه بالقصاص فلا يقتص من الجاني ويكون هذا كفارة له؛ لأن الصدقة كفارة.

المعنى الثاني : تصدق به أي: بالقصاص، أي: بذل نفسه ليقتص منه فيكون ذلك كفارة له؛ لأنه إذا اقتص منه في الدنيا لم يلحقه الجاني به في الآخرة.

وقوله: {{فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} } أما كونه كفارة للمتصدق الذي هو المجني عليه فظاهر؛ لأنه أحسن إلى أخيه وتصدق عليه بأعز شيء عليه وهو نفسه إذا كان ذلك بالنفس، وأما كونه كفارة للجاني؛ فلأنه سلم نفسه بسهولة فيكون تسليمه نفسه ليقتص منه كفارة لجريمته وجنايته ولا يعاقب به؛ إذ لا يجمع الله تعالى على الإنسان عقوبتين، عقوبة الدنيا والآخرة.

وقوله: {{فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} } أي: للمتصدق؛ سواء كان المجني عليه أو الجاني، والكفارة: مأخوذة من الكَفْر وهو الستر؛ لأن الشيء إذا غطى آثار شيء آخر صار كالساتر له، ولذلك كان لليمين كفارة، وكانت للظهار كفارة، وكان للقتل كفارة؛ لأن الكفارة تستر ما يحصل من آثام الذنوب وتمحوها.

قوله: {{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} } نقول في هذه الجملة كما قلنا في الجملة الأولى: هل المراد من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود أو هو عام؟ في هذا قولان للمفسرين كما تقدم:

منهم من قال: إنها في اليهود؛ لأن سياق الآيات فيهم، وعلى هذا القول يمكن أن يلحق بهم من فعل ذلك من المسلمين بطريق القياس.

القول الثاني في المسألة: أن الآية عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم سواء كان من المسلمين أو كان من اليهود أو من غيرهم، وهذا يساعده اللفظ، والأول يساعده السياق؛ لأن الله تعالى قال: {{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} } فالكلام عن اليهود، ولكن الحكم في الحقيقة لا يختلف فيمن لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين؛ لأننا نقول: إن شمله اللفظ فقد شمله الحكم بالدليل اللفظي، وإن لم يشمله فقد شمله الحكم بالدليل المعنوي وهو القياس.

وقوله: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} } «هم»: ضمير فصل، وتقدم أن ضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن يؤتى به للفصل بين الصفة والخبر، أي: بين النعت والخبر، فإذا قلت: زيد الفاضل تريد أن تخبر عنه بأنه «الفاضل»، فإنه يحتمل أن تكون الفاضل نعتاً لزيد، والخبر لم يأتِ بعد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعين أن يكون خبراً ولهذا سمي ضمير فصل، وفائدته ما ذكرنا، وفائدة أخرى: التوكيد، وفائدة ثالثة: الحصر.

هل نقول: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} } يعني لا يوجد أحد ظالم إلا هؤلاء بناء على أن ضمير الفصل يفيد الحصر؟

الجواب: لا، هذا حصر نسبي أي: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} } في عدم تطبيق ما ذكر في الآية، وإلا فإن الكافرين هم الظالمون، والمفتري على الله كذباً ظالم، وهو أظلم الناس، قال تعالى: {{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}} [يونس: 17] .

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أن الله فرض على اليهود القصاص، لقوله: {{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} }.

لكن إذا قال قائل: كيف نقول ذلك وقد فسرنا قوله: {{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} } بأن المجني يعفو عن الجاني؟

نقول: نعم، فرض الله عليهم القصاص أو العفو مجاناً، يعني هذه الأمة رخص الله لها في القصاص والعفو مجاناً وأخذ الدية والمصالحة، كل هذا ـ والحمد لله ـ من سعة شريعة هذه الأمة، وقد ذكر بعض العلماء أن اليهود يفرض عليهم القصاص، فالقصاص فرض عليهم، والنصارى بالعكس العفو فرض عليهم حتى قيل: إن من أصول شريعتهم: أن من ضربك على الخد الأيمن فأدر له الخد الأيسر، ولا شك أن هذا فيه نوع من الإذلال، لكن على كل حال لا ندري عن صحة هذه المقالة، فالله أعلم، لكن يقال: إن اليهود يفرض عليهم القصاص بخلاف النصارى، والعلة واضحة؛ لأن اليهود عتاة طغاة بغاة، ولا يليق بهم إلا أن يقتل القاتل حتى يكون ذلك نكالاً.

الفائدة الثانية: قبح ما فعله بنو النضير مع بني قريظة، بنو النضير يرون أنهم أشراف اليهود، ولذلك إذا قتل النضيري قرظياً فإنه لا يقتل به، وإذا قتل القرظي نضيرياً فإنه يقتل به ـ سبحان الله ـ كلهم يهود لكن يقولون: بنو النضير أشرف وأفضل، وإذا قتل النضيري قرظياً فله نصف الدية إذا لم يقتص منه وإن كان العكس فله الدية كاملة، هكذا ذكر المفسرون في هذا الموضع، فبين الله تعالى أنهم جائرون بهذا الحكم وأن المكتوب عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، فيكون المراد بالكَتْبِ هنا بيان كيفية القصاص لا وجوب القصاص، هذا الظاهر من السياق، وقيل: إن المراد أن الله فرض عليهم القصاص وأنهم إما أن يقتصوا وإما أن يعفوا.

الفائدة الثالثة: أن القصاص ثابت في النفوس ولو اختلف الناس في السن والطول والقصر والعلم والعقل والذكاء وغير ذلك، وجه ذلك: العموم، ولهذا لو أن رجلاً شاباً عالماً كريماً حسيباً قتل طفلاً في المهد فإنه يقتل به؛ لأنه لا عبرة بالاختلاف في هذه الأشياء وذلك للعموم.

الفائدة الرابعة: جريان القصاص في الأعين، لقوله: {{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} }.

الفائدة الخامسة: جريان القصاص بين الآناف، لقوله: {{وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ} }.

الفائدة السادسة: جريان القصاص في الآذان، لقوله: {{وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ} }.

الفائدة السابعة: جريان القصاص بين الأسنان، هذه أربعة أعضاء، وبقي أعضاء منها: اليدان، والرجلان، واللسان، وغيرها من الأعضاء، فهل الحكم فيها كالحكم في هذه الأعضاء؟

الجواب: نعم، الحكم فيها كالحكم في هذه بالقياس الجلي الواضح.

وإنما ذكر الله عزّ وجل هذه الأعضاء: العين والأنف والأذن والسن لأن اليهود يخالفون في القصاص في هذه الأعضاء، فنص عليها لوقوع المخالفة فيها، أقول: لعل ولا أجزم بهذا؛ لأن الله أعلم بما أراد في كتابه، لكن نعلم أن ما سواها من الأعضاء يكون مثلها، فمثلاً: الإصبع بالإصبع، فيؤخذ الخنصر بالخنصر والإبهام بالإبهام، وما بينهما كذلك، القدم بالقدم، والكف بالكف، والذراع بالذراع، وهلمَّ جرَّا.

لكن هل يشترط أن يكون القطع من مفصل أو لا يشترط؟

في هذا خلاف بين العلماء: منهم من قال: لا بد أن يكون القطع من مفصل، وإذا لم يكن من مفصل فلا قصاص مطلقاً، مثلاً: الذراع مفصله المرفق من جهة العضد، والكف من جهة اليد، فإذا قطع الجاني الذراع من النصف فالقطع الآن ليس من المفصل، فعلى قول من اشترط أن يكون القطع من مفصل لا يقطع، حتى لو قال المجني عليه: اقطعوا هذا الرجل من الكف وأنا عفوت عن الزائد، لا يُقطع لعدم توفر الشرط، حتى لو قال مثلاً: اقطعوا من الكف وأعطوني أرش الزائد أرضى بهذا، نقول: لا يُقطع، ولكن الصواب أن يقال: بل يقطع لوجوب القصاص، لكن بشرط: أن يمكن القصاص.

فإذا قال المجني عليه: اقطعوه من الكف والزائد أعطوني أرشه، نقول: له الحق في ذلك، ومن باب أولى إذا قال: اقطعوه من المفصل وأنا متنازل عن الزائد فإنه من باب أولى، ودليلنا في هذا الذي رجحناه قول الله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}} [النحل: 90] ، فمتى أمكن العدل وجب الأخذ به.

إذا قطع ذكر إنسان هل يقطع ذكره أم لا؟

الجواب: يقطع ذكره، لكن إذا قُدِّر أن المقطوع ذكره كان عقيماً والقاطع سليم، هل يقطع أو لا؟ يقطع، نظيره أذن الأصم، لو أن شخصاً قطع أذن أصم وهو يسمع أي: القاطع فإنها تقطع أذنه؛ لأن نفس العضو هو العضو، والعقم شيء زائد بخلاف الأشل والصحيح، أنه لو قطع يداً شلاَّء وهو سليم اليد فإنها لا تقطع يده لفوات المنفعة في اليد الشلاء وهي أمر مهم.

الفائدة الثامنة: أن جميع الجروح إذا أمكن الاقتصاص فيها فالحكم ثابت أعني القصاص، لعموم قوله: {{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} } وكان السابقون من العلماء يقولون: إنه لا يمكن القصاص في الجروح إلا إذا انتهى الجرح إلى عظم، وهذا هو منتهى العلم في ذلك الوقت، لكن في وقتنا الحاضر يمكن أن يقتص من الجرح بما دون الشعرة في أي موضع كان، فإذا أمكن القصاص وجب القصاص، هذا هو العدل ودليلنا هذه الآية العظيمة وهي: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}} [النحل: 90] .

لو قال قائل: غير الجروح هل يقتص فيها، كاللطمة والضربة بالعصا وما أشبه ذلك؟

اختلف في هذا العلماء: منهم من قال: إن اللاطم لا يلطم، لكن يؤخذ منه الحق العام، ويكون أمره إلى ولي الأمر يقدر ما يراه مانعاً من العدوان، وعللوا ذلك بأنه لا يمكن القصاص في اللطمة؛ لأن ربطها بالشدة والقوة أو بالعكس صعب جداً، وأيضاً ربما يكون المجني عليه يده كبيرة، وذاك يده صغيرة، فلما ضرب المجني عليه أصابت الضربة نصف خده، والثاني يده كبيرة إذا ضربه تحيط يده بكل الخد فيختلف الحكم، يعني: أنه لا يمكن القصاص، لكن بعض العلماء يقول: إن القصاص ممكن؛ لأن الإنسان في مسألة الضربة واللطمة وما أشبه ذلك لا يريد مجرد القصاص بل يريد أن يتشفى بما يصيب ضاربه من الألم، وإنما يريد أن يتشفى بما يصيبه من الإذلال والإهانة، ولهذا لو كانت المسألة من باب المزح وضربه على وجهه بقوة فلن يطلب القصاص لكن إذا كانت المسألة من باب المغالبة فلا شك أن في اللطمة إذلالاً، فيقول: أنا لا تهمني اللطمة غاية ما هنالك أنه تَفَرَّغ الدم ثم رجع؛ لأن الدم من شدة الضربة يتفرغ حتى يكون محل الضربة أبيض أحياناً، لكن الذي يهمني أنه أذلني فأنا أريد أن أذله، فعلى كل حال في هذه الحال ينبغي أن ينظر إلى رأي القاضي، والقاضي إذا رأى أن في إهانة المعتدي ولو بضربة خفيفة نوع من التشفي فليفعل.

كذلك أيضاً بالنسبة للضربة بالعصا، هل يقتص منها؟ نقول: أما بالعصا التي ضربه بها فهذا يمكن لكن يبقى النظر في شدة الضربة، فقد يضربه بسوط دقيق ثم يأتي بخشبة يريد أن يقتص، هذا لا يمكن، يبقى النظر فيما إذا ضربه بمثل ما ضربه به، فهل يمكن القصاص أو لا يمكن؟ ينبني هذا على ما سبق، أنه ليس المهم أن يضربه بما يؤذيه، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يذله.

ويمكن أن نتعرض أيضاً لمسألة الثوب، لو شق ثوب إنسان هل يقتص منه بشق ثوبه؟ هذه فيها خلاف أيضاً، من العلماء من يقول: إذا شق ثوبه ضمنه إما بالمثل وإما بالقيمة، إن أتلفه حتى لا يستفاد منه فبالمثل إلا على المذهب كما تقدم، وإن شقه شقاً يمكن الانتفاع مع وجوده فإنه يُقَوَّم، والذين قالوا: بالقصاص في مثل الضربة واللطمة وشق الثوب، استدلوا بالعموم أي: عموم الآيات: {{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}} [البقرة: 194] ، وقوله: {{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}} [النحل: 126] ، والذين منعوا قالوا: إن هذا لا يمكن فيه القصاص؛ لأنه صعب التقدير، إذا قلنا بالقول الراجح: أنه يجوز أن يشق ثوبه كما شق ثوبه، فهنا سؤالان:

السؤال الأول : إذا اختلف الثوبان بأن كان أحدهما جديد والثاني قديم، أو كلاهما جديد أو أحدهما من النوع الجيد والثاني من النوع الرديء هل يفعل؟ هذا يرجع إلى ما ذكرنا، هل الذي طلب القصاص أراد المبادلة والمعاوضة، أو أراد إذلال الذي شق ثوبه؟ الغالب أنه الثاني وبناء على ذلك نقول: له أن يشق ثوبه ولو كان ثوب الجاني أعلى من ثوب المجني عليه قدراً ووصفاً.

السؤال الثاني: إذا قلنا بذلك، فهل يقدر بالمساحة أم بالنسبة؟ والفرق بين النسبة والمساحة لو كان الجاني ثوبه طويل والمجني عليه ثوبه قصير، وشق منه مقدار إصبع لو قلنا بالمساحة الذي ثوبه قصير الإصبع يأخذ منه مساحة، وذاك يكون قليلاً، إذاً: نقول: لا بد أن تكون بالنسبة؛ لأننا لو قلنا بالمساحة لم نتمكن من المماثلة.

الفائدة التاسعة: الحث على تسليم الجاني نفسه للمجني عليه، أو لأوليائه إن كان بالقتل لقوله: {{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} }.

الفائدة العاشرة: الحث على العفو عن الجاني، لقوله: {{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} }.

الفائدة الحادية عشرة : حث الجاني على تسليم نفسه وأن ذلك يكون كفارة له.

فإن قال قائل: تسليم نفسه كفارة له باعتبار حق أولياء المقتول، فما الحكم بالنسبة لحق المقتول الذي قطع عليه القاتل حياته؟

الجواب: إذا علم الله صدق توبة القاتل فإن الله سبحانه وتعالى يتحمل عنه حق المقتول فيرضيه.

الفائدة الثانية عشرة : أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، لقوله: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} }.

الفائدة الثالثة عشرة : أن من لم يعلم حكم الله فحكم جهلاً منه فليس بظالم، لكن يقال: يجب عليه إذا علم أن يرجع إلى الحق ويحكم بما أنزل الله.

فإن قال قائل: هل بَيْنَ هذا الوصف {{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} } وبين قوله في الآية السابقة: {{أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}} [النساء: 151] هل بينهما تعارض بمعنى هل هما متباينتان أو مدلولهما واحد؟

الجواب: قد تقدم أن من العلماء من قال: هما متباينتان، ومنهم من قال: إن مدلولهما واحد، فمن قال: إنهما متباينتان، قال في الأولى: إذا كان الحامل للحاكم بغير ما أنزل الله العدول عما أنزل الله، وأن غيره خير منه للإنسانية فهذا كافر سواءً حكم أم لم يحكم، لكن عدم حكمه دليل ما في قلبه.

وأما من حكم وهو يعتقد أن حكم الله هو الحق، وأنه أنسب للعباد من حكم الطاغوت لكنه أراد أن يعتدي على المحكوم عليه لعداوة بينه وبينه فهذا ظالم.

أما من قال: إنهما متفقتان ولا تباين بينهما فيقول: إن الكافر ظالم لقول الله تبارك وتعالى: {{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} [البقرة: 254] ، وعلى هذا فالوصفان متفقان على موصوف واحد، لكن الأول أظهر، وأن لكل وصف محلاً خاصاً.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ *}} [المائدة: 46] .

قوله: {{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} } {قَفَّيْنَا} أي: أرسلنا عيسى ابن مريم قافياً لمن سبقه، أي: متبعاً لمن سبقه، مأخوذ من القفا؛ لأن المتبع لآثار من سبقه يمشي في قفاه، {{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ} } أي: على آثار الرسل السابقين {{بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} } وهو آخر أنبياء بني إسرائيل وليس بينه وبين النبي صلّى الله عليه وسلّم رسول، ولهذا جعله قافياً لمن سبقه، ولو كان هناك نبي بعد عيسى لكان هو المقفى، ونسب إلى أمه؛ لأنه ليس له أب.

قوله: {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} } {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} } حال من عيسى، يعني: حال كونه مصدقاً {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} }، وتصديقه لما بين يديه من التوراة له معنيان:

المعنى الأول: أنه يصدق التوراة ويشهد أنها حق.

المعنى الثاني: أنه يصدق خبرها ويشهد بوقوع ما أخبرت به حيث كان عيسى ابن مريم عليه السلام مذكوراً فيها.

وقوله: {{لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} } أي: لما سبقه {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} } وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه الصلاة والسلام، فالتوراة والإنجيل كل منهما كتاب لبني إسرائيل؛ لأن الرسول يرسل إلى قومه خاصة ما عدا النبي صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: {{وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ} } أي: وأعطيناه الإنجيل زائداً على تصديق ما بين يديه من التوراة، فتكون شريعة عيسى مكونة من شريعة التوراة وشريعة الإنجيل، ولهذا لا يعتبر الإنجيل كتاباً مستقلاً بل هو تابع للتوراة، ليس فيه من الأحكام إلا شيء قليل، لكن غالبه مواعظ وقصص وعبر.

قوله: {{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ *}}: أي: في الإنجيل، {{هُدىً} } أي: علم، {{هُدىً} } أي: أثر نافع يستنير به القلب.

وقوله: {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} } قوله: {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} } هذه: عائدة على الإنجيل؛ لأن جملة {{فِيهِ هُدىً وَنُورٌ} } جملة حالية {{وَمُصَدِّقًا} } معطوف على هذه الجملة الحالية فهي حال من الإنجيل، {{وَمُصَدِّقًا} } الأولى عائدة على عيسى، فيكون عيسى مصدقاً لما بين يديه من التوراة وكذلك الكتاب الذي نزل عليه وهو الإنجيل.

قوله: {{وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} } {{وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} } بالنصب معطوفة على {مُصَدِّقًا} والمعطوف على الحال حال كما تقول: جاء زيد راكباً ومسرعاً وضاحكاً وما أشبه ذلك، وكلمة «هدى» الثانية من باب التوكيد، فـ «هدى» الأولى هي الثانية، أما «النور» فهو ما يحصل من آثار هذا العلم، والمعنى: جعل الله عزّ وجل هذا الإنجيل هدى وموعظة، ولهذا أكثر ما فيه المواعظ والعبر والقصص، أما الأحكام فغالبها مستمد من التوراة، والموعظة ما تتعظ به القلوب: وهي الإخبار المقرون بالترغيب والترهيب، فكل خبر قُرن بترغيب أو ترهيب فإنه موعظة كما كان الصحابة يقولون: «وعظنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون»[(217)].

وقوله: {{لِلْمُتَّقِينَ} } أي: الذين اتقوا الله عزّ وجل، وتقوى الله تعالى هي امتثال أمره واجتناب نهيه، وسميت تقوى؛ لأن الإنسان يتقي بها عذاب الله تعالى.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أن عيسى عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء، لقوله: {{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} } وليس بعده نبي يقفوه إلا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي عليه الصلاة والسلام.

الفائدة الثانية: أن من ليس له أب ينسب إلى أمه؛ لأن الله تعالى ينسب عيسى ابن مريم إلى أمه؛ لأنه ليس له أب.

فإن قال قائل: ما مثال الذي ليس له أب؟

قلنا: له أمثلة منها أن يزني رجل بامرأة فتأتي منه بولد، فهنا الولد ليس للزاني، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وللعاهر الحجر» [(218)] فلا ينسب إلى الزاني ولا يرث منه ولا يرثه الزاني ولا يتحمل عنه العقل ولا غير ذلك، المهم أن هذا ليس له أب.

ومنها : أن يلاعن الرجل امرأته لاتهامه إياها بالزنا وينتفي من ولدها، فيقول: ليس الولد مني، فحينئذٍ يكون له أم، وليس له أب.

واختلف العلماء رحمهم الله فيما لو استلحق الزاني الولد المخلوق من مائه وليس له معارض هل يلحق به أو لا؟ فمنهم من قال: إنه لا يلحق به، لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وللعاهر الحجر» [(219)] ومنهم من قال: بل يلحق به إذا لم يكن له منازع؛ لأنه ولده قدراً وليس له منازع شرعاً، فيلحق به شرعاً كما هو منه قدراً، وهذا هو القول الراجح، ولا ينافي هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» [(220)]؛ لأنه حديث صريح في أن هناك نزاعاً بين صاحب الفراش والزاني، ولهذا قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» [(221)] فإذا كانت امرأة بكراً زنا بها رجل هل هناك فراش؟

الجواب: لا، ليس هناك فراش، وإذا لم يكن هناك فراش واستلحق الولد الزاني فإنه لا مانع من إلحاقه به، لكن جمهور العلماء على أن ولد الزنا لا يلحق الزاني ولو استلحقه، وكما تقدم أنهم استدلوا بعموم قوله: «وللعاهر الحجر»[(222)].

والقول الثاني: أنه إذا استلحقه الزاني ولا معارض له فإنه يلحقه، وأجيب عن هذا الحديث بأن الحديث ظاهر في أنه عند التنازع يكون الولد للفراش وللعاهر الحجر.

الفائدة الثالثة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصدق بعضهم بعضاً، لقوله: {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} }.

الفائدة الرابعة: ثبوت نزول التوراة وأنها حق؛ لأنه شهد بها أحد الرسل أولي العزم بأنها حق.

الفائدة الخامسة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أُنزل عليه الكتاب وهو الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: {{وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ}} {{مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ}} [آل عمران: 3 ـ 4] .

فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؟

الجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى وكذا اليهود وهم أخبث من النصارى في الجرأة على الله حرفوا التوراة والإنجيل، وكما قال عزّ وجل: {{قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}} [الأنعام: 91] ، وعلى هذا فيجب التحري في نسبة التوراة الموجودة في أيدي اليهود اليوم والإنجيل الموجود في أيدي النصارى اليوم، يجب التحرز وأن يقال: ليس كل ما فيهما حق، بل فيهما ما هو محرف وما هو منقوص وربما يكون فيهما ما هو مزيد.

الفائدة السادسة: أن في الإنجيل هدى ونور، لقوله: {{فِيهِ هُدىً وَنُورٌ} }، وهو كذلك، ومن الهدى والنور الذي فيه: أن فيه وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم، كما قال الله تعالى: {{الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ}} [الأعراف: 157] ، وأن النبي عيسى عليه الصلاة والسلام بشر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وهذا من الهدى والنور.

الفائدة السابعة: أن الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضاً، لقوله: {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} }.

الفائدة الثامنة: التنويه بعظمة التوراة وفضلها وشرفها؛ لأنه ذُكر في هذه الآية: أن عيسى مصدقاً لما بين يديه من التوراة وأن الإنجيل أيضاً مصدق لما بين يديه من التوراة.

الفائدة التاسعة: أن في الإنجيل من العلم والموعظة ما ينتفع به المتقون، لقوله: {{وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} }.

الفائدة العاشرة: الحث على التقوى وأنها سبب لكل خير ولكل علم، لقوله: {{هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ}} [البقرة: 2] ولا شك أن التقوى: هي أساس العمل لأن من لم يتقِ الله لا يعمل ومن اتقى الله عمل بأوامر الله حسب ما عنده من التقوى.

الفائدة الحادية عشرة : أنه كلما زادت التقوى في الإنسان زاد اتعاظه بالكتب السماوية، وعندنا قاعدة مفيدة وهي أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة ذلك الوصف ونقصاً بنقصانه، فلو قلت مثلاً: أكرم الرجل لكرمه فكل من كان أكرم يستحق من الإكرام أكثر.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *}} [المائدة: 47] .

قوله: {{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} } في قوله: {{وَلْيَحْكُمْ} } قراءتان، القراءة الأولى: ما هو مثبت أي: بسكون «اللام» وسكون «الميم» {{وَلْيَحْكُمْ} } والقراءة الثانية: بكسر «اللام» وفتح «الميم»، والتقدير {وَلِيحْكُمَ} فعلى القراءة الأولى: تكون اللام لام الأمر، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام لام التعليل التي يعبر عنها أحياناً بـ«لام» كي، ولننظر الإعراب على الوجهين:

فعلى القراءة الأولى: {{وَلْيَحْكُمْ} } تكون أمراً من الله عزّ وجل بأن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ولكن هذا الأمر هل هو مقول لقول محذوف، أي: وقلنا وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، أو أنه أمر ابتدائي؟ قيل: هذا وهذا، ومتى دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأولى عدم التقدير.

أما على القراءة الثانية: «ولِيحكمَ» فتكون تعليلاً لقول الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ} [المائدة: 46] وهي معطوفة على قوله: {مُصَدِّقًا} [المائدة: 46] يعني مصدقاً لما بين يديه ولأجل أن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، «والحكم»: هو بيان الحكم والإلزام به، يعني: بمعنى القضاء، فالقضاء بيان الحكم وإلزام به، والفتوى: بيان للحكم بدون إلزام.

وقوله: {{بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} } {{بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} } أي: بالذي أنزل الله فيه من الأحكام فـ«ما» موصولة أي: بالذي أنزل الله فيه.

قوله: {{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} } نقول فيها كما قلنا في الآيتين السابقتين إلا أنه هنا قال: {{الْفَاسِقُونَ} } فهل الفسق هنا فسق معصية أو فسق كفر؟ لأن الفسق قد يكون فسق كفر وفسق معصية.

هذا على حسب الحال، والتفصيل الذي ذكرناه سابقاً تنزل عليه هذه الآيات، فمن حكم بغير ما أنزل الله عادلاً عن حكم الله زاعماً أنه يساوي حكم الله أو أنفع فهذا كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله للعدوان على المحكوم عليه فهذا ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوىً في نفسه فهذا فاسق، ومن أفتى بغير ما أنزل الله حكمه حُكْمُ مَنْ حَكَمَ بغير ما أنزل الله لأن الأوصاف واحدة، لكن الحكم يمتاز عن الإفتاء بأنه إلزام؛ لأن الحاكم يلزم والمفتي لا يلزم.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أنه يجب على أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه.

الفائدة الثانية: أنه يجب على أهل الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم ووجه ذلك: أن مما أنزل في الإنجيل صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقد بشر عيسى به فقال: {{وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}} [الصف: 6] ، فلو قال النصارى اليوم: إنهم مؤمنون بالإنجيل، قلنا لهم: لم تؤمنوا؛ لأنكم لو آمنتم بالإنجيل لآمنتم بمحمد صلّى الله عليه وسلّم إذ هو مكتوب عندكم في التوراة والإنجيل أنه يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر إلى آخره، فالإنجيل فيه وجوب اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله ذكر في الآية التي بعدها: {{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}} [المائدة: 48] وهذا من ضلال النصارى ألا يفهموا ما أنزل الله على رسله.

وأيضاً: قد بشركم به نبيكم عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن قالوا: إن الذي بشرنا به اسمه أحمد، قلنا: هذا اسم آخر لمحمد عليه الصلاة والسلام فاسمه أحمد ومحمد، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: {{فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}} [الصف: 6] ، جاء بني إسرائيل بالبينات الدالة على صدقه وعلى تصديق عيسى ببشارته، {{قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}} [الصف: 6] وكلمة «جاء» في اللسان العربي المبين تفيد الماضي، فيكون الرسول الذي بشر به عيسى قد جاء، وهل أحد جاء قبل محمد؟

الجواب: لا، هم ما ادعوا أن أحداً جاء قبل محمد اسمه أحمد إنما قالوا: ينتظر أن يجيء أحمد، فنقول: هذا الذي قلتم غير صحيح؛ لأنه جاءكم وليس بمنتظر.

الفائدة الثالثة: أن الإنجيل منزل من عند الله، لقوله: {{بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} } وهو صريح جداً في قول الله تبارك وتعالى: {{وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ}{مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ}} [آل عمران: 3 ـ 4] ، وعلى هذا فيكون الإنجيل من كلام الله عزّ وجل؛ لأنه نزل من عنده وهو كلام موحى، والكلام إذا أضيف إلى المتكلم فهو كلامه.

الفائدة الرابعة: إثبات العلو: لله عزّ وجل، لقوله: {{أَنْزَلَ} } والنزول لا يكون إلا من أعلى، والأدلة على علو الله عزّ وجل أي: العلو الذاتي، الأدلة أكثر من أن تحصى، وأصولها خمسة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.

أما الكتاب: وهو القرآن فمملوء بعدة أوجه.

والسنة كذلك، القولية والفعلية والإقرارية، أما القولية: فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «سبحان ربي الأعلى»[(223)]، ويقول: «ربنا الله الذي في السماء»[(224)].

وأما الإقرارية: «فقد قال للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. فأقرها، بل قال: إنها مؤمنة»[(225)].

وأما الفعلية: فإنه صلّى الله عليه وسلّم إذا دعا ربه يرفع يديه إلى السماء، ولما استشهد ربه على أمته أنه بلَّغ في يوم عرفة جعل يقول: اللهم اشهد ـ يرفع إصبعه إلى السماء ـ وينكتها إلى الناس[(226)].

وأما الإجماع فلم يوجد حرف واحد، لا بسند صحيح ولا بضعيف، عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة أنهم قالوا: إن الله تعالى ليس في السماء أبداً، ولو قال قائل: ولم يوجد عنهم أنهم قالوا: إنه في السماء؟

قلنا: هذه مكابرة؛ لأنهم يقرؤون القرآن وفيه ذكر العلو، هل ورد عن أحد منهم أنه خالف ذلك؟ إذاً: فهم مجمعون عليه، وهذا طريق واضح للإجماع، ما منهم أحد فسر آيات العلو بغير ما يدل عليه ظاهرها.

أما العقل: فكل إنسان يعلم أن المنزلة العليا خير من المنزلة السفلى، وأن علو المكان خير من أسفل المكان، وأن العلو صفة كمال، فيجب أن يكون ثابتاً لله عزّ وجل.

وأما الفطرة: فسل عوام العجائز، إذا أردن أن يَدْعُوْنَ الله أين يتجهن؟ إلى السماء، حتى العجوز العامية تشهد بفطرتها بأن الله في السماء، وعلى هذا فإن هذه الأدلة الدالة على علو الله عزّ وجل، تفند قول من يقول: إن الله ليس في جهة، أو يقول: إن الله في كل مكان، وكلا القولين ضلال.

الفائدة الخامسة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فإنه فاسق، وهذه آخر الآيات الثلاثة، أولها: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} } [المائدة: 44] ، وثانيها: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} } [المائدة: 45] ، وثالثها هذه الآية: {{فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} }.

فهل هذه أوصاف لموصوف واحد؟

فيه خلاف: وقد تقدم أن منهم من قال: إنها أوصاف لموصوف واحد؛ لأن الكافر يصدق عليه أنه ظالم، والظالم يصدق عليه أنه فاسق، فالكافر نسميه ظالماً فاسقاً كافراً، ومنهم من يقول: إن اختلافها على اختلاف الأحوال، فهذا حكم بغير ما أنزل الله فنقول: هو كافر، والثاني نقول: هو ظالم، والثالث نقول: إنه فاسق، وهذا هو الأرجح، وجه ذلك: أن الأصل في الكلام التأسيس لا التوكيد، فإذا كان كذلك فينبغي أن نقول: كل وصف يتنزل على حال من الأحوال، فمن حكم بغير ما أنزل الله على أن الطريق التي يمشي عليها أو أن ما حكم به هو السنة نابذاً حكم الله وراء ظهره، فهذا كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله لعدوان على المحكوم عليه أو على غيره فهو ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوىً في نفسه، ليتوصل إلى غرض يرى أنه مطلوب فهذا فاسق، فتكون الآيات منزلة على اختلاف الأحوال.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ *}} [المائدة: 48] .

قوله: {{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} } هذا آخر الكتب وأفضلها وأشرفها وأعمها وأنفعها وأرفعها وهو القرآن الكريم، قوله: {{إِلَيْكَ} } «إلى» تفيد الغاية فالإنزال من علو غايته النبي عليه الصلاة والسلام بخلاف «على» فإنها تفيد الاستعلاء.

وقوله: {{الْكِتَابَ}} المراد بالكتاب: القرآن، وهو فعال بمعنى: مفعول أي: مكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب بأيدي الملائكة السفرة، مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، وسمي بذلك؛ لأنه جمعت فيه الأحكام الشرعية والأخبار الصادقة والقصص النافعة، وأصل الكَتْب: الجمع، ومنه الكتيبة لطائفة مجتمعة من الجيش.

وقوله: {{بِالْحَقِّ} } حال من الكتاب، أي: حال كونه متلبساً بالحق، فيكون ما جاء به القرآن متضمناً للحق، هذا وجه من معناه.

الوجه الثاني: أنزلناه بالحق أي: أنه حق من عند الله عزّ وجل، فتكون الباء للتعدية في قوله: {أَنْزَلْنَا}، يعني: أنزلناه إنزالاً حقاً، قال الله تعالى: {{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}} [الإسراء: 105] .

قوله: {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} } والذي بين يديه من الكتاب: ليس التوراة والإنجيل فقط بل هما أقرب الكتب إليه، لكن جميع الكتب قد صدقها، قال الله تبارك وتعالى: {{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}} [الحديد: 25] ، فهو مصدق لكل ما سبقه من الكتب، ولهذا لا يأتي بعده كتاب.

قوله: {{وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} } معطوف على مصدقاً، ومصدقاً: هذه حال من الكتاب، فيكون الكتاب هو المهيمن.

قوله: {{وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} } أي: على ما بين يديه من الكتاب، ومعنى الهيمنة: قيل معناها: الشاهد، أي: شاهد عليه، وهذا فيه نظر؛ لأن شاهداً يغني عنها مصدقاً، وقيل: الهيمنة بمعنى: السيطرة والحكم، أي: أنه حاكم على ما سبقه من الكتب مسيطراً عليها وناسخاً لها، وهذا المعنى أصح؛ لأن القرآن مهيمن على كل الكتب السابقة.

قوله: {{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} } يعني: فبناءً على ذلك {احْكُم بَيْنَهُم} أي: بين أهل الكتاب وبين المسلمين.

وقوله: {{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} } المراد به: القرآن، فإذا تحاكموا إلينا حكمنا بينهم بالقرآن؛ لأن القرآن مهيمن مسيطر على ما سبق، يعارِض ولا يعارَض، ويَحْكم ولا يُحْكم عليه.

قوله: {{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} } الله أكبر هذا القول موجه من الله عزّ وجل إلى رسوله عليه الصلاة والسلام، مع أننا نعلم علم اليقين أنه لن يفعل ذلك، لكن ليعتبر الناس أنه إذا كان محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينهاه ربه ومرسله عن اتباع أهوائهم عما جاءه من الحق، فكيف بغيره؟ وهنا قال: {{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} } ولم يقل: شريعتهم أو نحوها؛ لأنهم على هوى وليسوا على هدى، فكفرهم بما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم عن هوى، ليس عن عقل ولا عن شرع.

وقوله: {{عَمَّا جَاءَكَ} } متعلق بمحذوف، والتقدير: عادلاً عما جاءك من الحق، وهذا أحسن من أن يقدر معرضاً عما جاءك لأن تقدير: معرضاً فيه شيء من الشدة، لكن عادلاً أخف، والمعنى واحد لكن ينبغي استعمال الألفاظ المناسبة.

وقوله: {{عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} } لم يقل عما جاءك أو عما نزل، بل قال: من الحق، ليتبين أن ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم حق لا يمكن العدول عنه إلى غيره.

قوله: {{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} } {{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} }: يقول النحويون: إن التنوين هنا تنوين عوض، والتقدير: «لكل أمة جعلنا منكم أو لكل واحد»، المهم أن هذا التنوين عوض عن محذوف، أي: عوض عن كلمة.

وقوله: {{جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} } جعلنا أي: صيرنا شرعة ومنهاجاً، الشرعة: ما يشرع، وأصلها شرعة الماء، والمنهاج: ما ينهج، وأصله الطريق، فكل أمة لها شرعة تناسب حالها ومكانها وزمانها، ومنهاج تسلكه هذه الأمة إما الكفر وإما الإيمان، فالفرق بين الشرعة والمنهاج، أن الشرعة هي شريعة الله وهي ثابتة، والمنهاج هو التمسك بالشريعة وعدمه فهو سلوك المرسل إليه، ونهجه يعني: قد يؤمنون وقد يكفرون، ولهذا يقال: نَهَجَ فلان نَهْجَ فلان، أي: سلك مسلكه، كل أمة هكذا.

فشرائع اليهود والنصارى مناسبة لحالهم وزمانهم ومكانهم، وشريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم مناسبة لكل أمة في كل زمان وفي كل مكان، فيكون قوله: {{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} } بعد توحيد الشرعة والمنهاج يكون من باب إفحام الخصم، أي: أن هؤلاء الذين يقولون: إن شريعة محمد غير مقبولة لأنها تخالف شرائعنا، وغير صحيحة لأنها تخالف شرائعنا، نقول: أنتم لكم شرائع خاصة مناسبة، وأمة محمد لها شرائع خاصة مناسبة، وأنتم الآن تعتبرون من أمة محمد باعتبار الدعوة.

قوله: {{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} } سبحانه وتعالى لأن بيده الأمر فلو شاء الله لجعل الشرائع واحدة، يكفر بها من يكفر ويؤمن بها من يؤمن، ولكن الله سبحانه وتعالى له الحكمة فيما شرع، ولهذا قال: {{وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} } يبلو: بمعنى يختبر، {{فِي مَا آتَاكُمْ} } أي: من الشرائع سواءً كانت سهلة ميسرة أو كانت صعبة مشددة، فالأول: يبتلى هل يشكر أو لا يشكر؟ والثاني: يبتلى هل يصبر أو لا يصبر؟ لأننا نعلم أن الشرائع مختلفة في يسرها وعسرها، فالشرائع ميسرة يبتلى بها للشكر، هل يشكر هؤلاء الذين ييسر عليهم أو لا؟ وأما المشددة فيبتلى بها بالصبر، هل يصبرون على هذه الشرائع، ويقومون بها أو لا؟ ولهذا قال: {{لِيَبْلُوَكُمْ} } أي: يختبركم فيما آتاكم من الشرائع.

قوله: { 1 8 {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} } أي: بادروها بالسبق إليها، والخيرات: جمع خير، والمراد بها: كل ما جاءت به الشريعة الإسلامية فإنه خير، ولهذا ما من نبي بعثه الله إلا ودل أمته على الخير وحذرها من الشر.

قوله: {{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} } الله أكبر المرجع إلى الله سبحانه وتعالى، كل الخلائق مرجعها إلى الله، وهل المراد المرجع في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟

الجواب: مرجعنا إلى الله في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن مرجعنا إلى الله: هو الذي يحكم بيننا، وهو الذي يحكم علينا، ويحكم فينا، وأما في الآخرة فكذلك يفصل بيننا يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير.

وفي قوله: {{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} } فائدة بلاغية وهي: الحصر وذلك بتقديم الخبر؛ لأن القاعدة أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلاً على الحصر.

قوله: {{فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} } ينبئ بمعنى: يخبر، وهل النبأ والخبر معناهما مترادف أو بينهما فرق دقيق؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنه ليس في اللغة شيء مترادف، يعني مائة بالمائة بل لا بد من فرق، وإلا لكان في اللغة العربية شيء من الحشو، لا بد من فرق حتى كلمة أسد وضرغام وغضنفر، وما أشبه ذلك وإن كان مدلولها واحداً، لكن لا بد أن تكون كل واحدة منها مشتملة على معنىً دقيق يفرق بينها وبين الأخرى، فقيل: إن الإخبار يشمل ما كان هاماً وما لم يكن هاماً، والنبأ لا يكون إلا في الأمور الهامة، قال تعالى: {{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ *}} [النبأ: 1] عن ماذا؟ {{عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ *}} [النبأ: 2] ، فقال: {{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ *}} [ص: 67] ، فالنبأ يكون في الأمور الهامة والعظيمة، والخبر يكون في أي شيء، فيكون الخبر على هذا أعم.

وقوله: {{فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} } أي: بالذي كنتم تختلفون فيه وحينئذٍ يحصل الفصل بالعدل ويتبين من هو على حق أو ليس على حق.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: إثبات أن القرآن كلام الله، لقوله: {أَنْزَلْنَا} وجه ذلك: أن الضمير يعود على الله جلَّ وعلا، والمنزل كلام يفيد أن القرآن كلام الله.

الفائدة الثانية: إثبات علو الله، لقوله: {أَنْزَلْنَا} والإنزال لا يكون إلا من أعلى.

الفائدة الثالثة: الثناء على القرآن، لقوله: {بِالْحَقِّ} لأن القرآن حق ونازل بالحق، وأيضاً القرآن كله علم قال تعالى: {{مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ}} [الشورى: 52] أي: قبل أن ينزل عليه الوحي، وقال تعالى: {{وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}} [النساء: 113] فالقرآن علم وحق.

الفائدة الرابعة: المنقبة العظيمة للرسول عليه الصلاة والسلام، لقوله: {{أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ}} [البقرة: 99] وهذا يفسره قوله تعالى: {{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *} {عَلَى قَلْبِكَ}} [الشعراء: 193 ـ 194] .

الفائدة الخامسة: أن القرآن مصدق لجميع الكتب، لقوله: {{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} } والتصديق به على وجهين: الأول: كونه شاهداً بصدق الكتب المنزلة السابقة، ومصدقاً لما أخبرت به من نزول القرآن.

لو قال قائل: بعض البلاد تدرس في جامعاتها علم يسمى بعلم الأديان، والمتخصص فيه يكون على علم بالشريعة الإسلامية وعلى علم بغيرها من الشرائع كاليهودية والنصرانية، فإذا سئل المتخصص ـ في تلك البلاد التي يوجد فيها نصارى أو يهود ـ عن حكم من أحكام شريعة هؤلاء السائلين ونفرض أنهم يهود أو نصارى، فهل يجيبهم ويكون بذلك أفتاهم في دينهم، أم يجب أن يقول لهم: هذه الفتوى غير صحيحة؟

الجواب: سيأتينا إن شاء الله أنه إذا رفع إلينا فإننا نحكم بما أنزل الله؛ لأن الحكم الذي هم عليه منسوخ غير مرضي عند الله عزّ وجل حتى بالإخبار؛ لأنك إذا أخبرتهم حكمت لهم.

الفائدة السادسة: أن جميع ما في القرآن حق، إن كان خبراً فهو صدق، وإن كان قصصاً فهو نافع، وإن كان أحكاماً فهو عدل.

الفائدة السابعة: أن القرآن ناسخ لما قبله من الكتب، لقوله: {{وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} }.

الفائدة الثامنة: وجوب الحكم بما أنزل الله في القرآن إذا تحاكم إلينا أهل الكتاب، لقوله: {{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} } وهذا الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم لكن يشمل الأمة.

الفائدة التاسعة: النهي عن اتباع أهواء أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، لقوله: {{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} }.

الفائدة العاشرة: أن مخالفة أهل الكتاب لما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم لم تُبْنَ على دليل صحيح ولا على عقل رجيح، وإنما بنيت على هوىً باطل، لقوله: {{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} }.

الفائدة الحادية عشرة : أنه ينبغي لمن نهى عن شيء قبيح أن يبيِّن قبحه وأن ينقل الناس إلى ما هو خير منه، لقوله: {{عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} } فكأنه قال: لا تتبع أهواءهم واتبع ما جاءك من الحق.

الفائدة الثانية عشرة : أنه يجب على المسلمين أن تكون لهم شخصية قائمة لا يتابعون الناس فيكونون أذناباً لأعداء الله، بل يجب أن تكون لهم شخصية قائمة بعزة الإسلام، لقوله: {{عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} }.

الفائدة الثالثة عشرة : أن ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم فهو حق.

الفائدة الرابعة عشرة : أن الله سبحانه وتعالى نَوَّع الشرائع بحسب الأمم، لقوله: {{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} }.

وسبق في التفسير أن المصالح تختلف باختلاف أحوال الناس واختلاف أزمانهم واختلاف أمكنتهم، وهل هذا يكون بالنسبة للشريعة الإسلامية؛ بأن يكون الله قد جعل لكل حال حكماً، أشرنا في التفسير إلى ذلك وقلنا: حتى الشريعة الإسلامية تختلف أحكامها بحسب الأزمان والأمكنة والأحوال، وذكرنا لذلك أمثلة: منها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب» [(227)]، أدِّ الزكاة إن كان عندك مال زكوي وإلا فلا شيء عليك، حجَّ البيت إن استطعت وإلا فلا شيء عليك، صم إن استطعت وإن عجزت عجزاً مستمراً فأطعم، وهلمَّ جرّا، الحاصل أن الشريعة الإسلامية نفسها تختلف باختلاف الأحوال.

الفائدة الخامسة عشرة : أن الناس يختلفون في المنهج في استقبال هذه الشرائع، لقوله: {{وَمِنْهَاجًا} } فمنهم كافر ومنهم مؤمن.

الفائدة السادسة عشرة : عموم قدرة الله جلَّ وعلا وأن بيده الأمور الشرعية والكونية، لقوله: {{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} } يعني: على ملة واحدة، ولكنه سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة فيما قدر وشرع.

الفائدة السابعة عشرة : الرد على القدرية وذلك بأن جعلهم أمة واحدة يعني: على دين واحد، وهذا يقتضي أن يكون تدينهم لله بمشيئته.

الفائدة الثامنة عشرة : أن الشرائع ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، أي: اختبار، وليست ابتلاء من البلاء بل من الاختبار، لقوله: {{وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} } فالشرائع للابتلاء، قال تعالى: {{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}} [الملك: 2] فتبين بهذا أن شرائع الله وأحكام الله القدرية كلها ابتلاء.

الفائدة التاسعة عشرة : الحث على السبق للخير، لقوله: { 1 8 {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}} يعني: خذوا بها أيكم أسبق.

فإن قال قائل: المنافسة في الخيرات ألا تستوجب الحسد، بمعنى: أن يكره الإنسان أن يسبقه أحد؟

الجواب: لا؛ لأن كراهة أن يسبقك أحد لا تستلزم أن تكره إذا مَنَّ الله على أحد فسبقك، والحسد: أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على الغير.

الفائدة العشرون: أن المرجع إلى الله تبارك وتعالى شرعاً وقدراً لقوله: {{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} } فالمرجع إلى الله شرعاً هو الذي يحكم بيننا، وقدراً فإن الأمر كما قال الله: {{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ *}} [الغاشية: 25 ـ 26] .

الفائدة الحادية والعشرون : عموم علم الله تبارك وتعالى لأفعال العباد، لقوله: {{فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} }.

فإن قال قائل: وهل الحكم للكافرين على المؤمنين أو للمؤمنين على الكافرين؟

الجواب: الثاني لقوله تبارك وتعالى: {{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}} [النساء: 141] وهذا من غرائب الحكومة، أن يبين للخصم أنه غالب قبل التحاكم، لكن هذا له حكمة وهو أن ينضم الخصم إلى الطرف الثاني، فالكفار والمؤمنون خصمان، والغالب المؤمنون، هنا بيَّن الله تعالى أنه سيكون فصل، ويغلب المؤمنون {{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}} بَيَّنَ ذلك حثاً للكافر أن ينضم إلى صف المؤمنين؛ لأنه إذا تبين له أنه الخاسر وأن الجولة والمعركة للمؤمن فسوف ينضم للمؤمنين.

الفائدة الثانية والعشرون : أنه لا بد لبني آدم من الاختلاف، وهذا هو الواقع وقد دلت عليه آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}} [التغابن: 2] لا بد من الاختلاف، والمرجع عند الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم لقوله: {{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ}} [النساء: 59] .

* * *

قال الله عزّ وجل: {{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ *}} [المائدة: 49] .

قوله: {{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} } معطوفة على قوله: {{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}} [المائدة: 48] {{وَأَنِ احْكُمْ} } الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وفي «أَنِ» قراءتان: الضم والكسر «وأَنُ احكم» بالضم مراعاة لحركة الكاف، «وأَنِ احكم» بالكسر، كلاهما قراءتان سبعيتان، احكم بينهم إذا تنازعوا إليك، {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ولا تحكم بما عندهم.

وقد سبق أن بني النضير يرون لهم الفضل على بني قريظة، حتى إنهم في الديات يجعلون بني قريظة على النصف من بني النضير، ويقولون: إذا قتل النضيري قرظياً فإنه لا يقتل، وإذا قتل القرظي نضيرياً فإنه يقتل، يتحاكمون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا وأمثاله ويريدون منه أن يحكم به، ولكن الله تعالى نهاه عن ذلك فقال: {{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} }؛ لأن ما أصَّلُوه من هذا الأصل الباطل هوىً محض وإلا فحكم الله بين الخلق سواء.

قوله: {{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} } انظر هذا كلام الله مع الرسول، {{وَاحْذَرْهُمْ} } يعني: كن معهم على حذر وتخوف {{أَنْ يَفْتِنُوكَ} } عن بعض ما أنزل الله إليك.

في إعراب {{أَنْ يَفْتِنُوكَ} } وجهان:

الوجه الأول: أن تكون بدل اشتمال من الهاء في قوله: واحذرهم، والتقدير: واحذرهم فتنتهم، وكما هو معروف أن البدل ينقسم إلى خمسة أقسام؛ الخامس: البدل اللفظي، فيكون التقدير على هذا: احذرهم فتنتهم؛ لأن «أن» وما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل، والبدل كما يقول ابن مالك رحمه الله:

التابع المقصود بالحكم بلا

واسطة هو المسمى بدلاً

والوجه الثاني: أن تكون «أن» وما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: واحذرهم من أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وكلا الوجهين في الإعراب معناهما واحد، ومعنى {{أَنْ يَفْتِنُوكَ} } أن يصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك، والفتنة بمعنى: الصد، جاءت في القرآن، مثل قول الله تبارك وتعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ *}} [البروج: 10] ، فتنوا بمعنى: صدوا.

وقوله: {{عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} } إذا كان التحذير عن بعض ما أنزل، فعن الجميع من باب أولى، {{فَإِنْ تَوَلَّوْا} } عن حكمك بما أنزل الله {{فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} }، وهذه الإرادة إرادة كونية بمعنى: المشيئة، {{أَنْ يُصِيبَهُمْ} } أن يلحق بهم المصيبة بالإعراض ببعض ذنوبهم لا بكلها.

قوله: {{بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} } بعض الذنوب مثل ما ذكرنا قبل قليل أن بني النضير يحكمون بالجور فيما بينهم وبين بني قريظة، والذنب ما خالف به الإنسان ربه سواء كان بترك واجب أو بفعل محرم.

قوله: {{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} } الجملة هذه كالتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام لكي لا يحزن؛ لأن كثيراً من الناس فاسقون، و«اللام» في قوله {{لَفَاسِقُونَ} } للتوكيد، وفاسقون بمعنى: خارجون عن طاعة الله، مأخوذة في الاشتقاق من قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من كمها .

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: وجوب الحكم بما أنزل الله عند تحاكم أهل الكتاب إلينا، لقوله: {{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} } حتى وإن كان عندهم قوانين تخالف الحكم الشرعي فإننا لا نرجع إليها، حتى وإن أقاموا الدنيا ضدنا فإننا لا نهتم بهم، ما دمنا على صراط مستقيم، فإن الله يقول: {{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}} [محمد: 7] .

الفائدة الثانية: النهي عن اتباع أهواء الكافرين أياً كانت.

لكن إذا قال قائل: إذا كان ما ذكروه مطابقاً للشريعة، فهل نتركه لأنهم يفعلونه أو نأخذ به لأنه شريعة؟

الجواب الثاني: لا شك في ذلك، من ذلك وهو مثل عجيب، بعض الناس لما سمع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خالفوا المجوس والمشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» [(228)] قالوا: إن أحبار ورهبان النصارى واليهود الآن مطلقون لحاهم، فكان مقتضى الحديث في قوله: «خالفوا»: أن نحلق اللحية لأنهم يعفون لحاهم؟

فيقال في الجواب: إنهم الآن يطلقون لحاهم وفقاً للفطرة لا تقليداً لنا، وإذا كانوا يطلقونها وفقاً للفطرة فإننا نحن نطلقها وفقاً للفطرة واتباعاً للسنة والشريعة.

الفائدة الثالثة: وجوب الحذر من اليهود والنصارى وغيرهم، لقوله: {{وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ} }.

الفائدة الرابعة: الإشارة إلى أن من أكبر غايات اليهود والنصارى أن يفتنوا المسلمين عما أنزل الله إليهم، وإذا كان الله تعالى قد تكلم في هذا في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فالأمر في وقتنا أشد؛ لأنهم الآن يرون أنهم أقوى منا في المادة الحسية، فيكون حرصهم على صدنا عن سبيل الله أشد.

الفائدة الخامسة: أنه إذا كان هذا الخطاب موجهاً إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المؤيد بالوحي الذي أعطاه الله عزّ وجل من القوة والعزيمة في دين الله ما لا يعطى غيره، فما بالك بغيره، وما بالك بمن كان في زمننا الآن، فيجب الحذر، واسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: {{وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً *}} [الإسراء: 73] ، لو فعلت صرت أنت خليلهم وصديقهم، وقال: {{ولَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً *}} [الإسراء: 74] ، لولا أن الله ثبته، ونسأل الله الثبات، لكان يركن إليهم شيئاً قليلاً، ولو ركن إليهم شيئاً قليلاً: {{إِذًا لأََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا *}} [الإسراء: 75] ، والمخاطب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فما بالك بمن دونه يكون الحذر منهم أشد وأشد.

الفائدة السادسة: أن الذنوب لها آثار سيئة، من أعظمها التولي عن دين الله وعما أنزل الله، فالإنسان كلما عصى الله ابتعد عن قبول الوحي والشريعة، ولهذا قال: {{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} } ولهذا قال بعض السلف: من حُرِمَ قيام الليل فإنما ذلك لذنب أصابه، فإذا رأيت من نفسك إعراضاً عن شيء من دين الله أو رأيت إعراضاً عن كتاب الله عزّ وجل، إما عن تلاوته اللفظية أو تلاوته المعنوية أو تلاوته العملية فإنه يجب عليك أن تعالج نفسك، واعلم أن سبب هذا الإعراض هو المعاصي، وأن هناك ذنباً انبنى عليه هذا الإعراض، والآية صريحة في ذلك: {{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} } فاستغفر الله للنتيجة والسبب.

وعلى هذا فمن وجد في نفسه إعراضاً عن طاعات كان يفعلها فليكثر من الاستغفار، قال تعالى: {{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ}} [آل عمران: 135] وله أن يكثر من الصلاة إن رأى أن الصلاة توجب رجوعه إلى الحق وانتهائه، فالصلاة لا شك مكفرة وتنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن أهم شيء الاستغفار.

الفائدة السابعة: أن كثيراً من الناس خارجون عن دين الله بالفسوق، لقوله: {{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} }، وهل المراد بالناس هنا أهل الكتاب أو العموم؟

إن قلنا: إنهم أهل الكتاب خف الإشكال، وإن قلنا بالعموم؛ صار هناك إشكال؛ لأن أكثر الناس فاسقون فسقاً موجباً لدخول النار، ودليل ذلك ما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن الله يقول يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعث النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة» [(229)] جعلنا الله منهم، وإلى هذا يشير ابن القيم في النونية بقوله:

يا سلعة الرحمن ليس ينالها

في الألف إلا واحد لا اثنان

ما ينالها من بني آدم من الألف إلا واحد فقط لا اثنان، فهذا الحديث يدل على أن أكثر الناس فاسقون، وأنه لا نسبة بين الصالح والفاسق، وهذا مما يرجح أن يكون المراد بالناس أهل الكتاب، فإذا نظرنا إلى اللفظ قلنا: هو عام، وإن نظرنا إلى هذا الحديث، قلنا: لا بد أن نحمله على الخصوص، لكن ماذا كان شعور الصحابة لما قال: «إن أهل النار تسعمائة وتسعة وتسعون؟» قالوا: يا رسول الله أين ذلك الواحد؟ فقال لهم: «أبشروا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج، منكم واحد ومنهم ألف، ثم قال لهم: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، شطر أهل الجنة فكبروا بذلك فرحاً» [(230)]، اللهم لك الحمد، ولهذا أكثر أهل الجنة صالحو هذه الأمة، حتى إنه جاء في السنن أو في المسند أن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً منهم ثمانون من هذه الأمة[(231)]، فتكون النسبة الثلثين.

الفائدة الثامنة: الحذر الشديد من موافقة الكفار، وليت أمة الإسلام اليوم تنتبه لهذا الأمر، حتى لا تلهث وراء المادة ووراء أهل المادة، فلو اجتمعت الأمة الإسلامية على هذا المنهاج لسادت العالم، لكن عندها ضعف في الشخصية وضعف في الإيمان فانحدرت إلى ما ترون، فنسأل الله تعالى أن يعلي كلمته وأن يعز دينه إنه على كل شيء قدير.

لو قال قائل: إذا كان الإنسان في بلاد الكفار هل له أن يتحاكم إليهم ليصل إلى حقه؟

الجواب: إذا كان لا يمكن أن يصل إلى حقه إلا بهذا فليتحاكم إليهم لا على نية أن حكمهم صحيح، لكن على نية أنهم كالشرطة يستخرجون له حقه من هذا الظالم، ولو لم نقل بذلك لضاع حقه، ففرق بين أن نحكمهم على أن حكمهم شريعة، وبين أن نحكمهم ليخلصوا حقه، لكن يجب أن يعتقد أن حكمهم باطل في الأصل وأنهم ليسوا حكاماً شرعيين.

* * *

قال الله عزّ وجل: {{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *}} [المائدة: 50] .

قوله: {{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} } الاستفهام هنا للإنكار والتعجيب، يعني: أن الله تعالى أنكر عليهم ذلك وأراد منا أن نتعجب من هذا الذي يبغونه، «والفاء» هنا وقعت بعد أداة استفهام، ومن المعلوم أن أداة الاستفهام لها صدر الكلام، وهنا لا نجد شيئاً بين الهمزة والفاء، فكيف يتوجه العطف بالفاء على شيء ليس بموجود؟ في هذا رأيان بالنسبة للنحويين:

الرأي الأول: أنه كلما جاء حرف العطف بعد الهمزة فإن هناك جملة مقدرة تناسب المقام، وهذا جيد من جهة لكنه صعبٌ من جهة أخرى، إذ إنه يصعب على الإنسان أن يعرف ما الذي يقدره، وأحياناً يشق عليه ذلك كثيراً أو يعجز أن تقدر شيئاً مناسباً.

والرأي الثاني: أن الفاء مزحلقة عن مكانها وأن أصلها قبل الهمزة، وعلى هذا فتكون الجملة التي دخلت عليها همزة الاستفهام معطوفة على الجملة السابقة، والتقدير: «فَأَحُكْمَ الجاهلية» وهذا لا شك أنه أسهل لطالب العلم؛ ولأن الأصل عدم الحذف، صحيح أن هذا مخالف للأصل من حيث إن حرف العطف زحلق عن مكانه لكنه أسهل من حيث إن الإنسان تبرأ ذمته إذا قال: إن هذه الجملة معطوفة على ما سبق.

وقوله: {{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} } أضاف الله الحكم إلى الجاهلية، فما المراد به؟ هل المراد أحكام أهل الجاهلية كوأد البنات وما أشبه ذلك وتحريم بعض المحللات، أو أن المراد: أفحكم الجاهلية يعني: الحكم الموصوف بأنه جهل؟

نقول: كلا المعنيين حق لكن الثاني أعم؛ لأنه يشمل كل حكم مبني على جهل سواء، كان من أحكام أهل الجاهلية الذين هم العرب أو من أحكام آخرين، وعلى هذا فيكون المعنى: أفحكم الجهل يبغون، والجهل: هو عدم العلم، وكل ما خالف الحق الذي هو حكم الله فهو جهل أو جهالة، إن كان عن غير علم فهو جهل، وإن كان عن علم ولكن خالف الحق متعمداً فهو جهالة.

وقوله: {{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} } أي: يطلبون، ولا يخفى أن {حكم}: منصوب وعامله: {{يَبْغُونَ} }، فهو مفعول مقدم لـ{{يَبْغُونَ} }، يعني: أيطلبون حكم الجاهلية، وقدم المعمول لإفادة الحصر، يعني: كأن هؤلاء لا يريدون إلا الحكم الجاهلي المبني على الجهل أو الجهالة؛ لأن القاعدة عندنا أن تقديم ما حقه التأخير مفيد الحصر.

قوله: {{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} } «من»: اسم استفهام، لكن هذا الاستفهام بمعنى النفي، إذ إن معناه: لا أحسن من الله حكماً، ولكن يأتي النفي بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ، إذ إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد إذ إنه يتضمن النفي، ويكون مشرباً بالتحدي، كأن المتكلم يتحدى ويقول: أروني حكماً أحسن من حكم الله.

لو قال قائل: مَنْ أحسن مِن الله حكماً؟

الجواب: لا أحد أحسن من الله حكماً؛ لأن حكمه جلَّ وعلا مبني على علم بما يصلح العباد، ومبني على رحمة بما ينفع العباد، لا يمكن أن يحكم على عباده تبارك وتعالى بشيء يكون ضرراً أو عاقبته ضرراً، أبداً لا يمكن؛ لأننا نعلم أن حكمه صادر عن علم وحكمة ورحمة.

قوله: {{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} }؟

الجواب: لا أحد أحسن، لكن لمن؟ {{لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}} يوقنون بالله وبأسمائه وصفاته وبما تقتضيه هذه الأسماء والصفات؛ هؤلاء لا يرون حكماً أحسن من حكم الله، أما من عنده ضعف في اليقين، فإنه قد يرى أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، ولهذا كان الخلفاء الراشدون، لا يتعدون حكم الله أبداً، حتى إن الواحد منهم يخاطب الخليفة إذا زل عن حكم الله خطأً، خاطبه وأخبره بالحق.

لذلك نقول: إن تبيُّن حسن حكم الله إنما يكون للموقنين، أما ضعفاء اليقين فإنهم لا يرون أن حكم الله أحسن الأحكام، بل ربما يعتقدون أن حكم الله قد مضى عليه الدهر، واختلفت الأمة واحتاجت إلى حكم جديد، وهؤلاء كأنهم يقولون بلسان الحال: إن محمداً ليس خاتم النبيين؛ لأن دينه لا يشمل إصلاح العصر، وإصلاح العصر إنما يصلح بهذه القوانين التي وضعها جهال أو كفار أو أتباع لهؤلاء، وإلا لا يمكن أن شخصاً يكون موقناً بالله عزّ وجل وبما له من الأسماء والصفات والأفعال والأحكام، أن يرى أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، بل ولا يرى أن حكم غير الله مثل حكم الله، ولهذا جاءت الآية: {مَنْ أَحْسَنُ} وأحسن: اسم تفضيل، يعني: فلا يمكن لأي حكم من الأحكام أن يساوي حكم الله، فضلاً عن أن يكون أحسن من حكم الله.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: الإنكار الشديد على من بغى حكم غير الله، لقوله: {{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} }.

الفائدة الثانية: أن هؤلاء القوم على عجب عظيم أن يبتغوا حكم الجاهلية ويَدَعوا حكم الله الصادر عن علم وحكمة ورحمة.

الفائدة الثالثة: أن كل حكم مخالفٍ لحكم الله فهو حكمٌ جاهلي، وبناءً على ذلك يصح أن نصف الأحكام المخالفة لحكم الله ـ في وقتنا الحاضر ـ بجاهلية القرن الخامس عشر.

وقلنا: الخامس عشر لأننا نعتمد التاريخ الهجري دون غيره. ولا شك أن تلك الأحكام والقوانين المخالفة للشريعة توصف بجاهلية هذا القرن شاء أصحابها أم أبوا.

الفائدة الرابعة: أن حكم الله أحسن الأحكام، لقوله: {{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} } ويترتب على هذا، أن الإنسان إذا آمن بأن حكم الله أحسن الأحكام استسلم لحكم الله ورضي به تماماً، سواء علم الحكمة أم لم يعلم، وهذا حق فأي إنسان يرى أن حكم أحد هو أحسن الأحكام فسوف ينقاد له ولا يعارض ولا يمانع.

الفائدة الخامسة: أن حكم الله وإن تراءى لبعض الناس أنه ليس بصالح أو أنه يعيق التقدم الاقتصادي أو الاجتماعي أو غير ذلك فإنه يكون خاطئاً؛ لأن العبرة بالنهاية، قد يتراءى للإنسان أن هذا الحكم لا يصلح الآن، لكن في النهاية لا شك أنه هو الصالح، وأن علينا أن نصبر وستكون العاقبة حميدة، مثلاًَ: الآن كثير من الناس يرون أنه لا بأس بالتعامل بالربا؛ لأنه على زعمهم ينمي الاقتصاد من الآخذ والمعطي، فنقول: هذا وإن تراءى لكم لكن فيه مفاسد كثيرة، وانظروا إلى الدول التي تستعمل هذا ماذا كان حالها؟ تجد أن فيهم طبقات متباينة غاية التباين، هذا من أفقر الناس ربما يأكل التراب من الجوع والثرى من العطش، والآخر مثرٍ ثراءً زائداً، فهذا الاختلاف العظيم في الطبقات كل ذلك بسبب التعامل المحرم، لكن لو أن الناس مشوا على ما سنه النبي صلّى الله عليه وسلّم لأمته لكان الاقتصاد متوازناً، تجد الغني لا يثري ثراءً فاحشاً، ويعطي الفقير من الزكاة، وتكون الحال بين الغني والفقير متقاربة، لا يطغى أحد على أحد، لكن إذا سلطنا الشح على المعاملات واستبحنا كل شيء، لا بد أن تكون هناك طبقات متميزة، وإذا وجدت طبقات متميزة فسد المجتمع أمنياً وودياً، تجد الغني يمقت الفقير ويزدريه ويحتقره، والفقير يكره الغني؛ لأنه يرى أنه قد ابتز ماله وأنه تعاظم عليه، لا سيما إذا كان لا يؤدي الزكاة.

إذاً: القاعدة: لا أحد أحسن حكماً من الله أبداً.

لو قال قائل: الموافق لأحكام الشريعة من القوانين، هل نصفه بأنه أحسن الأحكام؟

الجواب: لا نقول: هذا حكم الله، ولا نقول: هذا حكم القانون؛ لأن حكم الله متقدم على القانون، فنصف الأحكام المطابقة للشريعة في القوانين بأنها حكم الله وأنه لا أحد أحسن منه، ولا نجعل المدح منصباً على القانون؛ لأننا لو جعلنا المدح منصباً على القانون لاغتر الناس بذلك، وقبلوا أحكام القوانين على كل حال، لكن نقول: هذا هو حكم الشرع، فالكذب في القانون عند الدول ممقوت، وفي الشرع ممقوت والشرع سبقهم، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الكذب من صفات المنافقين، وقال: «إنه يهدي إلى الفجور، وإن الرجل لا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» [(232)]، النصح في المعاملة: يحث عليه الشرع، والقوانين أيضاً تحث عليه، الصدق: يحث عليه الشرع والقوانين أيضاً تحث عليه، هنا يجب أن يكون المدح لا للقانون ولكن للشرع.

الفائدة السادسة: أنه لا يجوز للإنسان أن يعارض أحكام الشرع بعقله، هذا في العمليات الفقهيات، وفي العقديات العلميات من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا يجوز للإنسان أن يعارض الشرع في الأمور العملية التي يدخلها القياس فالأمور العلمية الخبرية من باب أولى؛ لأن الخبر ليس للعقل فيه مجال أبداً، إلا على سبيل العموم يمكن.

وبناءً على ذلك يتبين خطأ أولئك القوم الذين عطلوا صفات الله عزّ وجل، من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، فقد أخطأوا خطأً عظيماً؛ لأن الله إذا أخبر عن نفسه بشيء فمعنى ذلك أنه حكم بنفسه أنه مستحق كذا، وأخبر عباده به، فيجب علينا أن نقبله على ظاهره بدون أن نتعرض إلى تحريفه، أولئك القوم الذين حكموا على الله تعالى بعقولهم وقالوا: هذا لا يقبله العقل فلا نقبله ولو جاء به الشرع، ماذا يقولون في الآيات؟ يؤولونها، أي: يحرفونها، وهم لو ردوها صراحة لكانوا كفاراً، يعني: لو قالوا: إن الله لم يستوِ على العرش مثلاً، كفروا، لكن إذا قالوا: إنه استوى على العرش، لكن معنى الاستواء كذا، فهذا تأويل وينظر فيه.

الفائدة السابعة: أنه لا يعرف حسن أحكام الله إلا من عنده يقين، وكلما كان الإنسان أشد يقيناً، كان بيان حسن أحكام الله عنده أكثر وأشد، وإذا شئت أن تعرف هذا فانظر إلى العلماء المحققين كيف يستنبطون من الأحكام الشرعية ما تقتنع به العقول؛ لأنهم موقنون بأن حكم الله أحسن الأحكام فيفتح الله عليهم.

الفائدة الثامنة: الرد على من قال: إن في الأحكام الشرعية في المعاملات خاصة ما خرج عن القياس، مثل: باب السَّلَم، وباب الإجارة، وما أشبه ذلك، فنقول: ليس في الأحكام الشرعية ما يخرج عن القياس، ومرادهم بالقياس العقل والنظر، بل كل الأحكام الشرعية موافقة للقياس، ولكن الله يفتح على من يشاء من عباده، فبعض الناس قد يفهم الموافقة وبعضهم لا يفهم، والله ولي التوفيق.

تمَّ بعون الله تعالى وتوفيقه المجلد الأول من تفسير سورة المائدة ويليه المجلد الثاني ويبدأ من تفسير قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *}} [المائدة: 51] ، إلى آخر السورة.

--------------------------

ـ[1] رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}}، حديث رقم (4330)، ومسلم، كتاب التفسير، باب، حديث رقم (3017) عن طارق بن شهاب.

ـ[2]انظر: تفسير سورة الفاتحة لفضيلة شيخنا المؤلف رحمه الله تعالى.

ـ[3]رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/196)، وأبو نعيم في الحلية (1/130)، وأحمد في الزهد (ص158).

ـ[4]رواه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا اشترط شروطاً في البيع لا تحل، حديث رقم (2060)، ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، حديث رقم (1504) عن عائشة.

ـ[5]رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر القلب، حديث رقم (4742)، ومسلم، كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير، حديث رقم (1425) عن سهل بن سعد.

ـ[6]    رواه البخاري، كتاب الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز، حديث رقم (2569) عن جابر بن عبد الله.

ـ[7]رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح، حديث رقم (2572)، ومسلم، كتاب النكاح، باب الوفاء بالشروط في النكاح، حديث رقم (1418) عن عقبة بن عامر.

ـ[8]رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، حديث رقم (33)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، حديث رقم (59) عن أبي هريرة.

ـ[9] رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا}}، حديث رقم (4385)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، حديث رقم (1679) عن أبي بكرة.

ـ[10] رواه بهذا اللفظ الدارقطني (2/276) (185)، ورواه بدون ذكر الحلق: أبو داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، حديث رقم (1978) عن عائشة، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب ما يحل للمحرم بعد رمي الجمار، حديث رقم (3084)، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، حديث رقم (3041) عن ابن عباس.

ـ[11] انظر: تفسير ابن كثير (4/149 ـ 150)، وتفسير البغوي (4/45).

ـ[12] رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب إذا ادعت المرأة ابناً، حديث رقم (6387)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين، حديث رقم (1720) عن أبي هريرة.

ـ[13] رواه ابن حبان (11/607) (5199)، والبيهقي في الكبرى (9/137) (18168)، وأصله عند أبي داود، كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب ما جاء في حكم أرض خيبر، حديث رقم (3006) عن ابن عمر.

ـ[14] رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات...، حديث رقم (1715) عن أبي هريرة.

ـ[15] انظر «منظومة أصول الفقه وقواعده» لفضيلته رحمه الله.

ـ[16] رواه مسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، حديث رقم (1396) عن ابن عباس.

ـ[17] رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة سيف البحر وهم يتلقون عير قريش، حديث رقم (4103)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة ميتات البحر، حديث رقم (1935) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

ـ[18] رواه ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال، حديث رقم (3314)، وأحمد في المسند (2/97) (5723) عن ابن عمر.

ـ[19] رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، حديث رقم (2734).

ـ[20] رواه مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، حديث رقم (1934) عن ابن عباس.

ـ[21] رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، حديث رقم (2344)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، حديث رقم (4164)، وأحمد (1/52) (370)، والحاكم (4/354)، وابن حبان (2/510) (730) عن عمر بن الخطاب.

ـ[22] رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان، حديث رقم (3207)، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في النهي عن كسر عظام الميت، حديث رقم (1616)، وأحمد في المسند (6/100) (24730) عن عائشة.

ـ[23] رواه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، حديث رقم (2812) عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

ـ[24] رواه البخاري، كتاب المغازي، باب حجة الوداع، حديث رقم (4145)، ومسلم، كتاب التفسير، حديث رقم (3017) عن عمر بن الخطاب.

ـ[25] رواه مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والاثنين، حديث رقم (1162) عن أبي قتادة الأنصاري.

ـ[26] رواه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أهل النبي صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (3789)، والحاكم في المستدرك (3/162) (4716)، والطبراني في الكبير (10/281)، والبيهقي في شعب الإيمان (1/366) (408) عن ابن عباس.

ـ[27] هذا اللفظ للبخاري في حديث النزول، كتاب الكسوف، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، حديث رقم (1094).

ـ[28] رواه البخاري، كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث، حديث رقم (815) عن ابن عمر، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها، حديث رقم (565) عن أبي سعيد.

ـ[29] رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما جاء في التصيد، حديث رقم (5169)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الصيد بالكلاب المعلمة، حديث رقم (1929) عن عدي بن حاتم.

ـ[30] رواه ابن المبارك في الزهد (ص463)، وأبو نعيم في الحلية (4/232)، والطبري في تفسيره (19/5) عن الأعمش عن إبراهيم النخعي.

ـ[31] رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها، حديث رقم (565) عن أبي سعيد.

ـ[32] رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمداً، حديث رقم (5179)، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام، حديث رقم (1968) عن رافع بن خديج.

ـ[33] رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، حديث رقم (126) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ـ[34] تقدم تخريجه ص62.

ـ[35] تقدم تخريجه ص62.

ـ[36] رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، حديث رقم (5188).

ـ[37] تقدم تخريجه في الحديث السابق.

ـ[38] رواه البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي صلّى الله عليه وسلّم ووفاته، حديث رقم (4165).

ـ[39] هذه الرواية لمسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، حديث رقم (1406) عن سبرة الجهني.

ـ[40] رواه الحاكم في المستدرك (2/331) (3181)، والبيهقي في الكبرى (10/146) (20304) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

ـ[41] هذا اللفظ لمسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، حديث رقم (58)، وهو عند البخاري مختصراً، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، حديث رقم (9) عن أبي هريرة.

ـ[42] رواه النسائي، كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف، حديث رقم (2922) عن رجل أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف، حديث رقم (960) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ـ[43] رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، حديث رقم (135)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، حديث رقم (225) عن أبي هريرة.

ـ[44] رواه الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في تخليل اللحية، حديث رقم (29)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في تخليل اللحية، حديث رقم (429) عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما.

ـ[45] رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، حديث رقم (158)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، حديث رقم (226) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ـ[46] رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (108) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، والترمذي، كتاب الطهارة، باب مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، حديث رقم (36) عن ابن عباس رضي الله عنهما، والنسائي، كتاب الطهارة، باب مسح الأذنين، حديث رقم (101) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، حديث رقم (442) عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه.

ـ[47] رواه البخاري، كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان، حديث رقم (287)، ومسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، حديث رقم (348) عن أبي هريرة.

ـ[48] رواه أحمد في المسند (1/391، 452) (3712، 4318)، وابن حبان (3/253) (972)، والحاكم (1/690) (1877)، وأبو يعلى في مسنده (5297).

ـ[49] تقدم تخريجه ص52.

ـ[50] رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، حديث رقم (277) عن بريدة رضي الله عنه.

ـ[51] رواه البخاري، كتاب الحيض، باب عرق الاستحاضة، حديث رقم (321)، ومسلم، كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، حديث رقم (333) عن عائشة رضي الله عنها.

ـ[52] رواه مسلم بلفظ: (أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى الخلاء، فأتى بطعام فذكروا له الوضوء، فقال: «أريد أن أصلي فأتوضأ؟» )، كتاب الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام وأنه لا كراهة، حديث رقم (374) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ـ[53] رواه ابن حبان، كتاب التاريخ، باب كتب النبي صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (6559)، والحاكم في المستدرك (1/552) (1447)، والدارقطني (1/121) (1).

ـ[54] رواه البخاري، كتاب الأذان، باب هل يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت في الأذان، ومسلم، كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها، حديث رقم (373) عن عائشة رضي الله عنها.

ـ[55] الحديث رواه مرفوعاً: الترمذي، كتاب الصوم، باب الكلام في الطواف، حديث رقم (960)، وابن حبان، كتاب الحج، باب دخول مكة، حديث رقم (3836)، والدارمي، كتاب المناسك، باب الكلام في الطواف، حديث رقم (1847)، وانظر: إرواء الغليل (121).

ـ[56] رواه البيهقي في السنن الكبرى (5/125) (9307)، وهو عند مسلم بلفظ: «لتأخذوا مناسككم» ، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، حديث رقم (1297) عن جابر بن عبد الله.

ـ[57] تقدم تخريجه.

ـ[58] رواه البخاري، كتاب الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، حديث رقم (299)، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج...، حديث رقم (1211) عن عائشة رضي الله عنها.

ـ[59] رواه البخاري، كتاب الحيض، باب المرأة تحيض بعد الإفاضة، حديث رقم (322)، ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، حديث رقم (1211) عن عائشة رضي الله عنها.

ـ[60] رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستجمار وتراً، حديث رقم (160)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها، حديث رقم (278) عن أبي هريرة، واللفظ لمسلم.

ـ[61] رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم (1718) عن عائشة.

ـ[62] تقدم تخريجه الحديث السابق.

ـ[63] رواه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، حديث رقم (2670) عن ابن مسعود.

ـ[64] رواه البخاري، كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم، حديث رقم (60)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، حديث رقم (241) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

ـ[65] رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الجبة الشامية، حديث رقم (356)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث رقم (274) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

ـ[66] رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، حديث رقم (203)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث رقم (274) عن المغيرة بن شعبة.

ـ[67] رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (1218).

ـ[68] رواه أحمد في المسند (3/394) (15280)، والدارقطني (2/254) (79).

ـ[69] رواه البخاري، كتاب الغسل، باب الجنب يتوضأ ثم ينام، حديث رقم (285)، ومسلم، كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، حديث رقم (306) عن ابن عمر أن عمر سأل رسول الله، ثم ذكره.

ـ[70] رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر، حديث رقم (605) عن مالك بن الحويرث.

ـ[71] رواه البخاري، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، حديث رقم (337) عن عمران.

ـ[72] رواه البخاري في أول الكتاب، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (1)، وفي، كتاب الإيمان، باب النية في الإيمان، حديث رقم (6311)، ومسلم في، كتاب الإمارة، باب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات» ، حديث رقم (1907) عن عمر بن الخطاب.

ـ[73] رواه مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، حديث رقم (369) عن أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري.

ـ[74] رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء من القبلة، حديث رقم (78)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة، حديث رقم (170)، والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة، حديث رقم (86) عن عائشة رضي الله عنها.

ـ[75] رواه النسائي، كتاب الطهارة، باب النعاس، حديث رقم (162) عن عائشة رضي الله عنها، وله أصل عند البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم من لم ير من النعسة والنعستين، حديث رقم (209)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن، حديث رقم (786) عن عائشة رضي الله عنها.

ـ[76] هذا اللفظ عند ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، حديث رقم (497) عن عبد الله بن عمرو.

ـ[77] رواه مسلم، كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل، حديث رقم (360) عن جابر بن سمرة.

ـ[78] رواه النسائي، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار، حديث رقم (185)، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار، حديث رقم (192)، وابن خزيمة (1/28) (43)، وابن حبان (3/416) (1134) عن جابر بن عبد الله.

ـ[79] رواه النسائي، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك، حديث رقم (101)، وابن حبان (1120)، والدارقطني (1/149) (15) عن طلق بن علي.

ـ[80] رواه الترمذي، كتاب أبواب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، حديث رقم (82)، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، حديث رقم (181)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر حديث رقم (163) عن بسرة.

ـ[81] رواه البخاري، كتاب التيمم، باب التيمم ضربة، حديث رقم (340)، ومسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، حديث رقم (368) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

ـ[82] رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط، حديث رقم (223)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث رقم (273) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

ـ[83] رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (1218) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

ـ[84] رواه البخاري أول كتاب التيمم، حديث رقم (328)، ومسلم أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم (521) عن جابر بن عبد الله.

ـ[85] تقدم تخريجه ص116.

ـ[86] رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم، حديث رقم (332)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد، حديث رقم (322)، والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، حديث رقم (124) عن أبي ذر رضي الله عنه.

ـ[87] تقدم تخريجه ص112.

ـ[88] اللفظ لمسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، حديث رقم (335)، ومعناه عند البخاري، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، حديث رقم (315) عن عائشة رضي الله عنها.

ـ[89] رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (6858)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، حديث رقم (1337) عن أبي هريرة.

ـ[90] رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، حديث رقم (1015) عن أبي هريرة.

ـ[91] رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، حديث رقم (4703)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأعراف، حديث رقم (3075)، وأحمد (1/44) (311) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ـ[92] رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم (52)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث رقم (1599) عن النعمان بن بشير.

ـ[93] رواه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء، حديث رقم (1056) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، حديث رقم (1574) عن حسان بن ثابت رضي الله عنه.

ـ[94] تقدم.

ـ[95] رواه أحمد (2/160) (6492)، وابن حبان (10/336) (4484) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

ـ[96] رواه البخاري، كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً، حديث رقم (2312) عن أنس بن مالك.

ـ[97] رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو كنت متخذاً خليلاً» ، حديث رقم (3470)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم، حديث رقم (2541) عن أبي سعيد الخدري.

ـ[98] رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، حديث رقم (2713) عن أبي هريرة.

ـ[99] رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان..، حديث رقم (8) عن عمر بن الخطاب.

ـ[100] تقدم ص117 في حديث: «إنما الأعمال بالنيات..» .

ـ[101] تقدم ص110.

ـ[102] تقدم ص110.

ـ[103] رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله، حديث رقم (1296)، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتبة رزقه وأجله وعمله... حديث رقم (2647) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ـ[104] رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}} [آل عمران: 28]، حديث رقم (6970)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله، حديث رقم (2675) عن أبي هريرة.

ـ[105] رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى جميع الناس، حديث رقم (153) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ـ[106] تقدم ص152 في حديث جبريل.

ـ[107] انظر: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة، حديث رقم (7029) عن ابن عمر.

ـ[108] رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، حديث رقم (2608) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.

ـ[109] رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، حديث رقم (2830)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث رقم (2704) عن أبي موسى.

ـ[110] انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السموات وفرض الصلوات، حديث رقم (166)، سنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج على الرحل، حديث رقم (2891)، مسند أحمد (1/215) (1854).

ـ[111] رواه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب معاشرة النساء، حديث رقم (1987) عن أبي ذر.

ـ[112] رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم (4843).

ـ[113] رواه البخاري، كتاب التفسير، باب {{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}} [الحشر: 7]، حديث رقم (4604).

ـ[114] رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، حديث رقم (2712) عن ابن عمر.

ـ[115] رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والذل، حديث رقم (2774)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، حديث رقم (675) عن أبي هريرة.

ـ[116] رواه البخاري، كتاب التفسير، باب {{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ}}، حديث رقم (4283) عن ابن عمر وأبي هريرة.

ـ[117] رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب من لعنه النبي صلّى الله عليه وسلّم أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً ورحمة، حديث رقم (2601) عن أبي هريرة.

ـ[118] رواه البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، حديث رقم (5628)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم (90) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

ـ[119] رواه البخاري، كتاب المزارعة، باب اقتناء الكلب للحرث، حديث رقم (2197)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب، وبيان نسخه وبيان تحريم اقتنائها إلا لصيد أو زرع أو ماشية، حديث رقم (1575) عن أبي هريرة.

ـ[120] تقدم 152.

ـ[121] تقدم ص163.

ـ[122] رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، وأحمد (4/287) (18557) عن البراء بن عازب.

ـ[123] رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، حديث رقم (1311)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، حديث رقم (588) عن أبي هريرة.

ـ[124] رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض، حديث رقم (2321)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، حديث رقم (1610) عن سعيد بن زيد، واللفظ لمسلم.

ـ[125] تقدم ص225.

ـ[126] رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم (3267)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث رقم (531) عن عائشة وابن عباس.

ـ[127] رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب، حديث رقم (2709)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، حديث رقم (1776) عن البراء بن عازب.

ـ[128] انظر: صحيح البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجلاً فترك الوكيل شيئاً...، حديث رقم (2187).

ـ[129] انظر: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر...، حديث رقم (1306).

ـ[130] رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب: فضائل عيسى عليه السلام (2365) عن أبي هريرة.

ـ[131] رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة، حديث رقم (2865) عن عياض بن حمار المجاشعي.

ـ[132] رواه البخاري، كتاب العلم، باب ليبلغ الشاهد الغائب، حديث رقم (104)، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها، حديث رقم (1354) عن أبي شريح.

ـ[133] رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب حد المرأة على غير زوجها، حديث رقم (1221)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام، حديث رقم (1486) عن أم حبيبة.

ـ[134] تقدم ص52.

ـ[135] انظر: صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً، حديث رقم (4712)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم (194).

ـ[136] رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/233) (18638)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (43/521). وانظر: البداية والنهاية (4/278 ـ 279).

ـ[137] رواه البخاري، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، حديث رقم (1900)، ومسلم، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، حديث رقم (1130) عن ابن عباس.

ـ[138] رواه البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، حديث رقم (5640)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، حديث رقم (2557) عن أنس بن مالك.

ـ[139] انظر: السيرة النبوية لابن هشام (5/52)، تاريخ الطبري (2/155)، البداية والنهاية (4/283).

ـ[140] انظر: تاريخ الطبري (3/279)، الإصابة (1/281)، البداية والنهاية (6/325).

ـ[141] رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير، حديث رقم (2664).

ـ[142] رواه مسلم، كتاب الحج، باب جواز التمتع، حديث رقم (1226) عن عمران.

ـ[143] رواه ابن سعد في الطبقات (3/198)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (30/410)، وأبو نعيم في الحلية (1/34).

ـ[144] رواه الترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، حديث رقم (2038) عن أسامة بن شريك.

ـ[145] رواه البخاري، كتاب الطب، باب الحبة السوداء، حديث رقم (5364)، ومسلم، كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء، حديث رقم (2215) عن أبي هريرة.

ـ[146] رواه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، حديث رقم (5718)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، حديث رقم (2558) عن أنس بن مالك.

ـ[147] رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد حديث رقم (3226)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (2372) عن أبي هريرة.

ـ[148] رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، حديث رقم (1206)، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، حديث رقم (1206) عن ابن عباس.

ـ[149] رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في قتال اللصوص، حديث رقم (4772)، والترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، حديث رقم (1421)، والنسائي، كتاب تحريم الدم، باب من قاتل دون دينه، حديث رقم (4095) عن سعيد بن زيد.

ـ[150] رواه أحمد (3/423) (15525)، والطبراني في الكبير (19/39) عن قهيد بن مطرف، ولفظ أحمد: (أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سأله سائل: إن عدا عليَّ عاد، فأمره أن ينهاه ثلاث مرار، قال: فإن أبى، فأمره بقتاله، قال: فكيف بنا؟ قال: إن قتلك فأنت في الجنة، وإن قتلته فهو في النار).

ـ[151] رواه البخاري، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم (1795)، ومسلم، كتاب الصيام، باب حفظ اللسان للصائم، حديث رقم (1151) عن أبي هريرة.

ـ[152] رواه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن، حديث رقم (5697)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ، حديث رقم (64) عن ابن مسعود.

ـ[153] رواه أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، حديث رقم (4341)، والترمذي، كتاب التفسير، باب سورة المائدة، حديث رقم (3058)، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}} [المائدة: 105]، حديث رقم (4014) عن أبي ثعلبة الخشني.

ـ[154] رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه رجل، حديث رقم (2847)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب، حديث رقم (2406) عن سهل بن سعد.

ـ[155] رواه البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، حديث رقم (111) عن علي بن أبي طالب.

ـ[156] أخرجه أحمد في المسند بلفظ إذا شرب فاجلدوه (4/96)، والترمذي (1444)، كتاب الحدود باب: ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة.

ـ[157] رواه أحمد (1/49) (346) عن عمر بن الخطاب.

ـ[158] رواه البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: {{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ}} [المائدة: 45] (6878)، ورواه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم (1676).

ـ[159] تقدم ص312.

ـ[160] رواه البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: {{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا}} [النساء: 93]، حديث رقم (6468)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، حديث رقم (86) عن عبد الله بن مسعود.

ـ[161] رواه الدارمي (2/250) (2358) عن سمرة بن جندب، والدارقطني (3/133) (158)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/35) (15717) عن ابن عباس.

ـ[162] رواه أبو داود، كتاب الديات، باب من قتل عبده أو مثل به أيقاد به، حديث رقم (4515)، والترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء في الرجل يقتل عبده، حديث رقم (1414)، والنسائي، كتاب القسامة، باب القود من السيد للمولى، حديث رقم (4736)، وابن ماجه، كتاب الديات، باب هل يقتل الحر بالعبد، حديث رقم (2663) عن سمرة.

ـ[163] رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم، حديث رقم (858)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج، حديث رقم (442) عن ابن عمر.

ـ[164] انظر: صحيح البخاري، كتاب المحاربين، باب سمل النبي صلّى الله عليه وسلّم أعين المحاربين، حديث رقم (6420)، صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين، حديث رقم (1671).

ـ[165] رواه البخاري، كتاب الحدود، باب المحاربين من أهل الكفر والردة، حديث رقم (6417)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين، حديث رقم (1671) عن أنس بن مالك.

ـ[166] رواه البخاري، كتاب الحدود، باب توبة السارق، حديث رقم (6416)، ومسلم، كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، حديث رقم (1709) عن عبادة بن الصامت.

ـ[167] رواه مسلم أول كتاب اللعان حديث رقم (1493) عن ابن عمر.

ـ[168] رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد إلى الحرقات، حديث رقم (4021)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، حديث رقم (96) عن أسامة بن زيد.

ـ[169] تقدم ص6.

ـ[170] تقدم ص152.

ـ[171] رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، حديث رقم (504)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، حديث رقم (85) عن ابن مسعود.

ـ[172] تقدم ص300.

ـ[173] رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حديث رقم (2655)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، حديث رقم (1904) عن أبي موسى الأشعري.

ـ[174] رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، حديث رقم (1905) عن أبي هريرة.

ـ[175] رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، حديث رقم (3092)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، حديث رقم (2843) عن أبي هريرة.

ـ[176] رواه مسلم، كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة، حديث رقم (1688) عن عائشة.

ـ[177] رواه الطبري في تفسيره (6/228)، والبيهقي في السنن الصغرى (7/301) (3354).

ـ[178] انظر: صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (4999)، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه رضي الله تعالى عنهما، حديث رقم (2464) عن عبد الله بن عمرو، ولفظ مسلم: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد ـ فبدأ به ـ ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة».

ـ[179] رواه مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، حديث رقم (368).

ـ[180] انظر: صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}}، حديث رقم (6407)، صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، حديث رقم (1684).

ـ[181] رواه البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}}، حديث رقم (6411)، ومسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، حديث رقم (1686) عن ابن عمر.

ـ[182] رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، حديث رقم (2250)، والنسائي، كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، حديث رقم (3227) كلاهما عن معقل بن يسار، وأحمد (3/158) (12634) عن أنس، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح، حديث رقم (1846) عن عائشة.

ـ[183] رواه مسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، حديث رقم (335) عن عائشة.

ـ[184] تقدم ص327.

ـ[185] رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجمعة، حديث رقم (1052)، والنسائي، كتاب الجمعة، باب التشديد في التخلف عن الجمعة، حديث رقم (1369) عن أبي الجعد الضمري.

ـ[186] رواه البخاري، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، حديث رقم (5722)، ومسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، حديث رقم (2768) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

ـ[187] رواه أحمد (5/410) (23529)، وابن أبي شيبة (29929) عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه.

ـ[188] رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم (3274) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

ـ[189] رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، حديث رقم (1917) عن عقبة بن عامر.

ـ[190] جاء بلفظ: «تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي» عند: أبي داود، كتاب الطهارة، باب في المرأة المستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض، حديث رقم (297)، والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، حديث رقم (126)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام، حديث رقم (625) عن عبيد بن عازب جد عدي بن ثابت.

ـ[191] رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك، حديث رقم (81)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب، حديث رقم (238) عن رجل صحب النبي صلّى الله عليه وسلّم.

ـ[192] رواه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، حديث رقم (1851)، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، حديث رقم (1147) عن عائشة.

ـ[193] صدر بعنوان «أصول في التفسير».

ـ[194] تقدم ص163.

ـ[195] انظر: صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، حديث رقم (1700)، سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين، حديث رقم (4448)، مسند أحمد (4/268) (18548).

ـ[196] تقدم ص143.

ـ[197] انظر: صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث رقم (2779)، سنن البيهقي الكبرى (7/352) (14852).

ـ[198] رواه البخاري، كتاب المغازي، باب أحد يحبنا ونحبه، حديث رقم (3855)، ومسلم، كتاب الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، حديث رقم (1393) عن أنس بن مالك.

ـ[199] رواه البيهقي في دلائل النبوة (1/47) عن أبي ذر رضي الله عنه.

ـ[200] تقدم ص143.

ـ[201] رواه أحمد (1/387) (3672)، والحاكم في المستدرك (2/5) (2137)، والبيهقي في الشعب (4/395) (5524).

ـ[202] رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث رقم (2577) عن أبي ذر.

ـ[203] رواه البخاري، كتاب التفسير، باب سورة حم الجاثية، حديث رقم (4249)، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر، حديث رقم (2246) عن أبي هريرة.

ـ[204] رواه أحمد (3/367) (14696) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وابن حبان (11/607) (5199) عن ابن عمر رضي الله عنهما، والطبراني في الأوسط (7/303) (7565) عن عائشة رضي الله عنها، والبيهقي في السنن الكبرى (6/115) (11409) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ـ[205] رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، حديث رقم (1827) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

ـ[206] رواه مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، حديث رقم (1700) عن البراء بن عازب.

ـ[207] انظر كتاب «بطلان الاشتراكية» لفضيلة شيخنا المؤلف رحمه الله تعالى.

ـ[208] رواه أبو داود، كتاب الإجارة، باب في منع الماء، حديث رقم (3477)، وأحمد (5/364) (23132) عن رجل من أصحاب النبي، وعند ابن ماجه، كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث، حديث رقم (2472) عن ابن عباس.

ـ[209] رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة، حديث رقم (67) عن أبي هريرة.

ـ[210]رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3414)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، حديث رقم (1064) عن أبي سعيد.

ـ[211] رواه البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: {{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} ...}، حديث رقم (6484)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين، باب ما يباح به دم المسلم، حديث رقم (1676) عن ابن مسعود.

ـ[212] تقدم ص313.

ـ[213] تقدم ص305.

ـ[214] رواه البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى كسرى وقيصر، حديث رقم (4163) عن أبي بكرة.

ـ[215] رواه البخاري، كتاب الديات، باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود، حديث رقم (6482)، ومسلم، كتاب القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات، حديث رقم (1672) عن أنس بن مالك.

ـ[216] تقدم ص312.

ـ[217] تقدم ص314.

ـ[218] رواه الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم (2676)، وابن ماجه المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث رقم (44)، وأحمد (4/126) (17182) عن العرباض بن سارية رضي الله عنه.

ـ[219] رواه البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب للعاهر الحجر، حديث رقم (6432)، ومسلم، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات، حديث رقم (1457) عن عائشة.

ـ[220] تقدم الحديث السابق.

ـ[221] تقدم الحديث السابق.

ـ[222] تقدم ص460.

ـ[223] تقدم ص460.

ـ[224] رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، حديث رقم (772) عن حذيفة.

ـ[225] رواه أبو داود، كتاب الطب، باب كيف الرقى، حديث رقم (3892)، وأحمد (6/20) (24003) عن أبي الدرداء رضي الله عنه.

ـ[226] رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، حديث رقم (537) عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.

ـ[227] رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم، حديث رقم (1218) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

ـ[228] رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب إذا لم يطق قاعداً صلى على جنب، حديث رقم (1066) عن عمران بن الحصين رضي الله عنه.

ـ[229] رواه البخاري، كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار، حديث رقم (5553)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، حديث رقم (259) عن ابن عمر.

ـ[230] رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، حديث رقم (3170)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب قول الله تعالى لآدم: «أخرج بعث النار» ، حديث رقم (222) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

ـ[231] الحديث السابق.

ـ[232] رواه الطبراني في الكبير (14/353) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (1/377).

ـ[233] رواه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ *}} [التوبة: 119]، حديث رقم (5743)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، حديث رقم (2607) عن ابن مسعود. 

تاريخ التحديث : Jul 7, 2012




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com