binothaimeen.com - فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله


المكتبة المقروءة : الحديث : شرح رياض الصالحين المجلد الثالث

  المكتبة المقروءة : الحديث : شرح رياض الصالحين المجلد الثالث
باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم
 

 

78- باب أمر وُلاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم

والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم

وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم

 

قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:215).

وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90) .

1/653- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته والإمام راعي ومسؤول عن رعيته،  والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته))متفق عليه.2/654- وعن أبي يعلى معقلِ بن يسارٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ : (( ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيتةً ، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)) متفق عليه. وفي رواية : (( فلم يحُطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة)) . وفي رواية لمسلم: (( ما من أمير يلي أمور المسلمين ، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة)).

 

الشرح

هذا الباب الذي عقده المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين هو باب عظيم مهم يُخاطب به ولاة الأمور ويخاطب به الرعية، ولكل منهم على الآخر حق يجب مراعاته.

أما ولاة الأمور فيجب عليهم الرفق بالرعية، والإحسان إليهم، واتباع مصالحهم، وتوليه من هو أهل للولاية، ودفع الشر عنهم؛ وغير ذلك من مصالحهم؛ لأنهم مسؤولون عنهم أمام الله عزَّ وجلَّ.

وأما الرعية فالواجب عليهم السمع والطاعة في غير المعصية، والنصح للولاة، وعد التشويش عليهم، وعدم إثارة الناس عليهم، وطي مساوئهم، وبيان محاسنهم؛ لأن المساوئ يمكن أن ينصح فيها الولاة سراً بدون أن تُنشر على الناس؛ لأن نشر مساوئ ولاة الأمور أمام الناس لا يُستفاد منه؛ بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ فتحمل صدور الناس البغضاء والكراهية لولاة الأمور.

وإذا كره الناس ولاة الأمور وأبغضوهم وتمردوا عليهم ، ورأوا أمرهم بالخير أمراً بالشر، ولم يسكتوا عن مساوئهم، وحصل بذلك إيغار الصدور والشر والفساد.

والأمة إذا تفرقت وتمزقت حصلت الفتنة بينها ووقعت، مثل ما حصل في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ن حين بدأ الناس يتكلمون فيه، فأوغروا الصدور عليه، وحشدوا الناس ضده، وحصل ما حصل من الفتن والشرور إلى يومنا هذا.

فولاة الأمور لهم حق وعليهم حق.

ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيات من كتاب الله فقال: وقول الله تعالى : (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)يعني لا تتعالى عليهم، ولا ترتفع في الجو؛ بل اخفض الجناح، حتى وإن كنت تستطيع أن تطير في الجو فاخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.

وأما من خالفك وعصاك فأقم عليه العقوبة اللائقة به؛ لأن الله تعالى لم يقل اخفض جناحك لكل أحد، بل قال: لمن اتبعك من المؤمنين.

وأما المتمردون والعصاة فقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(المائدة:34،33)، وقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90).

إن الله يأمر بهذه الأمور الثلاثة:

بالعدل: وهو واجب، فيجب على الإنسان أن يقيم العدل في نفسه، وفي أهله، وفيمن استرعاه الله عليهم .

فالعدل في نفسه بألا يثقل عليها في غير ما أمر الله، وأن يراعيها حتى في أمر الخير، فلا يثقل على نفسه أو يحملها فوق ما تطيقه. ولهذا لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أصوم ولا أفطر، وأصلي ولا أنام، دعاه النبي عليه الصلاة والسلام ونهاه عن ذلك وقال: ((إن لنفسك عليك حقاً، ولربك حقاً، ولأهلك عليك حقاً؛ فأعط كل ذي حقٍّ حقه)) . 

وكذلك يأمر بالعدل كذلك في أهل الإنسان، فمن كان له زوجتان وجب عليه العدل بينهما، " ومن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما ؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل" .

وعليك العدل بين الأولاد؛ فإذا أعطيت أحدهم ريالاً؛ فأعط الآخر مثله، وإذا أعطيت الولد ريالين، فأعط البنت ريالاً، وإذا أعطيت الابن ريالاً ؛ فأعط البنت نصف ريالٍ.

حتى إن السلف- رحمهم الله- كانوا يعدلون بين الأولاد في القُبل؛ يعني إذا حبَّ الولد الصغير وأخوه عنده، حبَّ الولد الثاني؛ لئلا يجحف معهم في التقبيل.

وكذلك أيضاً في الكلام، يجب أن تعدل بينهم ، فلا تتكلم مع أحدهم بكلام خشن ومع الآخر بكلام لين.

وكذلك يجب العدل فيمن ولاَّك الله عليهم، فلا تحابِ قريبك لأنه قريبك ، ولا الغني لأنه غني، ولا الفقير لأنه فقير، ولا الصديق لأنه صديق، لا تحابِ أحداً فالناس سواء.

حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا: يجب العدل بين الخصمين إذا دخلا على القاضي؛ في لفظه ولحظه وكلامه ومجلسه ودخولهما عليه. لا تنظر لهذا نظرة غضب ولهذا نظرة رضا، لا تلن الكلام لهذا والثاني بعكسه. لا تقل لأحدكم كيف أنت؟ كيف أهلك؟ كيف أولادك؟ والثاني لا تقول له مثله، بل اعدل بينهما حتى في هذا.

وكذلك في المجلس لا تجعل أحدهما يجلس على اليمين قريباً منك والثاني تجعله بعيداً عنك؛ بل اجعلها أمامك على حدٍّ سواء.

حتى المؤمن والكافر إذا تخاصما عند القاضي، يجب أن يعدل بينهما في الكلام والنظر والجلوس، فلا يقل للمسلم تعال بجانبي والكافر يبعده؛ بل يجعلهما يجلسان جميعاً أمامه، فالعدل واجب في كل الأمور.

أما الإحسان فهو فضل زائد على العدل، ومع ذلك أمر الله به، لكن أمره بالعدل واجب، وأمره بالإحسان سنة وتطوع.

(وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) يعني إعطاء ذي القربي، أي القريب حقه. فإن القريب له حق؛ حق الصلة، فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله.

(وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ينهي عن الفحشاء: الفحشاء هي كل ما يُستفحش من الذنوب؛ كعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والزنا، ونكاح المحارم، وغير ذلك مما يُستفحش شرعاً وعرفاً، والمنكر: هو ما يُنكر، وهو دون الفحشاء كعامة المعاصي. َوالبغي :تجاوز الحد، وهو الاعتداء على الخلق بأخذ أموالهم، والاعتداء على دمائهم وأعراضهم، كل هذا يدخل في البغي.

وبيَّن الله عزّ وجلّ أنه أمر ونهي ليعظنا ويصلح أحوالنا، ولهذا قال: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

وسبق لنا الكلام على حديث (( كلكم راع ومسؤول عن رعيته))، وأما حديث معقل بن يسار الذي ذكره المؤلف، فإن فيه التحذير من غش الرعية، وأنه ما من عبد يسترعيه الله على رعيته ثم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وأنه إذا لم يحطهم بنصيحته فإنه لا يدخل معهم الجنة.

وهذا يدل على أنه يجب على ولاة الأمور مسؤولون عن الصغيرة والكبيرة، وعليهم أن ينصحوا لمن ولاهم الله عليهم، وأن يبذلوا لهم النصيحة، وأهمها النصيحة في دين الله، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير.

ومنها أيضاً: من النصيحة لهم أن يسلك بهم الطرق التي فيها صلاحهم في معادهم ومعاشهم، فيمنع عنهم كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، يمنع عنهم الأفكار السيئة، والأخلاق السافلة، وما يؤدى إلى ذلك من المجلات والصحف وغيرها؛ ولهذا يجب على ولي الأمر في البيت وهو الرجل في بيته أن يمنع من  وجود هذه الأشياء في بيته؛ الصحف السيئة الفاسدة، الأفكار المنحرفة، الأخلاق السافلة.

وكذلك على ولي الأمر العام يجب عليه أن يمنع هذه الأشياء ؛ وذلك لأن هذه الأشياء إذا شاعت بين الناس؛ صار المجتمع مجتمعاً بهيمياً؛ لا يهمه إلا إشباع البطن وشهوة الفرج ، وتحل الفوضى، ويزول الأمن، ويكون الشر والفساد، فإذا منع ولي الأمر ما يفسد الخلق سواء كان ولي الأمر صغيراً أو كبيراً، حصل بهذا الخير الكثير.

لو أن كل واحد منا في بيته منع أهله من اقتناء هذه الصحف والمجلات الخليعة الفاسدة، ومن مشاهدة التمثيليات الفاسدة، والمسلسلات الخبيثة، لصلح الناس؛ لأن الناس هم أفراد الشعب؛ أنت في بيتك، والثاني في بيته، والثالث في بيته، وهكذا إذا صلحوا صلح كل شيء. نسأل الله تعالى أن يصلح ولاة أمورنا أن يرزقهم البطانة الصالحة.

3/655- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: (( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفُق به)) رواه مسلم.

4/656- وعن أبي هُريرة رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كُلما هلك نبي خلفهُ نبيٌّ، وإنهُ لا نبيَّ بعدي، وسيكون بعدي خُلفاء فيكثُرون)) قالوا:  يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: (( أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهُم)) متفق عليه .

 

الشرح

قال المؤلف الحافظ النووي في رياض الصالحين في باب أمر ولاة الأمور بالرفق واللين، ورعاية مصالح من استرعاهم الله عليهم. قال في سياق الأحاديث ما نقله عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي هذا يقول: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)).

وهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على من تولى أمور المسلمين الخاصة والعامة؛ حتى الإنسان يتولى أمر بيته، وحتى مدير المدرسة يتولى أمر المدرسة، وحتى المدرس يتولى أمر الفصل، وحتى الإمام يتولى أمر المسجد.

ولهذا قال: (( من ولي من أمر أمتي شيئاً)) . (( وشيئاً))  نكرة في سياق الشرط، وقد ذكر علماء الأصول أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم؛ أي شيء يكون، (( فرفق بهم فارفق به)) ، ولكن ما معنى الرفق؟

قد يظن بعض الناس أن معنى الرفق أن تأتي للناس على ما يشتهون ويريدون، وليس الأمر كذلك؛ بل الرفق أن تسير بالناس حسن أمر الله ورسوله، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق الناس، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله؛ فإنك تدخل في الطرف الثاني من الحديث؛ وهو الدعاء أن الله يشقق عليك والعياذ بالله.

يشق عليه إما بآفات في بدنه، أو في قلبه، أو في صدره، أو في أهله، أو في غير ذلك؛ لأن الحديث مطلق (( فاشقق عليه))  بأي شيء يكون ، وربما لا تظهر للناس المشقة،  وقد يكون في قلبه نار تلظى والناس لا يعلمون،  لكن نحن نعلم أنه إذا شق على الأمة بما لم ينزل به الله سلطاناً؛  فإنه مستحق لهذه الدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أما الحديث الثاني فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء؛ أي تُبعث فيهم الأنبياء فيصلحون من أحوالهم، " وإنه لا نبي بعدي" فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالنص والإجماع كما قال الله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب:40).

ولهذا من ادَّعى النبوة بعده؛ فهو كافر مرتد يجب قتله، ومن صدّق من ادعى النبوة بعده؛ فهو كاذب مرتد يجب قتله إلا أن يتوب، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، ولكن جعل الله له خلفاء؛ خلفاء في العلم، وخلفاء في السلطة، والمراد بالخلفاء في هذا الحديث : خلفاء السلطة.

ولهذا قال: ((سيكون خلفاء ويكثرون))  قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ يعني: من نفي ببيعته؟ قال: (( الأول فالأول))  فإذا بايعوا الخليفة وجب عليهم أن يبقوا على بيعتهم، وأن ينبذوا كلّ من أراد الخلافة وهو حي، وأن يعينوا الخليفة الأول على من أراد الخلافة في حياته، لأن كل من نازع السلطان في سلطانه؛ فإنه يجب أن يُقاتل؛ حتى تكون الأمة واحدة، فإن الناس لو تركوا  فوضى، وصار كل من لا يريد هذا السلطان يذهب ويتخذ له حزباً يقاتل به السلطان؛ فسدت الأمور.

وفي آخر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل هؤلاء الخلفاء ما عليهم ، وأمرنا نحن أن نوفي لهم بحقهم، ونسأل الله الذي لنا ، لا نقل هؤلاء ظلموا هؤلاء جاروا، هؤلاء لم يقوموا بالعدل، ثم ننابذهم ولا نطيعهم فيما أمرنا الله به، لا ، هذا لا يجوز، يجب أن نوفي لهم بالحق، وأن نسأل الله الحق الذي لنا، كالإنسان الذي له قريب إذا قطعك فصِله، وأسأل الله الذي لك، أما أن تقول لا أصلُ إلا من وصلني، أو لا أطيع من السلطان إلا من لا يظلم ولا يستأثر بالمال ولا غيره، فهذا خطأ، قم أنت بما يجب عليك ، واسأل الله الذي لك.

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( تسوسهم الأنبياء)) دليلٌ على أن دين الله- وهو دين الإسلام في كل مكان وفي كل زمان- هو السياسة الحقيقية النافعة، وليست السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار.

السياسة حقيقة ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول إن الإسلام شريعة وسياسة، ومن فرق بين السياسة والشريعة فقد ضلّ؛ ففي الإسلام سياسة الخلق مع الله، وبيان العبادات، وسياسة الإنسان مع أهله، ومع جيرانه، ومع أقاربه، ومع أصحابه، ومع تلاميذه، ومع معلميه، ومع كل أحد؛ كل له سياسة تخصه، سياسة مع الأعداء الكفار، ما بين حربيين ومعاهدين ومستأمنين وذميين.

وكل طائفة قد بيّن الإسلام حقوقهم، وأمر أن نسلك بهم كما يجب، فمثلاً الحربيون نحاربهم، ودماؤهم حلال لنا، وأموالهم حلال لنا، وأراضيهم حلال لنا.

والمستأمنون  يجب أن نؤمنهم، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة:6).

والمعاهدون يجب أن نوفي لهم بعهدهم ، ثم إما أن نطمئن إليهم، أو نخاف منهم، أو ينقضوا العهد.

ثلاث حالات كلها مبينة في القرآن ؛ فإن اطمأننا إليهم وجب أن نفي لهم بعهدهم، وإن خفناهم فقد قال الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال:58) ، قل لهم : ليس بيننا عهدٌ إذا خفت منهم، ولا تنقض العهد بدون أن تخبرهم.

والثالث هم الذين نقضوا العهد ( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)(التوبة:12)، إذا نقضوا العهد فلا إيمان لهم ولا عهد لهم، فالمهم أن الدين دين الله وأن الدين سياسة: سياسة شرعية، سياسة اجتماعية، سياسة مع الأجانب، ومع المسالمين، ومع كل أحد.

ومن فصل الدين عن السياسة فقد ضل؛ وهو بين أمرين:

إما جاهل بالدين ولا يعرف ، ويظن أن الدين عبادات بين الإنسان وربه، وحقوق شخصية وما أشبه ذلك؛ يطن أن هذا هو الدين فقط.

أو أنه قد بهره الكفرة وما هم عليه من القوة المادية، فظن أنهم هم المصيبون.

وأما من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أنه شريعة وسياسة، والله الموفق.

5/657- وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أنهُ دخل على عُبيد الله بن زياد، فقال له: أي بُني، إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن شر الرعاء الحُطمة)) فإياك أن تكون منهم. متفق عليه.

6/658- وعن أبي مريم الآزدي رضي الله عنه، أنه قال لمعاوية رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (( من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين ، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم ؛ احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة)) فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس. رواه أبو داود والترمذي.

 

الشرح

هذه الأحاديث في بيان ما يجب على الرعاة لرعيتهم من الحقوق، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن شر الرعاء الحطمة )) الرعاء: جمع راعٍ.

الحطمة: الذي يحطم الناس ويشق عليهم ويؤذيهم، فهذا شر الرعاء. وإذا كان هذا شر الرعاء؛ فإن خير الرعاء اللين السهل، الذي يصل إلى مقصوده بدون عنف.فيُستفاد من هذا الحديث فائدتان:

الفائدة الأولى: أنه لا يجوز للإنسان الذي ولاّه الله تعالى على أمر من أمور المسلمين أن يكون عنيفاً عليهم؛ بل يكون رفيقاً بهم.

الفائدة الثانية: وجوب الرفق بمن ولاه الله عليهم بحيث يرفق بهم في قضاء حوائجهم وغير ذلك، مع كونه يستعمل الحزم والقوة والنشاط، يعني لا يكون ليناً مع ضعف، ولكن ليناً بحزم وقوة ونشاط.

وأما الحديث الثاني: ففيه التحذير من اتخاذ الإنسان الذي يوليه الله تعالى أمراً من أمور المسلمين حاجباً يحول دون خلتهم وفقرهم وحاجتهم، وأن من فعل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يحول بينه وبين حاجته وخلته وفقره.

لما حُدث معاوية رضي الله عنه بهذا الحديث؛ اتخذ رجلاً لحوائج الناس يستقبل الناس وينظر ما حوائجهم، ثم يرفعها إلى معاوية رضي الله عنه بعد أن كان أميراً للمؤمنين.

وهكذا أيضاً ،له نوع من الولاية وحاجة الناس إليه؛ فإنه لا ينبغي أن يحتجب دون حوائجهم، ولكن له أن يرتب أموره بحيث يجعل لهؤلاء وقتاً ولهؤلاء وقتاً، حتى لا تنفرط عليه الأمور، الله الموفق.

 

------------------------

 

552 رواه البخاري ، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم (893)، ومسلم،  كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر...، رقم (1829).

553 رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح، رقم (7150)، ومسلم ، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، رقم (142).

554 رواه  مسلم كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، رقم (142)(229).

555 رواه البخاري، كتب الأدب، باب حق الضيف، رق (6134)، ومسلم ، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر..، رقم (1159).

556 رواه الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، رقم (1141)، والنسائي، كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، رقم (3942)، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، رقم (1969).

557 رواه مسلم ، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، رقم (1828) .

558 رواه البخاري، كتاب أحاديث  الأنبياء ن باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم (3455)، ومسلم ، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول رقم (1842).

559 رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل...، ولم أجده في البخاري.

 

 

تاريخ التحديث : Apr 17, 2007


 
حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com