المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر
بَابُ مِيرَاثِ القَاتِلِ، وَالمُبَعَّضِ، وَالوَلاءِ
 

 

بَابُ مِيرَاثِ القَاتِلِ، وَالمُبَعَّضِ، وَالوَلاءِ

 

مَنِ انْفَرَدَ بِقَتْلِ مُوَرِّثِهِ، أَوْ شَارَكَ فِيهِ مُبَاشَرَةً، أَوْ سَبَباً بِلاَ حَقٍّ، لَمْ يَرِثْهُ إِنْ لَزِمَهُ قَوَدٌ أَوْ دِيَةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ، وَالمُكَلَّفُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ،........

 قوله: «باب ميراث القاتل والمبعض والولاء» «القاتل» معروف هو الذي أزهق روح إنسان بسبب أو مباشرة، و «المبعض» هو الذي بعضه حر وبعضه رقيق، و «الولاء» يعني ما هو الولاء وما كيفية الإرث به؟

قوله: «من انفرد بقتل مورثه» بأن أخذ السيف وجَزَّ رأسه، هذا منفرد، أو دهسه بالسيارة بلا عمد لكن خطأ فهذا منفرد.

قوله: «أو شارك فيه» بأن صار الخطأ في الحادث بينه وبين آخر، أو اشترك اثنان في قتله، كل واحد قتله بسهمه.

قوله: «مباشرة» بأن يفعل سبب القتل هو بنفسه مباشرة.

قوله: «أو سبباً» بأن يحفر أمامه حفرة فيسقط فيها، فهنا ما باشر، لكن كان سبباً.

قوله: «بلا حق» فإن كان بحق ـ وسيذكره المؤلف ـ فإنه يرث.

قوله: «لم يرثه إن لزمه قود أو دية أو كفارة» يلزمه القود إذا كان عمداً، وتلزمه الدية إذا كان خطأ أو شبه عمد، وتلزمه الكفارة ـ على المشهور من المذهب ـ إذا قتل بين صف الكفار لقوله تعالى: {{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}} [النساء: 92] ، ولم يذكر الدية، وهذا في المؤمن إذا كان في صف الكفار، ثم قتله مؤمن فهذا يلزمه الكفارة، ولا تلزمه الدية؛ لأنه أهدر نفسه حيث صار في صف الكفار.

والقول الثاني في الآية: أنها في المؤمن يكون ورثته كفاراً، وهذا هو الصحيح والمتعين، فهو رجل مؤمن ورثته كفار أعداء لنا، فهذا تجب فيه الكفارة؛ لأنه مؤمن، ولا تجب الدية؛ لأننا لو بذلنا الدية سيأخذها الكفار، فلا نعطيهم ما يستعينون به على قتال المسلمين.

قوله: «والمكلف وغيره سواء» ، يعني حتى غير المكلف، فلو كان صبي له عشر سنوات يلعب ببندقية وأصاب مورثه فإنه لا يرث؛ لأن هذه حقوق مالية تتعلق بالعباد، فلا فرق فيها بين المكلف وغير المكلف.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يرث القاتل ولو كان خطأ محضاً، واستدل هؤلاء بحديث: «ليس للقاتل من الميراث شيء» [(118)]، وهذا لا يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وإذا لم يصح نرجع إلى القواعد العامة، فإذا علمنا يقيناً أن هذا الوارث لم يتعمد القتل فإننا لا نمنعه؛ لانه قد استحق الميراث، فكيف نحرمه منه؟! وهذا يقع كثيراً.

ونضرب مثلاً يتبين به ضعف هذا القول، أنه لا يرث ولو كان خطأ محضاً: رجل له ولدان وهو ذو أموال كثيرة، أما الأكبر منهما فكان عاقاً لأبيه ولا يعرفه، وأما الثاني فهو بار بأبيه يخدمه ويجتهد في كل بر وإحسان، فقال الرجل للولد البار: أحب أن أذهب إلى العمرة، والولد يجيد قيادة السيارة، سافر هو وأبوه وأراد الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يكون حادث على يد هذا الولد البار خطأ بدون قصد، مات الأب وعنده الملايين، من يرثه؟ العاق يرثه والبار لا يرثه!! لا يمكن أن تأتي الشريعة بمثل هذا، ابن يحب أن تكون المصيبة عليه دون أبيه، ويحب أن ينجرح رأسه دون أن يَمس أصبعَ أبيه شيءٌ نقول: يُحرم من الميراث، وهذا الولد العاق هو الذي يرث!! الشريعة لا تأتي بمثل هذا، وما دام الحديث لم يصح فلنرجع إلى القواعد العامة، فهل يمكن أن يتهم هذا الذي كان باراً بأبيه بأنه تعمد قتله لأجل أن يرثه؟ لا يمكن بأي حال من الأحوال، ولهذا نقول: القول الصواب في هذه المسألة الذي لا يجوز سواه فيما نرى، أن القتل خطأً لا يمنع من الميراث، وأننا لو منعناه من الميراث فقد حرمناه حقاً أثبته الله له في كتابه {{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] .

والتهمة في مثل هذه الصور التي ذكرناها بعيدة جداً، وإذا كانت التهمة بعيدة وسبب الإرث موجود، فكيف نمنع نفوذ هذا السبب من أجل طرد القاعدة؟! لا يصح، ولهذا كان مذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة أصح المذاهب، يقول: لا يمكن أن نمنع هذا من الميراث، ولا نمنعه إلا إذا عرفنا أنه أخذ السكين، وأضجع والده فذبحه، ففي هذه الحال لا يرث؛ لأن التهمة قوية جداً، لا سيما إن كان قد توعده، وقال: يا أبي أعطني أتزوج، أنا ما عندي فلوس، قال: لا، قال الولد: بيني وبينك الأيام سأرثك غصباً عليك، ثم جاء يوم من الأيام وأضجعه وذبحه بالسكين، هذا لا يمكن أن نورثه ولا تأتي الشريعة بتوريثه؛ لأنه تعمد قتل أبيه لينال ميراثه، وما أحسن ما قعَّده ابن رجب ـ رحمه الله ـ قال: «من تعجل شيئاً قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه».

إذاً القول الراجح في مسألة القتل أنه إذا تعمد الوارث قتل مورثه عمداً لا شك فيه فإنه لا يرث، وإن كان خطأ فإنه يرث، ولكن هل يرث من الدية التي سيبذلها؟ لا يرث؛ لأن الدية غرم عليه، وقد جاء في حديث رواه ابن ماجه: «أنه يرث من تلاد ماله» [(119)]، يعني قديمه، فيرث من المال لا من الدية.

وفي قولنا: لا من الدية، إشارة إلى أن الدية تثبت على ملك المقتول، فتكون ملكاً للمقتول تورث عنه ويخرج منها الثلث، وهنا يجب أن ننتبه إلى مسألة مهمة، وهي أن بعض الناس إذا حضر القاتل خطأً رحموه، ورقوا له وعفوا عن الدية، فالمقتول له أولاد صغار أو أولاده كلهم راشدون، ولكن عليه دين فيعفون، فالعفو هنا غير صحيح؛ لأن الميراث لا يثبت إلا بعد قضاء الدين {{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ}} [النساء: 11] ، فإذا عفوا والميت عليه دين، قلنا: العفو غير صحيح، وتؤخذ الدية ويقضى بها دين الميت، وهذه مسألة قَلَّ من ينتبه لها، ولذلك على أولياء المقتول ألا يعفوا حتى ينظروا هل عليه دين أو لا؟ ثم بعد ذلك ينظرون هل في الورثة قُصَّر أو لا؟

 

وَإِنْ قُتِلَ بِحَقٍّ قَوَداً أَوْ حَدًّا أَوْ كُفْراً أَوْ بِبَغْيٍ ..............

قوله: «وإن قتل بحق قوداً» يعني قصاصاً فإنه يرث، مثال ذلك: أخوان لهما أب فقام الأكبر فقتل أباه عمداً فإنه لا يرث منه، فقام الأصغر وقتل أخاه قصاصاً يرث، إذاً صار ميراث الأب والابن الأكبر للأخ الصغير، فحاز ميراث الرجلين، أما أبوه؛ لأن أخاه قتله عمداً فلا حق له، وأما أخوه فلأنه قتله بحق.

قوله: «أو حدًّا» هل هناك شيء من الحدود يصل إلى القتل؟ نعم، رجم الزاني، لو أن الوارث شارك في رجم الزاني، الذي هو مورثه فإنه يرث.

قوله: «أو كفراً» نحن ذكرنا أن من موانع الإرث اختلاف الدين، فكيف يقتله بالكفر؟ هذا على القول بأن الولاء لا يمنع فيه اختلاف الدين فتصح هذه الصورة، أو القول بأن المرتد يرثه أقاربه كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.

قوله: «أو ببغي» يشير إلى البغاة وهم الذين يخرجون على الإمام ـ يعني على السلطان ـ بتأويل سائغ، فيقولون للإمام: أنت فعلت كذا وفعلت كذا، فهؤلاء بغاة يُقاتَلون، يجب على الرعية أن يساعدوا السلطان على قتالهم؛ لأنهم بغاة، والأئمة لا يجوز الخروج عليهم إلا بشروط مغلظة؛ لأن أضرار الخروج عليهم أضعافُ أضعافُ ما يريد هؤلاء من الإصلاح، وهذه الشروط هي:

الأول: أن نعلم علم اليقين أنهم أتوا كفراً.

الثاني: أن نعلم أن هذا الكفر صريح ليس فيه تأويل، ولا يحتمل التأويل، صريح ظاهر واضح؛ لأن الصريح كما جاء في الحديث هو الشيء الظاهر البين العالي، كما قال الله تعالى عن فرعون أنه قال لهامان: {{ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ}{أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ}} [غافر: 36، 37] فلا بد أن يكون صريحاً، أما ما يحتمل التأويل، فإنه لا يسوِّغ الخروج عن الإيمان.

الثالث: أن يكون عندنا فيه من الله برهان ودليل قاطع مثل الشمس أن هذا كفر، فلا بد إذن أن نعلم أنه كفر، وأن نعلم أن مرتكبه كافر لعدم التأويل، كما قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان»[(120)] وقالوا: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة[(121)] ، أي: ما داموا يصلون.

الرابع: القدرة على إزالته، أما إذا علمنا أننا لا نزيله إلا بقتال، تُراقُ فيه الدماء وتستباح فيه الحرمات، فلا يجوز أن نتكلم أبداً، ولكن نسأل الله أن يهديه أو يزيله؛ لأننا لو فعلنا وليس عندنا قدرة، فهل يمكن أن يتزحزح هذا الوالي الكافر عما هو عليه؟ لا، بل لا يزداد إلا تمسكاً بما هو عليه، وما أكثر الذين يناصرونه، إذاً يكون سعينا بالخروج عليه مفسدة عظيمة، لا يزول بها الباطل بل يقوى بها الباطل، ويكون الإثم علينا، فنحن الذين وضعنا رقابنا تحت سيوفه، ولا أحد أحكم من الله، ولم يفرض القتال على النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ إلا حين كان لهم دولة مستقلة، وإلا فإنهم كانوا يهانون في مكة، الذي يحبس، والذي يقتل، والذي توضع عليه الحجارة المحماة على بطنه، ومحمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرجع من الطائف، يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه[(122)]، ولم يؤمر بالقتال؛ لأن الله حكيم؛ ولذلك مع الأسف الشديد لا تجد أحداً عصى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وخرج على الإمام بما للإمام فيه شبهة، إلا ندم وكان ضرراً على شعبه، ولم يزل الإمام، ولا أريد بالإمام الإمام الأعظم؛ لأن الإمام الأعظم ذهب من زمان، لكن إمام كل قوم من له سلطة عليهم.

المهم إذا خرج الوارث مع الإمام يقاتل البغاة فقتل مورثه فإنه يرث؛ لأنه قاتَلَهُ وَقَتَلَهُ بحق، قال الله تعالى: {{فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}} [الحجرات: 9] .

 

أَوْ صِيَالَةٍ أَوْ حِرَابَةٍ أَوْ شَهَادَةِ وَارِثِهِ، أَوْ قَتَلَ العَادِلُ البَاغِيَ وَعَكْسُهُ وَرِثَهُ، وَلاَ يَرِثُ الرَّقِيقُ وَلاَ يُورَثُ، ........

قوله: «أو صيالة» ، هذا مورث صال على وارثه ولم يندفع إلا بالقتل، فله قتله، يدافع بالأسهل فالأسهل، فإذا لم يمكن دفاعه إلا بالقتل فقتله فإنه يرث؛ لأن الصائل لا حرمة له.

قوله: «أو حرابة» ، الحرابة يعني المحاربين الذين يتعرضون للناس بالسلاح في الصحراء، أو في البنيان ويغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة، ويُسمَّوْن قطاع الطريق، فإذا قتلهم فإنه يرث إذا كان وارثاً.

قوله: «أو شهادة وارثه» ، يعني الوارث شهد بحق أن هذا قاتِلُ هذا، وكان القاتل مورثاً للشاهد فإنه يرث؛ لأن الشاهد قام بحق واجب عليه.

قوله: «أو قتل العادلُ الباغيَ وعكسه ورثه» ، الفرق بينهما أن العادل مدافع والباغي مهاجم، فإذا كان هناك بغاة خرجوا على الإمام، وقتل العادلُ الباغيَ أو بالعكس، فيقول المؤلف: إنه يرثه، وقيل: إن قتل الباغي العادلَ فإنه لا يرث؛ لأنه ليس بحق، وهو الراجح.

قوله: «ولا يرث الرقيق ولا يورث» ، والدليل سبق لنا في أول الفرائض أن الله ـ تعالى ـ جعل الميراث ملكاً للوارث، والرقيق لا يملك، فلا يرث ولا يورث؛ لأنه لا مال له، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله للذي باعه»[(123)] ، فهو لا يملك، وإذا كان لا يملك، فماذا يورث منه؟!

 

وَيَرِثُ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَيُورَثُ، ويَحْجِبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِن الحُرِّيَّةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْداً فَلَهُ عَلَيْهِ الوَلاَءُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا، وَلاَ يَرِثُ النِّسَاءُ بِالوَلاَءِ إِلاَّ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَهُ مَنْ أَعْتَقْنَ.

قوله: «ويرث من بعضه حر ويورث ويَحْجب بقدر ما فيه من الحرية» إذا كان بعضه حراً وبعضه رقيقاً فالحكم يدور مع علته، فيرث بالحرية ولا يرث بالرق؛ وذلك لأن القاعدة الشرعية أن ما ثبت بسبب تبعض بتبعض ذلك السبب، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، لكن كيف يكون الرقيق مبعضاً، بعضه حر وبعضه عبد؟ مثال ذلك: عبد بين شركاء أعتق أحد الشركاء نصيبه منه، إن كان المعتِق غنياً انسحب العتق على جميع العتيق، وألزم هذا المعتِق بأن يغرم قيمة أنصباء شركائه، كعبد بين شركاء عشرة، وهو يساوي عشرة آلاف ريال، أعتق هذا الرجل نصيبه وهو واحد من عشرة، فيسري العتق إلى جميع العبد ويغرم لشركائه تسعة آلاف ريال، فإن قال: لا أجد شيئاً، فالمذهب أنه يعتق عشر العبد ويبقى تسعة أعشاره رقيقاً.

والقول الثاني: أننا ننتقل إلى المرحلة الثانية، وهي أن نقول للعبد: تكسب ببيع أو شراء أو عمل أو ما أشبه ذلك، حتى تؤدي لأسيادك قيمة أنصبائهم، فإذا قال العبد: لا أقدر، قلنا: عتق منك العشر، وحينئذٍ صار مبعضاً، فيرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية.

قوله: «ومن أعتق عبداً فله عليه الولاء» دليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الولاء لمن أعتق»[(124)] ، وظاهر كلام المؤلف سواء أعتقه تطوعاً، أو أعتقه في زكاة، أو أعتقه في كفارة، فالولاء له.

مثال التطوع: رجل اشترى رقيقاً وقال له: أنت حر، فلا إشكال في كون الولاء للمعتِق في هذه الصورة.

مثال الزكاة: من مصارف الزكاة الرقاب، لقوله تعالى: {{وَفِي الرِّقَابِ}} [التوبة: 60] ، ومن صور ذلك أن يشتري من الزكاة عبداً فيعتقه، فله عليه الولاء، فلو أن هذا العبد اتجر وأغناه الله وصار عنده أموال كثيرة ثم مات، وليس له عصبة فعاصبه المعتِق.

مثال الكفارة: إنسان عليه عتق رقبة كفارة، كرجل ظاهر من زوجته، أو جامعها في رمضان، فأول ما يجب عليه أن يعتق رقبة، فإن أعتق رقبة في الكفارة فالولاء له.

وقال بعض أهل العلم: الولاء في غير التطوع يكون للجهة التي أعتقه من أجلها، فمثلاً إذا أعتقه من الزكاة يكون ولاؤه لأهل الزكاة، الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، وإذا أعتقه في كفارة يكون ولاؤه للفقراء؛ لأنهم مصرف للكفارات، لكن المشهور من المذهب أن كل من أعتق عبداً فله ولاؤه، ولهذا قال المؤلف: «فله عليه الولاء» ، واستدلوا بعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الولاء لمن أعتق»[(125)] .

قوله: «وإن اختلف دينهما» ، أي: فالولاء ثابت.

وقوله : «وإن» هذا إشارة خلاف، فالمؤلف يريد أنه يرث ولو مع اختلاف الدين.

والقول الثاني: أنه لا توارث بينهما وإن ثبت الولاء؛ من أجل اختلاف الدين، وهذا القول هو الراجح أن الولاء ثابت ولكن لا توارث بينهما، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»[(126)] ، فقول المؤلف ـ رحمه الله ـ: «وإن اختلف دينهما» يريد أنه يرث ولو مع اختلاف الدين، ونحن لا نوافقه على ذلك؛ لأن لدينا دليلاً واضحاً صريحاً، لكن هل نوافقه على ثبوت الولاء؟ نعم؛ لأن الولاء ثابت، وهو لحمة كلحمة النسب.

قوله: «ولا يرث النساء بالولاء إلا من أعتقْنَ أو أعتَقَه من أعتقن» ، المرأة لا ترث بالولاء إلا من أعتَقَتْ أو أعتقه من أعتَقَتْ، فلا ترث بالولاء بواسطة النسب، مثال ذلك: ذكر وأنثى اشتريا أباهما ثم عتق عليهما، ثم إن الأب اشترى عبداً فأعتقه، فيرثان أباهما ميراث نسب؛ لأن النسب مقدم، فمثلاً البنت بذلت في قيمة والدها عشرة آلاف والابن بذل خمسة آلاف، يعني بذلت الضعفين فمات الأب، كيف يرثانه؟ للذكر مثل حظ الأنثيين، فلو قالت: أنا بذلت أكثر من أخي في شراء والدي، قلنا: النسب مقدم على الولاء، أما بالنسبة لعتيق الأب إذا مات، فمن يرثه؟ يرثه الابن؛ لأن ميراث البنت والابن في الأول ميراث نسب، ليس ميراث ولاء، وعليه فيرثه الابن ولا ترثه البنت؛ لأن النساء لا يرثن بالولاء، إلا من أعتقن أو أعتقه من أعتقن، هكذا عند الفقهاء، والمسألة تحتاج إلى تحرير وبحث؛ لأنه قد يقال: لماذا لا ترث بالولاء، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الولاء لحمة كلحمة النسب»؟[(127)].

 

-------------------------------------

 

[118]    أخرجه أبو داود في الديات/ باب ديات الأعضاء (4564) عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ، قال الحافظ في البلوغ (954): «والصواب وقفه على عمرو»، وأخرجه الترمذي في الفرائض/ باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل (2109) وابن ماجه في الديات/ باب القاتل لا يرث (2645) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ. ولفظه: «القاتل لا يرث»، قال الترمذي: لا يصح، وأخرجه مالك (2/867) وابن ماجه في الديات/ باب القاتل لا يرث (2646) عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، وانظر: الدراية (2/260)، والإرواء (1671).

[119]    عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ في الفرائض/ باب ميراث القاتل (2736)، ولفظه: «قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكة فقال: المرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه، فإن قتل أحدهما صاحبه عمداً لم يرث من ديته وماله شيئاً، وإن قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته».

              وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة، وانظر: نصب الراية (4/330).

[120]    أخرجه البخاري في الفتن/ باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم سترون بعدي أموراً تنكرونها (7056)؛ ومسلم في المغازي/ باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (1709) (42) عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ.

[121]    أخرجه مسلم في المغازي/ باب خيار الأئمة وشرارهم (1855) عن عوف بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.

[122]    انظر: «عيون الأثر» لابن سيد الناس (1/232).

[123]    سبق تخريجه ص(164).

[124]    أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا اشترط في البيع شروطاً لا تحل (2168)؛ ومسلم في العتق/ باب بيان أن الولاء لمن أعتق (1504) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ.

[125]    سبق تخريجه ص(326).

[126]    سبق تخريجه ص(302).

[127]    سبق تخريجه ص(246).

 

 

تاريخ التحديث : Feb 22, 2007




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com