binothaimeen.com - فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله


المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع
باب صلاة التطوع
 

 

باب صَلاة التَّطوُّع

 

قوله: «صَلاة التَّطُّوع» مِنْ باب إِضافةِ الشَّيء إلى نوعه؛ لأَنَّ الصَّلاةَ جِنسٌ ذو أنواع، فصلاةُ التَّطوُّع، أي: الصلاة التي تكون تطوُّعاً؛ أي: نافلة.

والتَّطوُّعُ: يُطلق على فِعْلِ الطَّاعة مطلقاً، فيشمل حتى الواجب، قال الله تعالى: {{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ *}} [البقرة] مع أَنَّ الطَّوافَ بهما رُكنٌ من أركان الحَجِّ والعُمْرة.

ويُطلق على المعنى الخاص في اصطلاح الفقهاء، فيُراد به كُلُّ طاعةٍ ليست بواجبة. ومِنْ حِكمةِ الله عزّ وجل ورحمتِهِ بعبادِه أَنْ شَرَعَ لكلِّ فَرْضٍ تطوُّعاً من جنسه؛ ليزداد المؤمن إيماناً بفعل هذا التَّطوُّع، ولتكمُلَ به الفرائض يوم القيامة، فإنَّ الفرائضَ يعتريها النَّقصُ، فتكمُلُ بهذه التَّطوُّعاتِ التي مِنْ جنسها، فالوُضُوء: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصَّلاةُ: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصَّدقة: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصيام: واجبٌ وتطوُّعٌ، والحَجُّ: واجبٌ وتطوُّعٌ، والجهاد: واجبٌ وتطوُّعٌ، والعِلْمُ: واجبٌ وتطوُّعٌ، وهكذا.

وصلاة التَّطوُّع أنواع:

منها ما يُشرع له الجماعةُ، ومنها ما لا يشرعُ له الجَماعةُ.

ومنها ما هو تابعٌ للفرائض، ومنها ما ليس بتابعٍ.

ومنها ما هو مُؤقَّتٌ، ومنها ما ليس بمُؤقَّتٍ.

ومنها ما هو مُقيَّدٌ بسبب، ومنها ما ليس مقيَّداً بسبب.

وكلُّها يُطلق عليها: صلاةُ تَطوُّعٍ.

وآكدُ ما يُتطوَّعُ به من العبادات البَدنية: الجِهَاد.

وقيل: العِلْم.

والصَّحيح: أنه يختلف باختلاف الفاعل؛ وباختلاف الزَّمن، فقد نقول لشَخصٍ: الأفضلُ في حَقِّك الجِهادُ، والآخرُ: الأفضلُ في حَقِّكِ العِلْم، فإذا كان شُجاعاً قويًّا نشيطاً؛ وليس بذاك الذَّكيِّ؛ فالأفضلُ له الجِهاد؛ لأنه أَليقُ به. وإذا كان ذكيًّا حافظاً قويَّ الحُجَّة؛ فالأفضلُ له العِلْم، وهذا باعتبار الفاعل.

وأما باعتبار الزَّمن؛ فإننا إذا كُنَّا في زمن تَفَشَّى فيه الجهلُ والبِدعُ، وكَثُرَ مَنْ يُفتي بلا عِلم؛ فالعِلمُ أفضلُ من الجهاد، وإنْ كُنَّا في زمن كَثُرَ فيه العُلماءُ؛ واحتاجتِ الثُّغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية؛ فهنا الأفضل الجهاد. فإنْ لم يكن مرجِّحٌ، لا لهذا ولا لهذا؛ فالأفضلُ العِلم.

قال الإمام أحمد : العِلمُ لا يَعْدِلُهُ شيء لِمَنْ صَحَّت نيَّتُهُ. قالوا: كيف تصحُّ النيَّةُ؟ قال: ينوي بتواضع، وينفي عنه الجهل. وهذا صحيح؛ لأنَّ مَبْنَى الشَّرعِ كُلِّه على العِلم، حتى الجهاد مَبْنَاهُ على العِلم، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: {{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}} [التوبة: 122] فَنَفَى الله أَنْ يَنْفِر المسلمون كلُّهم إلى الجهاد، ولكن يَنْفِرَ طائفةٌ ويبقى طائفةٌ لتتعلَّم؛ حتى إذا رجع قومُهم إليهم أخبروهم بما عندهم من الشَّرع، ولكن يجب في الجهاد وفي العِلم تصحيحُ النِّيَّةِ؛ وإخلاصُها لله عزّ وجل، وهو شرطٌ شديدٌ؛ أعني: إخلاصَ النِّيَّة، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: شَرْطُ النِّيَّةِ شَديد؛ لكنه حُبِّبَ إليَّ فجمعتُه.

 

آكَدُهَا كُسُوفٌ ..........

قوله: «آكدها كسوف» أي: أن آكدَ صلاة التَّطوُّع صلاةُ الكسوف؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بها[(1)]، وخَرَجَ إليها فَزِعاً[(2)]، وصَلَّى صلاةً غريبةً، وعُرِضت عليه في صلاتِهِ هذه الجنَّةُ والنَّارُ[(3)]، وخَطَب بعدها خُطبةً بليغةً عظيمةً[(4)]، وشَرعَ لها الجماعةَ، فأَمَرَ مناديًا أن يُنادي «الصلاةُ جامعةً»[(5)] ، فهي آكدُ صَلاةِ التطوُّع.

وفُهِمَ من كلام المؤلِّف : أَنَّ صلاة الكُسُوفِ نافلةٌ من باب التطوُّعِ، وفيها خِلاف بين أهل العلم.

والصحيح : أَنَّ صلاة الكُسُوف فرضٌ واجب، إِمَّا على الأعيان؛ وإِمَّا على الكفاية، وأَنَّه لا يمكن للمسلمين أن يَرَوا إنذارَ الله بكسُوف الشمسِ والقمرِ، ثم يَدَعوا الصَّلاةَ؛ مع أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بها، وأَمَرَ بالصدقة والتكبير والاستغفار والعتق والفزع إلى الصلاة، وحصل منه شيءٌ لم يكن مألوفاً مِنْ قبلُ، فكيف تقترنُ بها هذه الأحوالُ مع الأمر بها، ثم نقول: هي سُنةٌ؛ لو تركها المسلمون لم يأثموا. فأقلُّ ما نقول فيها: إنها فرضُ كفاية.

 

ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ، ........

قوله: «ثم استسقاء» . يعني: أنَّ صلاة الاستسقاء تلي صلاةَ الكسوفِ في الآكدية، وعَلَّل الأصحاب ذلك بأنها تُشرع لها صلاةُ الجماعة، فجعلوا مناطَ الأفضلية الاجتماعَ على الصَّلاة، فما شُرع له الاجتماعُ فهو أفضلُ مما لم يُشرع له الاجتماعُ، فالاستسقاء عندهم أفضل من الوِتر مثلاً؛ لأن صلاة الاستسقاء تُشرع لها الجماعةُ بخلاف الوِتر، وما شُرعت له الجماعةُ فهو آكد من غيره.

ولكن؛ في هذا نَظَرٌ.

والصواب : أَنَّ الوِترَ أوكدُ مِن الاستسقاء؛ لأن الوِترَ داومَ عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وأَمَرَ به فقال: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ باللَّيلِ وِتْراً» [(6)] وقال: «إِذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى ركعةً واحدةً، تُوتِرُ له ما قد صَلَّى» [(7)] وقال: «يا أهلَ القُرآن، أوتِرُوا...» [(8)].

وأما صلاةُ الاستسقاء؛ فإنه لم يَرِدِ الأمرُ بها، ولكنها ثَبتتْ مِنْ فِعْل الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكن يقتصرُ في الاستسقاء على الصَّلاة، فقد كان يستسقي بالدُّعاء في خُطبةِ الجُمُعةِ وفي غيرها.

والاستسقاء هو : أَنَّ النَّاسَ إذا أجدبتِ الأرضُ، وقَحِطَ المطرُ، وتضرَّروا بذلك؛ خرجوا إلى مُصَلَّى العيدِ؛ فصَلُّوا كصلاة العيدِ، ثم دعوا الله عزّ وجل. وستأتي مفصَّلة في بابٍ مستقلٍّ إن شاء الله.

 

ثُمَّ تَراوِيْح، ثُمَّ وِترٌ .........

قوله: «ثم تراويح، ثم وتر» أي: أَنَّ التراويحَ تلي الاستسقاءَ في الآكدية، فهي في المرتبة الثالثة، فقدَّمَ التراويحَ على الوِتر بناءً على أنَّ مَنَاطَ الأفضليَّة هو الجماعة، والتراويحُ تُشرعُ لها الجماعةُ بفعل الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم، فإنه عليه الصَّلاة والسَّلام صَلَّى بالناس في رمضان ثلاث ليال، ثم تخلَّفَ في الثالثة أو في الرابعة، وقال: «إِنِّي خَشيتُ أَن تُفْرَضَ عليكم» [(9)] فبقيت الأُمَّةُ الإسلاميةُ لا تُقَام فيها صلاةُ التراويح جماعةً، حتى جمعهم أميرُ المؤمنين عُمرُ بنُ الخطاب على تَمِيمٍ الدَّاريِّ وأُبيِّ بنِ كعب[(10)]، فالمؤلِّفُ يرى أن التراويحَ مقدَّمةٌ على الوِتر.

والصَّحيحُ: أَنَّ الوِترَ مقدَّمٌ عليها، وعلى الاستسقاء؛ لأنَّ الوِتر أَمَرَ به وداوم عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، حتى قال بعضُ أهلِ العِلمِ: إنَّ الوِترَ واجبٌ.

وقال بعضُ العُلماء: إنَّهُ واجبٌ على مَنْ له وِرْدٌ مِن اللَّيل. يعني: على مَنْ يقومُ اللَّيل.

وقال آخرون: إنه سُنَّةٌ مطلقة.

وصلاةٌ هذا شأنها في السُّنَّةِ، وعند أهل العِلم، كيف تُجعل التراويحُ التي اختُلِفَ في استحباب الجماعة لها أفضلُ منها؟

إذاً؛ فترتيب صَلاة التطوُّع: الكسوف، ثم الوِتر، ثم الاستسقاء، ثم التراويح، هذا هو القول الراجح؛ لأن الاستسقاء صلاة يقصد بها رَفْع الضرر، فالناس في حاجة إليها أكثر من التراويح.

والتراويح: هو قيامُ اللَّيلِ في رمضان، وسُمِّيَ تروايحُ؛ لأن النَّاسَ كانوا يُطيلون القيامَ فيه والرُّكوعَ والسُّجودَ، فإذا صَلُّوا أربعاً استراحوا، ثم استأنفوا الصَّلاةَ أربعاً، ثم استراحوا، ثم صَلُّوا ثلاثاً، على حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لا يزيدُ في رمضانَ ولا غيره على إحدى عَشْرَة رَكْعةً، يُصلِّي أربعاً؛ فلا تسألْ عن حُسْنهنَّ وطُولِهنَّ، ثم يُصلِّي أربعاً؛ فلا تسألْ عن حُسْنهنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصلِّي ثلاثاً» [(11)]، وهذه الأربع التي كان يُصلِّيها أولاً؛ ثم ثانياً؛ يُسلِّمُ فيها من ركعتين؛ كما جاء ذلك مفسَّراً عنها رضي الله عنها قالت: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي في الليل إِحدى عَشْرَة رَكْعة، يُسلِّمُ من كُلِّ رَكعتين» [(12)]، وبه نعرف أنَّ القائِلَ بأنّ هذه الإحدى عَشْرة، تُجمعُ الأربعُ فيها في سَلامٍ واحدٍ، والأربعُ في سَلامٍ واحدٍ لم يُصِبْ، ولعلَّه لم يَطَّلعْ على الحديث الذي صَرَّحتْ فيه بأنَّه يُسلِّمُ من كُلِّ رَكعتينِ.

وعلى فَرَضِ أَنَّ عائشةَ لم تُفصِّلْ؛ فإنَّ قولَ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى» [(13)] يَحْكم على هذه الأربع بأنَّهُ يُسلَّم فيها مِن كُلِّ رَكعتين؛ لأنَّ فِعْلَ الرَّسولِ المُجْمَلَ يفسِّرُه قولُهُ المفصَّلُ.

أما الوِتر؛ فإنَّه سيأتينا ـ إنْ شاء الله ـ أَنَّ أقلَّهُ رَكْعة، وأكثره إحدى عَشْرة رَكعة، ويأتي بيان صِفته أيضاً.

والوِترُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، وهو ـ عند القائلين بأنه سُنَّةٌ ـ مِن السُّنَنِ المؤكَّدةِ جداً، حتى إنَّ الإمامَ أحمدَ رحمه الله قال: «مَنْ تَرَكَ الوِترَ فهو رَجُلُ سُوءٍ لا ينبغي أن تُقبل له شَهادة» ـ فَوَصَفَه بأنه رَجُلُ سُوءٍ، وحَكَم عليه بأنه غيرُ مَقبول الشَّهادة، وهذا يدلُّ على تأكُّدِ صَلاة الوِتْرِ.

 

يُفْعَلُ بَيْنَ العِشَاءِ وَالفَجْرِ، .........

قوله: «يفعل بين صلاة العشاء والفجر» ، هذا وقته بين صلاة العشاء والفجر، وسواء صَلَّى العشاء في وقتها، أو صلاها مجموعة إلى المغرب تقديماً، فإن وقت الوِتر يدخل من حين أن يصلي العشاء لما يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنَّ اللهَ أَمَدَّكُم بصلاةٍ هيَ خيرٌ لكم مِنْ حُمْرِ النَّـعَـمِ، صلاة الوِتْرِ، ما بين صلاةِ العِشَاء إلى أَنْ يَطْلُع الفَجْرُ» [(14)]. والسُّنة الصحيحة تشهد له، ولأن صلاة الوِتر تُختم بها صلاة الليل، وإذا انتهت صلاة العشاء فقد انتهت صلاة الليل المفروضة، ولم يبق إلا صلاة التطوع، فللإنسان أن يوتر من بعد صلاة العشاء مباشرة، ولو كانت مجموعة إلى المغرب تقديماً.

قوله: «والفجر» يعني: طلوع الفجر؛ لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فإذا خَشِيَ أحدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى واحدةً، تُوتِرُ له ما قد صَلَّى» [(15)] فإذا طَلَعَ الفجرُ فلا وِتْرَ، وأما ما يُروى عن بعضِ السَّلفِ؛ أَنَّه كان يُوتِرُ بين أذانِ الفَجرِ، وإقامةِ الفَجرِ[(16)] فإنَّه عَمَلٌ مُخالفٌ لما تقتضيه السُّنَّة، ولا حُجَّةَ في قولِ أحدٍ بعد رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.

فالوِتْرُ ينتهي بطُلوعِ الفَجرِ، فإذا طَلَعَ الفجرُ وأنت لم تُوتِرْ؛ فلا تُوتِر، لكن ماذا تصنعُ؟

الجواب : تُصلِّي في الضُّحى وِتراً مشفوعاً بركعة، فإذا كان مِن عادتك أن توتر بثلاث صلَّيتَ أربعاً، وإذا كان مِن عادتك أن توتر بخمس فصل ستاً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «كان إذا غَلَبَهُ نومٌ أَو وَجَعٌ عن قيامِ اللَّيلِ؛ صَلَّى من النَّهارِ ثِنْتَي عَشْرَةَ رَكْعةً» [(17)].

ولم يتكلم المؤلِّفُ ـ رحمه الله ـ هل الأفضل تقديمه في أول الوقت أو تأخيره؟ ولكن دلَّت السُّنَّةُ على أن مَنْ طَمِعَ أن يقوم من آخر الليل فالأفضل تأخيره؛ لأن صلاة آخر الليل أفضل وهي مشهودةً، ومن خاف أن لا يقوم أوتر قبل أن ينام.

 

وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشرَة رَكْعَةً،..........

قوله: «وأقله ركعة» يعني: أقل الوتر ركعة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الوِتْرُ رَكْعَةٌ من آخرِ اللَّيلِ» أخرجه مسلم[(18)]، وقوله : «صَلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإِذا خَشِيَ أحدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى ركعةً واحدةً تُوتِرُ له ما قد صَلَّى» وهو في «الصحيحين»[(19)] فقوله: «صَلَّى ركعةً واحدةً» يدلُّ على أن أقل الوتر ركعة واحدة، فإذا اقتصر الإنسان عليها فقد أتى بالسُّنَّةِ.

 

مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِي آخِرِهَا، وَبِتِسْعٍ يَجْلِسُ عَقِبَ الثَّامِنَةِ فَيَتَشَهَّدُ وَلاَ يُسَلِّم، ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ........

قوله: «مثنى مثنى» أي: يصليها اثنتين اثنتين.

قوله: «ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم» لقول عائشة: «كان رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي باللَّيلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكعةً، يُوتِرُ منها بواحدةٍ» وفي لفظ: «يُسلِّمُ بين كُلِّ رَكعتين، ويوتِرُ بواحدةٍ»[(20)].

فيجوزُ الوِترُ بثلاثٍ، ويجوزُ بخمسٍ، ويجوزُ بسبعٍ، ويجوزُ بتسعٍ، فإنْ أوترَ بثلاثٍ فله صِفتان كِلتاهُما مشروعة:

الصفة الأولى : أنْ يَسْرُدَ الثَّلاثَ بِتَشهدٍ واحدٍ[(21)].

الصفة الثانية : أنْ يُسلِّمَ مِن رَكعتين، ثم يُوتِرَ بواحدة[(22)].

كلُّ هذا جَاءت به السُّنةُ، فإذا فَعَلَ هذا مرَّةً، وهذا مرَّةً فَحَسَنٌ.

أمَّا إذا أوتَرَ بخمسٍ؛ فإنَّه لا يَتَشَهَّدُ إلا مرَّةً واحدةً في آخرها ويُسلِّمُ[(23)].

وإذا أوتَرَ بسبعٍ[(24)]؛ فكذلك لا يَتَشَهَّدُ إلا مرَّةً واحدةً في آخرها[(25)]. وإن تَشَهَّدَ في السَّادسة بدون سلام ثم صَلَّى السَّابعةَ وسَلَّمَ فلا بأس[(26)].

وإذا أوترَ بتسعٍ؛ تَشهَّدَ مرَّتينِ، مرَّةً في الثَّامنةِ، ثم يقومُ ولا يُسلِّمُ، ومرَّةً في التاسعة يتشهَّدُ ويُسلِّمُ[(27)].

وإنْ أوترَ بإحدى عَشْرَة، فإنه ليس له إلا صِفةٌ واحدةٌ؛ يُسلِّمُ من كُلِّ ركعتين، ويُوترُ منها بواحدة[(28)].

 

وَأَدْنَى الكَمَالِ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ بِسَلاَميْنِ يَقْرَأُ فِي الأُولى «سَبِّح»، وَفِي الثَّانِيَةِ «الكَافِرُونَ»، وَفِي الثَّالِثَةِ «الإِخْلاَصِ» ...........

قوله: «وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين» أي: أدنى الكمال في الوِتْرِ أنْ يُصلِّيَ ركعتين ويُسَلِّمَ، ثم يأتي بواحدة ويُسلِّمَ[(29)].

ويجوز أن يجعلها بسلام واحدٍ، لكن بتشهُّدٍ واحدٍ لا بتشهُّدين؛ لأنه لو جعلها بتشهُّدين لأشبهت صلاةَ المغربِ، وقد نهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن تُشَبَّهَ بصلاةِ المغربِ[(30)].

قوله: «يقرَأُ في الأُولى «سَبِّح»، وفي الثَّانيةِ «الكافرون» وفي الثالثة «الإخلاص» أي: يقرأ في الرَّكعة الأُولى مِنَ الثَّلاث سورةَ «سَبِّحِ اسمَ ربك الأعلى» كاملة، وفي الثانية «الكافرون»؛ وفي الثالثة «الإخلاص»[(31)].

وذلك بعد الفاتحة، ولم يذكره المؤلّفُ لأنَّه معلومٌ، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ.

وقوله: «الكافرون» بالواو على وَجْهِ الحِكاية؛ لأن لفظ «الكافرين» نفسِهِ لا يُقرأ، ولا يُمكن أنْ يُسَلَّطَ الفعلُ عليه. إذن؛ يُسلَّطُ الفعلُ على اسمِ هذه السُّورةِ، وهذه السُّورةُ تُسمَّى: سورةُ «الكافرون» على الحِكاية.

وقوله: «وفي الثالثة الإخلاص» وهي: «قل هو الله أحد» وسُمِّيتْ بالإخلاصِ؛ لأنَّ اللهَ أخلَصَها لنفسِه، ليس فيها شيءٌ إلا التحدُّث عن صفات الله، ولأنها تُخلِّصُ قارِئَها من الشِّرك والتَّعطيل؛ لأن الإقرارَ بها يُنافي الشِّركَ والتعطيل.

 

وَيَقْنُتُ فِيْهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ .........

قوله: «ويقنت فيها» أي: في الثالثة.

والقُنُوتُ يُطلق على معانٍ منها:

1 ـ الخُشوعُ، كما في قوله تعالى: {{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}} [البقرة: 238] وكما في قوله: {{وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}} [التحريم: 12] .

2 ـ الدُّعاءُ، كما هنا «يَقْنُتُ فيها بعد الرُّكوع» .

قوله: «بَعْدَ الرُّكُوعِ» أي: بعدَ الرُّكوعِ في الثَّالثةِ.

وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ : أنَّه يدعو بعد أن يقول: «رَبَّنَا ولك الحَمْدُ» بدون أنْ يُكمل التَّحميدَ، ولكن لو كَمَّلهُ فلا حَرَجَ؛ لأن التَّحميدَ مفتاحُ الدُّعاءِ، فإنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ على الله؛ والصَّلاةَ على نبيِّهِ صلّى الله عليه وسلّم من أسباب إجابةِ الدُّعاءِ.

وظاهر كلامه : أنَّه لا يَرفعُ يديه، وهو أحدُ قولي العُلماء، ولكن قد يُقال: إنَّ الكتابَ مُختصرٌ، وتَرَكَ ذِكْرَ رَفْعِ اليدين اختصاراً لا اعتباراً. يعني: لم يَتْرُكْ ذِكْرَه اعتباراً بأنها لا تُرفع، ولكن اقتصاراً على ذِكْرِ الدُّعاءِ فقط.

والصحيح : أنَّه يرفعُ يديه؛ لأن ذلك صَحَّ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه[(32)]. وعُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه أحدُ الخُلفاءِ الرَّاشدين الذين لهم سُنَّةٌ متَّبعةٌ بأمرِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم[(33)]، فيَرفَعُ يديهِ.

ولكن كيف يَرفعُ يديه؟

الجواب: قال العُلماءُ: يَرفعُ يديه إلى صَدرِهِ، ولا يرفَعُها كثيراً؛ لأنَّ هذا الدُّعاءَ ليس دُعاءَ ابتهالٍ يُبالِغُ فيه الإنسانُ بالرَّفْعِ، بل دُعاءُ رَغْبَةٍ، ويبسُطُ يديْهِ وبطونَهما إلى السَّماءِ. هكذا قال أصحابُنَا رحمهم الله.

وظاهر كلام أهل العلم : أنه يضمُّ اليدين بعضهما إلى بعض، كحالِ المُستجدي الذي يطلب مِن غيره أن يُعطيه شيئاً، وأمَّا التَّفْريجُ والمباعدةُ بينهما فلا أعلمُ له أصلاً؛ لا في السُّنَّةِ، ولا في كلامِ العُلماءِ.

وقوله: «فيها» أي: في الرَّكعةِ الثَّالثةِ بعد الرُّكوعِ، هذا هو الأفضلُ[(34)]، وإنْ قَنَتَ قبلَه فلا بأس، فإذا أتمَّ القِراءة قَنَتَ ثم كبَّرَ ورَكَع، فهذا جائزٌ أيضاً.

وقوله: «يقنتُ فيها» أفادنا رحمه الله: أَنَّ القنوتَ سُنَّةٌ في الوِترِ. وإلى هذا ذهب أصحابُ الإمامِ أحمدَ، وقالوا: إنه يُسَنُّ أن يَقْنُتَ في الوِترِ في كلِّ ليلةٍ.

وقال بعضُ أهل العلم: لا يقنتُ إلا في رمضان.

وقال آخرون: يَقْنُتُ في رمضان في آخرِه.

ولم يثبت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حديثٌ صحيحٌ في القُنوتِ في الوِتر. لكن؛ فيه حديث أخرجه ابنُ ماجه بسندٍ ضعيف، حسّنه بعضُهم لشواهده[(35)]: «أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَنَتَ في الوِتْرِ» [(36)]. أما الإمام أحمد فقال: إنه لم يصحَّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في القُنُوتِ في الوِترِ قبل الرُّكوع ولا بعده شيءٌ، لكن صَحَّ عن عُمرَ رضي الله عنه أنه كان يَقْنُتُ[(37)]. والمتأمِّلُ لصلاة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الليل يرى أنه لا يقنت في الوِترِ، وإنَّما يُصلِّي ركعةً يُوتِرُ بها ما صَلَّى. وهذا هو الأحسن؛ أنْ لا تداوم على قُنُوتِ الوِترِ؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكنه عَلَّمَ الحسنَ بنَ عليّ رضي الله عنه دعاءً يدعو به في قُنُوتِ الوِتْرِ[(38)]، فيدلُّ على أنَّه سُنَّةٌ، لكن ليس من فِعْلِهِ؛ بل من قَوْلِهِ، على أنَّ بعض أهل العِلْمِ أعلَّ حديث الحسن بعِلَّة، وهي أنَّ الحسن حين ماتَ الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم كان له ثمانِ سنوات، ولكن هذه العِلَّة ليست بقادحة؛ لأن مَنْ له ثمانِ سنوات يمكن أنْ يُعَلَّمَ ويُلَقَّنَ ويَحفظَ، فها هو عَمرُو بنُ سَلَمَة الجَرْمِي رضي الله عنه كان يؤمُّ قومَهُ وله سبعُ أو سِتُّ سنين؛ لأنه كان أقرأهم[(39)].

وقوله: «بعد الرُّكُوعِ» ظاهرُ كلامِ المؤلِّف: أنَّه لا يُشرعُ القُنُوت قبل الرُّكوعِ، ولكن المشهور مِن المذهب: أنَّه يجوزُ القُنُوتُ قبل الرُّكوعِ وبعد القِراءة؛ فإذا انتهى مِن قراءته قَنَتَ ثم رَكَعَ، وبعد الرُّكوعِ؛ لأنه وَرَدَ ذلك عن النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في قُنُوتِهِ في الفَرائضِ[(40)].

وعليه؛ فيكون موضعُ القُنُوتِ مِن السُّننِ المتنوِّعةِ؛ التي يَفعلُها أحياناً هكذا، وأحياناً هكذا.

 

ويقول: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيتَ،..........

قوله: «اللهم اهدني فيمن هديت» ظاهر كلامه: أنه لا يبدأُ بشيءٍ قبل هذا الدُّعاءِ، لكن الصَّحيحُ أنَّه يبدأ بقوله: «اللَّهمَّ إِنَّا نَستعينُكَ، ونَستهديكَ، ونستغِفرُكَ، ونتوبُ إليكَ، ونؤمنُ بك، ونَتوكَّلُ عليك، ونُثْنِي عليكَ الخيرَ كُلَّه، ونَشْكُرُكَ ولا نَكْفُرُكَ. اللَّهمَّ إياك نعبدُ، ولك نُصلِّي ونسجدُ، وإِليكَ نَسعَى ونَحْفِدُ، نَرجو رحمَتَكَ، ونخشى عذابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّار مُلحِق» [(41)] ثم يقول: «اللَّهمَّ اهدني فيمن هَدَيتَ» إلخ، هكذا قال الإمامُ أحمدُ رحمه الله؛ لأنه ثناءٌ على الله، والثناءُ مقدَّمٌ على الدُّعاءِ؛ لأنه فَتْحُ بابِ الدُّعاءِ.

وقوله: «اللَّهُمَّ» أصلُه: يا اللهُ، لكن حُذِفت ياءُ النِّداءِ، وعُوِّضَ عنها الميمُ وبقيت «الله»، وإنما حُذفت الياءُ لكثرةِ الاستعمالِ وعُوِّضَ عنها الميمُ للدّلالةِ عليها، وأُخِّرت للبَدَاءة باسم الله، وجُعلت ميماً للإشارة إلى جَمْعِ القلب على هذا الدُّعاءِ؛ لأن الميم تدلُّ على الجَمْعِ.

وقوله: «اهْدِني فِيمَنْ هَدَيتَ» الذي يقول: «اللَّهُمَّ اهْدِني» هو المنفردُ، أما الإمام فيقول: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا» وقد رُوي عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أمَّ قوماً فَخَصَّ نفسَه بالدُّعاءِ فقد خَانَهم» [(42)] لأنَّه إذا دعا الإمامُ فقال: «اللَّهُمَّ اهْدِني» والمأمومون يقولون: آمين؛ صار الدُّعاءُ له، والمأموم ليس له شيء، إلا أنه يؤمِّنُ على دُعاءِ الإمامِ لنفسِهِ، وهذا نوعُ خِيانةٍ.

وقوله: «اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيتَ» أي: في جُمْلة مَنْ هديتَ، وهذا فيه نوعٌ مِن التوسُّلِ بفِعْلِ الله سبحانه وتعالى، وهو هدايتُه مَنْ هَدى، فكأنَّك تتوسَّلُ إلى الله الذي هَدى غيرَك أنْ يهديَكَ في جُملتِهم، كأنَّكَ تقول: كما هَديتَ غيري فَاهْدِني.

والهداية هنا يُرادُ بها: هدايةُ الإرشاد، وهدايةُ التوفيق.

فهدايةُ الإرشادِ: ضِدّها الضَّلالُ.

وهدايةُ التوفيقِ: ضِدُّها الغَيُّ.

فأنت إذا قلتَ: «اللَّهُمَّ اهْدِني» تسألُ الله سبحانه وتعالى الهِدايتين: هدايةَ الإرشادِ وذلك بالعِلْمِ، وهدايةَ التوفيقِ وذلك بالعمل؛ لأنه ليس كلُّ مَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وليس كلُّ مَنْ عَمِلَ يكون عملُه عن عِلْمٍ وتمامٍ، فالتَّوفيقُ أن تعلَمَ وتعمَلَ.

 

وَعَافِنِي فِيْمَنْ عَافَيْتَ،..........

قوله: «وعافني فيمن عافيت» أي: في جُملةِ مَنْ عافيتَ، وهذا ـ كما قلتُ آنفاً ـ مِنَ التَّوسُّلِ إلى الله تعالى بفِعْلِه في غيرِك، فكأنَّكَ تقول: كما عافيتَ غيري فعافِني. والمعافاة: المُراد بها المعافاةُ في الدِّين والدُّنيا، فتشملَ الأمرين: أنْ يعافيكَ مِنْ أسقام الدِّين، وهي أمراضُ القلوب التي مدارُها على الشَّهوات والشُّبُهاتِ، ويعافيك من أمراضِ الأبدان، وهي اعتلال صِحَّةِ البَدَنِ.

والإنسانُ مُحتاجٌ إلى هذا وإلى هذا، وحاجتُه إلى المُعافاةِ مِن مَرَضِ القلبِ أعظمُ مِن حاجتِهِ إلى المُعافاةِ مِن مَرَضِ البَدَنِ. ولهذا؛ يجبُ علينا أنْ نُلاحِظَ دائماً قلوبَنَا، وننظُرَ: هل هي مريضةٌ أو صحيحةٌ؟ وهل صَدِئتْ أو هي نظيفةٌ؟ فإذا كنت تنظِّفُ قلبَكَ دائماً في معاملتِكِ مع الله، وفي معاملتِكِ مع الخَلْقِ؛ حَصَّلتَ خيراً كثيراً، وإلا؛ فإنَّكَ سوف تَغْفُلُ، وتَفْقِدُ الصِّلةَ بالله، وحينئذٍ يَصْعُبُ عليكَ التراجعُ.

فحافظْ على أنْ تُفتِّشَ قلبَكَ دائماً، فقد يكون فيه مَرَضُ شُبْهةٍ أو مَرَضُ شهوةٍ، وكلُّ شيءٍ ولله الحمدُ له دَواءٌ، فالقرآن دواءٌ للشُّبُهاتِ والشَّهواتِ، فالترغيبُ في الجَنَّةِ والتحذيرُ مِن النَّارِ دواءُ الشَّهواتِ.

وأيضاً: إذا خِفْتَ أنْ تميلَ إلى الشَّهواتِ في الدُّنيا التي فيها المُتْعَةُ؛ فتذكَّرْ مُتْعَةَ الآخرة.

ولهذا كان نبيُّنَا صلّى الله عليه وسلّم إذا رأى ما يعجِبُه مِن الدُّنيا قال: «لبيَّكَ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرةِ» [(43)] فيقول: «لبيَّكَ» يعني: إجابةً لك، مِن أجلِ أنْ يكبَحَ جِمَاحَ النَّفْسِ؛ حتى لا تغترَّ بما شاهدت مِن مُتَعِ الدُّنيا، فَيُقبل على الله، ثم يوطِّن النَّفسَ ويقول: «إن العَيْشَ عَيْشُ الآخرة» لا عيشُ الدُّنيا. وصَدَقَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، والله؛ إنَّ العيشَ عيشُ الآخِرةِ، فإنه عيشٌ دائمٌ ونعيمٌ لا تنغيصَ فيه، بخِلافِ عيشِ الدُّنيا فإنه ناقصٌ منغَّصٌ زائِلٌ.

وأما دواءُ القُلوبِ مِن أمراضِ الشُّبُهَاتِ؛ فالقُرآنُ كلُّه بيانٌ وفُرقانٌ تزولُ به جميعُ الشُّبهاتِ، فكتابُ الله كلُّه مملوءٌ بالعِلْمِ والبيانِ الذي يزولُ به داءُ الشُّبهاتِ، ومملوءٌ بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ الذي يَزولُ به داءُ الشَّهواتِ، ولكنَّنا في غَفْلةٍ عن هذا الكتاب العزيز؛ الذي كلُّه خيرٌ، وكذلك ما في السُّنَّةِ المطهَّرَةِ الثابتةِ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.

أما عافيةُ الأبدانِ، فَطِبُّهَا نوعان:

النوع الأول : طِبٌّ جاءت به الشَّريعةُ، فهو أكملُ الطِّبِّ وأوثقُهُ؛ لأنه مِن عند الله الذي خَلَقَ الأبدانَ؛ وعَلِمَ أدواءَها وأدويتَها، والطِّبُّ الذي جاءت به الشريعة ضربان:

الأول : طب مادي، كقول الله تعالى في «النحل»: {{يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}} [النحل: 69] وكقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الحَبَّةِ السَّوداءِ «إنها شفاء من كل داء إلا السام»[(44)] يعني: الموتَ، وكقوله صلّى الله عليه وسلّم في الكَمْأَةِ: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ وماؤُهَا شِفاءٌ للعَيْنِ» [(45)] وأمثالُ ذلك، وكلُّ هذا طِبٌّ ماديٌّ قرآنيٌّ ونبويٌّ.

الضرب الثاني : طِبٌّ معنويٌّ رُوحيٌّ: وذلك بالقِراءة على المَرضى، وهذا قد يكون أقوى وأسرعَ تأثيراً، انظر إلى رُقيَةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمَرضَى، تَجِدُ أنَّ المريضَ يُشفى في الحَالِ، فإنَّه لما قال في يوم خيبر: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ غداً رَجلاً يَفْتحُ اللهُ على يَدَيْه، يُحِبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ» باتَ النَّاسُ تلك الليلة يخوضون في هذا الرَّجُلِ؟ فلما أصبحوا غَدَوا إلى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كلُّ واحدٍ متشوِّفٍ لها؛ لأنه سوف ينالُ هذا الوصف، وهو أنَّه «يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه» فقال: أين عليُّ بنُ أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه، فدعا به فجيء به فبصَقَ في عينيه، ودعا له فبَرِىءَ في الحال؛ كأنْ لم يكن به أثرٌ؛ فأعطاه الرَّايةَ[(46)].

وكذلك أيضاً في قِصَّةِ السَّرِيَّةِ الذين استضافوا قوماً فلم يُضيِّفُوهم فتنحُّوا ناحيةً، فقدَّرَ اللهُ عزّ وجل أنْ تلدغَ عقربٌ زعيمَ هؤلاء القومِ الذين أَبَوا أن يضيِّفُوا الصَّحَابة، فلما لُدِغَ قالوا: مَنْ يرقي؟ قال بعضُهم لبعضٍ: انظروا الجماعةَ ـ الذين نزلوا عليكم ضيوفاً، ولم تضيِّفوهم ـ لعلَّ فيهم قارئاً، فذهبوا إليهم، فقالوا: نعم؛ فينا مَنْ يقرأُ، لكن لقد استضفناكم فلم تضيِّفُونا؛ فما نقرأُ عليكم إلا بجُعْلٍ، فجعلوا لهم قطيعاً مِنَ الغَنَمِ، فذهب أحدُهم يَتْفُلُ؛ ويقرأ على هذا اللَّديغِ سورةَ الفاتحة فقط يكرِّرُها، فقامَ اللَّديغُ الذي لدغته عقربٌ كأنما نَشِطَ من عِقَالٍ، فلما غدوا إلى رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وأخبروه فقال للقارئ: «وما يُدْرِيكَ أَنَّها رُقيةٌ» [(47)]. وهذا طِبٌّ نبويٌّ، لكنَّه معنويٌّ بالقِراءة، وما أكثرُ الذين نشاهدهم ونسمعُ بهم يُؤثِّرونَ تأثيراً بالغاً في المرضى، أشدَّ من تأثير الطِّبِّ الماديِّ الذي يُدركُ بالتَّجاربِ.

النوع الثاني : طِبٌّ ماديٌّ يُعرفُ بالتَّجاربِ، وهو ما يكون على أيدي الأطبَّاءِ، سواء درسوا في المدارس الرَّاقيةِ وعرفوا، أو أخذوه بالتَّجارب، لأنه يوجد أُناسٌ من عامَّة النَّاس يُجْرُون تَجَارِبَ على بعض الأعشاب، ويحصُل منها فائدةٌ، ويكونون بذلك أطبَّاءَ بدون دراسة؛ لأن هذا يُدرك بالتَّجَاربِ.

 

وَتَوَلَّنِي فِيمَن تَوَلَّيتَ ...........

قوله: «وتولني فيمن توليت» هل هي من «الوَلي» بفتح الواو، وسكون اللام مخفَّفة، بمعنى القُرب. أو هي من التَّولِّي بمعنى الولاية والنُّصرة. أو هي منهما جميعاً؟

الجواب : هي منهما جميعاً، فعلى المعنى الأوَّل: اجعلني قريباً منك، كما يُقال: وليَ فلانٌ فلاناً، وقال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «ليلنِي منكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهَى» [(48)] أي: مِنَ الوَلْي، وهو القُرْبُ.

وعلَى المعنى الثاني: اعْتَنِ بي فكن لي وَلِيًّا وناصراً ومعيناً لي في أموري، فيشمَل الأمرين، وإنْ كان المُتبادر إلى الذِّهن أنه مِنَ الموالاة وهي النُّصرةِ.

والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصَّة؛ لأنَّ الولايةَ العامَّةَ شاملةٌ لكلِّ أحدٍ مؤمنٍ وكافرٍ؛ بَرٍّ وفاجرٍ، فكلُّ أحدٍ فاللهُ تعالى مولاه، قال الله تعالى: {{ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ *}} [الأنعام] فقوله: {{رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ}} يشمَلُ كلَّ مَنْ ماتَ مِن مؤمنٍ وكافرٍ، وبَرٍّ وفاجرٍ، وهذه هي الوِلاية العامَّة؛ لأن الله يتولَّى شؤون جميع الخَلْقِ.

أما الوِلاية الخاصَّة فهي المذكورة في قوله تعالى: {{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا}} [البقرة: 257] وفي قوله: {{أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *}} [يونس] والسَّائل الذي قال: «تولَّني فِيمَنْ تولَّيتَ» يريد الولاية الخاصَّة.

 

وَبَارِكْ لِي فِيْمَا أَعْطَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيْمَنْ تَوَلَّيْتَ،.............

قوله: «وبارك لي فيما أعطيت» أي: أنزل البركةَ لي فيما أعطيتني مِنَ المال، والعِلْمِ، والجاه، والولد، ومِنْ كُلِّ ما أعطيتني {{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}} [النحل: 53] إذاً؛ باركْ لي في جميع ما أنعمتَ به عليَّ، وإذا أنزل اللهُ البركةَ لشخص فيما أعطاه صار القليلُ منه كثيراً، وإذا نُزعت البركةُ صار الكثيرُ قليلاً، وكم مِن إنسانٍ يجعلُ اللهُ على يديه مِنَ الخير في أيامٍ قليلة ما لا يجعلُ على يدِ غيرِه في أيَّام كثيرةٍ؟، وكم مِن إنسانٍ يكون المالُ عنده قليلاً لكنه متنعِّمٌ في بيته، قد بارك اللهُ له في مالِهِ، ولا تكون البركةُ عند شخصٍ آخرَ أكثرَ منه مالاً؟ وأحياناً تُحِسُّ بأن الله باركَ لك في هذا الشيء بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلةً.

 

وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ ........

قوله: «وقِنِي شَرَّ ما قضيتَ» ما قَضَاهُ الله عزّ وجل قد يكون خيراً، وقد يكون شرًّا، فما كان يُلائمُ الإنسانَ وفِطرتَه فإن ذلك خير، وما كان لا يُلائِمه فذلك شرٌّ، فالصِّحَّةُ والقوةُ والعِلْمُ والمالُ والولدُ الصَّالحُ وما أشبه ذلك خير، والمَرَضُ والجهل والضَّعف والولد الطالحُ وما أشبه ذلك شرٌّ؛ لأنه لا يُلائم الإنسانَ.

وقوله: «ما قضيت» «ما» هنا بمعنى الذي، أي: الذي قضيتُه، ويجوز أن تكون مصدريَّة، أي: شَرَّ قضائِكَ.

والمراد: قضاؤه الذي هو مقضيَّه؛ لأن قضاءَ الله الذي هو فِعْلُه كلُّه خير. وإنْ كان المقضيُّ شرًّا؛ لأنه لا يُراد إلا لحكمةٍ عظيمةٍ، فالمرضُ مثلاً قد لا يَعرفُ الإنسانُ قَدْرَ نِعمة الله عليه بالصِّحَّة إلا إذا مَرِضَ، وقد يُحْدِثُ له المرضُ توبةً ورجوعاً إلى الله، ومعرفةً لِقَدْرِ نفسِهِ، وأنه ضعيفٌ، ومُحتاجٌ إلى الله عزّ وجل، بخلاف ما لو بقيَ الإنسانُ صحيحاً معافى، فإنه قد ينسى قَدْرَ هذه النِّعمة، ويفتخرُ كما قال الله تعالى: {{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ *وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ *}} [هود] .

فإن قال قائلٌ: كيف نجمعُ بين قوله: «قِني شرَ ما قضيتَ» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «والشرُّ ليس إليكَ» [(49)]؟.

فالجواب عن ذلك : أنَّ الشَّرَّ لا يُنسب إليه تعالى؛ لأن ما قضاه وإنْ كان شرًّا فهو خير، بخلاف غيره، فإن غيرَ الله رُبَّما يقضي بالشَّرِّ لشرٍّ محضٍ، فربما يعتدي إنسانٌ على مالكَ أو بدنكَ أو أهلكَ لقصد الشَّرِّ والإضرار بك، لا لقصدِ مصلحتِكَ، وحينئذٍ يكون فِعْلُهُ شرًّا محضاً.

وفي قوله: «ما قضيتَ» إثباتُ القضاءِ لله.

وقضاءُ الله: شرعيٌّ، وقَدَريٌّ.

فالشَّرعيُّ مثل قوله تعالى: {{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}} [الإسراء: 23] .

والقدريُّ مثل قوله تعالى: {{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا *}} [الإسراء] والفَرْقُ بينهما مِن وجهين:

الوجه الأول : أنَّ القضاءَ الكونيَّ لا بُدَّ مِن وقوعِهِ، وأما القضاءُ الشَّرعيُّ فقد يقع مِن المقضيِّ عليه وقد لا يقعُ.

الوجه الثاني : أنَّ القضاءَ الشَّرعيَّ لا يكون إلا فيما أحبَّه الله، سواءٌ أحبَّ فِعْلَه أو أحبَّ تَرْكَهُ، وأما القضاءُ الكونيُّ فيكون فيما أحبَّ وفيما لم يحبَّ:

وقوله: «ما قضيت» يشمَلُ ما قضاه مِن خيرٍ وشرٍّ.

فإن قيل: وهل في الخير من شرٍّ؟

فالجواب: نعم؛ قد يكون فيه شرٌّ، فتكون النِّعَمُ سبباً للأَشَرِ والبَطَرِ؛ فتنقلبُ شرًّا، فكم من إنسانٍ كان مستقيماً؛ أنعمَ اللهُ عليه، فحملته النِّعَمُ على الاستكبار عن الحقِّ وعلى الخَلْقِ فهَلك. واقرأْ قول الله تعالى: {{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}} [الأنبياء: 35] .

 

إِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ ......

قوله: «إنكَ تَقضي ولا يُقضى عليك» فالله سبحانه وتعالى يَقضي بما أرادَ، ولا أحدٌ يَقضي على الله ويَحكمُ عليه، قال الله تعالى: {{وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *}} [غافر] .

قوله: «إِنَّهُ لا يَذِلُّ من وَالَيْتَ» أي: لا يلْحَقُ مَنْ واليتَهُ ذُلٌّ وخُذلان، والمراد: الولاية الخاصَّة المذكورة في قوله تعالى: { ؤ إ ئ ا ب ة ت ث ج ح ژ پ!{ ! خ د ذ ر }.

قوله: «ولا يَعِزُّ مَنْ عاديت» أي: لا يَغلِبُ مَنْ عاديته، بل هو ذليلٌ؛ لأَنَّ مَنْ والاه الله فهو منصورٌ، كما قال الله تعالى: {{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ *}} [غافر] وقال الله تعالى: {{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ *}} [الحج] وأمَّا مَنْ عاداه اللهُ فهو ذليلٌ؛ لأنَّ الله إذا نَصَرَ أولياءَه فعلى أعدائه. إذاً؛ فالعِزُّ للأولياءِ، والذُّلُّ للأعداء.

فإنْ قال قائلٌ: هل هذا على عُمُومِهِ، لا يَذِلُّ مَنْ وَالاه الله، ولا يَعِزُّ مَنْ عاداه؟

فالجواب: ليس هذا على عُمُومه، فإنَّ الذُّلَّ قد يعرِضُ لبعض المؤمنين، والعِزُّ قد يعرِضُ لبعض المشركين، ولكنَّه ليس على سبيل الإدالة المطلقة الدَّائمة المستمرَّة، فالذي وقع في أُحُدٍ للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابِهِ لا شَكَّ أنَّ فيه عِزًّا للمشركين، ولهذا افتخروا به فقالوا: يومٌ بيومِ بَدْرٍ، والحربُ سِجَالٌ[(50)]، ولا شَكَّ أنه أصابَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابَه من الجراح والضَّعف ما لم يسبق مِن قبلُ، ولكن هذا شيءٌ عارضٌ ليس عِزًّا دائماً مطَّرِداً للمشركين، وليس ذُلًّا للمؤمنين على وجه الدَّوام والاستمرار، وهذا فيه مصالح عظيمة كثيرة ذَكَرَها اللهُ تعالى في سورة «آل عمران»، واستوعبَ الكلامَ عليها ابنُ القيم رحمه الله في «زاد المعاد»[(51)] في فِقْهِ هذه الغزوة، وذَكَرَ فوائدَ عظيمةً مِن هذا الذي حصَل للنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.

إذاً؛ فقوله: «لا يذلُّ مَنْ واليتَ ولا يَعِزُّ مَنْ عَاديتَ»، لنا أنْ نقول: هذا ليس على عُمُومه، ويُخصَّص بالأحوال العارضة، ولنا أن نقول: إنه عامٌّ؛ باقٍ على عُمُومه لا يُخصَّص منه شيء، لكنه عامٌّ أُريد به الخُصوص، يعني: أنَّ المراد: لا يَذِلُّ ذُلًّا دائماً، ولا يَعِزُّ عِزًّا دائماً.

 

تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ،...........

قوله: «تباركت رَبَّنَا» التقدير: تباركتَ يا رَبَّنَا، والبركة: كثرةُ الخير وسعته. مشتقٌّ من «بِرْكَةَ الماء» وهي حوض الماء الكبير ومعنى التَّبارك في الله عزّ وجل: أنه سبحانه وتعالى عظيمُ البَركة واسعها، ومنزِّلُ البَرَكة، وأن بذِكْرِه تحصُلُ البَرَكةُ، وباسمِهِ تحصُلُ البركةُ، ولذلك نجد أن الرَّجُل لو قال على الذَّبيحة: «بسم الله» صارت حلالاً، ولو لم يقل: «بسم الله» صارت حراماً، ولو قال: «بسم الله» على وُضُوئه صار صحيحاً، ولو لم يقل: «بسم الله» صار غيرَ صَحيح عند كثير من أهل العِلْمِ.

وإنْ كان الصَّحيح أنَّ التَّسمية في الوُضُوء لا تجب، لكن على القول بأنها واجبة إذا تَركَها عمداً لم يصحَّ وُضُوؤه[(52)].

وقوله: «رَبَّنَا» أي: يا ربَّنا، وحُذِفَت «ياء النداء» لسببين:

1 ـ لكثرة الاستعمال.

2 ـ وللتَّبرُّك بالبَدَاءَة باسم الله عزّ وجل.

وقوله: «رَبَّنا» اسم من أسماء الله: يأتي مضافاً أحياناً كما هنا وكما في قوله تعالى: {{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}} [الزخرف: 82] ويأتي غير مضاف مُحَلاًّ بأل؛ مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فأمَّا الرُّكوع فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ» [(53)] وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «السِّواك مطهرةٌ للفَمِ مرضاةٌ للرَّبِّ» [(54)].

قوله: «تعاليت» من التَّعالي وهو العُلو، وزِيدت التَّاء للمبالغة في عُلوه.

وعُلوُّ الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: عُلوِّ الذِّات، وعُلوِّ الصِّفَة.

فأما عُلوُّ الذَّات فمعناه: أنَّ الله نَفْسَهُ فوقَ كُلِّ شيء.

وأمَّا عُلوُّ الصِّفة فمعناه: أنَّ الله تعالى موصوفٌ بكلِّ صفاتٍ عُليا.

أما الأول : فقد أنكره حُلولية الجهمية وأتباعهم الذين قالوا: إنَّ الله في كُلِّ مكان بذاته، وأنكره أيضاً الغالون في التَّعطيل حيث قالوا: إنَّ الله ليس فوقَ العالم ولا تحتَ العالم، ولا يمينَ ولا شِمالَ، ولا أمامَ ولا خلفَ، ولا متَّصل ولا منفصل إذاً هي عَدَمٌ!

ولهذا أنكر محمودُ بن سُبُكْتِكين[(55)] رحمه الله على مَنْ وَصَفَ اللهَ بهذه الصِّفَة، وقال: هذا هو العَدَمُ[(56)]. وصَدَق؛ فهذا هو العَدم.

أمَّا أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة، فقالوا: إنَّ الله سبحانه وتعالى فوقَ كُلِّ شيءٍ بذاتِهِ.

واستدلُّوا لذلك بأدلةٍ خمسة: الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، والعقلِ، والفِطْرَةِ.

فالكتاب: كلُّ ما يمكن مِن أجناس الأدلَّةِ فهي موجودة في إثبات عُلوِّ الله.

فتارة بلفظ العُلوِّ مثل: {{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *}} [الأعلى] .

وتارة بلَفْظِ الفَوقيَّةِ مثل: {{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}} [الأنعام: 18] .

وتارة بذِكْرِ عُروجِ الأشياء وصُعُودِها إليه مثل: {{تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}} [المعارج: 4] وقوله: {{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}} [فاطر: 10] .

وتارة بنزول الأشياء منه كقوله تعالى: {{يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ}} [السجدة: 5] .

وأمَّا السُّنَّة: فقد اجتمع فيها أنواع السُّنَّة الثَّلاثة: القولُ، والفِعْلُ، والإقرارُ.

أما القول: فكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في سجوده: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» [(57)].

وأما الفعل: فإنه لما خَطَبَ النَّاسَ يومَ عَرَفَة، فقال: «ألا هل بَلَّغْتُ، قالوا: نعم، قال: اللَّهُمَّ فاشهدْ، يرفعُ إصبَعَهُ السَّبَّابَةَ إلى السَّماء ويَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ» [(58)] وهذا إثبات للعلوِّ بالفعل.

وأما إقراره: فبإقراره للجَارية حين سألها: «أينَ اللهُ؟» قالت: في السَّماءِ [(59)].

وأما الإِجماع: فإن السَّلف من الصَّحابة والتَّابعين، والأئمة كلّهم مجمعون على هذا، وطريق إجماعهم أنهم لم يَرِدْ عنهم صَرْفٌ للكلام عن ظاهره فيما ذُكْرِ مِن أدلَّة العُلوِّ، وقد مَرَّ علينا أن هذا طريق جيد، وهو أنه إذا قال لك قائل: مَنِ الذي يقول إنهم أجمعوا؟ فمن قال: إنَّ أبا بكر ذَكَر أن الله في العُلوِّ بذاته؟ ومَنْ قال: إنَّ عُمَرَ قال هذا؟ ومَنْ قال: إنَّ عثمانَ قال هذا؟ ومَنْ قال: إنَّ علياً قال هذا؟

فالجواب : أنه لمّا لم يَرِدْ عنهم ما يُخالف النُّصوصَ، عُلِمَ أنهم أثبتوها على ظاهرها.

وأما العقل : فلأننا نقول: إنَّ العلوَّ صفةُ كمالٍ، وضِدَّه صفة نقص، واللهُ منزَّهٌ عن النَّقص، وهو من تمام السُّلطان، ولهذا نَجِدُ في الدُّنيا أنَّ الملوك يُوضع لهم منصَّة يجلسون عليها.

وأما الفِطرة : فَحَدِّثْ ولا حَرَجٌ، فالعجوز التي لا تعرف القرآن قراءة تامةً، ولا تعرف السُّنَّة، ولا راجعت «فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ولا غيره من كتب السَّلف تعرف أنَّ اللهَ في السَّماء، وكلُّ المسلمين إذا دعوا اللهَ يرفعون أيديَهُمْ إلى السَّماء، لا أحدَ من النَّاس يقول: اللهم اغفِرْ لي، ويحطُّ يديه إلى الأرض أبداً.

ولهذا احتجَّ بهذه الفِطرةِ الضَّروريةِ الهَمَذانيُّ على أبي المعالي الجُوَيني، فقد كان أبو المعالي الجُوينيُّ يقول: كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرُه، وهو الآن على ما كان عليه. يريد بذلك أن يُنكرَ استواءَ اللهِ على العرش.

فقال له أبو جعفر الهَمَذانيُّ رحمه الله: يا شيخُ، دعنا من ذِكْرِ العرش ـ لأن استواء الله على العرش دليله سَمْعِيٌّ، لولا أن الله أخبرنا بذلك ما أثبتناه ـ فما تقول في هذه الضَّرورة؛ ما قال عارف قطُّ: «يا اللهُ» إلا وَجَدَ مِنْ قلبه ضرورةً بطلب العُلوِّ؟ فجعل أبو المعالي يضرِبُ على رأسه، ويقول: «حَيَّرني حَيَّرني»[(60)]. ما لقي جواباً على هذا لأن هذا دليلٌ فِطريٌّ.

حتى إنَّ الحيوان مفطورٌ على ذلك؛ كما يُروى في قِصَّة سليمان عليه الصَّلاة والسَّلام حين خَرَجَ يستسقي، وإذا بنَمْلَةٍ مستلقيةٍ على ظهرها؛ رافعةٍ قوائمَها نحوَ السماءِ تقول: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكِ، ليس بنا غِنًى عن رِزْقِكِ، فقال: ارْجِعُوا فقد سُقيتُم بدعوةِ غيرِكم[(61)]، وسُقوا بدعوة هذه النَّملة.

فهذه النَّملةُ مَنِ الذي أعلمها أنَّ الله في السَّماء؟

فطرتُها التي فَطَرَ اللهُ عليها الخَلْقَ دلَّتها على أنَّ اللهَ في السَّماء.

والعجب : أنَّه مع ظهور هذه الأدلَّةِ؛ فقد أعمى اللهُ عنها بصائرَ قومٍ؛ فأنكروا عُلوَّ الله، وقالوا: لا يمكن عُلوُّ الله بذاته... فأيُّ إنسانٍ يقول: إنَّ اللهَ بذاتِهِ فوق كلِّ شيءٍ فهو كافرٌ عندهم! لأنه حَدَّدَ الله.

والذي يقول: إن اللهَ فوقُ، هل هو محدِّدٌ لله؟ أبداً؛ فهو فوقُ ولم يُحطْ به شيءٌ، والذي يُحدِّد الله هو الذي يقول: إنَّ الله في كلِّ مكان، إنْ كنت في المسجد فاللهُ في المسجد، وإن كنت في السُّوق فاللهُ في السُّوق، وهكذا.

أما قولُ أهلِ السُّنَّة: إنَّ الله في السَّماء؛ لا يُحيطُ به شيء مِن مخلوقاته. فهذا غايةُ التَّنزيه.

أمَّا عُلوُّ الصِّفة فدليلُه قوله تعالى: {{وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى}} [النحل: 60] أي: الوصف الأكمل، وهذا دليل سمعيٌّ.

وأما العقل: فلأن العقل يقطع بأن الرَّبَّ لا بُدَّ أن يكون كاملَ الصِّفات.

 

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ..........

قوله: «أعوذ برضاك مِن سَخَطك» هذا من باب التَّوسُّل برضاء الله أنْ يُعيذك مِن سَخَطِهِ، فأنت الآن استجرت مِن الشَّيء بضدِّه، فجعلت الرِّضاءَ وسيلةً تتخلَّصُ به من السُّخط.

قوله: «وبعفوك مِن عقوبتك» الحديث: «وبمعافاتك من عقوبتك»[(62)].

والمعافاة هي: أنْ يعافيكَ اللهُ مِن كُلِّ بَلِيَّة في الدِّين، أو في الدُّنيا، وضِدُّ المعافاة: العقوبةُ، والعقوبةُ لا تكون إلا بذَنْبٍ، وإذا استعذت بمعافاة الله مِن عقوبته، فإنك تستعيذُ مِن ذنوبك حتى يعفوَ اللهُ عنك، إما بمجرَّدِ فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التَّوبة.

والتعوُّذ بالرضا من السُّخط، وبالمعافاة مِن العقوبة، تعوُّذ بالشيء مِن ضِدِّه، كما أن معالجة الأمراض تكون بأدوية تضادُّها.

 

وَبِكَ مِنْكَ............

قوله: «وبك منك» لا يمكن أن تستعيذ مِنَ الله إلا بالله، إذ لا أحدَ يُعيذك مِن اللهِ إلا اللهُ، فهو الذي يُعيذني مما أرادَ بي مِن سوءٍ، ومعلومٌ أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يريد بك سوءاً، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله، وأنَّ الإنسان يُقِرُّ بقلبه ولسانِهِ أنه لا مرجعَ له إلا رَبُّهُ سبحانه وتعالى.

 

لاَ نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، ..........

قوله: «لا نحصي ثناء عليك» أي: لا نُدْرِكُهُ، ولا نبلغُه، ولا نصلُ إليه.

والثناء هو: تَكْرَارُ الوصف بالكمال، ودليلُ ذلك: قوله تعالى في الحديث القُدسيِّ: «إذا قال العبدُ: الحمدُ لله رَبِّ العالمين. قال اللهُ تعالى: حَمَدَني عبدي. وإذا قال العبدُ: الرَّحمن الرحيم. قال اللهُ تعالى: أثنى عَلَيَّ عبدي» [(63)] فلا يمكن أن تُحصي الثناءَ على الله أبداً، ولو بقيت أبد الآبدين، وذلك لأن أفعال الله غير محصورة، وكلُّ فعلٍ مِن أفعال الله فهو كمالٌ، وأقوالُه غيرُ محصورة، وكلُّ قولٍ من أقواله فهو كمالٌ، وما يدافع عن عباده أيضاً غير محصور. فالثناءُ على الله لا يمكن أنْ يَصِلَ الإنسانُ منه إلى غاية ما يجب لله مِنَ الثَّناء؛ مهما بلغ مِنَ الثَّناء على الله.

وغايةُ الإنسان أنْ يعترفَ بالنَّقص والتقصيرِ، فيقول: «لا أُحصِي ثناءً عليكَ؛ أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك» أي: أنت يا رَبَّنَا كما أثنيت على نفسِكَ، أمَّا نحنُ فلا نستطيع أنْ نحصيَ الثَّناءَ عليك. وفي هذا مِنَ الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهرٌ معلومٌ.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ...........

قوله: «اللهم صل على محمد» أي: يختم الدُّعاء بالصَّلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن ذلك مِنْ أسباب الإجابةِ؛ كما يُروى ذلك في حديثٍ فيه مقال: أنَّ الدُّعاءَ موقوفٌ بين السَّماء والأرض حتى تُصلِّي على نَبيِّكِ[(64)].

وظاهرُ كلامِ المؤلِّف : الاقتصارُ على هذا الدُّعاء. ولكن لو زاد إنسانٌ على ذلك فلا بأس، لأنَّ المقامَ مقامُ دُعاءٍ، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنتُ بلعن الكافرين، فيقول: اللَّهُمَّ الْعَن الكفرة» [(65)] وفي هذا ما يدلُّ على أن الأمر في ذلك واسع.

وأيضاً: لو فُرِضَ أنَّ الإنسان لا يستطيع أنْ يدعوَ بهذا الدُّعاءِ؛ فله أنْ يدعوَ بما يشاء مما يحضره. ولكن إذا كان إماماً فلا ينبغي أن يطيلَ الدُّعاء بحيث يشقُّ على مَن وراءَه أو يملُّهم، إلا أن يكونوا جماعة محصورةً يرغبون ذلك.

وصلاةُ اللهِ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: الثناءُ عليه في الملأ الأعلى. أي: أن الله تعالى يُبيِّنُ صفاته الكاملة عند الملائكة. هكذا نُقل عن أبي العالية[(66)] رحمه الله.

قوله: «وعلى آل محمد» آله: أتباعُه على دِيْنِهِ؛ لقوله تعالى: {{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}} [غافر: 46] أي: أتباعه على دِيْنِهِ. فإن قيل: وعلى آلِهِ وأتباعِهِ، صار المرادُ بالآل المؤمنين مِن أهل بيته، وأمَّا غيرُ المؤمنين فليسوا مِن آلِهِ، وقد قال الشَّاعرُ مبيِّناً أنَّ المرادَ بالآل الأتباع:

آلُ النَّبيِّ همو أتباعُ مِلَّتِهِ

مِن الأعاجم والسُّودان والعَرب

لو لم يكن آلهُ إلا قرابتُه

صَلَّى المصلِّي على الطَّاغي أبي لهب

قوله: «ويمسح وجهه بيديه» . ظاهرُ كلام المؤلِّف : أنَّه سُنَّة، أي: أنَّ مَسْحَ الوجه باليدين بعد دُعاء القُنُوت سُنَّة.

ودليل ذلك: حديث عُمَرَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رَفَعَ يديه لا يردُّهما حتى يمسح بهما وجهَهُ[(67)]. لكن هذا الحديث ضعيف، والشَّواهد التي له ضعيفة، ولهذا رَدَّ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية هذا القول، وقال: إنه لا يمسحُ الدَّاعي وجهه بيديه[(68)]؛ لأن المسحَ باليدين عبادة تحتاج إلى دليل صحيح، يكون حُجَّةً للإنسان عند الله إذا عمل به، أما حديث ضعيف فإنه لا تثبت به حُجَّة، لكن ابن حَجَر في «بلوغ المرام» قال: «إن مجموع الأحاديث الشاهدة لهذا تقضي بأنه حديث حسن»[(69)].

فَمَن حَسَّنَه كان العملُ بذلك سُنَّة عنده، ومَن لم يُحَسِّنُه بل بقي ضعيفاً عنده كان العملُ بذلك بدعة، ولهذا كانت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة:

القول الأول : أنه سُنَّة.

القول الثاني : أنه بدعة.

القول الثالث : أنه لا سُنَّة ولا بدعة، أي: أنَّه مباح؛ إنْ فَعَلَ لم نُبدِّعه، وإنْ تَرَك لم نُنقِصْ عَمَله.

والأقرب: أنه ليس بسُنَّة؛ لأنَّ الأحاديثَ الواردة في هذا ضعيفة، ولا يمكن أنْ نُثبتَ سُنَّة بحديث ضعيف، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن فيه أحاديث كثيرة في «الصحيحين» وغيرهما تثبت أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يدعو ويرفع يديه[(70)] ولا يمسحُ بهما وجهه، ومثل هذه السُّنَّة التي تَرِدُ كثيراً؛ وتتوافر الدَّواعي على نَقْلِها إذا لم تكن معلومةً في مثل هذه المؤلَّفات المعتبرة كالصحيحين وغيرهما، فإن ذلك يَدلُّ على أنها لا أصل لها.

وعلى هذا؛ فالأفضل أنْ لا يمسح، ولكن لا نُنكرُ على مَن مَسَحَ اعتماداً على تحسين الأحاديثِ الواردة في ذلك؛ لأنَّ هذا مما يختلف فيه النَّاسُ.

 

وَيُكْرَهُ قُنُوْتُهُ فِي غَيْرِ الوِتْرِ ..........

قوله: «ويُكره قنوته» أي: المصلِّي، والمراد: القُنُوت الخاصّ لا مطلق الدُّعاء، فإنَّ الدُّعاء في الصَّلاة مشروع في مواضعه.

قوله: «في غير الوتر» يشمَلُ القُنُوت في الفرائضِ، والرَّواتبِ، وفي النَّوافل الأُخرى، فكلُّها لا يَقْنُتُ فيها مهما كان الأمرُ؛ وذلك لأنَّ القُنُوتَ دُعاءٌ خاصٌّ في مكانٍ خاصٍّ في عبادةٍ خاصَّةٍ، وهذه الخصوصيات الثلاث تحتاج إلى دليل، أي: أنها لا تدخل في عموم استحباب الدُّعاء، فلو قال قائل: أليس القُنُوت دُعاء فليكن مستحبًّا؟..

فالجواب : نقول: هو دعاءٌ خاصٌّ في مكان خاصٍّ في عبادة خاصَّة، ومثل هذا يحتاج إلى دليل، فإنَّ الشيءَ الذي يُستحبُّ على سبيل الإطلاق لا يمكن أنْ تجعله مُستحبًّا على سبيل التَّخصيص والتقييد إلا بدليل. ولهذا لو قال قائل: سأدعو في ليلةِ مولدِ الرَّسولِ صلواتٍ على الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بأدعية واردة جاءت بها السُّنَّةُ؟

قلنا: لا تفعلْ؛ لأنك قيَّدت العامَّ بزمنٍ خاصٍّ، وهذا يحتاج إلى دليل، فليس كُلُّ ما شُرع على سبيل العُموم يمكن أنْ نجعله مشروعاً على سبيل الخُصوص.

ومِن ثَمَّ قلنا: إنَّ دُعاء خَتْمِ القرآن في الصَّلاة لا شَكَّ أنه غير مشروع؛ لأنه وإنْ وَرَدَ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يجمعُ أهلَه عند خَتْمِ القُرآن ويدعو [(71)]، فهذا خارجُ الصَّلاة، وفَرْقٌ بين ما يكون خارجَ الصلاة وداخلها، فلهذا يمكن أنْ نقول: إنَّ الدُّعاء عند خَتْمِ القرآن في الصَّلاة لا أصلَ له، ولا ينبغي فِعْلُه حتى يقومَ دليلٌ مِن الشَّرعِ على أنَّ هذا مشروعٌ في الصَّلاة.

 

إِلاَّ أَنْ تَنْزِلَ بِالمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ غَيْرَ الطَّاعُونَ، فَيَقْنُتُ الإِمَامُ فِي الفَرَائِضِ..........

قوله: «إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة...» هذه الجملة استثناء من قوله: «ويُكره قُنُوتُهُ في غير الوِتْرِ» . والنَّازلة: هي ما يحدث من شدائد الدَّهر.

قوله: «غير الطَّاعون» الطَّاعون: وباءٌ معروف فَتَّاكٌّ مُعْدٍ، إذا نَزَلَ بأرضٍ فإنه لا يجوز الذَّهابُ إليها، ولا يجوز الخُروجُ منها فِراراً منه؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سَمعتُم به في أرضٍ فلا تَقْدَمُوا عليها، وإنْ وَقَعَ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فِراراً منه» [(72)] وهذا الطَّاعون ـ نسأل الله العافية ـ إذا نَزَلَ أهلك أُمماً كثيرة، كما في «طاعون عَموَاس» الذي وقع في الشَّام، في عهد عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه.

وهذا النَّوع من الوباء إذا نَزَلَ بالمسلمين فقد اختلف العُلماءُ رحمهم الله هل يُدعى بِرَفْعِهِ أم لا؟

فقال بعضُ العلماءِ : إنه يُدْعَى برَفْعِهِ؛ لأنَّه نازلةٌ مِن نوازل الدَّهر، وأيُّ شيءٍ أعظمُ مِن أنْ يُفني هذا الوباءُ أمَّةَ محمَّدٍ، ولا مَلجأ للنَّاس إلا إلى الله عزّ وجل، فيدعون الله ويسألونه رَفْعَهُ.

وقال بعضُ العلماءِ: لا يُدعَى برَفْعِهِ. وعلَّل ذلك: بأنه شهادة، فإن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر: «بأنَّ المَطْعُونَ شَهيدٌ» [(73)] قالوا: ولا ينبغي أنْ نَقْنُتَ مِن أجْلِ رَفْعِ شيءٍ يكون سبباً لنا في الشَّهادة، بل نُسَلِّمُ الأمرَ إلى الله، وإذا شاء اللهُ واقتضت حكمتُه أنْ يرفعَه رَفَعَهُ، وإلا أبقاه، ومَن فنيَ بهذا المرض فإنَّه يموت على الشَّهادة التي أخبر عنها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.

قوله: «فيقنُتُ الإمامُ في الفرائض» . «فيقنتُ» برفع الفعل استئنافاً، أي: إلا أنْ تَنْزِلَ فحينئذٍ يقنتُ الإمامُ في الفرائض، ولم يبيّن المؤلِّفُ حُكْمَ هذا القُنُوتِ، لكنه استثناه مِن الكراهة، وإذا استُثْنِيَ مِن الكراهة، وثبت فعلُه في الصَّلاة فإنه يكون مستحبًّا، لأنه إذا ثبت فعلُه في الصَّلاة لَزِمَ أنْ يكون مِن أذكار الصَّلاة وحينئذٍ يكون مستحبًّا.

وعلى هذا؛ فقول المؤلِّفِ: «فيقنتُ الإمامُ» أي: استحباباً، وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ هذا القُنُوت ليس بواجب، لكن الأفضل أنْ يقنتَ الإمامُ.

وقوله: «الإمام» مَنْ يعني بالإمام؟

إذا أطلقَ الفقهاءُ «الإمامَ» فالمرادُ به: القائدُ الأعلى في الدَّولة، فيكون القانتَ الإمامُ وحدَه، أما بقيَّة النَّاس فلا يقنتون، قالوا: لأنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قَنَتَ عند النَّوازل [(74)] ولم يأمر أحداً بالقنوت، ولم يقنتْ أحدٌ من المساجد في عهده صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأن هذا القنوت لأمر نزل بالمسلمين عامَّة، والذي له الولاية العامَّة على المسلمين هو الإمام فيختصُّ الحكم به، ولا يُشرع لغيره. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.

القول الثاني في المسألة : أنه يقنت كلُّ إمام.

القول الثالث : أنه يقنت كلُّ مصلٍّ، الإمام والمأموم والمنفرد.

والأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدلَّ بعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصَلِّي» [(75)] وهذا العمومُ يشمَلُ ما كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يفعلُه في صلاتِهِ على سبيل الاستمرار، وما يفعلُه في صلاتِهِ على سبيل الحوادث النَّازلةِ، فيكون القنوتُ عند النَّوازِلِ مشروعاً لكلِّ أحد.

ولكن الذي أرى في هذه المسألة: أنْ يُقتصرَ على أَمْرِ وليِّ الأمْرِ، فإن أَمَرَ بالقُنُوتِ قنتنا، وإن سكتَ سكتنا، ولنا ـ ولله الحمد ـ مكانٌ آخر في الصَّلاة ندعو فيه؛ وهو السُّجودُ والتَّشَهُّدُ، وهذا فيه خيرٌ وبَرَكَةٌ، فأقرب ما يكون العبدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجد، لكن؛ لو قَنَتَ المنفردُ لذلك بنفسه لم نُنْكر عليه؛ لأنه لم يخالف الجماعة.

وقوله: «يقنتُ الإمامُ في الفرائض» ليس المراد أنْ يدعو بدعاء القُنُوتِ الذي عَلَّمه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم الحَسَن[(76)]، بل يقنتُ بدُعاءٍ مناسبٍ للنَّازلة التي نزلت، ولهذا كان الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم يدعو في هذا القُنُوتِ بما يناسب النَّازلة ، ولا يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ اهْدِني فيمن هَديت» كما يفعله بعضُ العامَّة، ولم يَرِدْ عن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أبداً لا في حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقول: «اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيت» في الفرائض، إنما يدعو بالدُّعاء المناسب لتلك النَّازلة، فمرَّةً دعا صلّى الله عليه وسلّم لقوم مِن المستضعفين أنْ ينجِّيهم اللهُ عزّ وجل حتى قدموا[(77)].

ورُويَ أنه قَنَتَ مِن النصف مِن رمضان؛ حتى صَبيحة يوم العيد، حيث قدموا في صَبيحة يوم العيد، فيكون مدَّةُ قنوتِه لهم خمسةَ عَشَرَ يوماً.

وقَنَتَ على قوم دعا عليهم، على رِعْل وذَكْوان وعُصَيَّة شهراً كاملاً[(78)] فقيل: إنهم قدموا مسلمين تائبين فأمسك[(79)].

ودعا على قوم معيَّنين باللعن فقال: اللهم الْعَنْ فلاناً وفلاناً حتى نَزَلَ قولُه تعالى: {{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ}} [آل عمران: 128 ] [(80)] فأمسك فصار دعاء النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالقُنُوتِ دُعاءً مناسباً، وعلى قَدْرِ الحاجة، ولم يستمرَّ.

وقوله: «في الفرائض» «أل» دخلت على جَمْعٍ فتفيد العمومَ، أي: في الفجر والظُّهر والعَصر والمَغرب والعِشاء، وليس خاصًّا بصلاة الفجر، بل في كُلِّ الصَّلوت، هكذا صَحَّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قَنَتَ في جميع الصَّلوات[(81)].

واستثنى بعضُ العلماءِ الجُمعةَ وقال: إنَّه لا يقنتُ فيها؛ لأن الأحاديثَ الواردةَ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قَنَتَ في الصَّلوات الخمسِ الفجرِ والظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ. ولم تذكر الجُمُعَةَ. والجُمُعَةُ صلاةٌ مستقلَّة لا تدخل في مُسَمَّى الظُّهر عند الإطلاق، ولهذا لا تُجمع العصرُ إليها فيما لو كان الإنسان مسافراً وصَلَّى الجُمُعَة، وهو يريد أن يمشي وأراد أنْ يجمعَ العصرَ إلى الجُمُعَةِ فلا يجوز، لأنها صلاةٌ من جنس آخر مستقلَّة.

وعلَّلَ بعضُهم أيضاً ذلك: بأن الإمام يدعو في خُطبة الجُمُعَةِ دُعاءً عامًّا يؤمِّنُ النَّاسُ عليه، فيدعو لرفع النَّازلة في خُطبة الجُمُعة، ويُكتفى بهذا الدُّعاء عن القنوت في صلاة الجُمُعة.

ويرى بعضُ أهلِ العِلم: أنَّه لا وجه للاستثناء، وإنَّما لم ينصَّ عليها في الأحاديث الواردة عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنها يومٌ واحد في الأسبوع فلهذا تُركت، ويدلُّ لهذا: أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم إذا ذكر الصَّلاة المفروضة لا يذكر إلا الصَّلوات الخمس؛ لأنها هي الرَّاتبة التي تَرِدُ على الإنسان في كُلِّ يوم، بخلاف الجُمُعة.

فالظَّاهر: أنه يَقْنُتُ حتى في صلاة الجُمُعة.

وإذا قلنا بالقُنُوت في الصَّلوات الخمس، فإنْ كان في الجهرية فَمِنَ المعلوم أنَّه يجهرُ به، وإنْ كان في السِّريَّة فإنه يجهر به أيضاً؛ كما ثبتت به السُّنَّةُ: أنه كان يقنتُ ويؤمِّنُ النَّاسُ وراءَه [(82)]. ولا يمكن أن يؤمِّنُوا إلا إذا كان يجهرُ.

وعلى هذا؛ فيُسَنُّ أنْ يجهرَ ولو في الصَّلاة السِّريَّة.

مسألة : القُنُوت هل يكون قبل الرُّكوع، أو بعد الرُّكوع؟

أكثرُ الأحاديث؛ والذي عليه أكثرُ أهل العِلم: أنَّ القُنُوتَ بعدَ الرُّكوع، وإن قَنَتَ قبل الرُّكوع فلا حَرَج، فهو مُخَيَّرٌ بين أنْ يركعَ إذا أكملَ القِراءة، فإذا رَفَعَ وقال: «ربَّنا ولك الحمدُ» قَنَتَ، كما هو أكثر الرِّوايات عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم[(83)] وعليه أكثرُ أهل العِلم، وبين أنْ يقنتَ إذا أتمَّ القِراءة ثم يكبِّرُ ويركع، كلُّ هذا جاءت به السُّنَّةُ[(84)].

(تنبيه) قول المؤلِّف رحمه الله: «إلا أن تنزل ما بالمسلمين نازلة» عُلم منه أنه إن نزلت بغير المسلمين نازلة لم يُقنت لها.

 

وَالتَّرَاوِيْحُ عِشْرُونَ رَكْعَةً ............

قوله: «والتراويح عشرون» . «التراويح» مبتدأ، و«عشرون» خبر المبتدأ، والتراويح سُنَّة مؤكَّدة؛ لأنها من قيام رمضان، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِهِ» ، وسُمِّيت تراويح؛ لأنَّ مِن عادتهم أنَّهم إذا صَلُّوا أربعَ ركعات جلسوا قليلاً ليستريحوا؛ بناءً على حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي أربعاً فلا تسألْ عن حُسنِهِنَّ وطولِهِنَّ، ثم يُصلِّي أربعاً فلا تسألْ عن حُسنِهِنَّ وطُولِهنَّ ثم يُصلِّي ثلاثاً [(85)]، ووَجْهُ ذلك أنَّها قالت: «يُصلِّي أربعاً ثم» و«ثم» تدلُّ على التَّرتيب بمُهْلَة، وأنَّه هناك فاصلاً بين الأربع الأُولى والأربع الثانية والثَّلاث الأخيرة، وهذه الأربع يُسَلِّمُ مِن كلِّ رَكعتين كما جاءَ ذلك مصرَّحاً به في حديث عائشة: أنه كان يُصلِّي إحدى عشرة ركعة يُسَلِّمُ مِن كُلِّ ركعتين [(86)].

خلافاً لمن تَوهَّم مِن بعض طلبة العِلم أنَّ الأربعَ الأُولى تُجمع بتسليمٍ واحدٍ، والأربعَ الثانية تُجمع كذلك، فإنَّ ذلك وَهْمٌ، سببُه عدم تتبُّعِ طُرقِ الحديث مِن وجه، وعدم النَّظر إلى الحديث العام حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما مِن وجهٍ آخر، وهو أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن صلاة الليل فقال: «مَثْنَى مَثْنَى» [(87)].

وعلى هذا؛ فكلُّ حديث مطلق في عدد الرَّكعات في الليل يجب أنْ يُحملَ على هذا الحديث المقيَّد، وهو أنها مَثْنَى مَثْنَى.

أما ما صُرِّحَ فيه بعدم ذلك كالوِتر بخمس أو سبع أو تسع[(88)]، فهذا يكون مُخصِّصاً لعموم هذا الحديث.

فإن قيل: لماذا قالت عائشة: «يُصلِّي أربعاً، ثم يُصلِّي أربعاً» ؟.

فالجواب : أن نقول: لأنَّه جَمَعَ الأربع الأُولى في آنٍ واحد، فصَلَّى ركعتين، ثم وَصَلَهُمَا فوراً بالرَّكعتين الأُخريين، ثم جَلَسَ وأمهل، ثم استأنف وصَلَّى ركعتين، ثم أَتبعَهُمَا بركعتين، ثم جَلَسَ فأمهل، ثم صَلَّى ثلاثاً، فأخذ السَّلف مِن هذا أن يُصلُّوا أربع ركعات بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلُّوا أربعاً بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلُّوا ثلاثاً إذا قاموا بإحدى عشرة ركعة.

وقوله: «عشرون ركعة» فإذا أضفنا إليها أدنى الكمال في الوِتر تكون ثلاثاً وعشرين، فيُصلِّي التَّراويح عشرين رَكعة، ثم يُصلِّي الوِتر ثلاث ركعات، ويكون الجميعُ ثلاثاً وعشرين رَكعة، فهذا قيامُ رمضان.

والدَّليلُ: ما روى أبو بكر عبد العزيز في «الشَّافي» عن ابن عباس أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي في شهر رمضان عِشرين رَكعة [(89)]، لكن هذا الحديث ضعيف لا يصحُّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، والذي صَحَّ عنه ما روته عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها أنه كان لا يزيدُ على إحدى عشرة رَكعةً. فقد سُئلت: كيف كانت صلاةُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في رمضان؟ فقالت: كان لا يزيدُ في رمضانَ ولا غيره على إحدى عشرة ركعة [(90)]. وهذا نصٌّ صريحٌ مِن عائشةَ، وهي مِن أعلم النَّاس به فيما يفعله ليلاً.

فإنْ قال قائل: قد ذُكر عن عُمرَ أنه أمر أُبيَّ بنَ كعب أنْ يُصلِّي بالنَّاس بثلاث وعشرين ركعة؟ .

قلنا: هذا أيضا ليس بصحيح، وإنما روى يزيدُ بنُ رومان قال: «كان النَّاسُ يصلُّون في عهد عُمرَ في رمضان ثلاثاً وعِشرين ركعةً» [(91)] ويزيد بنُ رُومان لم يدركْ عهدَ عُمرَ، فيكون في الحديث انقطاعٌ. ثم الحديث ليس فيه نصٌّ على أنَّ عُمرَ اطَّلعَ على ذلك فأَقرَّه، ولا يَرِدُ على هذا أنَّ ما فُعل في عهد النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُنكرْه فإنه يكون مرفوعاً حكماً؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنْ كان عَلِمَه فقد أقرَّه، وإنْ لم يكن عَلِمَه فقد أقرَّه الله تعالى، ولكن روى مالكٌ في «الموطأ» بإسنادٍ مِن أصحِّ الأسانيد أن عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أَمَرَ تَميماً الدَّاريَّ وأُبيَّ بنَ كعب أنْ يقوما بالنَّاس بإحدى عشرةَ ركعةً[(92)]. وهذا نصٌّ صريحٌ، وأَمْرٌ مِن عُمرَ رضي الله عنه، وهو اللائقُ به رضي الله عنه، لأنَّه مِن أشدِّ النَّاسِ تمسُّكاً بالسُّنَّةِ، وإذا كان الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم لم يَزِدْ على إحدى عشرةَ ركعةً، فإنَّنا نعتقد بأن عُمرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه سوف يتمسَّك بهذا العدد.

وعلى هذا؛ فيكون الصحيح في هذه المسألة: أنَّ السُّنَّة في التَّراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يُصلِّي عشراً شَفْعاً، يُسَلِّم مِن كُلِّ ركعتين، ويُوتِر بواحدة. والوِترِ كما قال ابنُ القيم: هو الواحدة ليس الرَّكعات التي قَبْله[(93)]، فالتي قَبْله مِن صلاة الليل، والوِتر هو الواحدة، وإنْ أوترَ بثلاث بعد العشر وجعلها ثلاثَ عشرةَ ركعةً فلا بأس، لأن هذا أيضاً صَحَّ مِن حديث عبدِ الله بنِ عباس رضي الله عنهما: «أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى ثلاثَ عَشْرةَ ركعةً» [(94)].

فهذه هي السُّنَّةُ، ومع ذلك لو أنَّ أحداً من النَّاس صَلَّى بثلاثَ وعشرين، أو بأكثرَ مِن ذلك فإنه لا يُنكر عليه؛ ولكن لو طالب أهلُ المسجد بأن لا يتجاوز عددَ السُّنَّةِ كانوا أحقَّ منه بالموافقة؛ لأن الدَّليل معهم. ولو سكتوا ورضوا؛ فَصَلَّى بهم أكثر من ذلك فلا مانع.

ولا فَرْقَ في هذا العدد بين أوَّلِ الشَّهرِ وآخره. وعلى هذا؛ فيكون قيامُ العشرِ الأخيرة كالقيام في أوَّل الشَّهر.

فإذا قلنا: إنَّ الأفضل إحدى عشرةَ في العشرين الأُولى، قلنا: إنَّ الأفضل إحدى عشرة في العشر الأخيرة ولا فَرْقَ؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها تقول: «ما كان يزيد في رمضان ولا غيره» [(95)] ولم تَسْتَثْنِ العشرَ الأواخرَ، لكن تختصُّ العشر الأواخر بالإطالة فإن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يقومُ فيها الليلَ كلَّه [(96)]. وعلى هذا؛ فيطيل.

لكن لو اختارَ أهلُ المسجد أنْ يقصرَ بهم القراءةَ والرُّكوعَ والسُّجودَ، ويكثِرَ مِن عددِ الرَّكعات، وقالوا له: إنَّ هذا أرفقُ بنا، فلا حرج عليه إذا وافقهم؛ لعموم قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا» [(97)] وعموم قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «إذا أمَّ أحدُكم الناسَ فَلْيُخَفِّفْ» [(98)] وما دام الأمرُ غيرَ محظور علينا، فإن تيسيرنا على مَنْ ولاَّنا اللهُ عليه أَولى وأحسنُ، والإِمامُ وَلِيُّ المسجد؛ مُولَّى على المأمومين، ولهذا يُقال: إمام، والإمامُ مَنْ له الإمرة عليهم فيما يتعلَّق بالصَّلاة؛ فيأمرهم باعتدال الصُّفوف، وتسويتها، فإذا طَلَبَ المُولَّى عليهم أنْ يرفقَ بهم بكثرة العدد مع تخفيف الرُّكوع والسُّجود والقِراءة فليس في هذا بأس.

وهنا نقول: لا ينبغي لنا أنْ نغلوَ أو نُفَرِّطَ، فبعضُ النَّاس يغلو من حيث التزامُ السُّنَّة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السُّنَّةُ، وينكرُ أشدَّ النَّكير على مَن زادَ على ذلك، ويقول: إنه آثمٌ عاصي. وهذا لا شَكَّ أنَّه خطأ، وكيف يكون آثماً عاصياً وقد سُئِلَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن صلاة الليل؟ فقال: «مثنى مثنى» [(99)] ولم يُحدِّد بعدد، ومِن المعلوم أنَّ الذي سأله عن صَلاة الليل لا يعلم العَدَد، لأنَّ مَنْ لا يعلم الكيفيَّة فجهلُه بالعدد مِن باب أَولى، وهو ليس ممن خَدَمَ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم حتى نقول: إنَّه يعلمُ ما يحدثُ داخلَ بيته، فإذا كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بَيَّنَ له كيفيَّة الصَّلاة دون أن يحدِّد له بعدد؛ عُلِمَ أنَّ الأمرَ في هذا واسع، وأنَّ للإنسان أنْ يُصلِّيَ مِئةَ ركعة ويُوتر بواحدة، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي» [(100)]، فهذا ليس على عُمومِه حتى عند هؤلاء، ولهذا لا يوجبون على الإنسان أنْ يُوتِرَ مرَّةً بخمس، ومرَّةً بسبعٍ، ومرةً بتسع، ولو أخذنا بالعموم لقلنا: يجب أن تُوتِرَ مرَّةً بخمسٍ، ومرَّةً بسبعِ، ومرَّةً بتسعٍ سرداً، وإنما المُرادُ: «صَلُّوا كلَّما رأيتموني أُصلِّي» في الكيفيَّة، أما في العدد فلا، إلا ما ثبت النَّصُّ بتحديده.

وعلى كُلٍّ؛ ينبغي للإنسان أن لا يُشدِّدَ على النَّاس في أمرٍ واسع، حتى إنَّا رأينا مِن الإخوة الذين يشدِّدون في هذا مَنْ يُبدِّعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرةَ، ويخرجون مِن المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرَّسُولُ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قامَ مع الإِمامِ حتى ينصرفَ كُتب له قيامُ ليلةٍ» [(101)] وقد يجلسون إذا صَلُّوا عشرَ ركعاتٍ فتتقطَّع الصُّفوف بجلوسهم، وربما يتحدَّثون أحياناً فَيُشوِّشون على المصلِّين، وكُلُّ هذا مِن الخطأ، ونحن لا نشكُّ بأنهم يريدون الخير، وأنهم مجتهدون، لكن ليس كُلُّ مجتهدٍ يكون مصيباً.

والطَّرف الثاني : عكس هؤلاء، أنكروا على مَن اقتصر على إحدى عشرة ركعةً إنكاراً عظيماً، وقالوا: خرجت عن الإجماع وقد قال تعالى: {{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *}} [النساء] فكلُّ مَن قبلك لا يعرفون إلا ثلاثاً وعشرين رَكعةً، ثم يشدِّدون في النَّكير. وهذا أيضاً خطأ.

ولكن لو فرضنا أننا في بَلدٍ لا يعرفون إلا ثلاثاً وعِشرين رَكعةً، فليس مِن الحكمة أنْ نجابههم، فنصلِّي إحدى عشرة ركعة مِن أوَّلِ ليلة، وإنما نُصلِّي ثلاثاً وعشرين رَكعةً، ثم نتحدَّث إليهم بما جاءت به السُّنَّة، وأنَّ الأفضلَ إحدى عشرة، ثم يُقال: ما ترون؟ هل يقتصر على هذا العدد مع الطُّمأنينة وإطالةِ الرُّكوع والسُّجود نوعاً ما؛ لنتمكَّن مِن الدُّعاء، ونُكثِرَ مِن الذِّكْرِ، أو أنْ نبقى على حالنا؟ فحينئذٍ سوف يوافقون، أو يخالفون، أو يختلفون. فلا تخلو الحال مِن واحد مِن ثلاثة أمور.

فإذا رأى أنَّ الأكثرَ على عدم الموافقة، بقي على ما هو عليه؛ لأنَّ الأمرَ واسع، وما دام الأمرُ فيه التأليف فهو خير، لكن لا ييأس؛ يعيد الكَرَّة مَرَّة ثانية، فإن أبوا وأصرُّوا على الثلاث والعشرين يستعمل معهم ما يراه مِن الحِكمة في إقناعهم.

ومع هذا؛ لو أنهم أبوا إلا ثلاثاً وعشرين فليتوكَّل على الله، وليُصلِّ بهم ثلاثاً وعشرين، لكن ليحذر مما يصنعُه بعضُ الأئمة مِن السُّرعة العظيمة في الرُّكوع والسُّجود، حتى إنَّ الواحد لا يتمكَّن وهو شابٌّ مِن متابعة الإمام، فكيف بكبير السِّنِّ أو المريض أو ما أشبه ذلك؟! وقد حدثني مَن أثقُ به أنه دخل مسجداً في ليلة من ليالي رمضان، ودخل مع الإمام في صلاة التَّراويح، وعَجَـِزَ عن إدراك المتابعة وهو نشيطٌ شابٌّ، يقول: فلما نمتُ في الليل؛ رأيت كأنِّي دخلت على هذا المسجد، وإذا أهلُه يرقصون.

والقصد مِن هذا: أنَّ بعضَ الأئمة ـ نسأل الله لنا ولهم الهداية ـ يتلاعبون في التَّراويح، فيصرُّون على العدد ثلاث وعشرين، والسُّنَّة إحدى عشرة ركعةً، ويقصِّرُون في الواجب بالسُّرعة العظيمة، والعلماءُ ـ رحمهم الله ـ يقولون: يُكره للإمام أنْ يُسرعَ سرعةً تمنع المأموم فِعْلَ ما يُسَنُّ. وعليه؛ يَحرمُ أنْ يُسرعَ سرعة تمنعُ المأمومَ فِعْلَ ما يجب؛ لأنَّه مؤتمن، والأمين يجب أنْ يُراعي حال المؤتمن عليه.

مسألة : لو أنَّ أحداً صَلَّى مع هذا الإمام الذي يُسرعُ سرعةً تمنع المأمومَ فِعْلَ ما يجب، فهل له أنْ يَخرجَ وينفردَ، أي: ينفصلُ عن الإمام؟

الجواب : نعم، بل يجب عليه أنْ يَنفصلَ عن الإمام، سواء في التَّراويح أو في الفريضة، فإذا أسرع سُرعةً تَعْجِزُ أنْ تُدركَ معه الواجب، ففي هذه الحال نقول: انْفَصِلْ، وانْوِ الانفراد، وأتمَّ وحدَك، لأنه لا يمكن أنْ تجمعَ بين المتابعة وبين القيام بالرُّكن وهو الطُّمأنينة، فلا بُدَّ مِن أحد الأمرين، وإذا كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ الرَّجُلَ على الانفراد مِن أجل تطويل الإمام [(102)]، فالانفرادُ مِن أجل القيام بالرُّكن مِن باب أَوْلَى.

وقوله: «عشرون ركعة» هل بَيَّنَ المؤلِّفُ حكم التَّراويح، أم لا؟

الجواب : نعم، بَيَّنَ حكمها أولَ البابِ حيث قال: «آكدُها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح» إذاً؛ فالتَّراويحُ سُنَّةٌ.

(تنبيه) هل الجماعة في التراويح مما سَنَّهُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، أم ممَّا فَعَلَه عُمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه؟

الجواب : ادَّعى بعضُ النَّاس أنها مِن سُنَنِ عُمرَ بن الخطاب، واستدلَّ لذلك بأنَّ عُمرَ بنَ الخطَّاب أَمَرَ أُبيَّ بنَ كعب وتميماً الدَّارِيَّ أنْ يقوما للنَّاس بإحدى عشرةَ رَكعةً[(103)]. وَخَرَجَ ذات ليلة والنَّاسُ يصلُّون، فقال: نِعْمَتِ البِدْعةُ هذه[(104)] ، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يسبقْ لها مشروعية. وعلى هذا؛ فتكون مِن سُنَنِ عُمرَ لا مِن سُننِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وحينئذٍ لنا أنْ نعارضَ فنقول: إنها ليست بسُنَّة؛ لأن سببها وُجِدَ في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعله، والقاعدة: أنَّ ما وُجِدَ سبُبُه في عهد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعلْه فإنَّه ليس بسُنَّة، لأنه كيف يتركه الرَّسولُ والسببُ موجود؟ والسبب هنا رمضان؛ وهو موجود في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، فلمَّا لم يفعلها لم تكن سُنَّة، وعلى هذا؛ فإذا صَلَّيت الفريضة في رمضان، فاذهبْ إلى بيتك وصَلِّ، ولا تصلِّ مع النَّاس.

ولكن؛ هذا قولٌ ضعيف، غَفَلَ قائلُه عمَّا ثَبَتَ في «الصَّحيحين» وغيرهما أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قام بأصحابه ثلاثَ ليالٍ، وفي الثالثة أو في الرَّابعة تخلَّف لم يُصَلِّ، وقال: «إنِّي خشيتُ أنْ تُفرضَ عليكم» [(105)] فثبتتِ التَّراويحُ بسُنَّة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المانعَ مِن الاستمرار فيها، لا مِن مشروعيَّتها، وهو خَوْفُ أنْ تُفرضَ، وهذا الخوف قد زال بوفاة الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه لمَّا مات صلّى الله عليه وسلّم انقطع الوحي فأُمِنَ مِن فرضيتها، فلمَّا زالت العِلَّةُ وهو خَوْفُ الفرضية بانقطاع الوحي ثَبَتَ زوال المعلول، وحينئذٍ تعود السُّنيَّة النبويَّة لها، ويبقى النَّظرُ؛ لماذا لم يفعل هذا أبو بكر؟

والجواب عن ذلك : أنْ يُقال: إن مُدَّة أبي بكر رضي الله عنه كانت سنتين وأشهراً، وكان مشغولاً بتجهيز الجيوش لقتال المرتدِّين وغيرهم، فكان مِن النَّاس مَن يُصلِّي وحدَه، ومنهم مَن يُصلِّي مع الرَّجُلين، ومنهم مَن يُصلِّي مع الثَّلاثة، فلما كان عُمرُ خرج ذات ليلة فوجدهم يُصلُّون أوزاعاً، فلم يعجبه هذا التَّفرُّق، وأمر تميماً الدَّاريَّ وأُبيَّ بنَ كعب أنْ يقوما للنَّاس جميعاً، ويُصلِّيا بالنَّاس إحدى عشرة ركعة[(106)]، وبهذا عرفنا أنَّ فِعْلَ عُمرَ ما هو إلا إعادة لأمرٍ كان مشروعاً.

فإن قال قائل: ما تقولون في قول عُمرَ: «نِعْمَتِ البِدعةُ» وهذا يدلُّ على أنها مبتدعة؟

فالجواب : أنَّ هذه البِدعةَ نسبيَّةٌ، فهي بِدعةٌ باعتبار ما سبقها، لا باعتبار أصل المشروعيَّة؛ لأنها بقيت في آخر حياة الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم وفي خلافة أبي بكر لم تُقَمْ، فلما استُؤنِفتْ إقامتُها، صارت كأنَّها ابتداء مِن جديد، ولا يمكن لعُمرَ بنِ الخطَّاب أنْ يُثني على بِدعةٍ شرعيَّةٍ أبداً، وقد قال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «كُلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ» [(107)].

والعجبُ أنَّ بعضَ أهل البِدع أخذ مِن قول عُمرَ: «نِعْمتِ البِدعةُ» باباً للبدعة، وصار يبتدع ما شاء ويقول: «نِعْمَت البِدعةُ هذه» ، ولا شَكَّ أن هذا مِن الأخذ بالمتشابه، حتى لو فُرضَ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه ابتدعَ ـ وحاشاه مِن ذلك ـ فإنَّ له سُنَّة مُتَّبعة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الراشدين مِن بعدي» [(108)] فلستَ مثله، فكيف تقول: أبتدعُ، ونِعْمتِ البِدعةُ! فَعُمَر له سُنَّة متَّبعة.

مع أنَّنَا لا نعلم أنَّ عُمَرَ ابتدع شريعةً، إنَّما ابتدع سياساتٍ؛ لم تكن في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم؛ يرى أنَّ فيها مصلحة.

مثل: إلزامُه بالطلاق الثَّلاث أنْ يكون ثلاثاً[(109)].

ومثل: مَنْعُه مِن بَيْعِ أمهات الأولاد، مع أنَّهُنَّ يُبعنَ في عهد الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام[(110)].

ومثل: زيادة العقوبة في شُرب الخمر من نحو أربعين إلى ثمانين[(111)].

فهذه سياسات يرى أنها تُحقِّقُ المصلحةَ، لكن هل زاد عُمرُ في الصَّلوات وجعلها سِتًّا؟ لا، أو جعل ركعات الظُّهر خمساً؟ لا.

 

تُفْعَلُ فِي جَمَاعَةٍ .........

قوله: «تفعل في جماعةٍ» أي: تُصَلَّى التَّراويح جماعة، فإنْ صلاَّها الإنسانُ منفرداً في بيته لم يدرك السُّنَّة.

والدَّليل : فِعلُ الرَّسول[(112)] صلّى الله عليه وسلّم، وأَمْرُ عُمرَ رضي الله عنه، وموافقةُ أكثرِ الصَّحابة على ذلك[(113)].

 

مَعَ الوِتْرِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي رَمَضَانَ ...........

قوله: «مع الوتر» أي: أنهم يُوتِرون معها.

ودليل ذلك : أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى بالصَّحابة في ليلة ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبعٍ وعشرين، في الليلة الأُولى ثُلث الليل، وفي الثانية نصف الليل، وفي الثالثة إلى قريب الفجر، ولمَّا قالوا له: لو نَفَّلْتَنَا بقيةَ ليلتنا قال: «مَنْ قامَ مع الإمام حتى ينصرفَ كُتب له قيامُ ليلةٍ» [(114)].

وهذا يدلُّ على أنَّه يُوتِر، فينبغي أنْ يكون الوِترُ مع التَّراويح جماعة.

قوله: «بعد العشاء» أي: بعد صلاة العشاء، فلو صَلُّوا التَّراويحَ بين المغرب والعِشاء لم يدركوا السُّنَّة، وكذلك أيضاً ينبغي أن تكون بعد العِشاء وسنّتها، فإذا صَلُّوا العِشاء صَلُّوا السُّنَّة، ثم صَلُّوا التَّراويح، ثم الوِتر.

قوله: «في رمضان» لأنَّ التَّراويحَ في غير رمضان بِدْعةٌ، فلو أراد النَّاس أنْ يجتمعوا على قيام الليل في المساجد جماعة في غير رمضان لكان هذا من البِدع.

ولا بأس أن يُصلِّي الإنسانُ جماعة في غير رمضان في بيته أحياناً؛ لفعل الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «فقد صَلَّى مرَّةً بابن عبَّاس[(115)]، ومرَّةً بابن مسعود[(116)] ومرَّةً بحذيفة بن اليمان[(117)]، جماعة في بيته» لكن لم يتَّخذْ ذلك سُنَّة راتبةً، ولم يكن أيضاً يفعله في المسجد.

مسألة : إذا قال قائل: صَحَّحتُم أنها إحدى عشرة ركعة، فما رأيكم لو صَلَّينا خلف إمام يُصلِّيها ثلاثاً وعشرين، أو أكثر، هل إذا قام إلى التَّسليمة السَّادسة نجلسُ وَنَدَعُهُ، أو الأفضل أنْ نكمِلَ معه؟

فالجواب : أنَّ الأفضلَ أنْ نكملَ معه، ودليلُ ذلك من وجهين:

الوجه الأول : قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في قيام رمضان: «إنَّه مَنْ قَامَ مع الإمام حتى ينصرفَ كُتب له قيامُ ليلةٍ» [(118)] ومَن جَلَسَ ينتظر حتى يَصِلَ الإمامُ إلى الوِتر ثم أوتر معه، فإنه لم يُصلِّ مع الإمام حتى ينصرفَ؛ لأنه تَرَكَ جُزءاً مِن صَلاته.

الوجه الثاني : عُموم قَوْلِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به» [(119)] وهذا يشمَلُ كلَّ فِعْلٍ فَعَلَه الإمامُ ما لم يكن منهيًّا عنه، والزيادةُ على إحدى عشرة ليس منهيًّا عنها، وحينئذٍ نتابع الإمامَ.

أما لو كانت الزِّيادةُ منهيًّا عنها مثل: أنْ يُصلِّيَ الإمامُ صلاةَ الظُّهر خمساً فإننا لا نتابعُه.

ثم ينبغي أنْ نعلمَ أنَّ اتفاقَ الأُمَّة مقصودٌ قصداً أوَّليًّا بالنسبة للشَّريعة الإسلامية؛ لأنَّ الله يقول: {{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}} [المؤمنون: 52] ، والتَّنازع بين الأمة أَمْرٌ مرفوضٌ، قال الله تعالى: {{وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}} [آل عمران: 105] ، وقال الله تعالى: {{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}} [الشورى: 13] ، وقال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *}} [الأنعام] ، وقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم» [(120)]، يقوله في تساوي النَّاس في الصَّفِّ.

ولما صَلَّى عثمانُ رضي الله عنه في مِنَى في الحَجِّ الرُّباعية أربعاً ولم يقصر بعد أنْ مَضى مِنْ خِلافته ثماني سنوات، وأنكرَ النَّاسُ عليه، وقالوا: قَصَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعُمرُ[(121)]، يعني: وأنت في أول خِلافتك، لكنه رضي الله عنه تأوَّل، فكان الصَّحابة الذين ينكرون عليه يصلُّون خلفَه أربعاً[(122)]، وهم ينكرون عليه، مع أنَّ هذه زيادة متَّصلة بالصَّلاة مُنكرَة عندهم، ولكن تابعوا الإمام فيها إيثاراً للاتِّفاق.

فما بالك بزيادة منفصلة، لو تعمَّدها الإنسان لا تؤثِّر على بطلان الصَّلاة؟ ثم يقول: إننا متمسِّكون بالسُّنَّة ومتَّبعون لآثار الصَّحابة. مع مخالفته في هذه المسألة.