المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الخامس عشر
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفـقه : الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الخامس عشر
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
 

 

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ

 

..........................................................................

قوله: «الشهادات» جمع شهادة، وأصلها من شهد يشهد الشيء إذا حضره، ونظر إليه بعينه، قال الله تعالى: {{إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}} [الزخرف: 86] ، فلا بد من علم.

واصطلاحاً: إخبار الإنسان بما على غيره لغيره بلفظ أشهد ونحوها، فيرون أنه لا بد من إخبار بلفظ أشهد، وقد يكون الإخبار بما علمه مطلقاً، كشاهد الهلال ـ مثلاً ـ بلفظ أشهد.

وقيل: إن الشهادة إخبار الإنسان بما يعلمه مطلقاً، سواء بلفظ أشهد أو بدونه؛ ولهذا لما قيل للإمام أحمد رحمه الله: إن علي بن المديني ـ فيما أظن ـ يقول: أقول: إن العشرة بالجنة ولا أشهد، قال: إذا قال ذلك فقد شهد، فالصحيح أن الشهادة أن يخبر الإنسان بما يعلمه، سواء بلفظ أشهد أو بغيره.

والشهادة أمرها عظيم وخطرها جسيم؛ ولهذا لما قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» فذكر الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» ، وكررها حتى قالوا: ليته سكت[(242)]، وهي خطيرة في التحمل وفي الأداء، أما التحمل فيجب ألا يتحمل الإنسان شهادة إلا وقد علمها علم اليقين، حتى إنه روي عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: أنه قال لرجل: «ترى الشمس؟» قال: نعم، قال: «على مثلها فاشهد أو دع» [(243)]، أي: على مثل الشمس، حتى لو وَجَدْتَ قرائن تدل على الأمر، لا تشهد به، لكن اشهد بالقرائن التي رأيت، أما أن تشهد بما تقتضيه هذه القرائن فهذا لا يجوز؛ لأن الشهادة لا بد أن تكون عن علم، ومع الأسف أن شهادة الزور كثرت في هذا الزمن، حتى أصبحت رخيصة، يجد الإنسان في السوق من يشهد له بعشرة ريالات، بل بأقل، وأحياناً ربما يقول: كم مقدار الدعوى التي تدعي؟ فإن قال: أدعي مليون ريال، قال: مليون ريال كثيرة، أشهد بألف ريال، وإذا قال: مائة ألف، قال: يكفيني مائة ريال، على حسب الدعوى، كِبَرها من صغرها، وكل هذا ـ والعياذ بالله ـ تلاعب، وظلم، وعدوان.

والشهادة نوعان: تحمُّل، وأداء، التحمُّل معناه التزام الإنسان بالشهادة، والأداء أن يشهد بها عند الحاكم، وكل منهما صعب؛ لأن التحمل لا بد أن يكون عن علم، وتأتي ـ إن شاء الله ـ أنواع طرق العلم، والأداء لا بد أن يكون عن ذكر مع العلم، والذي يرد على التحمل الجهل، والذي يرد على الأداء النسيان، وكلاهما يجب على الإنسان أن يحترز منه، أما تحملها فيقول المؤلف:

 

تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَأَدَاؤُهَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا، مَتَى دُعِيَ إِلَيْهِ، ..........................................

«تحمل الشهادة في غير حق الله فرض كفاية» تحمل الشهادة الالتزام بها، وهو في غير حق الله فرض كفاية، فإذا طلب منك شخص أن تشهد على إقرار زيد بحق له فالشهادة فرض كفاية، إن قام بها من يكفي سقطت عنه وإلا وجب عليه؛ ولهذا قال:

«وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه» دعاك شخص لتشهد على إقرار زيد بحق له، وليس في المكان غيرك فيجب أن تجيب؛ لأنه لا يوجد من يقوم بالكفاية، أو دعوته إلى أن يشهد معك وليس معك إلا شاهد واحد، فيجب عليه، فالفرق بين تحمل الشهادة وأدائها أن التحمل لم يلتزم به الإنسان ولا يلزم به إلا إذا لم يوجد سواه، أما الأداء فقد التزم بها الإنسان أوّلاً وتحملها فيلزمه الأداء. فإذا قال: معك شاهد، فقل: نعم، لكن الشاهد ما يكفي، فإذا قال لك: الشاهد مع يمينك كافٍ، فماذا تقول؟ فقل:

أولاً: هذه مسألة فيها خلاف، وأخشى أن نتحاكم إلى قاضٍ لا يرى هذا الرأي فيضيع حقي.

الثاني: أن اليمين الذي يُحكم به لا يكون إلا عند الضرورة، فإذا وجد من يشهد فلا حاجة لليمين.

أو دعاك لتشهد له، فقلت: هذا أبوك عندك، يشهد لك، نقول: ما تقبل شهادته له.

إذن يتعين عليك هذا في حقوق الآدميين.

أما في حقوق الله فلا يتعين التحمل، فلو دعاك شخص وقال: تعال اشهد على فلان أنه يشرب الخمر، فإنه لا يجب عليك أن تتحمل الشهادة؛ لأن هذا حق لله ـ عزّ وجل ـ وبإمكانك أن تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن تَشْهد، لكن لو فرض أن امتناعك يتضمن ضرراً على هذا الذي دعاك، فربما نقول: يجب؛ دفعاً للضرر، أما إذا لم يكن ضرر فإن تحملها في حق الله ليس بواجب؛ لأن هذا لا يضيع حق آدمي، إنما هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسِّتر على فاعل المحرم أو على العاصي قد يكون أفضل من إظهاره وإعلانه، وهذا يختلف بحسب الحال.

وقوله: «وإن لم يوجد إلا من يكفي تعيَّن عليه» لقول الله تعالى: {{وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}} [البقرة: 282] ، وهذه الآية قد يعارض فيها معارض يقول: هذا في الأداء واضح؛ لأن الرجل المدعو شاهد لا شك، ولكن قد يقول قائل ـ كما استدل به الأصحاب ـ: إن الشهيد هنا يشمل من شهد بالفعل، ومن دعي ليشهد؛ لأنه دعي للشهادة، ولنا أن نثبت هذا ـ أيضاً ـ بالقياس؛ لأن الله تعالى قال: {{وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ}} [البقرة: 282] ، وأيهما أشد الكاتب أم الشاهد؟ الكاتب؛ لأنه يحتاج إلى تعب وعمل، وهذا ما يحتاج إلى تعب ولا عمل، بل غاية ما هنالك أن يطلع فيضبط الشهادة.

قوله: «وأداؤها فرضُ عينٍ على من تحملها متى دعي إليه» الأداء إثبات الشهادة عند القاضي، فإذا تحمل الشهادة وجب عليه أن يشهد لقوله تعالى: {{وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}} [البقرة: 283] ، فحكم الله ـ عزّ وجل ـ بإثم قلب الإنسان الذي كتم، وأضاف الإثم إلى القلب؛ لأن شهادته لا يعلمها إلا الله عزّ وجل؛ إذ من الجائز أن ينكر، فلما كان إنكار الشهادة ـ وهو يعلم أنه شاهد ـ محله القلب قال: {{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}}. فلما كانت الشهادة محفوظة في القلب، والكتمان إنما يكون في القلب أضاف الله تعالى الإثم إلى القلب الذي هو محل حفظ الشهادة.

وقال بعض العلماء: أداؤها فرض كفاية، ويظهر أثر الخلاف فيما لو أشهد عشرة وتحملوا الشهادة وتحاكم مع خصمه للقاضي، فذهب إلى اثنين من العشرة وقال: إني حاكمت خصمي، فاذهبا معي لأداء الشهادة، على رأي المؤلف يتعين أن يذهبا معه، وعلى القول بأنه فرض كفاية لا يتعين، لأنهما يقولان له: اذهب إلى الثمانية الآخرين، واطلب اثنين منهم، ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف، أنه إذا دُعي إليها وجب عليه عيناً أن يشهد؛ لأننا لو قلنا بجواز أن يحوِّل الشهادة إلى الآخرين، وذهب إلى اثنين من الثمانية قالا: معنا ستة باقون، فذهب لاثنين قالا: الباقي أربعة، فذهب لاثنين فقالا: الباقي اثنان فذهب للاثنين، فقالا: ولماذا تسلطت علينا؟! فيضيع حق المسكين!

فالصواب أنه إذا تحمل ودعي وجب عليه عيناً أن يؤدي الشهادة، ولو لم يكن فيها إلا قوله تعالى: {{وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}} [البقرة: 283] .

مسألة: وهل تتساقط البيِّنتان إذا كانت إحداهما مؤرخة أو كانتا مؤرختين؟ نعم إذا كانتا مؤرختين وعرفنا تأخر تاريخ إحداهما على الأخرى فإنه يحكم بآخرهما تأريخا والحكم بتساقطهما فيما إذا كان تعارضهما من كل وجه.

وقوله: «وأداؤها فرض عين على من تحملها» لكن بشروط، قال:

قوله: «متى دعي إليها» هذا هو الشرط الأول، أن يدعى إلى أدائها فإن لم يدعَ إليها لم يلزمه الأداء، ولكن لو أدى بدون أن يدعى إليها، فهل هذا محمود أو هو مذموم؟

اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إنه مذموم لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يشهدون ولا يُستشهدون» [(244)]، وفي رواية: «يشهدون قبل أن يستشهدوا» [(245)]، فقالوا: إن هذا ذم لمن يشهد قبل أن يستشهد؛ وعللوا ذلك ـ أيضاً ـ بأن الإنسان الذي يبادر إلى الشهادة قبل أن يستشهد قد يتهم، ويظن أن معه تحيُّزاً للمشهود له، أو للمشهود عليه، وإلا فما الذي جعله يشهد قبل أن تطلب منه الشهادة؟!

وقال بعض العلماء: بل الأفضل أن يشهد، وإن لم يستشهد لقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» [(246)]، وهذا يدل على فضيلة من شهد قبل أن يستشهد.

والصحيح أن في ذلك تفصيلاً: فإن كان المشهود له لا يعلم بالشهادة فإن الشاهد يؤديها وإن لم يسألها، مثل أن يكون الشاهد قد استمع إلى إقرار المشهود عليه، من غير أن يعلم به المشهود له، فيكون قد أقر عنده في مجلس بأن فلاناً يطلبني كذا وكذا، أو بأن العين التي في يدي لفلان، أو ما أشبه ذلك، والمشهود له لم يعلم، فهنا إذا علم الإنسان أن المسألة وصلت إلى المحكمة، فالواجب عليه أن يشهد ويبلغ؛ لئلا يفوت حق المشهود له، أما إذا كان المشهود له عالماً وذاكراً فإنه لا يشهد حتى تطلب منه الشهادة؛ لأنه إذا تعجل فقد يتهم في شدة محاباته للمشهود له، أو معاداته للمشهود عليه، وأما الحديث في ذم قوم يشهدون ولا يستشهدون، فإنه لا يتعين أن يكون المراد به أداء الشهادة، إذ يحتمل أن المعنى يشهدون دون أن يتحملوا الشهادة، فيكون هذا وصفاً لهم بشهادة الزور، ولا شك أن شهادة الزور من أكبر الكبائر، وهذا هو المتعين في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يشهدون ولا يستشهدون» ، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يشهدون قبل أن يستشهدوا» فتحمل على قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يشهدون ولا يستشهدون» ، فالتفصيل الذي ذكرنا هو المتعين.

 

وَقَدِرَ بِلاَ ضَرَرٍ فِي بَدَنِهِ، أَوْ عِرْضِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، وَكَذَا فِي التَّحَمُّلِ، وَلاَ يَحِلُّ كِتْمَانُهَا، .......

قوله: «وقدر» هذا هو الشرط الثاني: أن يكون قادراً على الأداء، فإن كان عاجزاً فإنه لا يلزمه لقوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وقوله: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}} [البقرة: 286] ، ومن القواعد المقررة المأخوذة من هذه الآية أنه لا واجب مع عجز، وعلى هذا فإذا كان عاجزاً عن أدائها فإنه لا يلزمه للعجز.

الشرط الثالث: انتفاء الضرر، ولهذا قال:

«بلا ضرر في بدنه» بأن خاف أن يضرب حتى يتضرر.

قوله: «أو عرضه» بأن خاف أن يغتابه المشهود عليه، أو ما أشبه ذلك.

قوله: «أو ماله» بأن خاف أن يحرق دكانه، أو يكسر زجاج سيارته، أو ما أشبه ذلك.

قوله: «أو أهله» بأن خاف أن يؤذى ولده أو زوجته، أو أباه، أو ما أشبه ذلك.

فإذا خاف الضرر فإنه لا يلزمه لا التحمل ولا الأداء في ظاهر كلام المؤلف، ونحن نقول: أما في البدن والمال والأهل فمسلَّم أنه إذا خاف الضرر في هذه الأشياء الثلاثة فإنه يسقط عنه واجب الشهادة تحملاً أو أداء؛ لما أشرنا إليه من الآية وهي: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}} [البقرة: 286] ، وقوله: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] .

وأما العِرْض، فينظر إذا كان الضرر من المشهود عليه حاصلاً أو غير حاصل؛ فإن الغالب أنه لا يتضرر به، حتى إذا اغتابه عند الناس فإن الناس لا يقيمون وزناً لغيبته؛ لأنه مشهود عليه فيقال: ما اغتابه إلا لأنه شهد عليه، أما إذا كان الضرر كبيراً بحيث يتأثر عرضه، وتسقط عدالته عند الناس، وما أشبه ذلك، فقد يسلم كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ فالعرض إذاً فيه تفصيل: إذا كان الضرر محققاً وكبيراً، فهذا قد يسقط الواجب من أداء الشهادة أو تحملها، وإذا كان الضرر ليس كبيراً، أو قد لا يوجد ضرر أبداً، مثل أن يكون انتهاك العرض من المشهود عليه، فإن ذلك لا يمنع من وجوب الشهادة تحملاً أو أداء.

فالشروط إذاً ثلاثة: أن يدعى إليها، وأن يكون قادراً، وانتفاء الضرر.

قوله: «وكذا في التحمل» يعني أنه يشترط انتفاء الضرر، وهل يشترط القدرة في التحمل؟ نعم، يشترط فلو دعاك شخص لتشهد له وأنت لا تستطيع، أو أنت مريض، أو تخشى إن ذهبت أن يضيع مالك، أو ما أشبه ذلك، فلا يلزمك، لكن هل يشترط أن يدعى إليها في التحمل أو لا يشترط؟ يعني هل يشترط أن أدعوك وأقول: تعالَ اشهد على نطق فلان، أو على فعل فلان، أو لا يشترط، بحيث إنك إذا سمعت أو رأيت وجب عليك أن تتحمل؟ الظاهر الثاني، فالإنسان متى رأى أو سمع وجب عليه أن يحفظ ما سمعه أو شهده؛ من أجل أن يؤديه إذا دعي إلى ذلك.

قوله: «ولا يحل كتمانها» أي: الشهادة؛ لقوله تعالى: {{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}} [البقرة: 283] .

فإن لم يمكن أداء الحق بدونها فإنه لا يحل كتمانها، مثل لو شهد شاهدان على زيد بحق، ثم أدى شاهد الشهادة، وطُلب من الثاني أن يشهد، فقال لصاحب الحق: يكفي يمينك مع الشاهد؛ لأنه يُقضى في المال بالشاهد واليمين، فهل يحل للشاهد الثاني أن يقول لصاحب الحق: عندك شاهد، واحلف معه، وسيقضى لك بيمينك؟ نقول: لا يحل له أن يمتنع عن الشهادة؛ لعموم قوله تعالى: {{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}} [البقرة: 283] .

ويشترط ـ أيضاً ـ شرط لم يذكره المؤلف، وهو أن تكون الشهادة مقبولة لدى الحاكم، فإن لم تكن مقبولة لم يلزمه أن يشهد لا تحملاً ولا أداء، فلو طلب الأب من ابنه أن يشهد له بحق فإنه لا يلزمه أن يشهد له؛ لأن شهادته غير مقبولة عند الحاكم، فإن شهادة الولد لوالده لا تقبل، وكذلك العكس لو قال الولد لأبيه: تعال اشهد، فإنه لا يلزم الوالد أن يشهد؛ وذلك لأن شهادته غير مقبولة، فلا فائدة من الشهادة.

وكذلك لو كان معروفاً بالفسق، وأن القاضي سيرد شهادته، كحالق اللحية ـ مثلاً ـ بحيث يُعرف هذا القاضي بردِّ شهادة حالق اللحية، وجاء إنسان وقال: تعال اشهد، فهل يلزمه أو لا؟ لا يلزمه، فإذا قال له صاحب الحق: تعال اشهد، قال: ما يلزمني؛ لأنني لو شهدت عند القاضي ما قبلني؛ لأني حالق اللحية، فقال له صاحب الحق: اشهد لعل الله يتوب عليك وتوفر لحيتك، فهل يلزمه حينئذٍ؟ الجواب: الاحتمال وارد، ونقول: يلزمه الإعفاء، سواء قبلت شهادته أم لم تقبل، لكن هذا الرجل غير معفٍ لحيته، فربما نقول: إذا كانت الشهادة فورية بحيث لو تاب الإنسان لم يبق للحيته وقت تتوافر فيه، فإنه لا يلزمه، أما إذا كانت القضية ربما تتأخر فقد يقال: بلزومها.

ولو دعي كافر إلى شهادة فهل يلزمه؟ الجواب: يلزمه لحق الآدمي؛ أليست حقوق الجار تلزم الكافر؟! نعم تلزمه فله حق الشفعة ـ مثلاً ـ على رأي بعض العلماء، فلو قال له الطالب للشهادة: اشهد ربما تُسْلِم؛ لأن الإنسان إذا تحمل الشهادة وهو كافر وأداها وهو مسلم تقبل منه، نقول: العبرة بالحال، وأما المستقبل فلا يحكم به؛ لأنه غير معلوم، فلا يجبر على الشهادة.

 

وَلاَ أَنْ يَشْهَدَ إِلاَّ بِمَا يَعْلَمُهُ بِرُؤْيَةٍ، أَوْ سَمَاعٍ، أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ فِيْمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ بِدُونِهَا، كَنَسَبٍ، وَمَوْتٍ، وَمُلْكٍ مُطْلَقٍ، وَنِكَاحٍ، وَوقْفٍ، وَنَحْوِهَا، وَمَنْ شَهِدَ بِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ العُقُودِ فَلاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ، ........

قوله: «ولا أن يشهد إلا بما يعلمه» هذه معطوفة على قوله: «كتمانها» يعني ولا يحل أن يشهد إلا بما يعلمه، والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً، فلا بد أن يكون قد أدرك ما شهد عليه، أو به إدراكاً جازماً.

وقوله: «إلا بما يعلمه» يعني ولمن يعلمه، وعلى من يعلمه، فبما يعلمه هذا المشهود به، ولمن يعلمه هذا المشهود له، وهو الطالب، وعلى من يعلمه هو المشهود عليه، وهو المطلوب، فهل يشترط العلم بالطالب أو لا يشترط؟ فلو شهد شخص بما يعلمه، ثم توفي وطالب الورثة، وقالوا: أنت تشهد لمورثنا، قال: أنا ما أعرف مورثكم، ولا أدري هل أنتم ورثته أم لا؟ لكن أنا أشهد لإنسان صفته، كَيْت، وكَيْت، فإنه تحصل الشهادة، ونقول: هذا علم بالوصف لا بالعين، والعلم بمن يشهد عليه يشترط باسمه، أو بوصفه إن كان يراه، أما أن يقال له ـ مثلاً ـ: اشهد على امرأة محجبة، وأتوا بامرأة وقالوا: هذه فلانة بنت فلان، فقال لها: هل أنت هي؟ قالت: نعم، فقال: هل عندك لفلان عشرة آلاف؟ قالت: نعم، قال: أشهد أن فلانة بنت فلان عندها لفلان عشرة آلاف ريال، فهذا لا يمكن؛ لأن أي إنسان يمكن أن يحضر امرأة محجبة، ويقول: هذه فلانة بنت فلان، ويشهدك عليها! إذن لا بد أن يكون عالماً بمن يشهد عليه، إما باسمه، أو وصفه.

كذلك ما يشهد به من المال أو الحق أو الدَّيْن، يعني كما سبق لنا في الدعاوي، لا يشهد إلا بما يعلمه، فلا يجوز أن يشهد بالقرينة، ولا يجوز أن يشهد بغلبة الظن، بل لا بد من العلم، فلو رأى شخصاً خرج من بيتٍ هارباً وآخر يلحقه يقول: هذا الرجل سرق مني، ردوا السارق، ردوا السارق، فهل يشهد بأن هذا الرجل سارق؟ لا يجوز أن تشهد بالسرقة؛ لأنك ما تعلم، ربما أن صاحب البيت دعاه، ولما دعاه أراد منه شيئاً فأبى، فهدده بالقتل، فهرب، إذن لا تشهد بأنه سارق، لكن هل تشهد بما رأيت، بأنك رأيته هارباً، وصاحب البيت وراءه، يقول: السارق السارق؟ نعم، هذا يجوز، ويبقى النظر للحاكم، فله أن يحكم بما تدل القرائن عليه.

قوله: «برؤية أو سماع» طرق العلم خمسة، ذكر المؤلف أكثرها وقوعاً، وهي الرؤية والسماع، وبقي من الحواس ثلاث: الشم، والذوق، واللمس، إذن قوله: «برؤية أو سماع» إنما خص هذين النوعين من الحواس؛ لأن الغالب هو هذا، وإلا فيجوز أن يشهد بما يعلمه عن طريق الشم، بأن يشهد بأن هذا طِيب طيِّب، أو طِيب رديء، أو أن هذا اللحم منتن متغير، أو غير متغير، مثلاً تخاصم البائع والمشتري في اللحم، فقال المشتري: هذا اللحم متغير مخنز، وقال البائع: لا، فشهد رجل عن طريق الشم بأنه متغير.

مثال الذوق: قال المشتري: هذا تمر عتيق متغير الطعم، وقال البائع: لا، بل هو تمر جديد غير متغير، فيمكن أن يشهد شخص عليه بالذوق، أو قال المشتري: هذا عنب لم ينضج فهو حامض، وقال البائع: بل هو ناضج حلو، بأي طريق نعلم؟ بالذوق. كما تجوز الشهادة باللمس أيضاً كأن يكون يابساً أو رطباً، ليناً أو خشناً.

على كل حال، لا يجوز أن يشهد إلا بما علمه بإحدى الحواس الخمسة، والدليل قوله تعالى: {{إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}} [الزخرف: 86] ، ولأن الشهادة خبر عن أمر واقع فلا بد أن يعلم هذا الأمر الواقع، فالشهادة خبر محض ليست حكماً حتى نقول: يجوز الحكم بالقرائن، فالحكم بالقرائن سبق لنا أنه يجوز، لكن الشهادة خبر محض، والخبر لا يجوز إلا إذا تيقن المخبر وقوع الخبر، أو صحة ما أخبر به

وهل يشترط علم المشهود عليه بوجود الشاهد؟ ما يشترط، فلو أن صاحب الحق أتى بالمطلوب في مكانه، وجعل شخصاً يشهد مختفياً فإنه يجوز؛ لأن هذا الذي عليه الحق، إذا كان منفرداً بصاحب الحق أقر له، وإذا كان عنده أحد أنكر، فتحيَّل صاحب الحق ودعاه ـ مثلاً ـ على قهوة، فلما حضر قال له: الآن لا نشاهد أحداً، أنت ما تذكر لما أقرضتك كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، بالمكان الفلاني؟ قال: بلى، أذكر، ولكن اصبر علي، هذا بيني وبينك، قال له: لماذا إذا صار عندنا أحد تنكر؟ قال: أخاف أن تطالبني، ثم يسجنني القاضي فهذه الحيلة جائزة؛ لأن المقصود بها التوصل إلى الحق.

قوله: «أو باستفاضة» الاستفاضة من فاض الماء إذا ظهر، وبان، وانتشر في الأرض، فمعنى الاستفاضة أن يستفيض الخبر وينتشر، ولكن يقول المؤلف:

«فيما يتعذر علمه بدونها» فالاستفاضة خاصة في الأشياء التي يتعذر العلم بها بدون الاستفاضة في الغالب، أما ما يمكن العلم به مباشرة فلا يجوز تحمل الشهادة فيه بالاستفاضة.

قوله: «كنسب» فأنا مثلاً أشهد بأن فلان ابن فلان، فهل حضرت والده عند غشيان أمه، وأنها حملت به من هذا الوطء، وأنها ولدت به على فراشه؟!

الجواب: أبداً ما شهدت، لكن استفاض عند الناس أن هذا فلان ابن فلان، فأشهد أن هذا فلان ابن فلان، قال العلماء: ولا بد للاستفاضة أن تكون عن عدد يقع العلم بخبرهم، يعني بأن يشهد بها أربعة فأكثر، فلو أخبره شاهد بالاستفاضة فإنه لا يشهد بها، بل يكون فرعاً عن شهادة هذا الشاهد.

مثال ذلك: جاءني رجل وتكلم معي بكلام، ثم انصرف، وإلى جنبي رجل آخر، قلت: من هذا؟ قال: هذا فلان ابن فلان، الرجل الذي أخبرني بأن فلان ابن فلان شاهد بالاستفاضة، هل لي أنا أن أشهد بأن هذا الرجل فلان ابن فلان؟ على كلام المؤلف ما أشهد، لكني أشهد على شهادة الرجل، ولكن اختار شيخ الإسلام وجدّه المجد ـ رحمهما الله ـ: أنه يجوز أن يشهد بما طريقه الاستفاضة بخبر الواحد الثقة، فيقول: هذا فلان ابن فلان، وقد سبق لنا هذا في التعريف أن شيخ الإسلام رحمه الله يرى جواز التعريف بواحد.

قوله: «وموت» مرت جنازة قلت: من هذا؟ قالوا: هذا فلان ابن فلان، هل لي أن أشهد أن فلان ابن فلان مات؟ يجوز، فهل أنا حضرت هذا الرجل وهو يُحتَضَر حين خرجت روحه؟ لا، لكن عرفت بالاستفاضة.

قوله: «وملك مطلق» الملك نوعان: ملك مقيد، وملك مطلق، الملك المقيد بأن أشهد أن هذا ملك فلان، اشتراه من فلان، هذا ما يكفي فيه الاستفاضة، والملك المطلق أن أشهد بأن هذا ملك فلان، ومشهور أن هذا بيته، فهل أنا شاهد يوم يشتريه؟ أبداً يوجد احتمال أنه مستأجر، لكن مشتهر عند الناس كلهم، عند أهل الحي، وربما غيرهم، أن هذا البيت ملك فلان، فأشهد به حتى في المحكمة.

وكذلك ـ أيضاً ـ اليد التي على هذا البيت، مثلاً: إنسان في هذا البيت، له مدة يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، يفتح باباً ويغلق باباً، يفتح طاقة ويغلق طاقة، يأتي بالعمال يصلحون فيه أشياء، يؤجره أحياناً، هل أشهد بأنه ملكه؟ الصحيح أن لي أن أشهد بأنه ملكه، وإن كان بعض العلماء قالوا: لا يشهد؟ وإنما يشهد باليد، فيقول: أشهد أن يده عليه، وأنه يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، قالوا: لجواز أن يكون وكيلاً لا مالكاً، وأنت إذا شهدت باليد فهو أسلم وأبرأ لذمتك، لكن المذهب: يجوز أن تشهد بالملك.

قوله: «ونكاح» يشهد بالاستفاضة في النكاح، مررت بقصر من قصور الأفراح وإذا هو منار، قلت: من المتزوج الليلة؟ قالوا: فلان ابن فلان، فاشتهر أن فلان ابن فلان تزوج الليلة، هل أنت حضرت العقد؟ لا، لكن استفدت ذلك بالاستفاضة.

قوله: «ووقف» الوقف نوعان ـ أيضاً ـ:

الأول: وقف خاص، وهذا لا نشهد عليه بالاستفاضة، فلا أشهد بأن هذا البيت وقف على فلان؛ لأن هذا خاص.

الثاني: وقف مطلق بأن يعرف أن هذا البيت موقف لأعمال البر، موقف على تكفين الموتى، على أجرة القبور، على طلبة العلم، وما أشبه ذلك، فهذا الوقف يشهد الإنسان فيه بالاستفاضة.

كذلك ـ أيضاً ـ يشتهر بين الناس أن هذا المسجد بناه فلان ابن فلان، فأنا ما حضرت العقد الذي تم بين المقاول والرجل، لكن اشتهر عند الناس أن فلاناً هو الذي بنى هذا فيجوز أن أشهد، المهم ما كان طريق العلم به الاستفاضة فإنه يشهد فيه بالاستفاضة.

وهل إذا كان من عادات بعض القبائل أن القريب إذا شهد على قريبه حصلت قطيعة رحم، تكون الشهادة في هذه الحال واجبة عليه؟ أكثر العلماء أن الشهادة في هذه الحال غير واجبة عليه ولكن عندي فيها نظر، لأنه يجب عليه أداء الشهادة إذا كانت متعينة عليه؛ حتى لا تضيع الحقوق بامتناعه من الشهادة تحملاً وأداءاً.

وهل يعتبر التسجيل الصوتي بيِّنة على الخصم ضد إنكاره؟

إن كان صوته متميزاً فإنه يعد بينة وإقراراً، وإن كان غير متميز فلا يعد بينة ولا يحكم به ولكن يكون قرينة. وهذا التفصيل يكون أيضاً في الكتابة فما كان منها متميزاً فهو بينة وما كان منها غير متميز فلا يعمل بها إلا إذا أشهد عليها.

قوله: «ونحوها» [(247)].

قوله: «ومن شهد بنكاح أو غيره من العقود فلا بد من ذكر شروطه» هذه المسألة تكاد تكون مبنية على ما سبق في الدعوى، حيث ذكر المؤلف أنه إذا ادعى عقداً فلا بد من ذكر شروطه، وذكرنا هناك الخلاف في المسألة، فهذه تشبه تلك، فإذا شهد بعقد نكاح، يقول: أنا أشهد أن فلاناً عقد على بنت فلان، فلا بد أن يذكر الشروط، فيقول مثلاً: بولي، وشاهدين، ورضا معتبر، وتعيين، فلو قال: أشهد أن فلاناً عقد لفلان على ابنته فقط، ولم يذكر الشروط فإن الشهادة لا تقبل حتى يبين الشروط، لماذا؟ قالوا: لأنه قد يشهد بعقد نكاح يظنه صحيحاً، وهو فاسد، وعقد النكاح يحتاط له ولا يتهاون به، فلا بد من ذكر الشروط، كذلك ـ أيضاً ـ البيع، قال: أنا أشهد أن فلاناً باع على فلان بيته، فما تكفي هذه الشهادة، فلا بد أن يذكر جميع شروط البيع وهي سبعة، فإن لم يذكر الشروط السبعة فإن شهادته لا تقبل، وكذلك ـ أيضاً ـ لو شهد بوقف، بأن فلاناً وقف بيته، فلا بد من ذكر شروط الوقف الخمسة السابقة، فكل عقد لا بد فيه من هذه الشروط.

وهل يشترط ذكر انتفاء الموانع؟ لا يشترط، ففي النكاح ـ مثلاً ـ لا يشترط أن يقول: وهي ممن تحل له؛ لأن الأصل في العقد الصحة وعدم المانع، كذلك في البيع لا يشترط أن يقول: وأن هذا البيع لم يقع بعد نداء الجمعة الثاني، ولا في مسجد، ولا بيعاً على بيع أخيه، وما أشبه ذلك، ولو أننا قلنا: لا بد للشاهد من ذكر الشروط والموانع، لكانت الشهادة أحياناً تستوعب مجلدات؛ لأنه لا بد أن يذكر الشروط، وقد تكون كثيرة، والموانع قد تكون كثيرة أيضاً، فإذا قلنا باشتراط هذا وهذا لصَعُبَ على الناس.

وقال بعض أهل العلم: إنه لا يشترط ذكر الشروط، ولكن للمدعى عليه أن يبين إن كان هناك فوات شرط؛ وذلك لأن الأصل في العقود الصحة والسلامة، ويدل لهذا حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ في البخاري: أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «سموا أنتم وكلوا»[(248)]، فحكم بحل الذبح مع عدم تحقق الشرط وهو التسمية؛ لأن الأصل صحة الفعل، فإن وجد فقد شرط، أو حصل مانع فإن للخصم أن يدعي ذلك وينظر فيه، فلو قال المدعى عليه البيع: إن البيع وقع على وجه مجهول في الثمن، أو المثمن، حينئذٍ نقول: ما نحكم بصحة البيع حتى ننظر في دعوى هذا المدعي أن هناك شرطاً من الشروط لم يتم، كذلك لو ادعى المدعى عليه أن البيع وقع بعد نداء الجمعة الثاني، ما نحكم بالشهادة حتى ننظر في دعوى المدعي، أنه وقع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تجب عليه الجمعة، وهذا القول هو الراجح، ويدل لرجحانه حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ الذي أشرنا إليه، والتعليل ـ أيضاً ـ وهو أن الأصل في العقود السلامة والصحة حتى يوجد دليل الفساد، من فوات شرط، أو وجود مانع وهناك من العقود التي لم تذكر ففيه عقد الرهن والهبة والإجارة والمساقاة والمزارعة والشركات وغيرها، والمهم أن هذه القاعدة التي أشرنا إليها سارية في جميع العقود.

 

وإِنْ شَهِدَ بِرَضَاعٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ قَذْفٍ فَإِنَّهُ يَصِفُهُ، وَيَصِفُ الزِّنَا بِذِكْرِ الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَالْمَزْنِي بِهَا،.......................

قوله: «وإن شهد برضاع» فلا بد من ذكر شروطه ووصفه أيضاً، فيقول: إن هذا الطفل رضع من هذه المرأة خمس رضعات فأكثر، في زمن الإرضاع، فإن قال: أشهد أنه رضع من هذه المرأة فقط، ولم يذكر شيئاً سوى ذلك، فإن الشهادة لا تقبل، وقيل: بل تقبل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما ذكر له الرجل قول المرأة التي قالت عنه وعن زوجته: إني أرضعتكما، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «كيف وقد قيل؟!» [(249)] وفارقها الرجل وهي لم تزد على قولها: إني قد أرضعتكما، وعلى هذا فلا حاجة إلى ذكر الشروط إلا إذا علمنا أن هذا الإنسان يخفى عليه الشرط، أو غلب على ظننا أن الشروط تخفى عليه فإننا نستفصل، فإذا جاءت امرأة وقالت: إني أرضعت هذا الرجل وهذه المرأة، ونحن نعلم أو يغلب على ظننا أن مثل هذه المرأة يخفى عليها شروط الرضاعة فحينئذٍ لا بد أن نستفصل، وهذا لا ينافي ما سبق من قولنا: إن من شهد بعقد نكاح أو غيره فلا حاجة لذكر الشروط؛ وذلك لأنها إذا قالت: أرضعتكما، فالفعل يدل على مرة واحدة، فلهذا نقول: إذا علمنا، أو غلب على ظننا أن هذه المرأة لا تعرف شروط الرضاع المحرِّم، فلا بد من الاستفصال لما ذكرنا، وهو أن الأصل في الفعل الإفراد وعدم التعدد.

قوله: «أو سرقة» كذلك لو شهد بسرقة فلا بد أن يصفها، ويذكر الشروط، فيصف كيف سرق؟ ومتى سرق؟ ومن أي مكان سرق؟ وما الذي سرق؟ احتياطاً للحدود، والواقع أن هذا فيه ما يحتاط له من وجهين: من جهة الحدود، ومن جهة حقوق الآدمي؛ لأن السارق يترتب على سرقته شيئان: الأول: ضمان المال المسروق، الثاني: القطع، ولكن ينبغي أن يستفصل في هذا، فيقال: إذا شهد بالسرقة، بأن قال: أشهد أن فلاناً سرق من مال فلان كذا وكذا، أو سرق بعير فلان أو شاة فلان فإنه يحكم عليه بمجرد هذه الشهادة بدون أن يصف احتياطاً لحقوق الآدميين، ولكن لا نقيم عليه الحد حتى يصف هذه السرقة، وأنه سرقها من حرز ـ مثلاً ـ درءاً للحد بالشبهات.

قوله: «أو شرب» لو شهد ـ أيضاً ـ بشرب خمر، قال: أشهد أن فلاناً شرب خمراً، يقول المؤلف: لا بد أن يصف ذلك الخمر، فيقول: شرب من النوع الفلاني، شرب في المكان الفلاني، في الوقت الفلاني، المهم يصف كل ما يتعلق بهذه الشهادة، ولا يكفي أن يقول: أشهد أنه شرب الخمر.

والصواب أنه يكفي ذلك؛ لأن العقوبة مرتبة على مجرد شرب الخمر، فإن كان هناك مانع من العقوبة، كإكراه ـ مثلاً ـ فليدع ما شهد عليه.

لو قال قائل: يحتمل أن هذا الشاهد رآه يشرب الخمر، لكنه مكره، أو غير عالم بأنه خمر، نقول: الإكراه مانع وعدم العلم بأنه خمر مانع، فنحن نحكم بأنه شرب الخمر، ونحكم بمقتضى هذا الشرب، فإن ادعى الشارب ما يمنع هذه العقوبة، وقال: إنه مكره، أو إنه شرب هذا الشراب ولم يعلم أنه خمر، فحينئذٍ نسقط عنه العقوبة.

قوله: «أو قذف فإنه يصفه» كذلك لو شهد بقذف فلا بد من أن يصفه، والقذف هو الرمي بالزنا أو اللواط نسأل الله العافية، فيترتب عليه ثلاثة أشياء ذكرها الله في قوله: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}} هذا الأول، {{وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا}} هذا الثاني، {{وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}} [النور: 4] هذا الثالث، فإذا شهد بقذف فلا بد أن يصفه؛ لأنه قد يظن ما ليس بقذف قذفاً، كأن يشهد أنه قال لفلان: أنت زانٍ، أنت لوطي، وما أشبه ذلك، أما إذا قال: إنه قذفه فقط فلا يكفي؛ لاحتمال أن يكون قذفه بغير الزنا، فلا بد من أن يذكر نوع القذف الذي وقع منه.

قوله: «ويصف الزنا بذكر الزمان والمكان والمزني بها» فيشترط ذكر ثلاثة أشياء، ذكر الزمان بأن يقول: إنه في الليل، في أول الليل، في النهار، في آخر النهار، وما أشبه ذلك، والمكان يقول: في البيت الفلاني في الحجرة الفلانية، وإذا كان في البر يقول: في النقرة الفلانية، في الوادي الفلاني، وما أشبه ذلك، والمزني بها يذكرها، ولكن كيف يذكرها؟ فهل يذكرها باسمها أو بوصفها؟ إن كان لا يعلم اسمها، فيذكرها بوصفها، وإن كان يعلم اسمها فباسمها؛ لأنه قد يجامع امرأته، فيظن الرائي أنها أجنبية، فيشهد بأنه زنا.

وقال بعض أهل العلم: إن الزنا فاحشة يعاقب عليه بالحد الشرعي، ولا ضرورة إلى ذكر المزني بها، فمتى ثبت الزنا فقد ثبتت الفاحشة، وعلى هذا فلا يشترط ذكر المزني بها، ولأن العلم بالمزني بها قد يعسر أو يتعذر، بخلاف الزاني، فإن العلم بالرجال أكثر من العلم بالنساء، وهذا القول أرجح.

ولا بد ـ أيضاً ـ أن يصف الزنا؛ لأنه حد من الحدود، فيقول ـ مثلاً ـ: إنه رأى ذكره في فرجها داخلاً، كما يدخل الميل في المكحلة، فإن شهد بأنه فوقها، وأنه يهزها ـ مثلاً ـ فهل يكفي ذلك أو لا؟ لا يكفي؛ لأن مثل هذا لا يثبت به حد الزنى، فلو أن شخصاً رأى إنساناً على امرأة، ورأى منه حركة تدل على الجماع، فإنه لا يشهد بالجماع، ولكن إذا اعتبرنا هذا الشرط في الشهادة بالزنا، فلا أظن أن زناً يثبت بشهادة، فمتى يمكن أن يشهد الإنسان بأن ذكر الرجل في فرج المرأة؟! ولهذا لما قيل للذين شهدوا على رجل في عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ بالزنا: هل رأيت ذكره في فرجها؟ قال: نعم، قال المشهود عليه: والله لو كنت بين أفخاذنا ما شهدت هذه الشهادة، وهذا صحيح؛ لأن هذا فيه صعوبة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في كتاب المنهاج في الرد على الرافضة، قال: لم يثبت في الإسلام الزنا بالشهادة على الفعل أبداً، إنما ثبت بالإقرار، لكن أن يأتي أربعة يشهدون بأن ذكره في فرجها بزناً واحد!! فهذا صعب جداً.

وعلى كل حال هذا القيد قد يكون فيه رحمة، وهو حفظ أعراض الناس حتى لا يجرؤ أحد على الشهادة بالزنا بدون أن يتحقق هذا التحقق العظيم.

وهل يجوز الوصف بالإشارة أو بالتصوير؟ الوصف بالإشارة، كأن يصف السرقة، فيغلق الباب، ويقف، ثم يقول: رأيت هذا، ثم يفتح الباب، ثم يدخل ويأخذ الدراهم، ويغلق الباب، ويخرج وما يتكلم؟ نقول: إذا كان من أخرس ربما تصلح بالإشارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا كان من غير أخرس فنقول: تكلم، يجب أن تصرح، وكذلك لو وصف هذا بالتصوير، فهل تمكن الشهادة عن طريق التصوير؟ أما في بعض الدول فيمكن، لكنه التصوير المتحرك الذي يحكي الفعل، مثل الفيديو، وقد ذكر لي منذ قرابة سبع سنوات أنه اختُرِعَ جهاز إذا سلط على مكان الحادث قبل مضي عشر دقائق صور ما وقع، فإذا جاؤوا إلى مكان الحادث قبل أن يمضي عشر دقائق ووجهوا هذه الآلات إلى هذا المكان التقطت صور ما وقع، وهذا مستعمل في البلاد الغربية، على كل حال، لو جاءت هذه الآلة وصورت الواقع تقبل؛ لأن هذا أمر حسي معلوم؛ لأن الناس يشاهدونها تعرض على القاضي مثلاً، أو على الحاكم الذي يريد النظر في القضية وتثبت.

 

وَيَذْكُرُ مَا يُعْتَبَرُ لِلحُكْمِ، وَيَخْتَلِفُ بِهِ فِي الْكُلِّ.

قوله: «ويذكر ما يعتبر للحكم، ويختلف به في الكل» أي: في كل ما يشهد به، فلا بد أن يذكر من الأوصاف والشروط وما يختلف الحكم به، ويذكر كذلك كل ما يعتبر للحكم، كل هذا ذكره العلماء ـ رحمهم الله ـ تحرياً للشهادة، ولكن سبق لنا أن الأصل في الأشياء الواقعة من أهلها الصحة، فيكتفى فيها بالشهادة على الوقوع، ثم إن ادعي فَقْدُ شرط أو وجود مانع، فحينئذٍ ينظر في القضية من جديد.

* * *

فَصْلٌ

 

وشُرُوطُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ سِتَّةٌ: البُلُوغُ، فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ،......

قوله: «وشروط من تقبل شهادتُهُ ستة» الفصل الأول ذكر فيه المؤلف شروط الشهادة تحملاً، وأداء، ومتى يشهد؟ وماذا يعتبر للشهادة؟ أما هذا الفصل ففي شروط من تقبل شهادته؛ وذلك أن الشهادة لا بد فيها من أركان: شاهد، ومشهود به، ومشهود له، ومشهود عليه، وهنا نذكر شروط الشاهد:

قوله: «البلوغ» هذا الشرط الأول، لكنه شرط للأداء لا للتحمل، فلو تحمل وهو صغير وأدى وهو كبير قبلت شهادته، كما تقبل رواية الصغير إذا تحمل وهو صغير وأداها بعد البلوغ، قال محمود بن الربيع ـ رضي الله عنه ـ: «عقلت مجة مجها النبي صلّى الله عليه وسلّم في وجهي، وأنا ابن خمس سنين»[(250)]، فالبلوغ شرط للأداء، ولهذا قال:

«فلا تقبل شهادة الصبيان» يعني إذا أدَّوْها، فلو شهد صبي له ثلاث عشرة سنة على صبي آخر أنه فعل كذا وكذا، فالشهادة لا تقبل حتى في المكان الذي لا يطلع عليه إلا الصبيان غالباً، مثل الأسواق، وملاعب الصبيان، فلو جاء صبيّ، بل لو جاء عشرة صبيان، وقالوا: نشهد أن هذا الصبي هو الذي جرح هذا الصبي، رماه بحصاة حتى انجرح، فلا نقبل، أو جاء كل الصبيان يشهدون وهم خمسون صبياً فشهد ثمانية وأربعون صبياً على أن التاسع والأربعين رمى الخمسين بحصاة وشجه لا يقبل، قالوا: لأن الصبي لم يتم عقله بعد، وأيضاً هو عاطفي، فيمكن الثمانية والأربعون يهجرون الخمسين، والهجر عند الصبيان، يقول: أنا هاجرك، فيهجره حتى ما يذكر ولا اسمه، ويكونون كلهم مع التاسع والأربعين ويشهدون عليه.

وأيضاً ظاهر كلام المؤلف ولو في المكان نفسه قبل أن يتفرقوا؛ لأنهم إذا تفرقوا يمكن أن يلقنوا ويشهدوا، لكن إذا كانوا لم يتفرقوا بعد عن المكان الذي شهدوا فيه، يقول ـ أيضاً ـ: لا تقبل شهادة الصبيان.

وقال بعض أهل العلم: بل شهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان غالباً مقبولة، إذا لم يتفرقوا، وما قاله هؤلاء أصح، كما قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: إنه في المكان الذي لا يطلع عليه إلا النساء تقبل شهادة المرأة الواحدة، فهؤلاء الصبيان إذا كانوا في مكان لم يطلع عليه إلا الصبيان ولم يتفرقوا بعد، لماذا لا نقبل؟! واحتمال أن يكونوا قد هجروا المشهود عليه الأصل عدمه، ولو أننا عملنا بهذا الاحتمال لكان كل شاهد ولو بالغاً يمكن أن يكون عدواً للمشهود عليه، ونقول: لا تقبل شهادته، فإن تفرقوا فإنها لا تقبل لاحتمال أن يلقنوا، وهذا ـ أيضاً ـ محل نظر، فينبغي أن يقال: حتى وإن تفرقوا فإن بعض الصبيان يكون عنده من الذكاء، ومن الخوف من الله ـ عزّ وجل ـ ما لا يقبل معه التلقين، فلو كان صبي له أربع عشرة سنة، ومتدين، وعاقل، ولا يمكن أن يَدخُلَ ذمتَه شيءٌ، فإن هذا ـ وإن فارق مكان الحادث ـ يبعد جداً أن يفتري الكذب في شهادته، ومثل هذا ـ أيضاً ـ يمكن للقاضي أن يخوفه، فيقول: إذا شهدت شهادة زور فإنك تصاب بعذاب، وحينئذٍ يرتدع، فإذاً نقول: الأصل أن شهادة الصبيان فيما لا يطلع عليها إلا الصبيان غالباً مقبولة ما لم يتفرقوا، فإن تفرقوا كان ذلك محل نظر، قد تقوم القرينة بصدق شهادتهم، وقد تقوم القرينة بعدم صدق الشهادة، وقد تكون الحال احتمالاً بدون ترجيح.

 

الثَّانِي: الْعَقْلُ، فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَجْنُونٍ، وَلاَ مَعْتُوهٍ، وَتُقْبَلُ مِمَّنْ يُخْنَقُ أَحْيَاناً فِي حَالِ إِفَاقَتِهِ.

قوله: «الثاني: العقل» أي: الشرط الثاني: العقل، وهو مصدر عقل يعقل عقلاً، وعقل الشيء بمعنى حبسه وحجره حتى لا ينطلق، ومنه عقال الناقة؛ لأنه يعقلها، ومنها العقال الذي يوضع على الرأس، والعقل نوعان: عقل إدراك، وهو ما يحصل به التمييز بين الأشياء، وقد سبق لنا أنه غريزة ومكتسب، وعقل رشد، وهو ما يكون به حسن التصرف، فما هو العقل الذي نفاه الله ـ سبحانه وتعالى ـ عن المشركين، أهو عقل الإدراك، أم عقل الرشد؟ الجواب: عقل الرشد، أما عقل الإدراك فإنهم عقلاء من حيث الإدراك، ولهذا يطالبون بالإسلام وتقوم عليهم الحجة، ولو كانوا مجانين لم تقم عليهم الحجة.

والعقل هنا هل المراد به عقل الإدراك، أو عقل الرشد؟ المراد به هنا عقل الإدراك، ولهذا تقبل شهادة الإنسان ولو كان سفيهاً، وإنما اشترط العقل في الشهادة؛ لأنه لا يمكن إدراك الأشياء حفظاً، ولا إنهاء إلا بالعقل؛ لأنه هو الذي يحصل به الميز، وضده الجنون والعته؛ ولهذا قال:

«فلا تقبل شهادة مجنون ولا معتوه» المجنون مسلوب العقل، الذي ليس له عقل بالكلية، والمعتوه الذي له عقل، لكنه مغلوب عليه، ما يميز ذاك التمييز البين، فهو كالطفل الذي لا يميز، أو ربما نقول: كالطفل الذي يميز، لكن ليس عنده ذاك الإدراك الجيد، فلا تقبل شهادة المجنون الذي ليس له عقل بالكلية، ولا تقبل شهادة المعتوه الذي له شيء من العقل لكنه مختل، ما يستطيع أن يتصرف التصرف الكامل؛ وذلك لأنهم ليس عندهم ما يعقلون به الإدراك ولا الإنهاء، وهو الأداء؛ فلهذا لا تقبل شهادة المجانين ولا المعتوهين.

قوله: «وتقبل» الضمير يعود على الشهادة.

قوله: «ممن يخنق أحياناً» يعني يجن أحياناً.

قوله: «في حال إفاقته» أداءً وتحملاً؛ لأنه لا يمكن أن يتحمل وهو مجنون، ولا يمكن أن يؤدي وهو مجنون، لكن إذا تحمل في حال الصحو وأدَّى في حال الصحو فشهادته مقبولة؛ لزوال المانع الذي به ترد الشهادة.

والسكران لا تقبل شهادته؛ لأنه ليس له عقل لا تحملاً ولا أداءً، ولكن إذا أصحى فإنها تقبل شهادته إن تحمل وهو صاحٍ، والمسحور مثله، فما دام فاقد العقل بأي شيء من الأسباب فإنه لا تقبل شهادته، لا تحملاً ولا أداء.

 

الثَّالِثُ: الْكَلاَمُ، فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَخْرَسِ، وَلَوْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ، إِلاَّ إِذَا أَدَّاهَا بِخَطِّهِ.

قوله: «الثالث: الكلام» هذا الشرط الثالث: الكلام، وهو النطق وضده الخرس، واشترط الكلام؛ لأن الشهادة تحتاج إليه في حال الأداء، وإذا لم يكن متكلماً كيف يؤدي؟! فإن قلت: يؤدي بالإشارة، قلنا: الإشارة لا تعطي الأمر اليقيني، والشهادة يشترط فيها اليقين، ولهذا قال المؤلف:

«فلا تقبل شهادة الأخرس» وهو الذي لا ينطق، والغالب أن الأخرس لا يسمع، وعلى هذا فلا يمكن أن يشهد بالمسموع، لكن يمكن أن يشهد بالمرئي، ومع ذلك قال المؤلف: «فلا تقبل شهادة الأخرس».

«ولو فهمت إشارته» «لو» إشارة خلاف، فإن من أهل العلم من يقول: إذا فهمت إشارة الأخرس فإنها تقبل؛ لأن الشارع اعتبر الإشارة في الأمور كلها، كما ذكر ذلك البخاري في ترجمة له[(251)]، فكل الأمور تدخل فيها الإشارة، العبادات والمعاملات، فإذا فهمت الإشارة حصل اليقين، أرأيت لو قيل للأخرس: أتشهد أن لهذا على هذا عشرة ريالات، فقال برأسه: نعم، فهذا يقين كما لو نطق هو، فالقول بأن اليقين يتعذر في شهادة الأخرس غير صحيح، بل يمكن أن يتيقن حتى في شهادة الأخرس، وحتى لو لم نقل: عنده عشرة، بل لو كان يشير لهذا على هذا، ثم قال بيده: عشرة عشر مرات، فنفهم مائة ريال، فيؤتى بريال ويشار له به وتفهم الإشارة، المهم أن القول الراجح المتعين أن شهادة الأخرس تقبل إذا فهمت إشارته، ويدل لذلك أننا لو قلنا: لا تفهم لضاع الحق، فنحن عندنا جانبان في الواقع، جانب المدعى عليه وجانب المدعي، فلو قال قائل: إذا عملت بشهادة الأخرس أضررت بالمدعى عليه؛ لأنك حكمت عليه بما لا يتيقن، نقول: وإذا لم نقبل شهادته أضررنا بجانب المدعي فأهملنا حقه، فعندنا جانبان، كلاهما لا بد من مراعاته، فإذا فهمت إشارة الأخرس فما المانع من قبولها؟! الحقيقة أنه لا مانع، وأنه يتعين على القاضي، وعلى غير القاضي ممن حكم بين الناس أن يحكم بشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته.

قوله: «إلا إذا أداها بخطه» فإنها تقبل؛ لأن الخط يفيد اليقين ويعمل به شرعاً، قال الله تعالى: {{وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ}} [البقرة: 282] ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده»[(252)]، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقيم بالكتابة الحجة على ملوك الكفار، فكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي يدعوهم إلى الله تعالى[(253)]، إذاً فالكتابة حجة شرعية بالقرآن والسنة، فهذا الأخرس إذا أدى شهادته بخطه نقبلها؛ لأن الخط يفيد اليقين، وهذا واضح فصار الأخرس له ثلاث مراتب:

الأولى: ألا يكون ممن تفهم إشارته ولا كتابته، فهذا لا تقبل قولاً واحداً للشك في مدلول هذه الشهادة.

الثانية: أن يكون ممن يعرف خطه ويؤدي الشهادة بخطه، فهذا يقبل قولاً واحداً.

الثالثة: أن يكون ممن تعرف إشارته وتفهم، فهذا محل خلاف بين العلماء، فالمشهور من المذهب أنها لا تقبل، والصحيح الذي لا شك فيه أنها تقبل.

 

الرَّابِعُ: الإِسْلاَمُ، الْخَامِسُ: الْحِفْظُ، السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ: وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ: الصَّلاَحُ فِي الدِّينِ: وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِسُنَنِهَا الرَّاتِبَةِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ بِأَنْ لاَ يَأْتِي كَبِيرَةً، وَلاَ يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرَةٍ، فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ.

قوله: «الرابع: الإسلام» أي: الشرط الرابع، فالإسلام شرط لقبول الشهادة؛ لأنه إذا كانت العدالة شرطاً فالإسلام أساس العدالة، ولهذا فإن الله تعالى دائماً يضيف الشهود إلى ضمير المخاطبين وهم المؤمنون فيقول: {{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}} [البقرة: 282] ، {{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}} [الطلاق: 2] ، وقال تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}} [الحجرات: 6] ، وإذا كان الفاسق يجب علينا أن نتبين في خبره ولا نقبله، فما بالك بالكافر؟! فلا بد من أن يكون الشاهد مسلماً بدلالة القرآن والنظر الصحيح؛ لأن الكافر محل الخيانة، وهو غير مأمون قال تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ}} [آل عمران: 118] ، {{لاَ يَأْلُونَكُمْ}}، يعني لا يألونكم جهداً، {{خَبَالاً}}، يعني أن تقعوا في الخبال، وهو التصرف بغير عقل، {{وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ}} ما شق عليكم، فالكفار يسعون بكل جهد أن يكون عملنا خبالاً ضائعاً لا خير فيه.

فإذا كان الكافر مبرزاً في الصدق ـ والكافر قد يكون صدوقاً ـ فلا نقبل شهادته، فلو جاءت شهادة الكافر بواسطة التصوير، ككافر معه كاميرا وصوَّر المشهد، وأنا عندي أن التصوير في الواقع عرضٌ لصورة الحال، فلو أعطانا الصورة ولم يتكلم، فكأنه رفع لنا القضية برمتها، يعني رفع لنا صورة الواقع، فهنا لا نعتمد على خبره، بل نعتمد على الصورة التي أمامنا، وقد قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}} [الحجرات: 6] ، ونحن إذا تبينا بواسطة الصورة فما المانع؟! فهذا كافر معه آلة فيديو، سلطها على هؤلاء القوم الذين يتقاتلون، وأعطانا الصورة، نراهم يتقاتلون بعضهم مع بعض، ونعرف وجوههم، ثم نقول: هذا غير مقبول؛ لأن الذي التقط الصورة كافر!! ونقول: هذا مقتضى دين الإسلام، أعوذ بالله لو نقول هذا الكلام صاحت علينا الأمم، ما هذا الدين الذي لا يقبل الحقائق المنقولة؟!

إذاً شهادة الكافر إذا كانت مستندة على مجرد خبره فهي غير مقبولة لا شك وليس مؤتمناً، لكن إذا كان يصور لنا الواقع صورة لا ارتياب فيها، فنحن لا نقبل خبره هو، لكن نقبل الذي أمامنا، ولهذا لو جاء صبي صغير له أربع عشرة سنة ولكن جسمه كبير، إلا أنه ما أنبت، ولا أنزل، وجاء يشهد ما نقبل شهادته، لكن لو صور لنا الواقع بالفيديو، وأحضره لنا نقبله، لكن ليس من أجل خبره، إنما من أجل أن الواقع أمامنا نشاهده، ولهذا في القرآن: {{فَتَبَيَّنُوا}} يعني اطلبوا البيان؛ حتى يتبين لكم الأمر، فإذا تبين الأمر فما المانع من القبول؟!

فإذا قال قائل: وجدنا في القرآن قبول شهادة غير المسلم قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}} يعني من المسلمين {{أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}} أي: غير المسلمين، فقوله تعالى: {{اثْنَانِ}} خبر المبتدأ، وقوله: {{أَوْ آخَرَانِ}} معطوف عليه يعني أو شهادة هذه الوصية {{آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}} بشرط: {{إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}} يعني سافرتم {{فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ}} [المائدة: 106] ، يعني جاءكم الموت، وهذان الآخران من غيركم موجودان عندكم فأشهدوهما على الوصية، مع أن الوصية فيها ضرر على الورثة؛ لأنه سيقتطع جزء من المال لهذه الوصية، كرجل كان في السفر ومات وكان معه اثنان غير مسلمين، فأوصاهم، وقال: إني أشهدكما أني أوصيت بثلث مالي يصرف في كذا وكذا، نقبل شهادتهما وهما كافران مع أنه يوجد إضرار بالورثة، لكن الآية فيها احتياطٌ: {{إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}}، لكن متى؟ {{إِنِ ارْتَبْتُمْ}} [المائدة: 106] ، يعني فإن لم ترتابوا فلا حاجة إلى الحبس، وهذا يدل على أننا قد لا نرتاب في شهادة الكافر، فيكون في هذا تأييد لما أسلفنا من قبل في مسألة ما لو نقل الحادث بالصورة.

وقوله تعالى: {{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ}} أي: من بعد صلاة العصر، والمراد بالحبس أن نأتي بهما ونوقفهما {{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ}} [المائدة: 106] ، يعني أننا ما شهدنا من أجل حظ من الدنيا، ولو كان أقرب قريب إلينا ولا نكتم شهادة الله: {{إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ}} [المائدة: 106] ، ففي هذه الآية دليل واضح على قبول شهادة غير المسلم في وصيةٍ في سفر لم يحضرها غيرهما من المسلمين، فهل نحكم بهذا؟

الجواب: نعم نحكم شرعاً، ويجب أن نرضى به شرعاً؛ لأن الذي قال ذلك هو الله عزّ وجل، وإذا حصل منا ارتياب نلجأ إلى الإقسام الذي ذكره الله ـ عزّ وجل ـ، فهذه المسألة مستثناة، ولكن القضية التي وقعت في عهد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان الشاهد رجلين يهوديين، فهل يشترط أن يكون هذا الغير من أهل الكتاب؛ لأنه قال: من غيركم، أو لا يشترط؟ إذا نظرنا إلى القرآن الكريم وجدنا أنه لا يشترط، قال الله تعالى: {{مِنْ غَيْرِكُمْ}}، وأطلق ولم يقل: من أهل الكتاب، مع أن الله ـ عزّ وجل ـ إذا أراد تخصيص أهل الكتاب بالحكم خصص: {{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}} [المائدة: 5] ، {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}} [المائدة: 5] .

قوله: «الخامس: الحفظ، السّادس: العدالة: ويعتبر لها شيئان: الصّلاح في الدّين: وهو أداء الفرائض بسننها الرّاتبة، واجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيرةً، ولا يدمن على صغيرةٍ» .

قوله: «فلا تقبل شهادة فاسق» الفاء للتفريع، والجملة مفرعة على ما سبق من قوله: «بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة» ، وسواء كان فسقه بالأفعال، أو بالأقوال، أو بالاعتقاد؛ لأن الفسق قد يكون بالأقوال كالقذف ـ مثلاً ـ فإن القذف من كبائر الذنوب كما قال الله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *}} [النور] ، والفسق بالفعل كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة فهذه من الأفعال المفسقة، والفسق بالاعتقاد ذكر بعض العلماء ضابطاً في هذا، فقال: كل بدعة مكفرة للمجتهد فهي مفسقة للمقلد، وهذا ضابط واضح؛ لأن المجتهد يقولها ويناظر عليها وربما يدعو إليها، والمقلد لا يعلم فنقول: هو فاسق، هكذا أطلق بعض العلماء وهي كما ذكرت عبارة جميلة وخالف آخرون فقالوا: إن المقلد لا يخلو إما أن يعتقد أن ما قاله هذا المجتهد هو الحق؛ لأنه لا يعرف غيره فهذا لا يمكن أن نحكم بفسقه؛ لأنه اتقى الله ما استطاع، ولا يستطيع أكثر من ذلك، وليس عنده في بلده إلا هؤلاء العلماء، ولا يسمع قولاً يخالف قولهم، أو قولاً يُدَّعى أنه الحق وهو مخالف لقولهم، فكيف نفسقه، وهو قد اتقى الله ما استطاع؟! ولكن نقول: من تعصب لهم فحينئذٍ نفسقه، يعني لو قيل له: الحق كذا، قال: لا، مشايخي يقولون: كذا وكذا، فهذا لا شك أننا نفسقه، لأنه يشبه قول المشركين الذين يقولون: {{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}} [الزخرف: 22] ، والآية الثانية: {{وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}} [الزخرف: 23] ، مثلاً: لو قال قائل بخلق القرآن، وأن القرآن مخلوق بائن من الله عزّ وجل، فإن كثيراً من السلف أطلق عليه القول بالكفر، وقال: إنه إذا قال: إن القرآن مخلوق فقد كذب قول الله تعالى: {{أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}} [النساء: 166] ، فجعله ـ سبحانه وتعالى ـ نازلاً بالعلم لا مخلوقاً بالقدرة، وإذا كان نازلاً بالعلم لم يكن مخلوقاً بالقدرة وإذا قلنا: إنه مخلوق صار تكذيباً لقوله تعالى: {{أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}}، وحينئذٍ يكون كافراً، كذلك من قال: إن الله تعالى بذاته في كل مكان، فهذا كافر ولا شك في كفره، فيكون الذي يقلده في هذا فاسقاً بشرط أن يعرض عليه الحق، ولكنه يصر ويتعصب لرأي متبوعه، كذلك من قال: إن الله سبحانه وتعالى ليس فوقاً، ولا تحتاً، ولا يميناً، ولا شمالاً، ولا متصلاً، ولا منفصلاً، فهو ـ أيضاً ـ كافر؛ لأن هذا حقيقة العدم، المهم أننا نتتبع أقوال أهل العلم في البدعة المكفرة، فإذا صار الإنسان المجتهد أي: الذي نصب نفسه للفتوى والتعليم يقول بهذه البدعة المكفرة فالمقلد له بعد أن يعرض عليه الحق ويرده يكون فاسقاً.

 

الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الْمُرُوءَةِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ، وَيَزِينُهُ، وَاجْتِنابُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ.

قوله: «الثاني: استعمال المروءة» أي: الثاني مما يعتبر في العدالة استعمال المروءة، والمروءة التخلق بالأخلاق الفاضلة، وإن كان في الروض[(254)] يقول: المروءة هي الإنسانية، فيكون الإنسان متخلقاً بالأخلاق التي ليس عليه فيها مثلب، ولا أحد ينتقده، وهذه ترجع للعادة، وقد يكون بعضها ديناً، لكن أصلها العادة، فالمروءة هي ما تعارف الناس على حسنه، وما تعارفوا على قبحه فهو خلاف المروءة، وإذا كان هذا فإن مرجع المروءة إلى العادة في الواقع، فقد يكون هذا العمل ـ مثلاً ـ مخلاً بالمروءة عند قوم، غير مخلٍّ بالمروءة عند آخرين، وقد يكون مخلاً بالمروءة في زمن غير مخلٍّ بها في زمن آخر، فما دمنا أرجعنا المروءة إلى العادة، وهي ما تعارف الناس على حسنه، فحينئذٍ تكون المسألة بحسب عادات الناس، مثلاً قال العلماء: من الإخلال بالمروءة أن ينام الإنسان بين الجالسين، فإذا نام بين الجالسين سقطت مروءته؛ لأن هذا خلاف المعتاد، وإذا خرج عن مستوى الجالسين سقطت مروءته، مثلاً: تقدم أو تأخر عن الصف تسقط مروءته، وإذا مضغ العلك أمام الناس سقطت مروءته، وإذا أكل في السوق سقطت مروءته، وما دمنا عرفنا أن الضابط في المروءة هو ما تعارف الناس على حسنه فهو مروءة، وما تعارف الناس على قبحه فهو خلاف المروءة.

ولننظر في هذه الأمثلة هل هي مخالفة لما يعتاده الناس؟ فالواحد بين أصحابه في نزهة يمكن أن ينام، ولا يقال: هذا خلاف المروءة، لكن لو يأتي في مجلس علم وينام فإن هذا خلاف المروءة، فالمسألة تختلف، ويقولون: عند الأحباب تسقط الكلفة في الآداب، فقد تكون بين إخوانك وأصحابك وتمد رجلك، وقد تكون في مجلس موقر ما تمد رجلك، ولو مددت رجلك لكان كل الناس يعيبونك، فالمسألة تختلف، ويذكر أن أبا حنيفة ـ رحمه الله ـ كان يدرِّس، فجاء ذلك الرجل المهيب بهيئته، وكان الإمام قد مد رجله بين أصحابه فلما رآه كف رجله؛ ظناً منه أن ذلك الرجل من أكابر العلماء، وجعل يقرر في صيام رمضان، فقال هذا الذي يظن أنه شيخ: أرأيت لو طلعت الشمس قبل الفجر؟! يقولون: إنه مد رجله، وقال: إذاً يمد أبو حنيفة رجله ولا يبالي، الله أعلم هل هذا صحيح أو لا؟ على كل حال هذه المسألة ما دمنا ربطناها بالعرف فهي تختلف باختلاف الأعراف، وحد المؤلف المروءة فقال:

«وهو فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه» فعل ما يجمله عند الناس ويزينه، مثل: الكرم، والجود بالنفس وهو الشجاعة، وطلاقة الوجه، والانبساط إلى الناس، وما أشبه ذلك، فكل ما يجمل فهو من المروءة بلا شك، ويختلف، فربما نقول لهذا الرجل: إذا لم يفعل هذا فقد فعل ما يشينه، والآخر لا نقول: فعل ما يشينه، كما لو رأينا رجلاً متصدراً للبلد، ومن أعيانه، ولكن لا يعطي البلد حقها من استقبال الزائرين ولا سيما الكبراء، نقول: هذا مخالف للمروءة، لكن لو يأتي شخص من عامة الناس، ولا يسلم على من قدم للبلد من الوجهاء والأعيان فإنه لا يعد مخالفاً للمروءة، المهم كل شيء يجمل الإنسان ويزينه بين الناس فهو من المروءة.

وقوله: «ما يجمله ويزينه» قال في الروض[(255)]: عادة، كالسخاء وحسن الخلق.

وقوله: «واجتناب ما يدنسه ويشينه» عادة من الأمور الدنيئة، فلا شهادة لمصافع، من الصفع، ومن ذلك الملاكمة فهي مثلها أو أشد منها، فهي خلاف المروءة.

قال في الروض: «ومتمسخر» أي: بالناس، يتمسخر بهم، ويحاكيهم بالقول أو بالفعل، فإن كان متمسخراً بالنساء يحاكيهن فهو مع مخالفة المروءة واقع في المحرم، في كبائر الذنوب.

قال في الروض: «ورقاص» وهو الذي يرقص، «ومغنٍّ» فالمغني قد سقطت مروءته، بل فيه شيء آخر من الناحية الدينية، أنه إذا كان الغناء محرماً فإنه لم يستقم دينه وفيه محذوران هما عدم الصلاح في الدين وعدم المروءة، أما إذا كان الغناء غير محرم، وغنى في موضع لا ينبغي أن يغني فيه، فهو خلاف المروءة، يعني لو جاء حادي الإبل الذي يحدو على الإبل، وصار يحدو في السفر فهذا جائز، لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أقره[(256)]، ولو جاء عامل ينقل الحصى ويحفر الأرض ويغنِّي على عمله ليتقوى جاز أيضاً، فالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يحفرون الخندق وينشدون، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ معهم ينشد:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدّقنا ولا صلّينا

حتى إنه يقول:

وإن أرادوا فتنة أبينا

ويمد بها صوته[(257)]، وهم يقولون:

لئن قعدنا والنبي يعمل         ***           لذاك منا العمل المضلل

ينشدون بها، لكن لو جاء هذا المغني الحادي، أو العامل، وهو جالس مع الناس، ثم رفع صوته بالحداء وهم يتغدون ـ مثلاً ـ فهذا خلاف المروءة.

فتبين الآن أن قول صاحب الروض: «ومغنٍّ» ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل، وكذلك الأغنية إذا كانت محرمة من أجل موضوعها، كأن يكون موضوعاً ساقطاً هابطاً، فهذا مخالف للمروءة، ومخالف للدين، أما المغني غناء مباحاً، إذا استعمله في موضع لا يذم عليه فإنه لا يسقط المروءة، وإن كان في موضع غير مناسب فإنه يسقط المروءة.

قال في الروض: «وطفيلي» وهو الذي يدخل على الناس بدون دعوة، سمع أن فلاناً عنده وليمة فذهب إليه، هذا نسميه طفيلياً، فلا تقبل شهادته لمخالفة المروءة، لكن إذا علمت من صاحبك أنه يفرح بمجيئك فهذا ليس بطفيلي، بل هو من المروءة والتواضع، وكثيراً من الناس ـ كما قيل: رب صدفة خير من ميعاد ـ إذا جئت إليه بدون دعوة يكون أحب إليه ويفرح كثيراً، ويظهر عليه أثر الفرح، إذاً الطفيلي هو الذي يفاجئ القوم بدون دعوة.

ولا فرق بين أن يكونوا على الطعام أو على غير الطعام، فمثلاً: ناس في البر جالسون على الطعام، فإذا بالطفيلي يأتي، فهذا طفيلي وإن لم يكن هناك أبواب؛ لأنه يفاجئ القوم عند تقديم الطعام ليضيق عليهم.

قال في الروض: «ومتزيٍّ بزيٍّ يسخر منه» هذا موجود وهو كثير، كرجل يضع قروناً على رأسه، أو جناحين على يمينه ويساره، ويوجد هذا أظن فيما يسمى بأفلام الكرتون.

قال: «ولا لمن يأكل بالسوق» إلا في المواضع المعدة للأكل مثل المطاعم، قال: «إلا شيئاً يسيراً كلقمة وتفاحة»، هذا لا بأس به، مع أنه في الحقيقة بالنسبة لنا تسقط مروءته، فلو جئت تمشي إلى المسجد ومعك تفاحة تأكلها أمام الناس، يمكن يقال: هذا الرجل أصابه جنون، لكن لو في مطعم ما يعد هذا مخالفاً للمروءة.

قال: «ولا لمن يمد رجله بمجمع الناس، أو ينام بين الجالسين ونحوه» لكن في الكتب الأخرى يقولون: إن من خرج عن مستوى الجلوس فإنه تسقط مروءته.

 

وَمَتَى زَالَتِ الْمَوَانِعُ، فَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ.

قوله: «ومتى زالت الموانع، فبلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق قبلت شهادتهم» الشروط السابقة إنما تعتبر حال الأداء، فمتى بلغ الصبي وهو متحمل في حال الصغر قبلت شهادته، فالذي يشترط في التحمل في جانب هذا الشرط التمييز، فالبلوغ شرط للأداء، فهذا صبي تحمل وله عشر سنوات، وضبط القصة، ولم يؤدِّ إلا بعد أن بلغ وقد بلغ بإنبات العانة وله اثنتا عشرة سنة، تقبل شهادته.

وقوله: «وعقل المجنون» لكن العقل شرط في التحمل والأداء، إذاً كيف يقول: عقل المجنون؟

نقول: هذا شخص تحمل وهو عاقل ثم جن ثم عقل، فلا نقول: إن هذا الجنون يبطل شهادته، بل نقول: إذا أدى بعد عقله قبلنا شهادته، ومثله رجل أصيب بحادث فاختل عقله ثم عافاه الله عزّ وجل، لا نقول: إن هذا الاختلال ينسخ الذاكرة السابقة ولا نقبل شهادته، بل نقول: إنها تقبل؛ لأن هذا الشاهد تحمل وهو عاقل، وأدَّى وهو عاقل.

وقوله: «وأسلم الكافر» تحمل وهو كافر وأدى وهو مسلم فتقبل شهادته، ولو تحمل وهو مسلم وأدى وهو كافر فإنها لا تقبل.

وقوله: «وتاب الفاسق» فإنها تقبل شهادته، يعني رجلاً تحمل وهو فاسق، لا يصلي مع الجماعة مثلاً، لكن هداه الله عزّ وجل، وصار يصلي مع الجماعة، تقبل شهادته، إذاً العدالة والإسلام والبلوغ شرط للأداء لا للتحمل، وشرط الكلام ينبغي أن نقول: هو ـ أيضاً ـ شرط للأداء فقط، أما التحمل فلو تحمل وهو أخرس، وأدى وهو ناطق فشهادته مقبولة، حتى على المذهب، أما على القول الصحيح فقد تقدم التفصيل في ذلك، فصار الكلام إذاً شرطاً للأداء فقط، إذاً فشروط التحمل أربعة من ستة، أما الأداء فكل الستة شروط له.

والخلاصة: أن من تحمل صغيراً وأدى بالغا قبلت شهادته، ومن تحمل فاسقاً وأدى عدلاً قبلت شهادته ولا تقبل شهادته إن تحمل عدلاً وأدى فاسقاً ومن تحمل عاقلاً فلا تقبل شهادته حال جنونه فإن عقل بعد جنونه قبلت شهادته التي تحملها قبل الجنون.

وأهم شيء في هذا الباب مسألة العدالة، لأننا لو طبقنا ما ذكره الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فيما يعتبر للعدالة لو طبقناه على مجتمع المسلمين اليوم لم نجد أحداً إلا نادراً، وحينئذٍ تضيع الحقوق، وإذا رجعنا إلى مستند الفقهاء في اشتراط العدالة وجدنا ذلك في آيتين أو أكثر، لكن معناهما واحد {{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}} [الطلاق: 2] ، {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}} [الحجرات: 6] ، وعند التأمل قد لا يكون في الآيتين دليل على ما اشترطه الفقهاء؛ لأن الله قال: {{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}}، أي: صاحبي عدل، ولا يلزم من كونهما صاحبي عدل أن يتصفا بالعدالة المطلقة، بل يمكن أن نقول: إن معنى الآية {{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ}} في شهادته، فمتى كان ذا عدل في الشهادة فإنه يقبل، ودينه لله عزّ وجل؛ ولهذا لو كان الإنسان مخالفاً للعدالة في الكذب فإننا لا نقبله بلا شك؛ لأن الشهادة تعتمد اعتماداً كلياً على الصدق في النقل، وإذا كان هذا الإنسان معروفاً بالكذب فهذا لا نقبل شهادته؛ لأن هذا الوصف ـ وهو الكذب ـ مخلٌّ بأصل الشهادة، فإن الشهادة مبنية على الصدق في الخبر، وهي خبر في الواقع، فإذا كان كاذباً فلا شك أن هذا يخل بشهادته ولا نقبلها، أما لو كان الرجل يحلق لحيته لكن نعلم أنه في باب الأخبار صدوق لا يمكن أن يكذب، وقد ماشيناه وتتبعنا أخباره، فكيف نرد خبره؟! أو رجل يغتاب الناس، والغيبة من كبائر الذنوب تخدش العدالة ولو مرة واحدة، لكن مع كونه يغتاب الناس صدوق الخبر لا يمكن أن يكذب، فعلى المذهب ترد شهادته، ولكن على القول الراجح: تقبل، وحينئذٍ نقول: {{ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}} أي: في الشهادة.

على أنه يمكن أن يقال ـ وهو وجه آخر رد به من رد على كلام الفقهاء ـ قال: إن الله يقول: «{{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}}، هذا في ابتداء الشهادة، أي: التحمل، فلا تختر إلا عدلاً، لكن عند الأداء نقبل كل من قامت القرينة على صدقه، وفرق بين التحمل الذي يريد أن يختار شهوداً يعتمد عليهم، وبين إنسان أتى بشهود فيما بعد ليثبت بهم الحق، فيفرق هؤلاء العلماء بين التحمل والأداء، فالتحمل لا بد أن يختار ذوي العدل لئلا يقع إشكال في المستقبل، أو ردٌّ للشهادة، لكن عند الأداء فينظر في القضية المعينة.

أما بالنسبة للفاسق، فالفاسق لم يأمر الله بردِّ خبره، لكن قال: {{فَتَبَيَّنُوا}}، فإذا شهد الفاسق بما دلت القرينة على صدقه، فقد تبينا وتبين لنا أنه صادق، وإذا شهد فاسقان يقوى خبرهما، إذ لم يكن بينهما مواطأة، بأن كان كل واحد منهما بعيداً عن الآخر، فشهدا في قضية معينة، فلا شك أن خبرهما يقوي بعضه بعضاً، ولهذا حتى عند علماء المصطلح إذا روى اثنان ضعيفان فإنه يقوى الحديث.

فالحاصل أن الآيتين ليس فيهما دليل على أن العدالة في الشهادة هي ما ذكره الفقهاء رحمهم الله، أما العدالة في الولاية فهي شيء آخر؛ لأن الولي منفذ وآمر، والشاهد طريق إلى الحق فقط، وليس عنده التنفيذ، فيجب أن نشترط في الولي أكثر مما نشترط في الشاهد.

مسألة: وهل هذه الشروط عامة في جميع أبواب الشهادات؟

لا تشترط العدالة ظاهراً وباطناً في جميع المواضع، يعني أن في بعضها تشترط العدالة ظاهراً فقط، كولاية النكاح، والشهادة به، والأذان والشهادة بثبوت رمضان، وغير ذلك من المواضع التي قد تبلغ سبع أو ثمان صور، يكتفى فيها بالعدالة الظاهرة فقط.

وإن قيل: لماذا وضع الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ القسمة في باب القضاء؟ نقول: لأن القاسم يعين من قبل القاضي، ولأن القاسم كالحاكم.

 

 

[242] أخرجه البخاري في الشهادات/ باب ما قيل في شهادة الزور... (2654)، ومسلم في الإيمان/ باب بيان الكبائر وأكبرها (87) عن أبي بكرة رضي الله عنه.

[243] أخرجه الحاكم في المستدرك (4/110)، والبيهقي في شعب الإيمان (7/455)، وضعفه، وعزاه الحافظ إلى أبي نعيم في الحلية وابن عدي في الكامل، وفي إسناده محمد بن سليمان بن مسمول وهو ضعيف، يرويه عن عبيد الله بن سلمة وهو ضعيف أيضاً، قال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه، والحديث صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي فقال: بل هو ـ يعني محمد بن سليمان ـ واهي الحديث. انظر: التلخيص الحبير (4/198)، وخلاصة البدر المنير (2/439).

[244] أخرجه البخاري في الشهادات/ باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (2651)، ومسلم في فضائل الصحابة/ باب فضل الصحابة رضي الله عنهم ثم الذين يلونهم... (2533) عن ابن مسعود رضي الله عنه.

[245] أخرجه مسلم في فضائل الصحابة/ باب فضل الصحابة رضي الله عنهم ثم الذين يلونهم... (2534) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[246] أخرجه مسلم في الأقضية/ باب بيان خير الشهود (1719) عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه.

[247] قال في الروض: كعتق وخلع وطلاق (7/587).

[248] أخرجه البخاري في البيوع/ باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات (2057) عن عائشة رضي الله عنها.

[249] أخرجه البخاري في العلم/ باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله (88) عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه.

[250] أخرجه البخاري في العلم/ باب متى يصح سماع الصغير (77)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة/ باب الرخص في التخلف عن الجماعة بعذر (265) (33) واللفظ للبخاري.

[251] فقال: باب الإشارة في الطلاق والأمور، صحيح البخاري/ كتاب الطلاق (946) ط. دار السلام.

[252] أخرجه البخاري في الوصايا/ باب الوصايا (2738)، ومسلم في الوصية/ باب وصية الرجل مكتوبة عنده (1627) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[253] أخرجه مسلم في الجهاد/ باب كتب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله (1774) عن أنس رضي الله عنه.

[254] الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (7/598).

[255] الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (7/598).

[256] أخرجه البخاري في الأدب/ باب ما جاء في قول الرجل: ويلك (6161)، ومسلم في الفضائل/ باب رحمة النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء... (2323) عن أنس رضي الله عنه.

[257] أخرجه البخاري في الجهاد والسير/ باب حفر الخندق (2837)، ومسلم في الجهاد والسير/ باب غزوة الأحزاب وهي الخندق (1803) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.

 

تاريخ التحديث : Feb 6, 2008




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com