binothaimeen.com - فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله


المكتبة المقروءة : الفـقه : التعليق على رسالة حقيقة الصيام وكتاب الصيام من الفروع ومسائل مختارة منه

  المكتبة المقروءة : الفـقه : التعليق على رسالة حقيقة الصيام وكتاب الصيام من الفروع ومسائل مختارة منه
باب حكم قضاء الصوم وغيره
 

 

باب حكم قضاء الصوم وغيره

وما يتعلق بذلك

 

    يستحب التتابع في قضاء رمضان (و)، قال البخاري: قال ابن عباسٍ: لا بأس أن يفرَّقَ؛ لقول الله تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]. وعن ابن عمر مرفوعاً: «قضاء رمضان؛ إن شاء، فرَّقَ، وإن شاء، تابَعَ». رواه الدارقطني، وقال: لم يسنِدْه غير سفيان بن بشر. قال صاحب «المحرر»: لا نعلم أحداً طعن فيه، والزيادة من الثقة مقبولة. وللدارقطني من رواية الواقدي - وهو ضعيف - عن عبدالله بن عمروٍ: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قضاء رمضان، قال: «يقضيه تِباعاً، وإن فرَّقَه، أجزأ». وله أيضاً، وقال: إسناد حسن عن ابن المنكدر مرسلاً قال: «ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدهم دَينٌ فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاءً؟ فالله أحق أن يعفو، ويغفر». وخبر أبي هريرة: «فليَسرُدْهُ ولا يَقْطعْهُ». رواه ابن المنذر، والدارقطني من رواية عبد الرحمن بن إبراهيم القاص، ضعَّفَه ابن معينٍ والدارقطني، وقواه أحمد وغيره، فإن صح فللاستحباب. وقول عائشة: نزلت: (فعدة من أيام أخر متتابعات)، فسقَطَتْ «متتابعات». رواه الدارقطني، وقال: إسناد صحيح يصلُحُ لسقوط الحكم والتلاوة، فيحمل عليهما، ولأنه وقت موسَّعٌ له كصوم المسافر أداءً، وإنما لزم التتابع فيه صوم مقيم، لا عذر له؛ للفور وتعيّنِ الوقت، لا لوجوب التتابع في نفسِهِ، فنظيره: لو لم يبق من شعبان إلا ما يتَّسِعُ له، وفي التتابع خروج من الخلاف، وهو أنجز لبراءة الذِّمةِ، وأشبه بالأداء، فكان أولى(260). وذكر القاضي في «الخلافِ» في الزكاة على الفور: أن قضاء رمضان على الفور، واحتج بنصه في الكفارة، ويجوز أن يُقالَ: القضاء على التراخي، واحتج بنصه فيه. كذا ذكر، وقال صاحب «المحرر»: يجوز تأخير قضاء رمضان بلا عذرٍ ما لم يُدرِكْ رمضان ثانٍ، ولا نعلم فيه خلافاً. وعند أكثر الشافعية: إن أفطر بسببٍ محرم، حَرُمَ التأخير. قال في «التهذيبِ» لهم: حتى بعذْرِ السفر، وأوجب داود المبادرة في أول يومٍ بعد العيد، وهل يجب العزم على فِعلِهِ؟ يتوجه الخلاف في الصلاة، ولهذا قال ابن عقيلٍ في «الفصولِ» في الصلاة: لا ينتفي إلا بشرط العزم على الفعل في ثاني الوقت. قال: وكذا كل عبادةٍ متراخيةٍ. قال في «شرح مسلم»: الصحيح عند محققي الفقهاء، وأهل الأصول فيه، وفي كل واجبٍ موسَّعٍ، إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعلِه. وعن علي، وابن عمر، وعروة، والحسن، والشعبي، والنخعي: يجب التتابع، وكذا قال داود، والظاهرية: يجب، ولا يشترط للصِّحِة، كأدائه، وأجاز جماعة من الصحابة وغيرهم الأمرين. قال الطحاوي: لا فضل للتتابع على التفريق؛ لأنه لو أفطر يوماً من رمضان، يقضيه بيومٍ، ولا يستحب له قضاء شهرٍ.

    ومن فاته رمضان تامّاً أو ناقصاً؛ لعذرٍ أو غيره، قضى عدد أيامه مطلقاً، اختاره جماعة منهم: صاحب «المحررِ»، و«المغني»، و«المستوعب» (و هـ ش) كأعداد الصلوات، وعند القاضي: إن قَضَى شهراً هلالياً، أجزأه مطلقاً، وإلا تمَّمَ ثلاثين يوماً. وهو ظاهر الخرقي،  وذكره صاحب «المحررِ» ظاهر كلام أحمد. وقاله الحسن بن صالحٍ، وبعض الشافعية، وحكي عن مالكٍ(261). فعلى الأول: من صام من أول شهرٍ كاملٍٍٍ، أو من أثناء شهرٍ، تسعةً وعشرين يوماً، وكان رمضان الفائت ناقصاً، أجزأه عنه؛ اعتباراً بعدد الأيام. وعلى الثاني: يقضي يوماً تكميلاً للشهر بالهلال، أو العدد ثلاثين يوماً.

    ويحرم تأخير رمضان إلى رمضان آخر بلا عذرٍ (و) نص عليه، واحتج بقول عائشة رضي الله عنها: ما كنت أقضي ما علي من رمضان إلا في شعبان؛ لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما لا تُؤخَّرُ الصلاة الأولى إلى الثانية، فإن فعل أطْعَمَ عن كل يوم مسكيناً (و م ش)، رواه سعيد بإسنادٍ جيدٍ عن ابن عباسٍ. ورواه الدارقطني عن أبي هريرة، وقال: إسناد صحيح، ورواه مرفوعاً بإسنادٍ ضعيفٍ، وذكره غيره عن جماعةٍ من الصحابة، ولا أحسبه يصح عنهم. ويتوجه احتمال: لا يلزمه إطعام (و هـ)؛ لظاهر قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]، وكتأخير أداء رمضان عن وقتِهِ عمداً، وذكر الطحاوي من رواية عبدالله العمري - وفيه ضعف - عن عبدالله بن عمر: يُطعِمُ بلا قضاءٍ (262).

    ويطعِمُ ما يجزئ كفارةً (و)، ويجوز قبل القضاء، ومعه وبعده؛ لقول ابن عباس: فإذا قضى أطْعَمَ. رواه سعيد بإسناد جيد. قال صاحب «المحررِ»: الأفضل تقديمه عندنا، مسارعةً إلى الخير، وتخلُّصاً من آفات التأخير، ومذهب (م): الأفضل معه.

    وإن أخره بعد رمضان ثان فأكثر، لم يلزمه لكل سنة فدية؛ لأنه إنما لزمه؛ لتأخيره عن وقته، وقول الصحابة، وللشافعية وجهان.

    ومن دام عذره بين الرمضانين فلم يقض، ثم زال، صام الشهر الذي أدركه، ثم قضى ما فاته، ولا يطعم. نص عليه (و). وعن ابن عباس، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير، وقتادة: يطعم بلا قضاء. فعلى قولنا: إن كان أمْكَنَه قضاء البعض، قضى الكل، وأطْعَمَ عما أمْكَنَه صومه، وإن أخر القضاء حتى مات، فإن كان لعذر، فلا شيء عليه. نص عليه (و)؛ لعدم الدليل. وفي «التلخيص» رواية: يُطْعَمَ عنه، كالشيخ الهِم. والفرق أنه يجوز ابتداء الوجوب عليه، بخلاف الميت، وقال في «الانتصارِ»: يحتمل أن يجب الصوم عنه، أو التكفير، كمن نذر صوما. وقال في «الرعاية»: إن أخره الناذر لعذر حتى مات، فلا فدية، على الأصح. ذكره عقب الحج، وإنما مراده - والله أعلم – الصوم.

    وإن كان تأخير قضاء رمضان لغير عذر، فإن مات قبل أن أدْرَكَه رمضان آخر أُطْعِمَ عنه، لكل يوم مسكين (و)، رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعا بإسناد ضعيف، وقال: الصحيح عن ابن عمر موقوف. وسئلت عائشة عن القضاء، فقالت: لا، بل يطعم. رواه سعيد بإسناد جيد. وكذا قال ابن عباس، وأنه إن نذر قضى عنه وليه، فالراوي أعلم بما روى. قال الأصحاب: ولأنه لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت، كالصلاة، وقال في «الانتصار» في مسألة صحة الإستنابة في الحج عند طريان العضب والكبر على من وجب عليه: وأنه إذا حج النائب، وقع الحج عن المستنيب (و م ش)، ومذهب (هـ) يقع الحج عن الحاج تطوعا، ولا يقع عن المستنيب إلا ثواب النفقة، فنحن نقول: أقيم حج نائبه مُقام حجة، ففِعْلُ الغير للحج بدل عن فِعْلِهِ فيما يُبْدَلُ، إلا المؤدي وهو الفاعل، وعندهم: البدل هو سعيه بماله في تحصيل حج الغير، فالبدل عنده متبدل، ليس هو فعل الحج، وإنما هو بذل المال لتحصيل حج النائب، حتى لو تبرع أجنبي وحج عنه بإذنه، لم يجز عنه؛ لأن السعي ببذل المال مفقود، فالواجب المؤدى هو المُبْتَذَلُ، واحتج لهم بأن سائر العبادات لا تصح النيابة فيها، وقال: فأما سائر العبادات، فلنا رواية: أن الوراث ينوب عنه في جميعها من الصوم والصلاة، ولا يختلف المذهب في نيابة الوارث في الزكاة، ثم الصوم يقابل فائته عند العجز بالموت بالإطعام، والصلاة لا يتصور العجز فيها عندنا، بخلاف الحج، ولأن الزكاة مقصودها تحصيل المال للفقراء مواساة، وتعاطي التكليف مقصود للامتحان، فعند العجز يستقل بأحد المقصودين، ويلتحق بالدَّيْنِ، والحج الامتحان فيه مقصود، وفيه مقصود آخر سوى الفعل، فإنه وُضِعَ على مثال حضره الملوك وحُرَمِهم، وقد يقصد الملك أن تكون عتبته مخدومة بأصحابه، فإن عجزوا فبِنُوَّابِهم؛ لإقامة الخدمة، والصلاة لا مقصود فيها إلا محض التكليف بالفعل، امتحاناً، فإذا فعل غيره ذلك، فات كل المقصود، فلم يكن في معنى الدين. يصحح ما ذكرنا أن الخصم أقام للحج بدلاً، وإن خالفنا في صفته، ولم يُقِمْ للصلاة بدلاً، واحتج لهم أيضاً بالقياس على الصلاة والصيام، وقال: قد تقدم الجواب بالمنع والتسليم، ثم هناك لا يلزم أن ينوي عن غيره، ولا يؤمر ببذل المال لتحصيل الصوم والصلاة. ثم ذكر بعدها من بلغ معضوباً تلزمه الإستبانة، واحتج للمخالف بالصلاة، وأجاب بأن الصلاة لا نسلمها، ونقول: يصلى عنه بعد الموت، ثم الصلاة لا يتصور عجزه عنها إلا أن يموت، أو يزول عقله، بخلاف الحج، ولو وصى بها لم تصل عنه؛ بخلاف الحج عندهم(263) ، ولا مدخل للمال في جبرانها، والبدل جبران، بخلاف الحج، ثم هو قياس يعارض النصوص. ثم ذكر بعدها: لا يصير مستطيعاً ببذل غيره، كسائر العبادات. فقيل له: لا تدخلها النيابة بخلاف الحج، فقال: لا نسلم، بل النيابة تدخل الصلاة والصيام إذا وجبت وعجز عنها بعد الموت. فذكر في هاتين المسألتين النيابة في الصلاة والصيام بعد الموت، وكلامه في المسألة الأولى، والرواية المذكورة يقتضي: وفي الحياة أيضا كالحج، فعلى هذا: يتوجه إن عجز أن يكبر للصلاة، كبر عنه رجل. وقاله إسحاق، ونقله عن إبراهيم والحَكَمِ، والله أعلم(264).

    وذكر في «عيون المسائل» ما ذكره غيره من قياس النيابة في الحج على الزكاة، ثم قال: ولا يلزم الصلاة والصيام، فإنا إن قلنا: تدخلهما النيابة، فإنهما كمسألتنا، وإن قلنا: لا تدخلهما النيابة، قلنا هناك: لم يؤمر أن ينويهما عن غيره، بخلاف مسألتنا، ومال صاحب «النظم» إلى صوم رمضان عنه بعد موته، فقال: لو قيل: لم أُبعِدْ، فعلى هذا: الظاهر أن المراد: ولا يطعم، كقول طاوس، وقتادة، ورواية عن الحسن، والزهري، والشافعي في القديم، وأبي ثور، وداود؛ لقوله عليه السلام: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه». متفق عليه من حديث عائشة، ومعناه من حديث ابن عباس، وقد يتوجه احتمال: إن المراد التخيير، قال في «شرح مسلم»: من يقول بالصيام، يجوز عنده الإطعام، وقد قال شيخنا: إن تبرع بصومه عمن لا يطيقه لكبر ونحوه، أو عن ميت وهما معسران، يتوجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال(265). وكذا عن الأوزاعي والثوري رواية: يصومه عن الميت إذا لم يجد ما يُطعِمُ عنه. وكذا ذكر القاضي في صوم النذر نحو قول شيخنا، فذكر ما ذكره الأصحاب: أن صوم النذر لا يفعل عن عاجز في حياته، بل يطعم، ثم جعل هذا حجة للمخالف في عدم فعله بعد الموت. قال: والجواب أنه لا يمتنع أن نقول: يصح الصوم عنه، كما نقول في الحج إذا عجز عنه في مجال الحياة: يحج عنه. وحكى القاضي عن داود: لا يصام عنه، ولا يُطعَمُ، خلاف ما سبق عنه. وذكر القاضي عياض والشافعية الإجماع أنه لا يصام عن أحدٍ في حياته، والله أعلم(266)، والإطعام من رأس ماله أوصى، أو لا (و ش)، لا  أنه إنما يجب من الثلث إن أوصى (هـ م)، كالزكاة على أصلهما(267).

    وإن مات بعد أن أدركه رمضان آخر فأكثر، أجزأه إطعام مسكين لكل يوم. نص عليه، وقيل: لكل يوم فقيران؛ لاجتماع التأخير والموت بعد التفريط.

    قال أحمد رحمه الله فيما رواه أبو هريرة مرفوعاً: «مَنْ أفطر يوماً من رمضان من غير عذرٍ، لم يجزئه صيام الدهر، ولو صامه»: لا يصح، وإنما يريد نفس يوم من رمضان لا يكون. وكذا ضعفه غير واحد.

    ولا يلزمه عن يوم سوى يوم (و)، وعند شيخنا: لا يقضى متعمد بلا عُذْرٍ (خ) صوماً، ولا صلاة، قال: ولا يصح منه، وأنه ليس في الأدلة ما يخالف هذا، بل يوافقه، وضُعِّفَ أمره عليه السلام المجامع بالقضاء؛ لعدول البخاري ومسلم عنه  (268).

ولا يجزئ صوم كفارة عن ميت، وإن أوصى به. نص عليه (و)، خلافاً لأبي ثور، وعلله القاضي بأنه يجب على طريق العقوبة؛ لارتكاب مأثم، فهي كالحدود، فإن كان موته بعد قدرته عليه - وقلنا: الاعتبار بحالة الوجوب - أُطْعِمَ عنه ثلاثة مساكين، لكل يوم مسكين ذكره القاضي(269).

    ولو مات وعليه صوم شهر من كفارة، أُطعِمَ عنه أيضاً، نقله حنبل، ففيه جواز الإطعام عن بعض صوم الكفارة؛ لأن الإطعام هنا ليس هو بالمأمور به في الكفارة، لكنه بدل الصوم.

    ولو مات وعليه صوم المُتْعَةِ يُطْعَمُ عنه أيضاً. نص عليه(270). قال القاضي: لأن هذا الصوم وجَبَ بأصل الشرع، كقضاء رمضان.

    وصوم النذر عن الميت كقضاء رمضان، على ما سبق عند الكل (و)، واختاره ابن عقيل، ونص أحمد - وعليه الأصحاب -: يفعله الولي عنه، بخلاف رمضان، وفاقا لليث، وأبي عبيد، وإسحاق. وسبق قول ابن عباس.

    ويجوز أن يصوم غير الولي بإذنِهِ وبدونِهِ. جزم به القاضي والأكثر؛ لأنه عليه السلام شبهه بالدَّيْنِ، وقيل: لا يصح إلا بإذنِهِ (و ش)؛ لأنه خلاف القياس، فلا يتعدى النص، وذكر صاحب «المحررِ» أنه ظاهر نقل حرب، يصوم أقرب الناس إليه ابنه أو غيره، فيتوجه: يلزم من الاقتصار على النص: لا يصوم بإذنِهِ، وكذا الوجهان في الحج، واختار عدم الصحة فيه في «الانتصار»، كحال الحياة، واختار صاحب «الفصول»، و«المحرَّرِ» الصحة؛ لعدم استفصاله عليه السلام.

    وهل يجوز صوم جماعة عنه في يوم واحد، وبجزئ عن عِدَّتِهم من الأيام؟ نقل أبو طالب: يصوم واحد. قال في «الخلاف»: فمَنْعُ الاشتراك، كالحجة المنذورة، تصح النيابة فيها من واحد لا من جماعة. وحكى أحمد عن طاووس الجواز، وحكاه البخاري عن الحسن، وهو أظهر، واختاره صاحب «شرح المهذب» من الشافعية، وقال: لم يذكر المسألة، أصحابهم. واختاره صاحب «المحرر»، وحمل ما سبق على صوم شرطه التتابع، وتعليل القاضي يدل عليه، فإن ما جاز تفريقه، كُلُّ يوم كحجة مفردة، فدل ذلك أن من أوصى بثلاث حِجَجٍ، جاز صرفها إلى ثلاثة يحجون عنه في سنة واحدة، وجزم ابن عقيل بأنه لا يجوز، لأن نائبه مثله، وليس له أن يحج ثلاث حجات في عام واحد، وذكره في «الرعاية» قولا، ولم يذكر قبله ما يخالفه، ذكره في فصل استنابة المعضوب من باب الإحرام، وهو قياس ما ذكره القاضي في الصوم، وهو لم يفرق بينهما ولا فَرْقَ، ويأتي في تفريق الاعتكاف(271).

    ويستحب للولي فعله عنه، ولا يجب (و)، خلافاً للظاهرية، كالدَّيْنِ، لا يلزمه إذا لم تكن له تَرِكةٌ، وله أن يصوم، وله أن يدفع إلى من يصوم عنه من تَرِكتِه عن كُلِّ يوم مسكينا(272)، فإن لم تكن له تركة، لم يلزمه شيء.

    قال القاضي، وغيره: كالحج، الوارث بالخيار بين الحج بنفسه، وبين دَفْعِ نفقة إلى من يحج عنه(273). وقال صاحب «المحرر»: إن القاضي في «المجرد» لم يذكر أن الورثة إذا امتنعوا  يلزمهم استنابة، ولا إطعام. وذكر في «المستوعب» وغيره أن مع عدم صوم الورثة يجب إطعام مسكين من ماله عن كل يوم، ومع صوم الورثة لا يجب. وجزم الشيخ في مسألة من نذر صوماً فعجز عنه، أن صوم النذر لا إطعام فيه بعد الموت، بخلاف رمضان ولم أجد في كلامه خلافه.

    ولا كفارة مع الصوم عنه، أو الإطعام، واختار شيخنا أن الصوم عنه بدل مجزئ بلا كفارة، ويأتي كلامهم في الصلاة المنذورة، وسبق كلامه في «الانتصار» في تأخير قضاء رمضان لعذر، وأوجبها في «المستوعب»، قال: كما لو عيَّنَ بنذْرِهِ صوم شهر فلم يصمه، فإنه يجب القضاء والكفارة. وفي «الرعاية» كـ «المستوعب»، فإنه قال: إن لم يقضه عنه ورثته أو غيرهم، أُطعم عنه من تركته، لكل يوم فقير مع كفارة يمين، وإن قضى كَفَتْهُ كفارة يمين، وعنه: مع العذر المتصل بالموت، وهذه الرواية - والله أعلم - هي رواية حنبل، فإنه نقل: إذا نذر صوم شهر، فحال بينه وبينه مرض، أو علة حتى مات، صام عنه وليه، وأطعم لكل يوم مسكينا؛ لتفريطه. هذا كله فيمن أمكنه صوم ما نذره، فلم يصمه ومات، ولو أمكنه صوم بعض ما نذره، قضى عنه ما أمكنه صومه فقط (و م)، ذكره القاضي وبعض أصحابنا، ذكره صاحب «المحرر»، وذكره ابن عقيل أيضا؛ لأن رمضان يعتبر فيه إمكان الأداء، والنَّذْرُ يحمل على أصله في الفرض، وأجاب القاضي بأنا لا نسلم أن النذر المطلق يثبت في ذمته مطلقا، بل بشرط الإمكان، كالنذر المعلق بشرط، والنذر في حال المرض، وقضاء رمضان، ومذهب (هـ ش): يلزم أن يقضى عنه كله؛ لثبوته في ذمةٍ صحيحةٍ في الحال، كالكفارة، بخلاف من دام مرضه حتى مات؛ لأنه لا ذمة له يثبت فيها الصوم، وذكر القاضي في مسألة الصوم عن الميت، أن من نذر صوم شهر وهو مريض، ومات قبل القدرة عليه، يثبت الصيام في ذمته، ولا يعتبر إمكان الأداء، ويخير وليه بين أن يصوم عنه، أو يُنِفقَ على من يصوم. وفرق بينهما بأن النذر محله الذمة، فلا يعتبر فيه إمكان الأداء كالكفارة، وذكَرَ نص أحمد في رواية عبدالله في رجل مرض في رمضان: إن استمر به المرض حتى مات، ليس عليه شيء(274)، وإن كان نذرا صام عنه وليه إذا هو مات. قال: وأومأ إليه في رواية الميموني، والفضل، وابن منصور. واختار صاحب «المحرر» أنه يقضى عن الميت ما تعذر فعله بالمرض دون المعتذر بالموت؛ لأن النذر وإن تعلق بالذمة، يتعلق بالأيام الآتية بعد النذر، فإذا مات قبل مضي المدة المقدرة، تبينا أن قدر ما بقي منها صادف نذره حالة موته، وهو يمنع الثبوت في ذمته، كما لو نذر صوم شهر معين، فمات قبله، أو جن ودام جنونه حتى انقضى، بخلاف القدر الذي أدركه حيا، وهو مريض؛ لأن المرض لا ينافي ثبوت الصوم في الذمة، بدليل أنه يقضي رمضان، ويقضي من نذر صوم شهر بعينه فلم يصمه لمرض، وإذا ثبت في ذمة المريض - والنيابة تدخله بعد الموت - فلا معنى لسقوطه به، وإنما سقط قضاء رمضان؛ لأن النيابة لا تدخله، ولم يجب الإطعام؛ لأنه وجب عقوبة للتفريط ولم يوجد. قال: ويؤيد ذلك أمره عليه السلام بقضائه عن الميت، ولم يستفصل هل تَرَكَه لمرض، أو غيره، هذا كله في النذر في الذمة، فأما إن نذر صوم شهر بعينه، فمات قبل دخولِهِ، لم يُصَمْ ولم يُقْضَ عنه. قال صاحب «المحرر»: وهو مذهب سائر الأئمة، ولا أعلم فيه خلافا. وإن مات في أثنائه، سقط باقيه، فإن لم يَصُمْه لمرض حتى انقضى، ثم مات في مرضه، فعلى الخلاف السابق فيما إذا كان في الذمة، وسبق كلامه في «الانتصار»، و«الرعاية» فيما إذا أخر قضاء رمضان لعذر حتى مات، والله أعلم(275).

    وإن مات وعليه حج منذور، فُعِلَ عنه. نص عليه (وش)، لصريح خبر ابن عباس، رواه البخاري وغيره من غير وجه، ومن اعتذر عن ترك القول بذلك هنا، أو في الصوم باضطراب الأخبار، فهو عذر باطل؛ لصحة ذلك عند أئمة الحديث، ومذهب (هـ م): كقولهما في الزكاة، وحج الفرض، وفي «الرعاية» قول: لا يصح. كذا قال، ولا يعتبر تمكنه من الحج في حياته؛ لظاهر الخبر، وكنذر الصدقة والعتق، وهذا مذهب (هـ)، لكن الواجب عنده الإيصاء بقضائه، وقيل: يعتبر (وش) كحجة الإسلام. قال صاحب «المحرر»: هذه المسألة شبيهة بمسألة أمن الطريق، وسعة الوقت، هل هو في حجة الفرض شرط للوجوب، أو للزوم الأداء (276)؟ والله أعلم، وكذا العمرة، وإن مات وعليه اعتكاف منذور، فُعِلَ عنه، نقله الجماعة (وق)، ونقل ابن إبراهيم وغيره: ينبغي لأهله أن يعتكفوا عنه. قال سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي ماتت وعليها نَذْرٌ لم تقضه، فقال: «اقضه عنها». حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي، من حديث ابن عباس، ومعناه متفق عليه، ولأنه يروى عن عائشة وابن عمر وابن عباس ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، وقاسه جماعة على الصوم، فلهذا في «الرعاية» قول: لا يصح (و)، فيتوجه على هذا أن يُخْرَجَ عنه كفارة يمين، ويحتمل أن يُطعَمَ عنه لكل يوم مسكينا (و)، ولو لم يوصِ به (هـ م)، ويكون من ثلثه (هـ م)، واعتبر بعض الشافعية اليوم بليلته، واستشكله بعضهم، فإن كل لحظة عبادة، وما قاله محتمل، وعلى الأول: إن لم يمكنه فعله حتى مات، فالخلاف كالصوم، قيل: يقضي، وقيل: لا، ويسقط إلى غير بدل (و)، فيسقط عندهم الإطعام الواجب مع التفريط، والله أعلم(277).

    وإن مات وعليه صلاة منذورة، فنقل الجماعة: لا تفعل عنه (و)؛ لأنها عبادة بدنية محضة لا يخلُفُها مال، ولا يجب بإفسادها، ونقل حَرْبٌ تفعل عنه، اختاره الأكثر، قال القاضي: اختارها أبو بكر، والخرقي، وهي الصحيحة. رواه أحمد عن ابن عباس، وذكره البخاري عنه، وعن ابن عمر، وقال الأوزاعي: وعلى هذا تصح وصيته بها. وحيث جاز فِعْلُ غير الصوم، فلا كفارة مع فعله؛ لظاهر النصوص، ولأنه قائم مقام فاعله شرعاً، فكأنه أداه بنفسه، وإلا أخْرَجَ عنه كفارة يمين، لترك النذر، زاد صاحب «المحرر»: إن كان قد فرط، وإلا ففي الكفارة الروايتان فيمن نذر صوم شهر بعينه فلم يصمه؛ لأن فوات أيام الحياة فيما إذا أطلق كفوات الوقت المعين إذا عين، والله أعلم، ومذهب (هـ): يلزمه أن يوصي بأن يُطعَمَ عنه إن أمكنه فعلها، وقال البغوي الشافعي: لا يبعد تخريج الإطعام من الاعتكاف إلى الصلاة، فيطعم عن كل صلاة مُدّاً.

    أما صلاة الفرض، فلا تفعل، وسبق الكلام فيها في قضاء رمضان، وقد قال القاضي عياض: والشافعية أجمعوا أنه لا يصلي عنه صلاة فائتة، والله أعلم. قال في «الإيضاح»: من نذر طاعة فمات، فعلت. وكذا في «المستوعب»: يصح أن يفعل عنه كل ما كان عليه من نذر طاعة، إلا الصلاة فإنها على روايتين. وقال في «منتهى الغاية»: إن قصة سعد بن عبادة المذكورة تدل على أن كل نذر يقضى. وكذا ترجم عليها أيضا في «المنتقى» بقضاء كل المنذورات عن الميت. وقال ابن عقيل وغيره: لا تفعل طهارة منذورة عنه مع لزومها بالنذر، ويتوجه في فعلها عن الميت ولزومها بالنذر ما سبق في صوم يوم الغيم، هل هي مقصودة في نفسها أم لا؟ مع أن قياس عدم فعل الولي لها، أن لا تلزم بالنذر، وإن لزمت، لزم فعل صلاة ونحوها بها، كنذر المشي إلى مسجد تلزم تحيته، صلاة ركعتين، كما يأتي في النذر.

    وهل يُفعَلُ طواف منذور؟ ظاهر كلامهم أنه كصلاة.

    وفي «الموطأ»، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمَّتِهِ أنها حدَّثَتْه: أنها كانت جعَلَتْ على نفسها مشيا إلى مسجد قباء، ولم تقضه، فأفتى عبدالله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها.

 

--------------------

 

(260) خلاصة هذا الكلام: أنه يستحب التتابع في قضاء رمضان؛ لأنه أسرع في إبراء الذمة، ولئلا يحدث ما يمنعه من القضاء في المستقبل، ولأنه أشبه بالأداء، والأداء – يعني: رمضان - كان متتابعاً، فيكون أقرب إلى المشابهة، ولا شك أن هذا أولى – أعني: التتابع في قضاء رمضان - ولكنه ليس بواجب، فها هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تقضي إلا في شعبان، قالت: «كان يكون علي الصوم  فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» [أخرجه البخاري في الصوم/ باب متى يقضى قضاء رمضان (1950)؛ ومسلم في الصوم/باب قضاء رمضان في شعبان (1146).] ، وإذا جاز تأخير الجميع جاز تأخير البعض، فالصواب أن التتابع في قضاء رمضان أفضل، فيبادر به بعد العيد، فهذا أحسن له وأفضل، ولأجل أن يدرك صيام ست أيام من شوال إن كان عليه دون الشهر.

(261) ولكن هذا القول ضعيف، ومعارض لظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى قال: {فعدة من أيام أخر} [البقرة:184]، ولم يقل: فشهر عوضٌ عنه مثلاً، فلو قال ذلك لكان هذا الخلاف متوجهاً، وأما أن القرآن نصه: { فعدة من أيام أخر } فلا يتوجه هذا الخلاف، فالصواب أن عليه عدة الأيام التي أفطرها، إن كان الشهر تسعة وعشرين فتسعة وعشرون، وإن كان ثلاثين فثلاثون.

(262) فالأقوال في مسألة:إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان الثاني، ثلاثة:

القول الأول: يلزمه القضاء مع الإطعام.

والثاني: القضاء بلا إطعام.

والثالث: الإطعام بلا قضاء.

فهذا نزاع، والمرجع في النزاع إلى الكتاب والسنة، فنجد أن الله تعالى لم يوجب على من أفطر بعذر إلا القضاء: {فعدة من أيام أخر}، وهذا الذي ذكره المؤلف احتمالاً أنه لا يلزمه إلا القضاء هو الصواب؛  لأنه لا يمكن أن نوجب الأصل والبدل، فالإطعام بدل عن الصيام، فإذا تعذر فيمن مرضه غير مرجو الزوال، فكيف نلزمه بالأصل والبدل، فالصواب أنه لا يلزمه إلا القضاء، لكنه يأثم بالتأخير، وأما القول بالإطعام بلا قضاء فهذا ضعيف جداً، وكأن هؤلاء مأخذهم: أن هذه عبادة خرج وقتها، فلو صامها في غير وقتها لكان أتى بما لم يؤمر به، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [أخرجه البخاري تعليقا بصيغة الجزم في كتاب البيوع/ باب النجش , ووصله مسلم في الأقضية/ باب الأحكام الباطلة (1718).]  وإذا لم يقبل الصوم رجعنا إلى بدله، وهو الإطعام،  لكن الصواب أنه يصوم بلا إطعام، ولكنه يأثم فعليه أن يتوب.

(263) المريض إذا أخر الصوم – يعني: القضاء -: فإن كان في وقت رمضان مريضاً بمرض يرجى زواله فالواجب عليه القضاء، لكن إذا عجز واستمر به المرض حتى مات فهذا لا يُقضى عنه، ولا يطعم عنه؛  لأن الواجب هو القضاء، وقد عجز عنه.

والثاني: إذا كان مريضاً مرضاً لا يرجى زواله، فالواجب الإطعام، فإذا أطعم ثم برئ بعد ذلك فلا قضاء عليه، وإذا مات لم يُقْضَ عنه.

الثالث: مريض مرضاً يرجى زواله، عوفي بعد رمضان، وتمكن من القضاء، ثم عاد إليه المرض فمات،  فهذا هو الذي فيه الخلاف: هل يقضى عنه أو لا يقضى؟ فجمهور العلماء على أنه لا يقضى، وهو المذهب، وحملوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» [أخرجه البخاري في الصوم/باب من مات وعليه صوم (1952)؛ ومسلم في الصيام/باب قضاء الصوم عن الميت (1147).] على صيام النذر، ولكن هذا قول ضعيف، ولكنه وسط بين قول من يقول: لا يصام عن الميت مطلقاً، لا نذر ولا فرض، ومن يقول: يصام عنه النذر دون الفرض، والصواب أنه يصام عنه النذر والفرض؛ لأنه لما قدم على القضاء ولم يفعله ثبت  في ذمته، فإذا ثبت في ذمته ومات صام عنه وليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وَحَمْلُ الحديث على النذر ضعيف جداً؛ لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم  كلام معصوم يعلم ما يقول، ويعلم الحال التي يتنزل عليها هذا القول، فهل يمكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد النذر، وهو نادر، ويترك قضاء رمضان، وهو الكثير؟ لا يمكن هذا أبدا، ولذلك القول الراجح في هذه المسألة أن الميت يقضى عنه صوم النذر، والصوم الواجب بأصل الشرع؛ لعموم هذا الحديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وفي النذر ورد ذلك بخصوصه في المرأة التي ذكرت أن أمها نذرت أن تصوم، فلم تصم حتى ماتت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقضي الصوم عن الميت [أخرجه أحمد (1/224).]. فكل التفريعات والامتناعات التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - مبنية على أنه لا يصوم أحد عن أحد، لا في الفريضة ولا في النذر.

(264) ولا شك أن هذا القول ضعيف جداً، وهو أن ينوب الإنسان عن غيره إذا عجز عن العبادة، وعلى طرد هذه القاعدة: إذا عجز عن الوضوء فإنه يتوضأ واحد، ويصلي المحدث، فلا يتصور أحد أن يقال هذا القول، فالصواب أن الإنسان إذا عجز عن العبادة سقطت عنه، ولا يمكن أن يقوم بها أحد، لكن إن كان لها بدل أتى ببدلها، وإن لم يكن لها بدل، أو عجز حتى عن بدلها سقطت.

(265) مسألة: إذا قال الولي لن أصوم فماذا نصنع؟ الجواب: نرجع إلى بدل الصيام، وهو الإطعام، إذا كان في تركته شيء، وإن لم يكن فإن تبرع أحد بالإطعام عنه كفى، وإلا سقط.

(266) وهذا هو الصواب، أنه لا يصام، واختيار شيخ الإسلام - رحمه الله - في هذا ضعيف، أنه إذا تبرع بالصيام عمن لا يطيقه يجزئ، ضعيف جداً، فيقال: من لا يطيقه إن كان عجزه مستمراً فعليه الإطعام،  وإلا فينتظر حتى يعافيه الله.

(267) قوله: «من الثلث إن أوصى به ...» أي: إن أوصى به فمن الثلث، وإن لم يوص به فمن رأس المال،  والصواب أنه من رأس المال، سواء أوصى أم لم يوصِ، فيطعم عنه، ثم الباقي بعد الإطعام يخرج ثلثه بالوصية.

(268) كلام شيخ الإسلام هو الصواب بلا شك، وأن من أخر صوم يوم من رمضان بلا عذر فإنه لا يقضي عنه صوم الدهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، لكن عليه أن يتوب إلى الله ويستغفر، ويكثر من الأعمال الصالحة، والحسنات يذهبن السيئات، وظاهر كلام الشيخ - رحمه الله - أنه لو تعمد الفطر في أثناء النهار لم يقضِ؛ لأنه تعمد إفساد الصوم فهو كالذي تعمد تأخيره إلى ما بعد رمضان، وفي هذا نظر، والصواب أنه إذا تعمد الفطر في رمضان فهو آثم، وعليه القضاء وليس كالذي لم يصم أصلاً، والفرق: أن الذي شرع في الصوم التزمه، فصار في حقه كالنذر، وهو صوم واجب،  فيجب عليه القضاء، وأما الذي لم يشرع فيه أصلاً فقد اعتمد أن لا يصوم، فلا ينفعه القضاء، والمذهب أنه يلزمه القضاء، ولو تعمد الفطر، لكنه يكون آثما، والأدلة تدل على أنه لا ينفعه القضاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [سبق تخريجه].

وأما قوله رحمه الله: «ليس في الأدلة ما يخالف هذا، بل يوافقه» وضعف أمره صلى الله عليه وسلم المجامع بالقضاء،  وعلل هذا التضعيف بعدول البخاري ومسلم عنه، فهل نأخذ من هذا قاعدة أن كل شيء لم يكن في البخاري ومسلم فهو ضعيف ؟ الجواب: لا، فالشيخ رحمه الله لا يريد هذا، لكن الحديث ورد في البخاري ومسلم وغيرهما، وجاءت الزيادة في غير ما رواه البخاري ومسلم، فتكون هذه الزيادة في غير ما رواه البخاري ومسلم شاذة، والشاذ من قسم الضعيف، هذا وجه كلام الشيخ رحمه الله.

فإن قال قائل: الزيادة لا تكون شاذة إلا إذا لم يمكن الجمع؟

فالجواب: أن يقال: لما عدل البخاري ومسلم عن ذكر القضاء مع أنه من تمام القصة، ومما تتوافر الدواعي على نقله لو صح، دل على أنه لم يصح عندهما، فهذا وجه التضعيف في هذه المسألة خاصة، ولا يؤخذ من الكلام أن شيخ الإسلام - رحمه الله - يرى أن كل ما عدل عنه البخاري ومسلم فهو ضعيف، بل في هذه المسألة بخصوصها وأشباهها؛ لأن القصة واحدة، والمقام مقام بيان الواجب، فلو كانت هذه الزيادة صحيحة ما تركها البخاري ومسلم.

(269) قوله رحمه الله: «ولا يجزئ صوم كفارة عن ميت وإن أوصى به» كونه أوصى به هذه لا أثر له، لكن الصواب أنه يصح لعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» [سبق تخريجه].

وأما قول القاضي - رحمه الله -: إن هذا عقوبة، والعقوبة لا ينبغي أن تكون على غير فاعل، ففيه نظر؛  لأنه يعارض قوله صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، والصواب أن كل صوم واجب يموت عنه الإنسان فوليه مأمور أن يصوم عنه، ووليه هو وارثه، فإن لم يفعل أُطعم عن كل يوم مسكين.

(270) هذه المسألة في النفس منها شيء، أنه إذا مات الإنسان وعليه صوم كفارة أنه يطعم عنه؛ لأنه إذا كان حياً وعجز عن الصوم فلا إطعام إلا في الظهار والجماع في نهار رمضان، أما في القتل فليس فيه إطعام،  ولعله أراد هذا فيما إذا كانت الكفارة عن ظهار أو جماع في نهار رمضان.

(271) الصحيح أنه يجوز أن يصوم جماعة عن الأيام ولو في يوم واحد، إلا ما شرطه التتابع فإن ذلك لا يمكن؛  لأن كل واحد منهم لم يصم شهريين متتابعين، فعلى هذا إذا كان على شخص خمسة أيام من رمضان، وله خمسة أبناء، فصاموها في يوم واحد أجزأ؛ لأنهم أدوا ما يجب عليه، وهو واجب عليه بغير تتابع، وأما إذا كان عليه صيام كفارة يمين وصام عنه ثلاثة في يوم واحد لم يجزئ؛ لأنه يشترط في صيام الثلاثة أيام في كفارة اليمين التتابع، وكذلك في صيام شهرين متتابعين في كفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان، والمهم أنه يجوز أن يصوم جماعة عن شخص أياماً، إلا ما يشترط فيه التتابع فلا يصح، وعلى هذا فالذي يشترط فيه التتابع لا يمكن إلا من شخص واحد، والحج يصح أن يحج عنه ثلاثة في سنة واحدة، بل يصح أن يحج عنه اثنان في سنة واحدة، أحدهما في الفرض، والثاني في النفل، ويكون السابق بالإحرام هو الفريضة.

(272) هذه المسألة فيها نظر، وهي أن له أن يدفع إلى من يصوم؛ لأنه إذا فعل ذلك صار كأنه أجير، والأجرة لا تصح على فعل الطاعات.

(263) الفرق بينهما أن الحج تجوز فيه النيابة، ودفع أجرة للنائب خلاف الصواب.

(274) بشرط أن يكون المرض مما يرجى برؤه، فإذا مرض في رمضان مرضاً يرجى برؤه، ولكنه استمر به المرض حتى تضاعف ومات، فإنه ليس عليه شيء، أما لو كان في رمضان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه فالواجب الإطعام.

(275) الصواب أنه إذا نذر شهراً معيناً ومات قبله فلا شيء عليه، وإن بقي لكنه كان مريضاً لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الواجب بالنذر يحذى به حذو الواجب بأصل الشرع، وأما إذا كان مريضاً مرضاً يرجى برؤه، ثم استمر به المرض حتى مات، فلا شيء عليه، يعني: أننا نحكم على النذر حكم الصوم الواجب بأصل الشرع.

(276) الصحيح أنه شرط للوجوب؛ لقوله تعالى: {من استطاع إليه سبيلاً} [آل عمران :97]، وهذا لم يستطع والآية عامة، سواء لم يستطع هو بنفسه، أو لم يستطع لخوف الطريق، أو لغير هذه الأسباب، فهو شرط للوجوب، ولو مات في هذه الحال لم يلزم القضاء عنه؛ لأنه كان يستطيع ببدنه وماله لكن الطريق مخوف، فلا يلزم القضاء عنه؛ لأن هذا لم يستطع إليه السبيل.

(277) والصحيح أن نذر الاعتكاف لا يقضى؛ لأن مراده بالاعتكاف هو التفرغ لطاعة الله عز وجل ، والميت انتهى وذهب، فكيف يقضى عنه؟! وقياسه على الصوم فيه نظر من وجيهن:

الوجه الأول: أنه لا قياس في العبادات.

والوجه الثاني: أن النوع هنا يختلف، فإن المقصود من الاعتكاف حبس النفس على التزام المسجد لطاعة الله عز وجل ، لكن لو قيل: يكفر عنه كفارة يمين، فهو جيد، كما ذكره هنا.

 

تاريخ التحديث : Feb 9, 2008


 
حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com