المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الرابع عشر
بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ
 

 

بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ

 

مَنْ أُقِيدَ بِأَحَدٍ فِي النَّفْسِ أُقيدَ بِهِ في الطَّرَفِ وَالجِرَاحِ، وَمَنْ لاَ فَلاَ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ بِمَا يُوجِبُ القَوَدَ فِي النَّفْسِ،.................

أفادنا المؤلف بقوله: «فيما دون النفس» أن القصاص يكون في النفس، ويكون فيما دونها، والأصل في هذا قوله تعالى: {{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}} [المائدة: 45] .

قوله: «من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الطرف والجراح، ومن لا فلا» هذه قاعدة مهمة.

فقوله: «من أقيد بأحد في النفس» أي: قتل به قصاصاً.

وقوله: «أقيد به في الطرف والجراح» يعني اقتص منه في الطرف والجراح.

وقوله: «ومن لا فلا» أي: من لا يقاد بأحد في النفس لا يقاد به في الطرف والجروح، إذاً فالقصاص في الطرف والجروح فرع عن القصاص في النفس، فلو أن حراً قطع يد عبد فهل يقطع به؟ لا؛ لأن الحر لا يقتل بالعبد على كلام المؤلف، ولو أن مسلماً قطع يد كافر، فلا يقطع به؛ لأن المسلم لا يقتل بكافر، فإذا لم يقتص به في كله لا يقتص به في جزئه، ولو أن كافراً قطع يد مسلم فإنه يقطع به؛ لأن الكافر يُقتل بالمسلم.

ولو أن امرأة قطعت يد رجل فتقطع يدها، لأن المرأة تُقتل بالرجل، ولو أن رجلاً قطع يد امرأة قطع بها أيضاً؛ لأن الرجل يقتل بالمرأة.

إذاً في هذه القاعدة لا بد أن نرجع إلى ما سبق، فننظر عندما يقطع أحد يد أحد هل يقتل به إذا قتله؟ فإن قيل: نعم، قطعناه به، وإلا فلا، ثم ذكر المؤلف قاعدة أخرى فقال:

«ولا يجب إلاّ بما يوجب القود في النفس» يعني لا يجب القود في الطرف والجروح إلاّ بما يوجب القود في النفس، والمراد هنا الإشارة إلى الجناية، أما الأولى فالمراد منها الإشارة إلى الجاني.

والذي يوجب القود في النفس من الجنايات هو العمد العدوان، فإن قطع أحدٌ يد أحد عمداً عدواناً، نظرنا في القاعدة السابقة، إذا كان يقتل به قطعنا يده، وإلاّ فلا، فإن قطع يده خطأ، كإنسان قال لآخر: امسك لي اللحم، وأخذ السكين ليقطع اللحم، فأخطأ وقطع أصبعاً من أصابعه، فهنا لا تقطع إصبعه، لأنها خطأ، وكما أن هذه الجناية لا توجب القود في النفس، فكذلك لا توجب القود فيما دون النفس.

والطرف: هو الأعضاء، والأجزاء من البدن، مثل اليد، والرجل، والعين، والأنف، والأذن، والسن، والذكر، وما أشبه ذلك.

والجراح: هي الشقوق في البدن، مثل رجل جرح يد إنسان، أو ساقه، أو فخذه، أو صدره، أو رأسه، أو ظهره، أو ما أشبه ذلك.

لكن القصاص في الطرف يزيد بأمور على القصاص في النفس، قال المؤلف:

 

وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الطَّرَفِ، فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ، وَالأَْنْفُ، وَالأُْذُنُ، وَالسِّنُّ، وَالْجَفْنُ، وَالشَّفَةُ، وَالْيَدُ، وَالرِّجْلُ، وَالإِْصْبَعُ، وَالْكَفُّ، وَالْمِرْفَقُ، وَالذَّكَرُ، وَالْخِصْيَةُ، وَالأَلْيَةُ، وَالشُّفْرُ، كُلُّ واحدٍ مِنْ ذلِكَ بِمِثْلِهِ.

«وهو نوعان» أي: القصاص فيما دون النفس نوعان: أحدهما: في الطرف، والثاني: في الجراح.

قوله: «أحدهما: في الطرف، فتؤخذ العين، والأنف، والأذن، والسن، والجفن، والشفة، واليد، والرجل، والإصبع، والكف، والمرفق، والذكر، والخصية، والألية، والشفر، كل واحد من ذلك بمثله» .

فقوله: «فتؤخذ العين» أي: بالعين، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.

وقوله: «والأنف» بالأنف.

وقوله: «والأذن» بالأذن، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.

وقوله: «والسن» بالسن، الثنية بالثنية، والرَّباعية بالرَّباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، فلا بد من المماثلة.

وقوله: «والجفن» أي: غطاء العين وهو حساس جداً، إذا أقبل إليه شيء يؤذي العين انقفل بدون أي إرادة من صاحبه، وهذا من آيات الله عزّ وجل أن جعل فيه هذا الإحساس الغريب، والإنسان لديه أربعة جفون، فيؤخذ الأيمن بالأيمن، والأعلى بالأعلى، والأيسر بالأيسر.

وقوله: «والشفة» هي حافة الفم، وهي عليا وسفلى.

وقوله: «واليد» باليد، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.

وقوله: «والرجل» بالرجل، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.

وقوله: «والأصبع» بالإصبع، فالإبهام بالإبهام، والأيمن بالأيمن، وكذلك البقية.

وقوله: «والكف» بالكف، ولِمَ ذكر هنا الكف مع أنه سبق ذكر اليد؟ الجواب: نحمل كلام المؤلف الأول في قوله: «اليد» على اليد كلها من الكتف، أو من المرفق، وأما الكف فهو منبت الأصابع، فاليمين باليمين، واليسار باليسار.

وقوله: «والمرفق» بالمرفق، أي: تقطع اليد من مفصل الذراع من العضد.

وقوله: «والذكر» بالذكر.

وقوله: «والخصية» بالخصية، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.

وقوله: «والألية» بالألية، اليُمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.

وقوله: «والشُّفر» بالشفر، وهو اللحم المحيط بفرج المرأة، بمنزلة الشفتين للفم.

وقوله: «كل واحد من ذلك بمثله» وأصل هذا قوله تعالى: {{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}} [المائدة: 45] .

 

وَلِلْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ شُرُوطٌ: الأَْوَّلُ: الأَمْنُ مِنَ الْحَيْفِ بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، كَمَارِنِ الأَنْفِ، وَهُوَ مَا لاَنَ مِنْهُ.

قوله: «وللقصاص في الطرف شروط» هذه شروط زائدة عما سبق من الشروط الأربعة.

قوله: «الأول: الأمن من الحيف» يعني إمكان الاستيفاء بلا حيف، وهذا شرط لتنفيذ القصاص، وقد مر علينا أنه لو وجب القصاص في الطرف على حامل تُركت حتى تضع، مع أن الاستيفاء ممكن، لكن نظراً إلى أنه يخشى أن يتعدى إلى غير الجاني وجب الانتظار، فالمقصود إمكان الاستيفاء بلا حيف؛ ولذلك قال المؤلف:

«بأن يكون القطع من مفصل» فمثلاً في الأصبع من مفصل الأنملة، وفي الكف من مفصل الرسغ، وفي الذراع من مفصل المرفق، وفي العضد من مفصل الكتف.

قوله: «أو له حَدٌّ ينتهي إليه» أي: له حدٌّ ينتهي إليه وإن لم يكن مفصل.

قوله: «كمارن الأنف وهو ما لان منه» أي: من الأنف؛ لأن الأنف له قصبة من عظام، يليها المارن، وهو جامع لثلاثة أشياء: للمنخرين وللحاجز بينهما، فلو أن أحداً قطع شخصاً من الحد اللين اقتص منه، لأنه يمكن الاستيفاء بلا حيف، ولو أن رجلاً قطع يد رجل من مفصل اليد تماماً فإنه يقتص منه، ولو قطعه من نصف الذراع فلا يقتص منه؛ لأن القطع ليس من مفصل، وعلى هذا فلو أراد أحد من الجناة الفقهاء أن يقطع كف إنسان، ولا يُقطع به، فإنه سيقطع من نصف الذراع بدلاً من مفصل الكف، ويكون زاد في الجناية وسلم من القصاص؛ لأن من الشروط أن يكون القطع من مفصل، وهذا ليس من مفصل، وإذا لم يكن من مفصل فلا نأمن أن نحيف عند القصاص، ربما يزيد أو ينقص، وقد يكون الكسر ليس مستقيماً فلا يتمكن، بخلاف المفصل هذا ما ذهب إليه المؤلف.

ويحتمل أن نقول: يقتص من المفصل الذي دونه ويؤخذ منه أرش الزائد، كما سيأتينا في الجراح ـ إن شاء الله ـ والأرش هو ما يسمَّى في باب الديات بالحكومة، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ لها بحث معين، وهذا إذا لم يمكن القصاص من مكان القطع، فإن أمكن القصاص من مكان القطع اقتص منه؛ لأن الله تعالى يقول: {{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}}، وكلما أمكن القصاص وجب، فإذا وُجِدَ أطباء أكفاء، وقالوا: نحن يمكن أن نقدِّر هذه الجناية بدقة، بحيث نقتص من الجاني ولا نزيد أبداً، فما المانع من القصاص؟! لا مانع، بل لو قال المجني عليه: أنا أتنازل، فهو قطع يدي من نصف الذراع، وأنا أقطعها من ثلث الذراع، وأتنازل عن الزائد، فما المانع؟! لا مانع، فهذا رجل تنازل عن بعض حقه ليقتص من هذا الظالم المعتدي.

فعندنا ثلاثة احتمالات على خلاف كلام المؤلف:

الأول: أن يقتص من المفصل الذي دون القطع، ويأخذ أرش الزائد.

الثاني: أن يقتص من مكان القطع إذا أمكن.

الثالث: أن يقتص من دون محل القطع، وفوق المفصل ويسقط المجني عليه الزائد.

وأما أن نقول: إذا قَطَعْتَ من مفصل قطعنا كفَّك، وإذا تجاوزت شيئاً أبقينا كفّك! فهذا بعيد، والصواب أن نقول: إن أمكن القصاص تماماً بدون حيف وجب، إن لم يمكن فلنا طريقان:

الأولى: أن يقتص من الكف ويأخذ أرش الزائد.

الثانية: أن يقتص من فوق الكف ودون القطع، ويسقط الزائد إذا أحب.

أما على رأي المؤلف فإنه لا قصاص وله الدية، وهي بالنسبة لليد نصف الدية.

مسألة: هل يمكن القصاص من السن إذا ذهب بعضه؟ نعم، وذلك بأن يبرد سن الجاني حتى نصل للغاية.

وهل نأخذ منه بالمقدار أو بالنسبة؟ نأخذ بالنسبة؛ لأنه قد يكون سن الجاني صغيراً، وسن المجني عليه كبيراً، فإذا أخذنا بالمقدار فنصف سن المجني عليه يبلغ سن الجاني كاملاً، فلو أخذنا من سنِّه بالمقدار لانتهى السن، وكذلك العكس لو كان سن المجني عليه صغيراً فنأخذ بالنسبة، فإذا كان هذا الجزء من سن المجني عليه يقابل النصف من سنِّك أخذنا من سنك النصف، كما نفعل في الكف فقد تكون كف الجاني قدر كف المجني عليه مرتين أو أكثر، كرجل جاء إلى طفل في المهد فأخذ يده وقطعها، فهنا تقطع يد الجاني كاملةً.

مسألة: هل يجوز أن نبنِّج الجاني حتى لا يتألم؟ لا، لا يجوز؛ لأننا لو بنَّجناه ما تم القصاص، بل نقتص منه بدون تبنيج، لكن لو كان حداً لله كالسرقة، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف في قطاع الطريق، فهذا يجوز أن نبنِّجه؛ لأن المقصود إتلاف هذا العضو لا تعذيبه.

وهل يجوز إذا قطعنا يد السارق أن نلصقها مرة أخرى؟

لا يجوز؛ لأن المقصود ليس حصول الألم، بل المقصود إتلاف هذا العضو الذي حصلت منه السرقة، وإلاَّ لو كان المقصود هو إيلام الجاني، لأخذناه وضربناها حتى يتألم، وهو أحسن من القطع، لكن إذا نظرنا إلى مقاصد الشرع وجدنا أن المقصود إتلاف العضو، وإبقاء هذا الجاني شُهرة بين الناس، كما قال ـ تعالى ـ في أصحاب السبت: {{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ }}[البقرة:66] .

وقد قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: إذا قطع أذنه ثم أعادها وهي حارة فيمكن أن تلتصق، وكذلك الجرح إذا جرحت بسكين، أو غيره فأَلْصِقْهُ سريعاً واضغط عليه، فهنا يلتئم ويتوقف الدم، لكن بشرط أن تفعل ذلك، والدم حار، ولا تتركه حتى يبرد.

 

الثَّانِي: الْمُمَاثَلَةُ فِي الاسْمِ وَالْمَوْضِعِ،......................

 قوله: «الثاني: المماثلة في الاسم والموضع» أي: الشرط الثاني من شروط القصاص في الطرف، بأن تكون يداً بيد، هذا الاسم، والموضع يمين بيمين مثلاً.

وكذلك خنصر بخنصر، هذا اسم، ويمين بيمين هذا موضع.

وأنملة وسطى بأنملة وسطى، هذا اسم، لكن يجب أن تبين من أي الأصابع، خنصر، بنصر، من اليمين، أو اليسار.

 

فَلاَ تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ، وَلاَ يَسَارٌ بِيَمِينٍ، وَلاَ خِنْصِرٌ بِبِنْصِرٍ، وَلاَ أَصْلِيٌّ بِزَائِدٍ، وَلاَ عَكْسُهُ، وَلَوْ تَرَاضَيَا لَمْ يَجُزْ،.......................

قوله: «فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر، ولا أصلي بزائد، ولا عكسه» أي: ولا يؤخذ عكسه؛ لأن الموضع مختلف.

قوله: «ولو تراضيا لم يجز» لو قال المجني عليه: هذا الجاني أخذ مني الخنصر الأصلي، وعنده خنصر زائد، وأنا أريد أخذ خنصره الزائد، وتراضيا على هذا، فإنه لا يجوز؛ لعدم المماثلة في الموضع.

ويؤخذ من كلام المؤلف: أنه لا يجوز لأحد أن يتبرع بشيء من أجزائه؛ لأن الحق في ذلك لله عزَّ وجل، فلا يجوز أن تتبرع لأحد بأي شيء، لا بعين، ولا بأذن، ولا بأصبع، ولا بكُلية؛ لأن الحق لله تعالى، أما التبرع بالدم فجائز؛ لأنه يتعوض، مثل اللبن في ثدي الأم فإنه يتعوض، أمَّا ما لا يتعوض فلا يجوز.

وقد نص الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ على أنه لا يجوز لأحد أن يتبرع لأحد بشيء من أعضائه، وذلك في كتاب الجنائز، فقالوا: لا يجوز للميت أن يتبرع لأحد بشيء من أعضائه، ولو أوصى به لم تنفذ وصيته؛ لأن بدنك أمانة عندك، لا يجوز أن تتحكم فيه.

وأقوى ما يعتمد عليه المجيزون أن ذلك من باب الإيثار.

والجواب: أن هذا بعيد عن الإيثار؛ لأن الإيثار أن تؤثر غيرك بشيء لم يكن فيك، فتؤثره مثلاً في أن يشرب قبلك، أو يأكل قبلك، فهذا لا بأس به، أما شيء من نفسك فلا يمكن؛ لأن غاية ما هنالك في باب الإيثار أنك آثرته بنفع شيء خارج، أما أن تؤثره بإعطائه شيئاً تنقصه من بدنك فلا.

 

الثَّالِثُ: اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَالكَمَالِ، فَلاَ تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِشَلاَّءَ، وَلاَ كَامِلَةُ الأَْصَابِـعِ بِنَاقِصَةٍ، وَلاَ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ، وَيُؤْخَذُ عَكْسُهُ وَلاَ أَرْشَ.

قوله: «الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلاَّء» أي: الثالث من شروط القصاص في الطرف.

والمراد بالاستواء ألاّ يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه، وعلى هذا فلا يخلو من ثلاث حالات:

الأولى: أن يكون طرف الجاني أكمل، وهذا هو موضوع البحث.

الثانية: أن يكون طرف المجني عليه أكمل، فهنا يؤخذ طرف الجاني بطرف المجني عليه.

الثالثة: أن يكونا سواءً، بأن يكون طرف الجاني وطرف المجني عليه صحيحين أو معيبين، وعلى هذا فقول المؤلف ليس بدقيق، والتعبير الدقيق أن يقول: «أن لا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه» فإذا كان طرف الجاني أكمل فإنها لا تقطع بيد المجني عليه، فإذا كان المجني عليه يده مشلولة ويد الجاني سليمة، فإنه لا تؤخذ يد الجاني بيد المجني عليه؛ وذلك لتفاوت ما بين اليدين، فيد المجني عليه معطلة المنفعة ويد الجاني سليمة المنفعة، فلم تستويا، فلا يثبت القصاص؛ لأن يد الجاني أكمل، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، ومنهم المذاهب الأربعة، وحكاه بعضهم إجماعاً.

وقال داود الظاهري ـ رحمه الله ـ: إنها تؤخذ اليد السليمة بالشلاء؛ لعموم الآية {{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}}، وقوله صلّى الله عليه وسلّم لأنس بن النضر ـ رضي الله عنه ـ: «كتاب الله القصاص» [(32)]، والجاني هو الذي أراد ذلك لنفسه، وهو الذي جنى على نفسه في الواقع؛ لأنه فعل سبباً يقتضي قطع يده، فيكون هو المتسبب، وعلى نفسها جنت براقش، فعلى هذا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء، وكما أننا نقتل الرّجل العاقل، الشاب، الجلد، بالرجل الأشل، الكبير السن، المجنون، فهكذا هذه اليد نأخذها باليد الشلاء، فعنده دليل أثري ونظري، فالأثري عموم النصوص الدالة على القصاص، فهاتوا نصاً يستثني ذلك، أما النظري وهو القياس، وإن كان داود الظاهري لا يقول به، لكن الجمهور يقولون به، وقياسه جيِّد.

لكنَّ أولئك يقولون: إن اليد الشلاء بمنزلة البدن الميت، لأن منفعتها مفقودة نهائياً، فلا تتحرك، ولا تحس بلامس، ولا بشيء أبداً، ومن المعلوم لو أن رجلاً حياً ذبح ميتاً لم يقتل به، فهم يقولون: إن قياس داود منتقض بهذا.

أما استدلاله بعموم النصوص، فقالوا: صحيح أن العموم يقتضي أن تؤخذ الصحيحة بالشلاء؛ لعدم التفصيل وعدم التقييد، وإذا لم يكن تفصيل ولا تقييد بقي العموم على ظاهره، لكن كلمة القصاص تعني أنه لا بد أن تكون هناك مماثلة بين الجزء المقتص منه والمقتص له، وإلاّ لم يتحقق القصاص، فهذا هو رأي الجمهور، والمسألة تحتاج إلى بحث؛ لأن دليل داود قوي جداً.

قوله: «ولا كاملة الأصابع بناقصة» فلو كان الجاني كامل الأصابع والمجني عليه أصابعه أربعة، فإننا لا نأخذ يد الجاني بيد المجني عليه؛ لأن أصابع يد المجني عليه ناقصة فلا يتم القصاص.

وظاهر كلام المؤلف سواء كانت ناقصة بأصل الخلقة، أي: خلقه الله ما له إلا أربع أصابع، أو نقصاً طارئاً فيما لو قطع أصبعه.

وهذه المسألة أضعف من المسألة السابقة؛ وذلك لأن أصابع اليد الناقصة فيها منفعة، كالحركة والإحساس، ومثل ما لو قتل شخص رجلاً مقطَّع الأربع، يعني قد قطعت يداه ورجلاه، فإن الجاني يُقتل، ولو كان كامل الأطراف، فهذه مثلها، والقول بأنه يقتص من كاملة الأصابع بالناقصة أقوى من الأول؛ لأن الشلل تعطل المنفعة بالكلية، أما هذا فإنه نقص.

قوله: «ولا عين صحيحة بقائمة» العين القائمة هي التي بقيت على حالتها، وصورتها، بحيث من رآها يظنها تبصر، لكنها لا تبصر، والصحيحة هي التي تبصر، فإذا كانت عين الجاني صحيحة، وعين المجني عليه قائمة، فلا قصاص؛ لأن القائمة لا فائدة منها، وقد يقول قائل: لعل هذا الحكم يختلف في هذا الزمن؛ لأن العين القائمة يمكن أن تجرى لها جراحة، ويركب لها قرنيَّة، وتصبح صحيحة، أمَّا إذا كان الخلل في أعصاب العين فالغالب أنه لا تنفعه العملية، وهذا إذا قاله الأطباء، فإن كانت منفعة العين قليلة فإنه يقتص لها، فتؤخذ عين الرجل القوي النظر بعين الأعمش ما دام أن فيها منفعة.

قوله: «ويؤخذ عكسه» أي: تؤخذ الشلاء بالصحيحة، وتؤخذ ناقصة الأصابع بكاملتها، وتؤخذ العين القائمة بالعين الصحيحة، لكن بشرط رضى من له الحق.

قوله: «ولا أرش» أي: أنَّنا لا نعطي المجني عليه الفرق بين الصحيح والأشل، وبين الزائد والناقص، وبين القائم والمبصر، وذلك لأن المأخوذ قصاصاً كالمتلف جناية من حيث الخلقة، لكنهما اختلفا في المنفعة؛ ولذلك لا نعتبر ذلك اختلافاً، فلا أرش له.

وهل تؤخذ الأذن السليمة بأذن الأصم؟ نعم، تؤخذ، يقولون: لأن السمع في الدماغ وليس في الأذن، ولذلك لو قُطعت أُذن الإنسان بقي سميعاً، وكذلك يؤخذ الأنف الصحيح بالأنف الذي لا يشم؛ لأن الشم حاسة في الدماغ وليس في الأنف؛ ولهذا مقطوع الأنف يشم.

وتؤخذ الأذن السليمة بالأذن الشلاء؛ لأن الصورة واحدة، لكن الحقيقة أن الشلاء ناقصة فلو مشت عليها ذرَّة لم تحس، وأُذن الجاني تحس، لكن لا عبرة بهذا، بل العبرة بالصورة.

* * *

فَصْلٌ

 

النَّوْعُ الثَّانِي: الْجِرَاحُ، فَيُقْتَصُّ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ، كَالْمُوضِحَةِ،

قوله: «النوع الثاني: الجراح» أي: النوع الثاني من القصاص فيما دون النفس، ويجب أن نتذكر القاعدتين السابقتين في أول الباب.

الأولى: من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الجراح، ومن لا فلا.

الثانية: إذا كانت الجناية موجبة للقصاص في النفس فهي موجبة له في الجراح، وإلاَّ فلا.

وعلى هذا فالجرح خطأ لا قصاص فيه، وجرح المسلم الكافر لا قصاص فيه، وجرح الوالد الولد ـ على المذهب ـ لا قصاص فيه.

قوله: «فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم» هذه قاعدة القصاص في الجروح، فإن كان الجرح لا ينتهي إلى عظم فلا قصاص؛ وذلك لأن الذي ينتهي إلى عظم يمكن الاستيفاء منه بلا حيف؛ لأنك ستأخذ اللحم حتى تصل إلى العظم، وأما ما لا ينتهي إلى عظم فلا يمكن القصاص منه، فهذا مبني على ما سبق وهو إمكان الاستيفاء بلا حيف، مثاله:

قوله: «كالموضحة» وهي التي توضح العظم في الرأس والوجه خاصة، وهذا ما تقتضيه اللغة العربية، فإن العرب إذا قالوا: الموضحة، فإنما يعنون بها الجرح في الرأس والوجه فقط، أما الجرح في الصدر ولو بيَّن العظم فلا يسمى موضحة.

فإذا جنى شخص على آخر عمداً، وكشط جلد رأسه ولحمه حتى وصل إلى العظم فإنه يقتص منه؛ لأنه جرح ينتهي إلى عظم، والاعتبار بالمساحة لا بالكثافة، أي بمساحة الجرح لا بكثافة عمقه؛ لأن بعض الناس يكون سميناً، وتكون طبقات اللحم فوق العظم أكثر، وبعض الناس بالعكس، فهذا لا عبرة به، بل العبرة بالمساحة، فيؤخذ من الجاني بمثل ما أخذ من المجني عليه.

وهل يؤخذ بالنسبة أو بالقدر؟ الظاهر أننا نأخذ بالنسبة، فإذا أوضح ربع رأسه نوضح ربع رأسه.

 

وَجُرْحِ العَضُدِ، وَالسَّاقِ، وَالفَخْذِ، وَالقَدَمِ، وَلاَ يُقْتَصُّ فِي غَيْرِ ذلِكَ مِنَ الشِّجَاجِ وَالجُرُوحِ غَيْرَ كَسْرِ سِنٍّ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِن المُوضِحَةِ، كَالهَاشِمَةِ، وَالمُنَقِّلَةِ، وَالمَأْمُومَةِ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ موضِحَةً، وَلَهُ أَرْشُ الزَّائِدِ،.............

قوله: «وجرح العضد، والساق، والفخذ، والقدم» والدليل قوله تعالى: {{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}} فيقتص من كل جرح بمثله.

وقوله: «العضد» هو العظم الذي بين الكتف والمرفق.

وقوله: «والساق» وهو العظم بين الركبة والقدم.

وقوله: «والفخذ» وهو العظم الذي بين الورك والركبة.

وقوله: «والقدم» وهو العظم الذي بين الكعبين إلى نهاية الأصابع.

فالجروح في هذه المواضع تنتهي إلى عظم، والجرح في الصدر ينتهي إلى عظم إذا كان على الضلوع، أما إن كان بينهما فإنه لا ينتهي إلى عظم، والجرح في الرقبة ينتهي إلى عظم في مكان منه، وفي مكان آخر لا ينتهي إلى عظم، فالقاعدة أن كل جرح ينتهي إلى عظم ففيه قصاص.

قوله: «ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج والجروح، غير كسر سن» الشجاج من الجراح، والجروح هنا ما سوى الشجاج، والشجاج: جمع شجَّة، وهي جرح الرأس والوجه خاصة، ففي الجبهة والرأس تسمى شجة، وفي الرقبة يسمى جرحاً.

وقوله: «في غير ذلك من الشجاج» سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ أن الشجاج عشرة أنواع عند العرب، فما قبل الموضحة ليس فيه قصاص إطلاقاً، كالدامية والبازلة، وما بعد الموضحة، يقول المؤلف:

«إلاَّ أن يكون أعظم من الموضحة، كالهاشمة، والمنقِّلة والمأمومة، فله أن يقتص موضحة، وله أرش الزائد» الهاشمة: هي الجرح الذي يبرز العظم ويهشمه، فهذه لا قصاص فيها.

والمنقِّلة: هي التي توضح العظم وتهشمه وتنقله، وهذه لا قصاص فيها.

والمأمومة هي التي تصل إلى أم الدماغ، بأن ضربه فانجرح وبان العظم، وانهشم، وانتقل، وبان الدماغ، فهذه لا يقتص فيها من الجاني؛ لأن المأمومة لا يمكن الاستيفاء فيها بدون حيف.

وقوله: «غير كسر سن» لو كسر سناً فإنه يقتص منه، وذلك بأن نحكّه بالمبرد، حتى يتحقق القصاص، ويكون القصاص بالنسبة لا بالقَدْر؛ لأن سن الجاني قد يكون قدر سن المجني عليه مرتين، فإذا كسر نصف سن المجني عليه، وقلنا: القصاص بالقدر، فإننا نأخذ ربع سن الجاني، لكننا إذا قلنا بالنسبة، فإننا نأخذ نصف سنِّ الجاني.

فالخلاصة: أنه لا قصاص في الجروح إلا في ثلاث حالات:

الأولى: في كل جرح ينتهي إلى عظم.

الثانية: في السن.

الثالثة: الجروح التي فيها قصاص وأرش الزائد، وذلك مذكور في قول المؤلف: «إلاَّ أن يكون أعظم من الموضحة، كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، فله أن يقتص موضحة، وله أرش الزائد» هذا ما ذهب إليه المؤلف.

والصحيح أنه يقتص من كل جرح؛ لعموم قوله تعالى: {{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}} فمتى أمكن القصاص من جرح وجب إجراء القصاص فيه، وعلى هذا فإذا قال الأطباء: نحن الآن نقتص منه بالسنتيمتر بدون حيف فإنه يقتص منه، فلو أن رجلاً شق بطن رجلٍ فإنه لا يقتص منه على المذهب، والصحيح أنه يقتص منه.

 

وَإِذَا قَطَعَ جَمَاعَةٌ طَرَفاً أَوْ جَرَحُوا جُرْحاً يُوجِبُ الْقَوَدَ فَعَلَيْهِمُ القَوَدُ،.....

قوله: «وإذا قطع جماعة طرفاً، أو جرحوا جرحاً يوجب القود فعليهم القود» الطرف هو العضو، فلو قطعوا طرفاً، وذلك بأن يأتوا بسكين ويتحاملوا عليها جميعاً حتى ينقطع العضو، فهؤلاء اشتركوا فيقتص منهم جميعاً لعموم قوله تعالى: {{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}} [المائدة: 45] ، وقياساً على ما إذا اشتركوا في قتله، فإنه إذا وجب القصاص عليهم جميعاً فيما إذا اشتركوا في القتل، فلأن يجب القصاص عليهم فيما لو اشتركوا في قطع عضوٍ من باب أولى؛ لأن النفس أعظم حرمة، والقصاص في الأطراف مبني على القصاص في النفوس، وكذلك لو جرحوا جرحاً يوجب القود ـ وهو على المذهب كل جرح ينتهي إلى عظم ـ فإذا جرحوا جرحاً يوجب القود فعليهم القود، فإذا كانوا عشرة فإننا سنجرح عشرة رؤوس برأسٍ واحد، ونقول: كما أننا نقتل عشرة أنفس بنفس واحدة، قال عمر ـ رضي الله عنه ـ: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به»[(33)].

وقوله: «إذا قطع جماعة طرفاً أو جرحوا جرحاً يوجب القود فعليهم القود» ، لم يذكر حكم ما إذا تمالؤوا عليه، والصحيح أنهم لو تمالؤوا عليه فكما لو تشاركوا فيه، ومعنى تمالؤوا عليه أي: اتفقوا عليه؛ بأن قالوا: نريد قطع يد فلان، فقال أحدهم: اجلس أنت في مكان كذا، وأنت الآخر اجلس في مكان كذا، حتى إذا أقبل أحدٌ تخبرونني، واتفقوا على ذلك فقد تشاركوا في الإثم، ولولا أن هؤلاء حرسوا ما تجرأ هؤلاء على القطع، وهؤلاء يعلمون أنهم سيقطعون هذا الرجل، فإذا تمالؤوا عليه فقد تشاركوا فيه، وعمر ـ رضي الله عنه ـ قال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به».

فإذا قطعوا طرفاً، وجرحوا جرحاً، سواء كان ذلك بالمشاركة الفعلية، أو كان بالممالأة والمواطأة على ذلك، فعليهم القود، فإذا اختار المجني عليه الدية فعليهم دية واحدة لذلك الطرف أو الجرح.

ثم ذكر المؤلف قاعدتين مهمتين في سراية الجناية، وسراية القود فقال ـ رحمه الله ـ:

 

وَسِرَايَةُ الجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَها وَسِرايَةُ الْقَوَدِ مَهْدُورَةٌ، وَلاَ يُقْتَصُّ مِنْ عُضْوٍ وَجُرْحٍ قَبْلَ بُرْئِهِ، كَمَا لاَ تُطْلَبُ لَهُ دِيَةٌ.

«وسراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها» ، «سراية» : مضاف، و «الجناية» : مضاف إليه، وهي من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي: السراية التي سببها الجناية مضمونة، والسراية: هي أن ينتقل الشيء من مكان إلى آخر، فيسري الجرح من المكان الأول إلى مكان آخر ويتسع، وكذلك الأعضاء، كما لو قطع أصبعاً فتآكلت الكف كلها، أو قطع أنملة فتآكل الأصبع كله، أو جرح موضحة بقدر الظفر ثم اتسعت حتى صارت بقدر الكف.

يقول المؤلف: إذا كانت السراية من جناية فإنها مضمونة في النفس فما دونها، في النفس مثل لو قطع أصبع إنسانٍ عمداً فنزف الدم حتى مات، فهنا نقتل الجاني، فإذا قال الجاني: أنا لم أقطع إلاَّ الأصبع، فنقول له: لكن هذه الجناية سرت إلى النفس، وأنت السبب، وربما أنك لم تقصد أن تقتل هذا الشخص، لكنه مات بسببك فتكون ضامناً.

وهذا الضابط مبني على قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: «ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون» فكل شيء ترتب على شيء لم يؤذن فيه، لا شرعاً ولا عرفاً، فإنه يكون مضموناً على صاحبه، ولها أمثلة كثيرة، ويستثنى من سراية الجناية ما سيأتي وهو ما إذا اقتص المجني عليه قبل البرء فهنا لا تضمن السراية، مثاله: قطع إصبع رجلٍ عمداً، فطلب المقطوع إصبعُه أن تقطع أصبع الجاني وأصر وألح، فإنها إذا قطعت في هذه الحال ثم سرت الجناية فإنها تكون هدراً، كما ستأتي المسألة قريباً إن شاء الله.

قوله: «وسراية القود مهدورة» ، القود أي: القصاص، فلو اقتصصنا من الجاني ثم سرت الجناية فإنها هدر، أي: لا شيء فيها؛ لأننا نقول: أنت المعتدي، فلا شيء لك.

وهذا الضابط مبني على قاعدة عند أهل العلم وهي «ما ترتب على المأذون فليس بمضمون»، وهنا القود مأذون فيه، فإذا استقدنا من هذا الرجل، وقطعنا يده ثم سرى القود، فقد ترتب هذا على شيء مأذون فلا يكون مضموناً، ويستثنى من هذا الضابط ما إذا اقتص منه في حالٍ يخشى فيه من السراية، مثل أن يكون في شدة حر، أو في شدة برد، أو إنسان فيه داء السكري، فإن هذا في الغالب لا يبرأ، ويخشى فيه السراية، فإذا كان كذلك، قال أهل العلم: إن السراية في هذه الحال تكون مضمونة؛ لأنها مترتبة على شيء غير مأذون فيه، فإن قلت: هو مأذون فيه في الأصل؟ فالجواب: لكنه في هذه الحال ليس مأذوناً فيه، فيكون عليه الضمان.

قوله: «ولا يقتص من عضو وجرح قبل برئه» ، «من» بدلية، أي: ولا يقتص بدل عضو وجرح، و«من» تأتي للبدل، ومثالها قوله تعالى: {{وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ }} [الزخرف:60] فـ{منكم} هنا بمعنى بدلكم.

فلا يقتص من عضو الجاني بدل عضو المجني عليه حتى يبرأ عضو المجني عليه.

وقوله: «ولا يقتص» لم يبين ـ رحمه الله ـ هل هذا حرام، أو مكروه؟ فيحتمل أنه حرام ويحتمل أنه مكروه، والمشهور من المذهب أنه حرام، وأنه لا يجوز أن يقتص حتى يبرأ، ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلاً طعن رجلاً بقرنٍ في ركبته، فجاء المطعون وطلب من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقتص منه، ولكنَّه نهاه، فألح عليه، فاقتص منه، ثم جاء الرجل المجني عليه بعد مدة فقال: يا رسول الله، عرجت ـ أي: إن الجناية سرت ـ فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك» ، ثم نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه[(34)].

والقول الثاني: أن النهي للكراهة والإرشاد؛ ووجه ذلك أننا نقول للمجني عليه: انتظر ربما تسري جنايتك، فالجناية لم تستقر بعد، فمن المصلحة لك أن تنتظر، وإذا كان النهي للإرشاد فإنه لا يحرم، وهذا أحد قولي الشافعي أنه يجوز أن يقتص قبل البرء، واستدل لقوله بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أقاد الرجل، ولو كان حراماً ما أقاده.

ولكننا نقول في نفس الحديث: «ثم نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقتص من جرح حتى يبرأ».

قوله: «كما لا تطلب له دية» ، أي: أن الجرح والعضو لا يقتص منه قبل برئه، ولا تطلب له دية، وذلك من أجل أن نعرف الجناية واستقرارها.

 

-----------------------

 

[32]   سبق تخريجه ص(6).

[33]   سبق تخريجه ص(24).

[34]   أخرجه أحمد (2/217)، والدارقطني (3114) ط/ الرسالة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال الحافظ في البلوغ (1083): «أعل بالإرسال»، وصححه الألباني في الإرواء (2237).

 

تاريخ التحديث : Feb 5, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com