المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد العاشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد العاشر
بَابُ العَارِيَّةِ
 

 

بَابُ العَارِيَّةِ

 

َهِيَ إِبَاحَةُ نَفْعِ عَيْنٍ، تَبْقَى بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ. ............................

«باب العَارِيَّة» ويقال: العَارِيَة سمِّيت بذلك؛ لأنها عارية عن العوض ولهذا قال:

«وهي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه» فالعارية في الأصل بذل الشيء بلا عوض، على غير وجه التمليك.

وقوله: «وهي إباحة» من المعير للمستعير «نفع عين تبقى» ـ أي: العين ـ «بعد استيفائه» أي: استيفاء النفع.

وقوله: «نفع عين تبقى بعد استيفائه» أي: تبقى العين بعد استيفائه، فإن أعاره ما لا يبقى بعد استيفائه فليست عارية ولكنها منحة، مثل أن يعيره تمراً أو خبزاً أو ما أشبه ذلك، وتصوُّر ذلك أن يكون جاره عنده ضيوف فيقول: أنا عندي ضيوف يحتاجون إلى أن أقدم لهم طعاماً متنوعاً، فيقول: نعم أنا عندي طعام متنوع أعيرك إياه، فيقال: هذا إذا دلت القرينة على أنه لا يريد عوضاً فهو هبة وهدية، وإن دلت القرينة على أنه يريد العوض فهو بيع، كأن يقول: ما أُكِلَ فهو عليك بكذا بقيمته، وما لم يؤكل يرد إليه، وهذا يقع كثيراً عند أهل المطاعم، يقدمون أطعمة متنوعة يَصُفُّها صاحب البيت أمام الضيوف، فما أُكل منها فهو بحسابه وما لم يؤكل فإنه يرده عليه، وهذا ـ وإن كان فيه نوع من الغرر والجهالة ـ لكنه يُتسامح فيه عادة، المهم أنه لا بد أن تبقى العين بعد استيفاء المنفعة.

مثال ذلك: الماعون ـ الإناء ـ هذا يمكن أن ينتفع به الإنسان مع بقائه، القلم يمكن أن ينتفع به مع بقائه ولا يضر إذا كان فيه شيء من الحبر؛ لأن هذا يعتبر تبعاً لا يؤثر، وإلا فمن المعلوم أنه إذا أعطاه قلماً مملوءاً بالحبر، فسوف يفنى هذا الحبر بالكتابة به لكن هذا شيء لا يؤبه له.

والسيارة تبقى بعد استيفائها وما استُهلك من البنزين الذي فيها حين العارية فهو تبع، ولا يقال: إن هذا لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه.

وقوله: «إباحة نفع عين» لا بد أن يكون المبيح جائز التبرع بحيث إنه يملك أن يهدي من ماله، وأن يهب من ماله وأن يتصدق من ماله، فإن كان غير جائز التبرع لم تصح منه العارية، كولي اليتيم ـ مثلاً ـ فإنه لا يصح أن يعير مال اليتيم؛ لأنه لا يصح أن يتبرع به والإعارة تبرع بالنفع، نعم لو فرض أن اليتيم مراهق قريب البلوغ وهو يحب البذل والعطاء واستأذنه في أن يعير متاعه، ففرح بذلك وسُرَّ به، فهنا نقول: لا بأس أن يعير متاع هذا اليتيم؛ لأن في هذا إدخال السرور على اليتيم كما قال العلماء ـ رحمهم الله ـ إنه يجوز أن يضحي من مال اليتيم لليتيم؛ لأن اليتيم يفرح بالأضحية فهنا أعار متاعه لمصلحته؛ لأن بعض الشباب المراهقين يحبون أن يحسنوا إلى الناس فتجدهم يتفانَوْن في خدمة الناس ونفعهم وإعارتهم، فإذا كان هذا الولي لليتيم يرى أن من إدخال السرور على اليتيم أن يعير شيئاً من ماله بإذنه فلا بأس.

 

وَتُبَاحُ إِعَارَةُ كُلِّ ذِي نَفْعٍ مُبَاحٍ، إِلاَّ البُضْعَ، وَعَبْداً مُسْلِماً لِكَافِرٍ، وَصَيْداً وَنَحْوَهُ لِمُحْرِمٍ، وَأَمَةً شَابَّةً لِغَيْرِ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ. .....................

قوله: «وتباح إعارة كل ذي نفع مباح» لم يبيِّن المؤلف ـ رحمه الله ـ حكم العارية بالنسبة للمعير أو للمستعير، وإنما بيَّن حكم المُعار، فنقول: العارية بالنسبة للمستعير جائزة ولا تُعد من السؤال المذموم لجريان العادة بها، فيجوز للإنسان أن يستعير من أخيه قلماً أو ساعة أو سيارة أو إناءً أو ما أشبه ذلك، هذا بالنسبة للمستعير، أما بالنسبة للمعير فإنها سُنَّة على الأصل وقد تجب أحياناً، فهي سُنَّة لدخولها في عموم قول الله ـ تبارك وتعالى ـ: {{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}} [البقرة: 195] وهي إحسان بلا شك فتدخل في عموم الآية، وقد تجب أحياناً، كإعارة شخص رداء يدفع به ضرر البرد، فهذه واجبة فلو طلب منك شخص في برد شديد أن تعطيه رداء يلتحف به، وجب عليك أن تعطيه، وضابط ذلك أنه متى توقف عليها إنقاذ معصوم صارت واجبة، ومن ذلك عند كثير من العلماء إعارة المصاحف؛ لأن المصحف يجب أن يبذل لمن أراد أن يتعلم به.

ومن ذلك ـ أيضاً ـ إعارة الكتب التي يحتاج إليها الناس فتجب إعارتها، لكن يشترط في ذلك ضرورة المستعير وعدم تضرر المعير، فلو قال المعير فيما إذا طلب منه استعارة مصحف: إني لو أعطيت هذا الرجل مصحفاً لأفسده، فإنه لا تجب عليه الإعارة، وكذلك لو قال: إن أعطيته الكتاب أفسده فلا تجب الإعارة؛ لأن فيها ضرراً على المعير، ويوجد بعض الناس ـ الذين يجتهدون وهم مخطئون ـ إذا استعار كتاباً جعل يعلق عليه، والكتاب ليس له، فتجده يملأ الكتاب تعليقاً بين الأسطر وعلى الهوامش وبالحواشي وبالأعالي حتى لا تكاد تقرأ أصل الكتاب، ثم من المؤسف أن تكون هذه الحواشي، ليس فيها خير وربما تكون خطأً، وهذا حرام لا يجوز، فلا يجوز للمستعير أن يكتب حرفاً واحداً في الكتاب المعار أبداً، حتى لو وجد خطأً ليس له الحق أن يصححه إلا إذا استأذن من صاحبه؛ وذلك لأنه ربما يظن العبارة خطأً وهي صواب.

وما الذي يباح إعارته؟ قال:

«تباح إعارة كل ذي نفع مباح» كل عين فيها نفع مباح فإن إعارتها مباحة، فخرج ما لا نفع فيه كالديدان والصراصير والجِعلان والخنافس وما أشبه ذلك، هذه لا تباح إعارتها؛ لأنها ليس فيها نفع مقصود.

ولا بد أن يكون النفع مباحاً، فإن كان فيها نفع محرم لم تجز إعارتها كإعارة الطبول والمعازف وما أشبهها، فهذه إعارتها محرمة؛ لأن نفعها محرم، ومن ذلك إعارة مغنية لتغني غناءً محرماً فإن إعارتها محرمة، ودليل ذلك قول الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] وإعارة ذي النفع الحرام لا شك أنها إعانة على هذا النفع المحرم.

فلو أراد أن يعير شخصاً كلباً عقوراً وقال: الناس يكثرون عند مزرعتي، أعرني كلبك العقور من أجل أن يعقر كل من مرَّ من حولها، فهذا لا يجوز؛ لأن الكلب العقور لا يجوز إبقاء الملك عليه بل يجب قتله، حتى إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أذن بقتله في الحِلَّ والحرم، كما في الحديث الصحيح: «خمس من الدواب كلهن فاسق» وذكر منهن: «الكلب العقور» [(43)].

قوله: «إلا البضع» فلا تحل إعارته، يعني لو جاء شخص لآخر عنده أمة وقال: أعرني بضع أمتك لمدة خمسة أيام، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا حرام، يعني يعيره إياها يزني بها!! هذا محرم ولا إشكال فيه، فهو داخل في قوله تعالى: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] ؛ لأن البضع لا يصح استحلاله إلا للزوج أو السيد؛ لقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *}} [المؤمنون] .

قوله: «وعبداً مسلماً لكافر» فلا يجوز أن يعير عبداً مسلماً لكافر؛ لأن في ذلك إهانة للمسلم، وإهانة المسلم إهانة لدينه، فلا يجوز أن يعير عبداً مسلماً لكافر.

وظاهر كلام المؤلف: وإن لم يستخدمه استخداماً مباشراً، مثل أن يقول: أعرني عبدك أجعله في المكتب الفلاني من شركتي، فهنا الكافر ليس له استخدام مباشر لهذا المسلم، فهل نقول: إن هذا جائز؛ لأن العلة في منع إعارة المسلم للكافر هي خوف إذلاله، فإذا انتفى هذا بأن قال: المكتب الفلاني ليس فيه أحد، أعرني عبدك يبقى في المكتب حتى يأتي الغائب، أو أعرني عبدك يبقى حارساً على هذا المكتب؟ فظاهر عموم كلام المؤلف أنه لا تصح عاريته، والذي ينبغي أن يقال: إنها تصح عاريته؛ لأن العلة يتبعها الحكم فيثبت بثبوتها وينتفي بانتفائها، وعلى هذا فيستثنى على القول الذي ذكرنا ما إذا لم يكن يريد استخدامه استخداماً مباشراً.

قوله: «وصيداً ونحوه لمحرم» يعني ولا يجوز أن يعير صيداً لمُحرم، مثاله: إنسان عنده غزال والغزال حرام على المُحرم، فالصيد ولو كان مِلكاً للمُحرم لا يجوز أن يبقى تحت يده، فإذا أعار شخصاً ظباء ليتجمل بها، مثل إنسان مُحرم يريد أن يمر من عنده شخص له أهميته كأمير أو وزير أو ما أشبه ذلك، فيقول: أعرني الظباء التي عندك أجعلها في مزرعتي من أجل أن ينظر إليها الوزير أو الأمير فإنه لا يجوز؛ والعلة لأنه داخل في قول الله تعالى: {{وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}} [المائدة: 2] .

قوله: «وأمة شابة لغير امرأة أو مَحْرَم» الأمة الشابة لا تجوز إعارتها لرجل إلا أن يكون مَحْرَماً، فلو كان شخص عنده أمة شابة مملوكة ولها أخ فقال أخوها: أعرني أختي؛ لأني سيأتيني ضيوف وأحتاج إلى مساعدة الأهل بها، فهذا يجوز؛ لأنه مَحْرَم ومأمون عليها، أو استعارتها امرأة، يعني إنسان له جارة أتاها ضيوف فطلبت منه أن يعيرها أمته فهذا يجوز؛ لأن المرأة على المرأة مأمونة، هذا الأصل، والنادر لا حكم له لا في هذا ولا في المَحْرَم، حتى المَحْرَم أحياناً يغويه الشيطان فيفعل الفاحشة في محارمه لكن الكلام على الأصل الغالب.

وقوله: «أمة شابة» فُهِمَ منه أنه لو كانت غير شابة ولو جميلة فإنه يجوز أن تعار لرجل ولو لم يكن محرماً، والمرأة غير الشابة تنقسم إلى أقسام:

الأول: أن تكون جميلة يعني امرأة لها خمسون سنة لكنها جميلة إذا رأيتها ظننت أنها من ذوات العشرين، فهذه لا يجوز أن تعار لرجل مطلقاً؛ لأن الفتنة حاصلة بذلك.

الثاني: امرأة ليست شابة لكنها وسط في الجمال، هذه ـ أيضاً ـ لا تعار لرجل غير مَحْرَم؛ لأن مفسدة إعارتها أكثر وأغلب من السلامة.

الثالث: امرأة غير شابة وهي قبيحة، فهل يجوز أن يعيرها لرجل غير محرم؟ ظاهر كلام المؤلف: أنه يجوز، ولكن في إطلاقه نظر فيقال: إعارتها لشاب أعزب ولو كانت عجوزاً شوهاء، فيها خطر وداخلة في عموم الحديث: «لا يخلوَنَّ رجل بامرأة» [(44)] وكما قيل: (لكل ساقطة لاقطة) يمكن أن هذه العجوز الشوهاء لا يختارها من تقدمت به السن، لكن شاب يبقى عندها يوماً وليلة أو ثلاثة أيام أو أكثر فربما تدب إليه الشهوة ويحصل الضرر، ثم على فرض أن المسألة ليس فيها شهوة ويريد أن يعير عجوزاً لشيخ كبير، يوجد شيء آخر وهو الخلوة غالباً.

فالصواب في هذه المسألة أنه لا تجوز إعارة أمة لرجل غير مَحْرَمٍ مطلقاً، حتى ولو كانت عجوزاً لشيخ كبير.

وقوله: «أمة شابة» فُهِمَ منه أنه لو أعار حرة فإنه لا يجوز؛ لأن الحرة غير مملوكة، والعارية لا تكون إلا من مالك.

 

وَلاَ أُجْرَةَ لِمَنْ أَعَارَ حَائِطاً حَتَّى يَسْقُطَ، وَلاَ يُرَدُّ إنْ سَقَطَ إلاَّ بِإذْنِهِ، وَتُضْمَنُ العَارِيَّةُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلِفَتْ، وَلَوْ شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهَا، وَعَلَيْهِ مَؤُونَةُ رَدِّهَا، لاَ المُؤجَّرَةِ، وَلاَ يُعِيرُهَا.....

قوله: «ولا أجرة لمن أعار حائطاً حتى يسقط» صورة المسألة: أن يكون شخص له جار، والجار له جدار خاص به، واحتاج ذلك الشخص أن ينتفع بجدار جاره، فطلب منه أن يضع خشباً على هذا الجدار عارية، فأعاره إياه وبنى عليه الجار، ثم إن صاحب الجدار طلب من الجار أجرة بعد أن أعاره، وقال: رجعت في عاريتي، فأعطني أجرة على بقاء الخشب على الجدار، فإنه لا يملك هذا، وحتى رجوعه عن العارية لا يقبل؛ لأن الرجوع في العارية على وجه يتضرر به المستعير لا يجوز؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» [(45)]، ومثل ذلك لو أعاره أرضاً ليزرعها ثم زرعها المستعير، وفي أثناء ذلك، قال المُعير: رجعت، فإنه لا يلزمه، وهل له أجرة؟ الصحيح أنه ليس له أجرة؛ لأن إذنه له بالزرع يستلزم رضاه ببقائه حتى يحصد، والمشهور من المذهب أنه إذا رجع أثناء مدة الزرع فإن له الأجرة، ولكنه قول ضعيف، ولا تكاد تجد فرقاً بين هذا والحائط.

وكذلك على القول الراجح إذا كانت العارية مؤقتة بوقت فإنه لا يجوز الرجوع في العارية ما دام الوقت باقياً، مثل أن يقول: أعرتك هذه لمدة شهر، فإنه لا يجوز أن يرجع في نصف الشهر، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف» [(46)] وهذا إذا رجع أثناء المدة فقد أخلف، وقوله تعالى: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}} [الإسراء: 34] وهذا قد عاهده أن تبقى العين عنده لمدة شهر، ولقوله تعالى: {{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم»[(47)].

وقوله: «حتى يسقط» متعلقة بقوله: «لا أجرة» فإن سقط فهل له طلب الأجرة عما مضى؟ لا، لكن إذا سقط الجدار ثم أقامه فله أن يمنع جاره من الانتفاع به إلا بأجرة، وكذلك إذا رفع الجار خشبه ثم أراد إعادته مرة ثانية فله طلب الأجرة.

وهذا الكلام من المؤلف مقيد بما إذا لم يجب تمكين الجار من وضع الخشب على الجدار، فإن وجب تمكين الجار من وضع الخشب على الجدار فإنه ليس له حق في طلب الأجرة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه، أو قال: خشبة على جداره» قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ حين كان أميراً على المدينة: (ما لي أراكم عنها مُعرضين، والله لأرميَنَّ بها بين أكتافكم)[(48)] «أرمين بها» أي: بالخشب، يعني إن لم تضعوها على الجدار أضعها على أكتافكم، فصار كلام المؤلف هنا مقيداً بما إذا لم يجب تمكين الجار من الانتفاع بالجدار، فإن وجب فإنه لا يجوز له طلب الأجرة؛ لأن هذا أمر واجب عليه، والأمر الواجب ليس له أجرة.

قوله: «ولا يرد إن سقط إلا بإذنه» يعني أن الحائط إذا سقط فإنه لا يرد إلا بإذن صاحب الجدار، فلا يقول الجار: قد أذن لي سابقاً، والإذن ينسحب على الجدار الأول وعلى الجدار الثاني، نقول: لا، الجدار الأول سقط ولا يمكن الانتفاع به، فإذا أنشأ الجدار من جديد فلا بد أن تجدد الاستئذان، فإذا قال: الأصل بقاء الإذن، قلنا: ليس كذلك، الأصل بقاء الإذن لو أن خشبك انخلع من الجدار أو ما أشبه ذلك، ثم أعدته على الجدار الباقي ربما يقال في هذا: إن الأصل بقاء الإذن، أما إذا انهدم الجدار ثم جدده مالكه فإنه لا يمكن أن تَرُد ما كنت مستعيراً له من قبل إلا بإذنه لقوله: «ولا يرد إن سقط إلا بإذنه» .

قوله: «وتضمن العارية» أفادنا المؤلف أن العارية مضمونة بكل حال، لقوله: «وتضمن» ولم يفصل، فالعارية مضمونة على المستعير سواء تلفت بتفريط وتعدٍّ، أو بغير تفريط ولا تعدٍّ، والدليل قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}} [النساء: 58] وهذه أمانة، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»[(49)] وهذه عين مأخوذة فعلى المرء أن يؤديها.

وقال بعض العلماء: إن العارية لا تضمن إلا بواحد من أمور ثلاثة:

الأول: أن يتعدى.

الثاني: أن يفرط.

الثالث: أن يشترط الضمان.

أما في مسألة التعدي والتفريط فلأنه بتعديه أو تفريطه زال ائتمانه، فصار غير أمين، وأما فيما إذا شرط أن يضمنه فلقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم» [(50)] وهذا قد التزم بذلك والحديث عام، وهناك دليل خاص بالموضوع وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم استعار أدرعاً من صفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ، فقال له صفوان: أغصباً يا محمد؟! قال: «بل عارية مضمونة» [(51)].

كلمة «مضمونة» من قال: إن العارية مضمونة بكل حال، قال: إن «مضمونة» صفة كاشفة ليست مقيدة، والصفة الكاشفة لا يخرج مفهومها عن الحكم، فكأنه قال: عارية، وكل عارية مضمونة، والذين قالوا: لا تضمن إلا بشرط، قالوا: إن الصفة «مضمونة» مقيِّدة وليست كاشفة، وإذا تعارض القولان هل الصفة مقيدة أو كاشفة؟ فالأصل أنها مقيدة؛ لأن الكاشفة لو حذفت لاستقام الكلام بدونها، والمقيدة لا يتم الكلام إلا بها، والأصل أن المذكور واجب الذكر، وعليه فتكون الصفة هنا مقيدة وهو الصحيح، فتكون دالة على أن العارية تضمن إن شرط ضمانها وإلا فلا.

فإن قال قائل: بأي شيء تردون استدلالهم بالدليلين السابقين؟

الجواب: أن الله يقول: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}} [النساء: 58] والأمانات ترد إذا كانت باقية، أما إذا تلفت فالآية ليس فيها دليل على وجوب الرد،؛ لأن الأمانات زالت وتلفت.

وكذلك نقول في حديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» [(52)] هذا يدل على أنه موجود وأنه يجب أداؤه لصاحبه حيث وجب أداؤه إليه.

ثم نقول: أنتم أنفسكم لم تأخذوا بمقتضى الآية، فالمستأجر عندكم الذي بيده العين المستأجرة أمين، والعين بيده أمانة، ومع ذلك تقولون: لو تلفت العين المستأجرة تحت يده بغير تعدٍّ ولا تفريط فليس بضامن، فكيف تستدلون بالآية على شيء وتخرجون ما تشمله الآية، والحكم واحد فيهما؟!

إذاً فلا دلالة في الآية والحديث على ما ذهبوا إليه، وتبقى العارية على القواعد العامة، وهي أنها وقعت بيد المستعير برضا صاحبها، فيد المستعير يد أمينة، والأمين لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط، هذه هي القاعدة الشرعية العامة.

أما إذا شرط ضمانها فلقول الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}} [المائدة: 1] ولقوله: {{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ}} [الإسراء: 34] ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم» [(53)]، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم لصفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ: «بل عارية مضمونة» [(54)]، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.

وقوله: «وتضمن العارية» الضامن هو المستعير.

قوله: «بقيمتها» يعني إن كانت متقوِّمة، وبمثلها إن كانت مِثْلِيَّة، فالتعبير هنا بقيمتها فيه قصور، وكان الواجب أن يقول: (وتضمن العارية ببدلها يوم تلفت)؛ لأنه إذا قال: ببدلها فالبدل يشمل القيمة والمثل.

والقاعدة عندنا في ضمان المُتلفات: (أن المثلي يضمن بمثله، والمتقوم يضمن بقيمته) لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إناء بإناء، وطعام بطعام» في قصة معروفة، وهي أنه صلّى الله عليه وسلّم كان عند إحدى زوجاته ـ رضي الله عنهن ـ فأرسلت الزوجة الأخرى خادمها بطعام في صحفة، فدخل الخادم بالطعام والصحفة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم في منزل الضرَّة، فأصابتها الغيرة، فضربت بيد الخادم حتى سقطت الصحفة وانكسرت، فأخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم طعام المرأة التي هو عندها وصحفتها وأعطاها الخادم، وقال: «إناء بإناء، وطعام بطعام» [(55)] فهنا ضُمِن بالمثل؛ لأن هذا مثلي.

لكن في الإعتاق لما بيَّن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن من أعتق شركاً له في عبد سرى عتقه إلى نصيب شركائه قال: «وقُوِّمَ عليه قيمة عدل» [(56)] فأوجب القيمة، لأنه ليس مثلياً، يتعذر فيه تحصيل المثل فهو متقوم.

والفرق بين المتقوم وبين المثلي:

أن المثلي ضابطه عند الفقهاء (كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة، يصح السَّلَم فيه) وهذا الضابط يضيِّق المثليات تضييقاً بالغاً.

فقولهم: (كل مكيل أو موزون) يخرج به ما سواهما، مع أن الحيوان يمكن أن يكون مثلياً والمعدود يمكن أن يكون مثلياً، والمذروع يمكن أن يكون مثلياً، وما أشبه ذلك، لكن هم يخصونه بالمكيل والموزون.

وقولهم: (ليس فيه صناعة مباحة) فإن كان فيه صناعة مباحة فإنه يخرج عن كونه مثلياً، فالبر إذا طُبِخ وكان طعاماً خرج عن كونه مثلياً، مع أن أصله مكيل، وكذلك ـ أيضاً ـ الأواني ليست مثلية مع أن أصلها موزون.

وأما قولهم: (مباحة) فاحترازاً من الصناعة المحرمة؛ لأن الصناعة المحرمة وجودها كالعدم.

وأما قولهم: (يصح السلم فيه) فهذا ـ أيضاً ـ شدد التضييق، فهو احتراز مما كان مكيلاً أو موزوناً، لكنه يختلف ولا ينضبط بالصفة فإنه لا يكون مثلياً.

والصحيح أن المثلي ما كان له مثيل مطابق أو مقارب تقارباً كثيراً، ويدل لهذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لزوجته التي كسرت الإناء، وأفسدت الطعام: «إناء بإناء، وطعام بطعام» [(57)] ولم يضمنها بالقيمة، ثم إننا نقول: الصناعة الآن تتقدم، ومن المعلوم أن الفناجيل ـ مثلاً ـ من الزجاج مصنوعة، وهي مثلية قطعاً، فمماثلة الفنجال للفنجال أشد من مماثلة صاع البر لصاع البر، وهذا أمر معلوم، والحلي ـ مثلاً ـ والأقلام، والساعات، كل هذه مثلية، وهي على حد الفقهاء ليست مثلية.

فالصواب إذاً: أن المثلي ما كان له مماثل أو مقارب مقاربة تامة، فإذا استعار إناء ثم انكسر الإناء ـ فعلى ما اخترناه ـ يُضمن بإناء مثله، وعلى كلام الفقهاء يضمن بقيمته، والأقرب إلى العدل أن يُضمن بمثله.

قوله: «يوم تلفت» أي: في وقت التلف، فإذا كانت مثلية فالأمر واضح، يؤدي المستعير مثلها قَلَّت القيمةُ أو نقصت، ولكن إذا كانت متقومة، فيقول المؤلف: تضمن بقيمتها يوم تلفت، لا في وقت التضمين، ولا في وقت الإعارة؛ لأن لدينا ثلاثة أزمان: زمن الإعارة، وزمن التلف، وزمن المطالبة، والمعتبر زمن التلف؛ لأنه هو الذي خرج ملك صاحبها عنها فيه، أي: في وقت التلف.

مثال ذلك: رجل استعار إناء في واحد من محرم، وتلف يوم الخامس عشر من محرم، وضمنه المعير يوم الثلاثين من محرم، قيمة الإناء حين الاستعارة عشرة، وقيمته حين التلف عشرون، وقيمته حين المطالبة ثلاثون، فيلزم بالعشرين التي هي قيمته يوم التلف، والعلة في ذلك أن العارية قبل تلفها على ملك صاحبها له غنمها وعليه غرمها، فإذا تلفت زال ملكه عنها، فصار هذا هو وقت التقويم.

قوله: «ولو شرط نفي ضمانها» يعني أن المستعير يضمن العارية ولو شرط على صاحبها أن لا يضمنها، وهذه إشارة خلاف، فإن العلماء ـ رحمهم الله ـ اختلفوا في العارية هل هي مضمونة سواء شُرِط ضمانها، أم شُرِط نفيه، أو سُكِت، أو هي غير مضمونة؟ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يرون أنها مضمونة بكل حال، حتى لو شرط المستعير أنه لا ضمان عليه إذا تلفت فإن هذا الشرط لاغٍ؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، إذ مقتضى العقد الضمان مطلقاً، وكل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه شرط لاغٍ، وقد مر هذا الضابط في باب الشروط في البيع.

مثال ذلك: إنسان استعار من شخص عشرين فنجالاً، والفنجال من الزجاج، يمكن أن ينكسر، فقال المستعير: لا ضمان عليَّ إن تكسرت الفناجيل، فوافق المعير، ثم تكسرت، فعند الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يضمن ولو كان قد شرط أن لا يضمن ورضي بذلك المالك؛ لأن هذا الشرط ـ على كلامهم ـ مخالف لمقتضى العقد، فيكون داخلاً فيما أبطله النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [(58)].

القول الثاني : أنها لا تضمن إلا بشرط الضمان، وإلا فلا ضمان إلا بتعدٍّ أو تفريط، يعني أنه إن اشترط مالكها على المستعير أن يضمنها ضمنها، وإلا فلا ما لم يتعدَّ أو يفرط.

القول الثالث : أنها تضمن إلا إذا شرط عدم الضمان.

والصواب: أن العارية كغيرها من الأمانات؛ لأنها حصلت بيد المستعير على وجه مأذون فيه، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، فيد المستعير يد أمانة، ليست يد خيانة، وإذا كانت يد أمانة فلا ضمان على الأمين، ووجه كونها يد أمانة أن هذه العارية حصلت بيد المستعير بإذن مالكها، فهو الذي سلطه عليها، فكيف نضمنه بكل حال؟!

فإن شُرِط عليه الضمان، يعني لو قال المعير: إن عليك الضمان مطلقاً سواء حصل منك تعدٍّ أو تفريط أو لا، فهذا محل نظر؛ لأننا قد نقول: إنه إذا شرط أن يضمن فعليه الضمان لعموم الحديث: «المسلمون على شروطهم» [(59)]، وقد يقال: لا ضمان عليه؛ لأنه أمين، فكما أن المستأجر لو شُرِط عليه أن يضمن فالشرط غير صحيح فكذلك هذا، والأقرب أنه كغيره من الأمناء أنه لا يضمن حتى لو شرط، وهذا مذهب أبي حنيفة، وهذا هو القول الرابع وهو قول قوي جداً، لكن لو قال المعير: لا أعيرك إلا بهذا الشرط؟ فقد يضطر المستعير إلى قبوله؛ لأنه محتاج.

قوله: «وعليه» أي: على المستعير.

قوله: «مؤونة ردها» أي: تكلفة ردها إلى صاحبها، فإذا قدرنا أن العارية تحتاج إلى تحميل؛ لأنها أوانٍ كثيرة، وتحتاج إلى رفق وتأنٍ؛ لأنها تتكسر، ومثل هذه تحتاج إلى تكلفة بيِّنة، فهل المؤونة على المستعير أو على المعير؟ نقول: هي على المستعير والدليل:

أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» [(60)] فكل ما يلزم من رد هذه العين فإنه على المستعير.

ثانياً: أن المستعير قبضها لحظ نفسه المحض، فكان عليه في مقابلة هذه المصلحة تحمل نفقة الرد.

ثالثاً: أن المعير محسن، وقد قال الله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [البقرة: 195] .

رابعاً: أننا إذا ألزمنا المعير بمؤونة الرد كان في هذا سد لباب العارية.

قوله: «لا المؤجرة» يعني أن المؤجرة مؤونة ردها على المؤجِر وليست على المستأجر.

مثال ذلك: رجل استأجر من شخص آلة حراثة، وآلة الحراثة تحتاج إلى مؤونة في ردها، تحتاج إلى سائق، وإلى وقود، فالمؤونة على صاحبها وليست على المستأجر؛ ووجه ذلك أن المستأجر قبضها لمصلحته ومصلحة مالكها، وَرَدُّها لمصلحة المالك، فكانت المؤونة على مالكها، بخلاف المعارة فإن المستعير قبضها لمصلحته الخاصة فلزمه ردها إلى أهلها لقوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}} [النساء: 58] ولأن المستأجر أعطى المؤجر الأجرة في مقابلة النفع، فهو بدل ببدل، وهذا يقتضي أنه لا مؤونة على المستأجر، كما لو استأجرت بيتاً فخرب منه شيء، فأجرة تعميره على المؤجر إلا إذا كان خرابُهُ بتعدٍّ أو تفريط.

قوله: «ولا يعيرها» أي: أن المستعير لا يجوز أن يعير العين التي استعارها، بخلاف المستأجر، فإن له أن يعير، وله أن يؤجر بشرط أن لا يلحق العين المؤجَرة ضرر، أما المستعير فلا يعيرها، ولا حتى أباه، فلو أن رجلاً استعار إناء من شخص وصار عند أبيه ضيوف، فقال له: أعرني هذا الإناء فلا يعيره؛ لأن المؤلف يقول: «ولا يعيرها» ؛ ووجه ذلك أن المستعير يملك الانتفاع بالإذن المجرد ولا يملك النفع، والمعير إنما أعار هذا الشخص ولم يعرها غيره، فلا يحل له أن يعيرها؛ لأنه إن أعارها فقد تصرف في مال غيره بغير إذنه.

ولو استعار إنسان كتاباً وكان زميله يحتاج هذا الكتاب لليلة واحدة، فقال زميله: أعرني الكتاب هذه الليلة فقط؟ فلا يعيره، وله أن يعتذر ويقول: أنا مستعير والملك لغيري، والمستعير مالك للانتفاع وليس مالكاً للنفع، ونظير ذلك إنسان يدعو إخوانه لطعام الوليمة، فهل يملك أحد المدعوين أن يتصدق من الطعام، أو يبيع؟ لا يملك؛ لأنه إنما أذن له بالأكل وليس مالكاً، والإذن بأكل طعام الوليمة إباحة وليس تمليكاً؛ ولذلك لا يملك أحد من المدعوين أن يأخذ شيئاً من هذا الطعام ليبيعه أو يتصدق به.

وهل يؤجرها؟ لا، لا يؤجرها، وهذا من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا يملك أن يعيرها والعارية سنة وإحسان، فكونه ـ أيضاًـ لا يأذن بالانتفاع بها بأجرة أشد امتناعاً.

لكن إذا علم المستعير أن المعير يأذن في مثل ذلك عادة، يعني ـ مثلاً ـ إنسان استعار إناءً من شخص ثم إن أباه احتاج إلى هذا الإناء لكثرة الضيوف عنده، وطلب من ابنه أن يعيره، قلنا: لا يجوز أن يعيره، لكن إذا علم أن المالك يأذن بل يفرح فهل له أن يفعل؟ نعم، له أن يفعل، وكل إنسان يعلم من صاحبه الرضا بتصرفه فلا حرج عليه أن يتصرف.

 

فَإِنْ تَلِفَتْ عَنْدَ الثَّانِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَعَلَى مُعِيرِهَا أُجْرَتُهَا، وَيُضَمِّنُ أَيُّهُمَا شَاءَ.

قوله: «فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها وعلى معيرها أجرتها» «فإن تلفت» أي العارية، «عند الثاني» وهو المستعير مِنَ المستعير الأول، فصار الآن عندنا ثلاثة أطراف، معير، ومستعير أول، ومستعير ثانٍ «إن تلفت عند الثاني استقرت عليه» أي: على الثاني قيمتها، فالقيمة تكون على الثاني؛ لأنها تلفت عنده تحت يده، فهو مباشر، والمستعير المعير متسبب ـ إن صح أن نقول: إنه متسبب ـ لكن المستعير الثاني مباشر فيكون الضمان عليه، لكن عليه ضمان قيمتها، أما ضمان منفعتها فهي على المستعير الأول مدة بقائها عند المستعير الثاني؛ لقوله: «وعلى معيرها أجرتها» فلو بقيت ـ مثلاً ـ عشرة أيام، ومثل هذه العارية تؤجر كل يوم بخمسة ريالات فكم قدر الأجرة؟ خمسون ريالاً، يضمنها المستعير الأول.

فصار عندنا الآن شيئان: عين العارية يضمنها المستعير الثاني، ومنفعة العارية يضمنها المستعير الأول.

أما كون المستعير الثاني يضمن العين؛ فلأنها تلفت تحت يده بغير إذن من الشرع ولا إذن من المالك؛ لأننا قلنا: إن إعارتها حرام، فبقاؤها عنده بغير إذن من الشارع ولا من المالك يوجب الضمان عليه.

وأما كون المستعير الأول يضمن المنفعة؛ فلأنه يملك الانتفاع بالعارية بنفسه ولا يملك النفع، فتصرفه فيه بإعارته ليس مأذوناً فيه فلزمه ضمانه.

فالخلاصة: أنه يحرم على المستعير الأول أن يعيرها، فإن فعل فعليه ضمان المنفعة من حين أعارها سواء تلفت أو بقيت؛ لأنها إن بقيت أخذت من المستعير الثاني وردت للمعير الأول، لكن أجرتها ـ من حين أعارها المستعير الأول إلى أن ردها إلى صاحبها ـ على المستعير الأول، لكن المؤلف قال: «إذا تلفت» يعني جعل الصورة مفروضة فيما إذا تلفت؛ لأجل أن يفرق بين ضمان المنفعة وضمان العين، فإذا تلفت عند الثاني فعليه ضمان العين، وعلى المعير الأول ضمان المنفعة من وقت أن أعارها للثاني حتى تلفت.

وإذا لم تتلف ترد إلى صاحبها المعير الأول، ويضمن المستعير الأول أجرتها مدة بقائها عند الثاني.

قوله: «ويضمن أيهما شاء» يعني للمالك أن يُضَمِّن العين المستعير الأول والمستعير الثاني؛ لأن المالك يقول للمستعير الأول: أنا لم آذن لك في أن تدفعها إلى هذا الرجل، فأنت متعدٍّ فعليك الضمان، ويقول للثاني إذا أراد أن يُضَمِّنه: العين تلفت تحت يدك، فعليك الضمان، لكن إذا ضمن أحدهما فعلى مَنْ يستقر الضمان؟ نقول: يستقر على الثاني إن كان عالماً بأن المستعير الأول قد أعارها بدون إذن من مالكها، فقرار الضمان عليه؛ لأنه متعدٍّ، وإن كان لا يعلم فإذا ضَمَّنه المالك يرجع على المستعير الأول الذي أعاره؛ لأن الرجل جاهل، والأصل في تصرف الإنسان أنه يتصرف في ملكه، فيكون قرار الضمان على الأول.

مثال ذلك: زيد استعار من عمرو سيارة، ثم أعارها خالداً، فتلفت السيارة، فنقول لعمرو: ضمِّن المنفعة زيداً من حين أعارها إلى خالد، وضَمِّن خالداً السيارة؛ لأنها تلفت تحت يده، وإن شئت فضمنها زيداً؛ لأن لك أن تضمن هذا أو هذا، بقي علينا قيمة السيارة التي ضُمِّنَها خالد، هل يرجع بها على زيد، أو لا يرجع؟

نقول: إن كان عالماً بأن السيارة عارية وأنه لم يؤذن لزيد بإعارتها فقرار الضمان عليه؛ لأن يده يد غاصب، وإن كان لا يعلم فقرار الضمان على زيد؛ لأنه إذا كان يعلم أن المستعير الأول ـ وهو زيد في المثال ـ لم يؤذن له فقد أخذ مالاً بغير حق، وإن كان لا يعلم فهو معذور، ولذلك نقول: يكون قرار الضمان على المستعير الأول.

 

وَإِن أَرْكَبَ مُنْقَطِعَاً لِلثَّوَابِ لمْ يَضْمَنْ. .............

قوله: «وإن أركب منقطعاً للثواب لم يضمن» هذه مسألة تشبه العارية وليست عارية، إنسان «أركب منقطعاً» يعني منقطعاً في الطريق، أركبه للثواب، وليس بأجرة، أركبه تبرعاً وتقرباً إلى الله ـ تعالى ـ بذلك، فهذا الذي أُركِب لو تلفت الدابة تحته لم يضمن، لأن الذي أركبه للثواب يده على راحلته، ويُتصور هذا فيما سبق من الأسفار، رجل راكب ناقته فوجد في الطريق شخصاً منقطعاً، فنزل عن راحلته وأركبه تقرباً إلى الله، ويده على راحلته، والمنقطع هو المنتفع، فعثرت البعير وانكسرت أو ماتت، فهل على هذا الراكب الذي يشبه المستعير ضمان؟

الجواب: يقول المؤلف: لا؛ ووجه ذلك أن يد صاحبها عليها، لم تزل، فلا ضمان على هذا الراكب، وهذه إحدى المسائل التي لا تضمن فيها العارية.

المسألة الثانية : إذا تلفت فيما استعيرت له، فإنه لا ضمان فيها، مثال هذا: رجل استعار رِشاء من شخص ـ والرشاء هو الحبل الذي يستخرج به الماء من البئر ـ ثم إن الرشاء بالاستعمال تلف، هل يضمن المستعير أو لا؟ نقول: لا يضمن؛ لأن العارية هنا تلفت فيما استعملت له.

ونظير ذلك لو استعار سيارة إلى مكة ـ مثلاً ـ، وتآكلت عجلات السيارة، فلا يضمن؛ لأنها تلفت فيما استعيرت له.

ولو استعار منشفة ليستعملها، ومع طول الوقت زال خَمْلها، فلا يضمن؛ لأنها تلفت فيما استعيرت له.

وهذه المسألة تؤيد القول بأن العارية لا تضمن إذا شرط نفي ضمانها؛ ووجه ذلك أنها إذا تلفت فيما استعملت له فلا ضمان؛ لأن صاحبها حين أعطاها هذا الرجل يستعملها، قد علم أنها سوف تتلف أو تنقص بهذا الاستعمال، فكذلك إذا شرط المستعير أن لا يضمنها فإنه لا شك أنه لا ضمان عليه، بل قلنا: إن الصواب أنه وإن لم يشترط أن لا ضمان عليه إذا تلفت بلا تعدٍّ ولا تفريط، فلا ضمان على المستعير؛ لأنه قبضها من صاحبها بإذن منه فيده يد أمانة.

المسألة الثالثة: إذا استعارها ممن لا ضمان عليه كما لو استعارها من المستأجر، فإذا كان المستأجر لا ضمان عليه وهو أصل فالفرع ـ الذي هو المستعير ـ من باب أولى.

المسألة الرابعة: إذا استعار شيئاً موقوفاً على عموم الناس، كرجل استعار كتباً موقوفة على طلبة العلم ـ وهو من طلبة العلم ـ ثم إن هذه الكتب مع المطالعة والمراجعة تمزقت أو انمحى بعض كتابتها، أو ما أشبه ذلك فلا يضمن؛ لأنه هو نفسه مستحق للانتفاع، فهو من طلبة العلم واستعار من صاحب المكتبة هذه الكتب وصاحب المكتبة لا يملك الكتب؛ لأن الكتب موقوفة على طلبة العلم، فصاحب المكتبة ما هو إلا منظم يعير هذا ويعير هذا ويعير هذا، فإذا تلفت الكتب الموقوفة على طلبة العلم بيد أحد طلبة العلم فلا ضمان عليه؛ لأنه استعملها لا عن طريق العارية ولكن عن طريق الاستحقاق فليس عليه ضمان.

فإن قال قائل: ما تقولون في رجل استعار كتاباً من مكتبة وصار يحشِّي عليه أيضمن أو لا يضمن؟ يضمن؛ لأنه متعدٍّ، وقد بلغنا أن بعض الناس يستعير كتباً حديثية أو فقهية من المكتبات ثم يحشِّي عليها، فيكتب القول الراجح كذا وكذا، وهو قول مرجوح أو هذا القول الذي في الكتاب باطل أو يقول: إنه بدعة؛ لأن بعض الناس يظنون أن خلاف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يكون المخالف فيه ـ لما يظن أنه خلاف النص ـ مبتدعاً، ولو سلكنا هذا المسلك لكان كل الفقهاء مبتدعة إلا في مسائل الإجماع؛ لأنك تقول: خالفتني فأنت مبتدع، وأنا أقول: خالفتني فأنت مبتدع، ويبقى الفقهاء كلهم مبتدعين إلا في مسائل الإجماع، وهذا ما قال به أحد أبداً ولن يقول به أحد، هذه مسائل اجتهادية، يرى أحد من العلماء أن هذا واجب والثاني يقول: غير واجب، فهل نقول هذا مبتدع؟! فالذي يرى أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء وصلى وهو آكل لحم الإبل فهل نقول: أنت مبتدع؟! لا نقول هذا، والذي لا يخلل لحيته في الوضوء لا نقول له: أنت مبتدع!

فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أن يعرف الضوابط في الخلاف فيها.

فعلى كل حال نحن نقول: إن أي إنسان يستعير كتاباً من مكتبة، فإنه لا يجوز أن يحشي عليه أبداً، فإن وجد خطأً لا شك فيه فهل له أن يعدله؟ لا، ليس له أن يعدله، لكن ينبه القَيِّمَ على المكتبة ويقول: هذه الكلمة التي في الصفحة الفلانية خطأ، فإذا قال أصلحها فإنه يصلحها، وإذا باشر القيم تصليحها فهو له.

ثم ذكر المؤلف مسائل الاختلاف بين المعير والمستعير فقال:

 

وَإِذَا قَالَ: أَجَّرْتُكَ، قَالَ: بَلْ أَعَرْتَنِي، أَوْ بِالعَكْسِ عَقِبَ العَقْدِ قُبِلَ قَوْلُ مُدَّعِي الإِعَارَةِ، وَبَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ قَوْلُ المَالِكِ بِأُجْرَةِ المِثْلِ. ...........

«وإذا قال: أجَّرتك، قال: بل أعرتني، أو بالعكس عقب العقد قُبل قول مدعي الإعارة» إذا قال المالك: أجَّرتك، يعني فأريد منك أجرة، وذاك يقول: بل أعرتني، فليس عليَّ أجرة، يقول: «عقب العقد» يعني إذا كان هذا الخلاف بعد العقد مباشرة، بأن قال مثلاً: أعرني هذا الكتاب فأعاره إياه، وبعد أن أخذه بخمس دقائق قال: إنك أعرتني، فقال له: بل أجَّرتك، فالقول قول مدَّعي الإعارة مع يمينه، وإذا جعلنا القول قول مدعي الإعارة سَهُلَ الأمر؛ لأننا إذا قلنا للمالك: أنت قولك مرفوض، والقول قول مدعي الإعارة، سيقول المالك: ما دام أنها عارية أعطني إياها.

أما إذا كان بعد مضي مدة لها أجرة، فيقول المؤلف: «وبعد مضي مدة قول المالك بأجرة المثل» قال المالك: آجرتك، قال: بل أعرتني، فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأن القاعدة أن الأصل فيمن قبض ملك غيره أنه مضمون عليه؛ ولأن الأصل أن الإنسان لا يسلطك على ملكه إلا بعوض، والتبرع أمر طارئ.

ولكن كيف يكون تقدير الأجرة؟ هل نقول: إذا ادعى المالك أنه أجره إياه كل يوم بعشرة ريالات أن القول قول المالك؟ لا؛ لأن الذي أخذها لم يعترف بالإجارة حتى الآن، نقول: نرجع إلى أجرة المثل؛ لأن الله ذكر في المرأة التي لم يسم لها مهر أنها تمتع، وبيَّنت السنة أن تمتيعها أن تعطى مهر المثل، كما في حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه[(61)] ـ فيقال: كم تؤجر هذه العين في مدة أسبوع؟ إذا قالوا: مائة ريال، قلنا: هات مائة ريال، ولكن إذا كانت أجرة المثل أكثر مما ادعى صاحب العين، فالمذهب نعطيه إياها ولو كانت أكثر مما ادعاه، والقول الثاني أننا لا نعطيه إلا ما ادعاه.

ولكن يقبل قول المالك هنا في شيء ولا يقبل في شيء آخر، فيقبل بالنسبة للمدة الماضية ولا يقبل بالنسبة للمدة المستقبلة، لو قال المالك في هذه الصورة: أنا أجرتك إياها لمدة أربعة أيام، وحصل الاختلاف بعد مضي يومين، فنقبل قول المالك فيما مضى من المدة، ولا نقبله فيما يستقبل؛ لأن خصمه ينكره، ويقول: ما أخذتها بأجرة، ولكن بإعارة.

وبهذا نعرف أن الأحكام تتبعض، وهذه قاعدة فقهية، بمعنى أنه إذا وُجد ما يثبت أحدها من وجه دون الآخر، حكمنا بالوجه الثابت وتركنا الوجه الذي لم يثبت، وهذه قاعدة مفيدة تنفعك في مسائل عديدة، ونظير ذلك رجل ادعى على آخر أنه سرق منه مالاً من بيته وأتى بشاهد على ذلك رجل وامرأتين، فهذه الصورة تضمنت حكمين ضمان المال، وقطع اليد، الحد لا يثبت برجل وامرأتين، وإنما يثبت بشهادة رجلين، والمال يثبت بشهادة رجل وامرأتين، ففي هذه الحال نقول: يضمن السارق المال ولا تقطع يده، فهذه صورة واحدة تضمنت حكمين مختلفين لوجود مقتضي أحدهما دون الآخر، فتتبعض الأحكام.

وقوله: «أو بالعكس» قال المالك: أعرتك، قال: بل أجرتني، نقول: إن كان عقب العقد فالقول قول مدعي الإعارة، ومدعي الإعارة في هذه الصورة هو المالك؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة، فإذا قال المالك: أعطني إياها، أعطاه إياها.

أما لو كان ذلك بعد مضي مدة، فالقول قول المالك ـ أيضاً ـ وإن كان مدعي الإعارة، لكنه إذا كان هو مدعي الإعارة فإنه لا أجرة له إذا مضت المدة، يعني بعد أسبوع قال المالك: إني معيرك إياها، وقال من هي بيده: بل هي بالإجارة، وهنا قد يقال: كيف يدعي من هي بيده أنها بالإجارة والمالك يدعي الإعارة؟ نقول: نعم، إذا تلفت فالأحظ للمالك أن يقول: هي عارية؛ من أجل أن تضمن سواء تعدى أو فرط أو لم يتعدَّ ولم يفرط، لكن لو ثبت أنها إجارة لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط.

 

وَإنْ قَالَ: أَعَرْتَنِي، أَوْ قَالَ: أَجَّرْتَنِي، قَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِي، أَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَ، قَالَ: بَلْ أجَّرْتَنِي وَالبَهِيمَةُ تَالِفَةٌ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي رَدٍّ فَقَوْلُ المَالِكِ.

قوله: «وإن قال» أي: من هي بيده.

قوله: «أعرتني أو قال: أجرتني قال: بل غصبتني» أي: أخذتها مني غصباً، يقول المؤلف: القول قول المالك: أنها غصب، وإنما يقول المالك: إنها غصب؛ من أجل أن يضمن الغاصب المنفعة والعين؛ لأنه لو كان مُعِيراً فالمنفعة غير مضمونة على من هي بيده، ولو كان مُؤجِّراً فالمنفعة ـ أيضاً ـ للمستأجر وهي مضمونة عليه بالأجرة، وقد سلَّمها، لكن لو تلفت العين بلا تعدٍّ أو تفريط لم يضمنها، والغاصب يضمن سواء تعدى أم فرط، أو لم يتعدَّ ولم يفرط، ويضمن العين والمنفعة وكل ما يترتب على الغصب من نقص.

قوله: «أو قال» أي: المالك.

قوله: «أعرتك، قال: بل أجرتني والبهيمة تالفة» يعني أو غير تالفة في مسألة الإجارة فالقول قول المالك، فلو قال المالك: أعرتك، قال من هي بيده: بل أجرتني، والبهيمة تالفة، وإذا كانت تالفة وثبت أنها عارية فضمانها يكون على المستعير سواء فرَّط أم لم يفرِّط، وهذا على المذهب، وإذا كانت إجارة لم يضمن إذا لم يتعدَّ أو يفرط، فيقول المؤلف: إن القول قول المالك، وإن لم تكن تالفة؛ لأن الأصل فيمن قبض مال غيره ـ كما سبق ـ الضمان.

قوله: «أو اختلفا في رد فقول المالك» «اختلفا» يعني المعير والمستعير في رد العارية فالقول قول المالك، مثاله: أعار إناء لشخص، ثم جاء يطلبه منه، فقال المستعير: رددته، وقال المعير: لم ترده، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الرد، وبناء على القاعدة المعروفة عند الفقهاء: أن من قبض العين لمصلحة نفسه لم يُقبل قوله في الرد، والمستعيرُ العينُ في يده لمصلحته، فإذا قال: رددتها عليك، قلنا: لا نقبل قولك إلا إذا أتيت ببيِّنة بأنك رددتها، فلو أتى المستعير ببينة أنه رد العارية فإنه يقبل قوله بالبينة، وكل كلام المؤلف في هذه الخلافات فيما إذا لم يكن هناك بينة، أما إذا كان هناك بينة فالبينة قاضية على كل شيء.

وهل هذه هي مسألة المخزومية[(62)]؟

لا، المخزومية تجحد، تقول: ما أعرتني، وهذا يقول: أعرتني ولكن رددتها عليك، وبينهما فرق؛ فإذا ثبت أن هذا لم يردها فإننا لا نقطع يده، لكن الجحد يقتضي أن لا يُطالَب هذا الذي ادُّعِي عليه العارية إلا إذا ثبت أنه مستعير، فبينهما فرق واضح.

ويتفرع على القاعدة السابقة: «أن من قبض العين لمصلحة نفسه لم يقبل قوله في الرد»، أنه إذا كانت المنفعة لصاحب العين لا لمن هي بيده، فهل يُقبل قوله في الرد؟ نعم يقبل، مثل: الوديعة، كرجل أودع عند إنسان شيئاً ثم جاء يطلبه، فقال المُودَع: إني قد رددته عليك، فهنا القول قول المُودَع؛ لأنه إنما قبض العين لمصلحة مالكها، فهو كالوكيل له في حفظها.

أما إذا كانت المنفعة لمصلحتهما جميعاً كالعين المستأجرة، فإن العين المستأجرة بيد المستأجر لمصلحته ومصلحة مالكها، فهي لمصلحته من أجل استيفاء المنفعة التي تم العقد عليها، ولمصلحة مالكها من أجل الأجرة المتفق عليها، فهل نقول: القول قول المستأجر، أو نقول القول قول المُؤجِّر؟ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يغلبون جانب الاحتياط، يقولون: إذا كانت العين بيد الإنسان لمصلحة الطرفين، وادعى ردها فإنه لا يُقبل إلا ببيِّنة، وظاهر كلامهم في هذا: أنه لا فرق بين الرجل المعروف بالصدق والأمانة والحفظ، والرجل المعروف بالكذب والخيانة والنسيان، ولكن لو قيل بأنه يجب النظر إلى القرائن أولاً، فإذا لم يكن قرينة فالقول ما ذهب إليه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ، أما مع القرينة فلا ينبغي أن يُقال: إن القول قول المالك، أو قول من هي بيده، بل يرجع إلى ما تقتضيه القرينة، وهذا هو الأقرب للصواب؛ لأن قرائن الأحوال شواهد بمنزلة البينة، فلو أن شخصاً أعار رجلاً أميناً صدوقاً حافظاً، ثم جاء يطلبه فقال المستعير: قد رددته عليك، وقال المعير: لم ترده عليّ، والمعير معروف بالنسيان، فهنا لا يسوغ أن نقول: إن القول قول المعير؛ لأن هذا الذي ادعى الرد ثقة صدوق حافظ، فيكون القول قوله لكن لا بد من اليمين.

والقرائن تعمل عملها، أرأيتم الحاكم الذي حكم بين يوسف ـ عليه السلام ـ وبين امرأة العزيز، ماذا قال حينما دافع يوسف ـ عليه السلام ـ عن نفسه؟ {{قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي}} [يوسف: 26] وهي ادعت أنه أراد بها سوءاً؟ فهنا الحاكم حكم بالقرينة، ولم يحكم بالبراءة للمرأة، ولا ليوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولكن قال: {{إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *}} [يوسف] لأنه إذا كان من دبر فمعناه أن الرجل هرب منها ولَحِقَته فأمسكت بقميصه، وإذا كان من قُبُل فالمرأة هي المدافعة عن نفسها حتى مزقت القميص، فهذه قرينة.

كذلك القسامة: في القتل يُحكم فيها بالقرينة، ويُهدر الأصل، والقسامة أن يدعي جماعة على قبيلة أنهم قتلوا صاحبهم، وكان بينهم عداوات، وأولياء القتيل ليس عندهم بينة، لكن حلفوا أن فلاناً من هذه القبيلة هو الذي قتل قتيلهم، فالأصل عدم ذلك وهذا قتل نفس، لكن لوجود القرينة وهي العداوة الظاهرة بين القبيلتين تُجرى القسامة، وإذا حلف أولياء المقتول خمسين يميناً أن هذا الرجل هو الذي قتل صاحبهم قُتِل، فهذا حكم بالقرينة، فينبغي أن يقال: إن إطلاق الفقهاء في مثل هذا ما لم تقم قرينة قوية تغلب على الأصل، فإذا وجد قرينة قوية تغلب على الأصل فإنه يُعمل بها.

وقد تكون القرينة أقوى من البينة، ففي المثال السابق المستعير رجل أمين صدوق حافظ، وادعى أنه رد العارية، وصاحب العارية بالعكس، فهنا يكاد الإنسان يشهد أن القول قول المستعير، فقد تكون هذه القرينة أقوى من أن يأتي بشاهد واحد ويحلف معه، أو يأتي بشاهدين أو شاهد وامرأتين، فعلى كل حال ما ذكروه ـ رحمهم الله ـ في هذه المسائل ينبغي أن يُقيد بما إذا لم توجد قرينة قوية تؤيد أحد المدعيين فيُعمل بها.

مسألة: متى يجب على المستعير أن يرد العارية؟

الجواب: يجب على المستعير أن يرد العارية في أحوال منها:

الأولى: إذا انتهت المدة إذا كان قد قدر لها مدة.

الثانية: إذا طلبها صاحبها.

الثالثة: إذا خاف عليها من سراق أو غيرهم.

الرابعة: إذا سافر المستعير.

الخامسة: إذا تم انتفاعه بها لما استعارها من أجله، كأن يستعير شخص كتاباً؛ لأن عنده اختباراً فإنه يلزمه رده بمجرد أن ينتهي اختباره.

 

------------------------

 

[43]   أخرجه البخاري في جزاء الصيد/ باب ما يقتل المحرم من الدواب (1829)؛ ومسلم في الحج/ باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (1198) (71) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.

[44]   أخرجه البخاري في الجهاد والسير/ باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجّة (3006)؛ ومسلم في الحج/ باب سفر المرأة مع المحرم إلى حج وغيره (1341) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.

[45]   أخرجه الإمام أحمد (5/326)؛ وابن ماجه في الأحكام/ باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (2340) عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ، وأخرجه الإمام أحمد (1/313)؛ وابن ماجه (2341) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وأخرجه مالك (2/745) مرسلاً، وللحديث طرق كثيرة يتقوى بها ولذلك حسنه النووي في الأربعين (32)؛ وابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/210)؛ والألباني في الإرواء (896).

[46]   أخرجه البخاري في الإيمان/ باب علامات المنافق (33)؛ ومسلم في الإيمان/ باب خصال المنافق (59) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

[47]   علقه البخاري بصيغة الجزم في الإجارة/ باب أجرة السمسرة، ووصله أبو داود في القضاء/ باب المسلمون على شروطهم (3594)؛ والحاكم (2/92) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

           وأخرجه الترمذي في الأحكام/ باب ما ذكر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الصلح بين الناس (1352) عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده، وقال: حسن صحيح.

           وأخرجه الدارقطني (3/27، 28)؛ والحاكم (2/49، 50) عن عائشة وأنس ـ رضي الله عنهما ـ بلفظ: «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق»؛ وصححه النووي في المجموع (9/464)؛ والألباني في الإرواء (1303)؛ .

[48]   سبق تخريجه ص(20).

[49]   أخرجه الإمام أحمد (5/8)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في تضمين العارية (3561)؛ والترمذي في البيوع/ باب ما جاء أن العارية مؤداة (1266)؛ وابن ماجه في الصدقات/ باب العارية (2400)؛ والحاكم (2/47) عن سمرة ـ رضي الله عنه ـ.

          قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

[50]   سبق تخريجه ص(115).

[51]   أخرجه الإمام أحمد (3/401)؛ وأبو داود في البيوع/ باب في تضمين العارية (3562)؛ والحاكم (2/47) عن صفوان بن أمية ـ رضي الله عنه ـ وأخرجه الحاكم (3/48، 49) عن جابر ـ رضي الله عنه ـ وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الإرواء (1513).

[52]   سبق تخريجه ص(117).

[53]   سبق تخريجه ص(115).

[54]     سبق تخريجه ص(117).

[55]   أخرجه الترمذي في الأحكام/ باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر... (1359) عن أنس ـ رضي الله عنه ـ وقال: حسن صحيح، والحديث في البخاري دون قوله: «طعام بطعام وإناء بإناء» (2481).

[56]   أخرجه البخاري في العتق/ باب إذا أعتق عبداً بين اثنين (2522)، ومسلم في العتق/ باب من أعتق شركاً له في عبد (1501)، عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.

[57]   سبق تخريجه ص(120).

[58]   سبق تخريجه ص(15).

[59]   سبق تخريجه ص(115).

[60]     سبق تخريجه ص(117).

[61]   أخرجه الإمام أحمد (1/430، 447)؛ وأبو داود في النكاح/ باب فيمن تزوج ومات ولم يسم لها صداقاً (2114)؛ والترمذي في النكاح/ باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها (1145)؛ والنسائي في الطلاق/ باب عدة المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل بها (6/198)؛ وابن ماجه في النكاح/باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك (1891)؛ وابن حبان (4098)؛ والحاكم (2/180) عن معقل بن سنان ـ رضي الله عنه ـ، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

[62]   أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3475)؛ ومسلم في الحدود/ باب قطع السارق الشريف وغيره (1688) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقطع يدها». وهذا اللفظ لمسلم.

 

 

تاريخ التحديث : Feb 19, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com