مكتبة الخطب : 4-العبادات : 5-الحج وخطب عيد الأضحى

  مكتبة الخطب : 4-العبادات : 5-الحج وخطب عيد الأضحى
وجوب تعظيم مناسك الحج والعمرة - بيان محظورات الإحرام وحكم نقل الأضاحي إلى بلاد أخرى
  محتوى الشريط   المادة الصوتية

فيا أيها الناس، اتقوا ربكم الذي خلقكم من عدم وأمدَّكم بالرزق ويسر لكم الأمور، و فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، فرض عليكم تعظيم شعائره وحرماته وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]  ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾

 
استماع المادة
تحميل المادة
المصدر :
حجم الملف : 3.55 MB
تاريخ التحديث : Jun 16, 2004


الخطبة الأولى

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدي ودين الحق، فبلغ الرسالة، و أدى الأمانة، ونصح الأمة، وترك أمته على  طريق بيضاء ليلها كنهارها، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد:

فيا أيها الناس، اتقوا ربكم الذي خلقكم من عدم وأمدَّكم بالرزق ويسر لكم الأمور، و فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، فرض عليكم تعظيم شعائره وحرماته وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]  ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:30]، ألا وإن من شعائر الله مناسك الحج والعمرة كما قال الله عزَّ وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:158]، فعظموا هذه المناسك فإنها عبادة عظيمة ونوع من الجهاد في سبيل الله، سألت عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قالت: «هل على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة»(1)، فعظموا - عباد الله - هذه المناسك بالقيام بما أوجب الله عليكم والبعد عما حرم الله عليكم، قال الله عزَّ وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ[البقرة:197]، فقوموا - عباد الله - بما أوجب الله عليكم في سفركم وفي إقامتكم من الطهارة  والصلاة جماعة في أوقاتها والنصح للمسلمين، واجتنبوا ما حرم الله عليكم من المحرمات العامة في الإحرام وغيره من الفسوق بجميع أنواعه، فاجتنبوا الكذب، والغش، والخيانة، والغيبة، والنميمة، والاستهزاء بالمسلمين والسخرية منهم، واجتنبوا الاستماع إلى المعازف والأغاني المحرمة، واجتنبوا التدخين: وهو شرب الدخان فإنه حرام عليكم؛ لما فيه من أضرار الأبدان وضياع الأموال، واجتنبوا ما حرم الله عليكم تحريماً خاصًّا بسبب الإحرام وهي التي يسميه العلماء بمحظورات الإحرام، فاجتنبوا الرفث: وهو الجماع ومقدماته من اللمس والتقبيل والنظر بشهوة وتلذذ، فالجماع أعظم محظورات الإحرام وأشدها تأثيراً، فمن جامع في الحج قبل التحلل الأول فسد حجه، ولزمه المضي فيه( إنهاؤه )، وقضاؤه من العام المقبل، و فديةٌ: وهي  بدنه ينحرها ويتصدق بها على الفقراء في مكة أو منى، واجتنبوا الأخذ من شعر الرأس، فإن الله يقول: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ [البقرة:196]، وألحق أكثر العلماء شعر بقية البدن بشعر الرأس، وقاسوا عليه إزالة الأظفار، وقالوا: لا يجوز للمحرم أن يأخذ شيئاً من شعره أو أظفاره إلا إذا انكسر ظفره فآذاه فله أخذ ما يؤذيه فقط، فمن حلق رأسه لعذر أو لغيره فعليه فدية لقول الله تبارك و تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك﴾ [البقرة:196] ، وبَيَّن النبي - صلى الله عليه وعلى وسلم- ذلك بأن الصيام ثلاثة أيام والإطعام  إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو شاةٌ يذبحها ويتصدق بها على المساكين ويكون الإطعام والذبح في مكة أو في مكان فعل المحظور، واجتنبوا قتل الصيد فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾  [المائدة:95]، سواءٌ كان الصيد طائراً كالحمام، أم سائراً كالظباء والأرانب، فمن قتل صيداً متعمداً فعليه الجزاء وهو إما ذبح ما يماثله من الإبل أو البقر أو الغنم يتصدق به على المساكين في مكة أو منى، وإما تقويمه بدراهم يتصدق بما يساويها من الطعام على المساكين في مكة أو منى لكل مسكين ربع صاع من البر أو نصفه من غيره، و إما أن يصوم عن كل إطعام مسكين يوماً .

 أيها الإخوة، أما قطع الشجر فلا علاقة له بالإحرام، فيجوز للمحرم وغير المحرم أن يقطع الشجر إذا كان خارج أميال الحرم مثل: عرفة،  فإن عرفة ليست من الحرم، فيجوز قطع الشجر فيها وليس فيه شيء، وأما إذا كان داخل أميال الحرم مثل: مزدلفة ومنى ومكة فإنه لا يجوز قطع الأشجار لا للمحرم ولا لغيره  إلا ما غرسه الآدمي بنفسه فله قطعه، ويجوز للإنسان أن يضع البساط على الأرض ولو كان فيها حشيش أخضر إذا لم يقصد بذلك إتلافه، واجتنبوا عقد النكاح فإن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال:«لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب»(2)، فلا يجوز للمحرم أن يتزوج سواءٌ كان رجلاً أو امرأة، ولا أن يزوِّج غيره، ولا أن يخطب امرأة، واجتنبوا الطيب بجميع أنواعه دهُناً كان أم بخوراً، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«لا تلبسوا ثوباً مسَّه الزعفران»(3)، وقال في الرجل الذي مات بعرفة وهو محرم:«اغسلوه بماء وسدر ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة مُلبياً»(4)، والحنوط هو: الطيب الذي يجعل في قطن  على بدن الميت بعد تغسيله، فلا يجوز للمحرم أن يدهن بالطيب أو يتبخر به أو يضعه في أكله أو شربه أو يتنظف بصابون فيه طيب يعد للتطيب، ويجوز أن يغتسل ويزيل ما لوثه من وسخ، وأما التطيب عند الإحرام فإنه سنة ولا يضر بقاؤه بعد عقد الإحرام، فقد قالت عائشة رضي الله عنها:«كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» وقالت: «كأني أنظر إلى وبيص المسك أي: بريقه في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو محرم»(5)، و اعلموا أنه يوجد صابون فيه رائحة طيبه ولكنها ليست من الطيب وإنما هي نكهة يتلذذ الإنسان برائحتها كرائحة الأترج والتفاح والنعناع وما أشبهه وهذا لا يعد طيباً، فلا بأس باستعماله، واجتنبوا تغطية الرأس بما يغطى به عادةً و يلاصقه كالعمامة والغترة والطاقية، فقد قال النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المحرم الذي مات:«لا تخمروا رأسه»(6) أي: لا تغطوه، أما ما لم تجرِ العادة بكونه غطاءً للرأس كالعفش يحمله المحرم على رأسه فلا بأس به، وكذلك ما لا يلاصق الرأس كالشمسية ونحوها لا بأس به، لأن المنهي عنه تغطية الرأس لا تظليل الرأس، وعن أم الحصين - رضي الله عنها - قالت:«حججت مع النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذٌ بخطام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم- والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة»(7) وتحريم تغطية الرأس خاصٌ بالرجال، أما المرأة فيجوز أن تغطي رأسها، وأما وجهها فالمشروع لها كشفه إلا أن يراها أحدٌ من الرجال غير محارمها فإنه يجب عليها ستره ولا يجوز للمرأة أن تلبس النقاب ولا البرقع، واجتنبوا من اللباس ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث سئل عما يلبس المحرم فقال:«لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا الخفاف»(8)، وقال:«من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل»، وتحريم هذا اللباس خاص بالرجال، فلا يجوز للرجل إذا أحرم أن يلبس القميص ولا العمامة كثيابنا هذه ولا ما كان بمعناه كالفنيلة والصدرية والكوت، ولا يلبس العمامة ولا ما كان بمعناها كالغترة والطاقية، ولا يلبس البرنس وهو ثوب يوصل بغطاء للرأس ولا ما كان بمعناه كالمشالح، ولا يلبس السراويل سواء كان نازلاً عن الركبتين أم فوق الركبتين، ولا يلبس الخفين ولا ما كان بمعناهما كالجوارب وهي: الشراب، وأما لبس الإزار المخيط فإنه لا بأس به وكذلك لبس الرداء المرقع أو الموصول بقطعتين لا بأس به؛ لأنه ليس المحرم ما كان فيه خياطة لكن المحرم ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - من القميص والسراويل والعمائم والبرانس والخفاف وما كان بمعناها، ولم يرد عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه قال: يحرم على المحرم لبس المخيط ولا عن الصحابة فيما نعلم، وقد قيل عن أول من عبر بذلك أحد التابعين وهو إبراهيم النخعي - رحمه الله - فأخذه الفقهاء من بعده ولذلك لو استعملنا في ذلك ما عبر به النبي -صلى الله عليه وسلم -  من تحريم الخمسة التي سمعتم لكان أولى ومن أجل أن الفقهاء -رحمهم الله- عبروا بلبس المخيط صار يشكل على العامة النعال المخيطه يظنون أنها حرام وليس كذلك ويشكل عليهم -أيضاً- الحزام الذي فيه الخياط يظنون أنه حرام وليس كذلك، إذاً: فالأولى في التعبير أن نعبر بما عبر به النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ونقول: المحرم هذه الخمسة وما كان بمعناها، أما مجرد الخياطة فليس بحرام على المحرم، ويحل للمحرم لبس الساعة والخاتم ونظارة العين وسماعة الأذن وعقد الإزار وشبك الرداء إن احتاج إليه وإلا فالأولى أن لا يشبكه، ولا يشبك الرداء بمشابك متواصلة؛ لأنه إذا فعل  ذلك أشبه القميص من بعض الوجوه، ويجوز للمرأة أن تلبس ما شاءت من الثياب المباحة لها قبل الإحرام غير متبرجةٍ بزينة؛ لأن النساء ليس لهن ثياب خاصة للإحرام، ويحرُمُ على الرجل وعلى المرأة لبس القفازين وهما: شراب اليدين، ويجوز للرجل والمرأة  تغيير ثياب الإحرام إلى ثياب أخرى لا يمنع لبسها في الإحرام سواء غيَّرها لوسخ ٍ أو نجاسةٍ أو غيرهما، فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا حدود ما أنزل الله على رسوله، واتقوا محارم الله، وعظموا شعائر الله، فإن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وفقني الله وإياكم لصالح الأعمال، وجنبنا جميعاً سيء الأعمال، وحمانا من التفريط والإهمال، إنه جواد كريم واسع الفضل والنوال، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله، أحمده وأشكره وأتوب إليه، وأستغفره وأسأله تبارك وتعالى أن يمنَّ عليكم وعلينا بالعلم النافع والعمل الصالح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد:

 

فإنني سأتكلم بكلمات أرجو الله تعالى أن ينفع بها وهي وإن كانت متقدمة يسيراً عن وقتها لكن لا بأس بالمبادرة خوفاً من الوقوع فيما لا ينبغي فأقول: أما بعد: فقد شرع الله - تعالى - بحكمته ورحمته لعباده الذين لم يحجوا أن يتقربوا إلى الله تعالى بذبح الأضاحي عنهم وعن أهليهم في بلادهم، لتعظم شعائر الله عند المسجد الحرام وفي البلاد الإسلامية الأخرى، قال الله عزَّ وجل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا [الحج:34]، وفي هذه الآية دليل على أن هذا المنسك - وهو: التقرب إلى الله بالذبح - مشروع في كل ملة لكل أمة مما يدل على أهميته والعناية به، وقال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج:36]، ومعنى قوله صواف، أي: قائمة على ثلاثة قوائم، وليس المراد أنها مصفوفة، ولكن السنة في نحر الإبل أن تعقل يدها اليمنى وتقف على اليد اليسرى والرجلين الثنتين ويأتي الناحر فينحرها من الجانب الأيمن ثم تسقط على الأرض، هذا هو الأفضل إن تمكن الإنسان منه، قال الله عز وجل: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:37]، وقال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:162-163]، وبَيَّن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن الأضحية شيء وأن اللحم شيء آخر فقال:«من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم فقال رجل: يا رسول الله، نسَكتُ قبل أن أخرج للصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تلك شاة لحم»(9) يعني: ليست أضحية فبَيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه ليس المقصود من الأضحية اللحم وإلا لكان ذَبْحُهَاْ بعد الصلاة وقبلها على حد سواء، وعلى هذا فالنصوص القرآنية والسنة النبوية دليل واضح على أنه ليس المقصود من الأضاحي الانتفاع باللحم، ولو كان المقصود مجرد الانتفاع باللحم لكانت الأضحية للصغير والكبير جائزة وببهيمة الأنعام وغيرها جائزة، ولكن المقصود الأعظم شيء وراء ذلك وهو تعظيم شعائر الله والتقرب إليه تعالى بالذبح وذكر اسم الله تعالى عليها وهذا لا يحصل إلا إذا أقيمت هذه الشعيرة في البلاد ورآها الصغير والكبير وذكر اسم الله عليها، وبهذا نعلم أن الأولى والأكمل والأفضل والأقوم لشعائر الله أن يضحي الناس في بلادهم، ولا ينبغي إطلاقاً أن ندعوا الناس إلى أن يسلِّموا الدراهم ليضحوا في بلاد أخرى، ومن المعلوم أن ذبح الأضاحي في البلاد في البيوت يحصل به مصالح عظيمة، وأن إخراجها عن ذلك إلى بلاد أخرى يفوت به مصالح كثيرة ويحصل به شيء من المفاسد، ومما يفوت به أي: ما يفوت بالتضحية خارج البلاد: إظهار شعيرة من شعائر الله- تعالى - في البلاد فتتعطل البيوت أو بعضها أو كثير منها عن هذه الشعيرة لاسيما إذا تتابع الناس فيها فتتابعوا، ومما يفوت بذلك مباشرة المضحي لأضحيته: تأسياً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالسنة أن يذبح الإنسان أضحيته بنفسه ويسمي الله - تعالى - عليها ويكبره تأسياً برسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الذي أمرنا بالتأسي به وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الحج:36]، قال العلماء: وإذا كان المضحي لا يحسن الذبح وكَلَّ غيره وحضرها، ومما يفوت بالتضحية خارج البلاد: شعور الإنسان بالتعبد لله تعالى بالذبح نفسِه، فإن الذبح لله تعالى من أجلِّ العبادات وأفضلها؛ ولهذا قرنه الله - تعالى - بالصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2]  وجعله لكل أمة، واسأل من بعث بالقيمة أضحيته لخارج البلاد هل يشعر بهذه العبادة ؟ هل يشعر بالتقرب إلى الله تعالى بذبحها ؟ إن ذلك لا يكون، ومما يفوت به ذكر اسم الله عليها وتكبيره، وقد أمر الله تعالى بذكر اسمه عليها لمن تقرب إليه فقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾[الحج:36]، وقال تعالى:﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:37]، وفي هذا دليل على أن ذبح الأضحية وذكر اسم الله عليها عبادة مقصودة لذاتها، ومن المعلوم أن نقلها إلى خارج البلاد يفوت به هذا المقصود العظيم بل الأعظم، فإن ذلك أعظم من مجرد الانتفاع بلحمها والصدقة به، قال الله عزَّ وجل: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:37]،  ومما يفوت به الأكل من الأضحية إذا بعث بدراهم ليضحي بها خارج البلاد لن يأكل منها مع أنه مأمور بالأكل من أضحيته إما وجوباً أو استحباباً على خلاف في ذلك بين العلماء فإن من العلماء من قال: يجب على المضحي أن يأكل من أضحيته امتثالاً لأمر ربه، فإن لم يفعل فهو آثم عاصٍ، وإني أقول: أكثر العلماء على عدم الوجوب ولكنهم متفقون على أنه الأفضل؛ لأن الله تعالى قد أمر بالأكل منها مع إطعام الفقير فقال: ﴿مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:28]، فأكل المضحي من أضحيته عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى ويثاب عليها لامتثاله أمر الله، ومن المعلوم أن بعثها إلى خارج البلاد يمنع الأكل منها؛ لأنه لا يمكنه الأكل فيكون بذلك مفرطاً بأمر الله آثماً عاصياً على بعض قول العلماء، ومما يفوت به: أن الإنسان يبقى معلقاً هل يقص شاربه ويقلم أظفاره؛ وذلك لأنه لا يجوز لمن يضحي أن يأخذ شيئاً من شعره وظفره وبشرته من دخول شهر ذي الحجة حتى يضحي، والإنسان إذا بعث بأضحيته لا يدري أذبحت أضحيته أم لا، وهل ذبحت يوم العيد وهو الأفضل أو في الأيام التي تليه أو لم يتمكن من يذبحها، هنالك من ذبحها في وقتها فيذبحها بعد فواته أي: فوات الوقت وذلك لا يجزئ، وقد ذكر بعض العلماء أنه يستحب للمضحي أن يأخذ بعد أضحيته من شعره وظفره، و ورد فيه حديث لكن فيه مقال .

 أيها الإخوة، هذه ست مصالح تفوت بنقل الأضاحي إلى بلاد أخرى، أما المفاسد فمنها: أن الناس ينظرون إلى أن هذه العبادة العظيمة نظرة اقتصادية مالية محضة هي مصلحة الفقير دون أن يشعروا أنها عبادة يتقرب بها إلى الله، وربما يشعروا أن فيها الإحسان إلى الفقراء وهذا خير وعبادة ولكنه دون شعور العبد بالتقرب لله تعالى بالذبح، فإن في الذبح لله تعالى من تعظيمه ما تربوا مصلحته على مجرد الإحسان إلى الفقراء، ثم إن الفقراء يمكن أن تنفعهم بإرسال الدراهم والأطعمة والفرش والملابس والخيام ونحوها دون أن تقتطع لهم جزءاً من عبادتك المهمة ألا وهي الذبح لله عزَّ وجل، ومن المفاسد: تعطيل شعائر الله -تعالى- أو تقليلها في البلاد الإسلامية التي نقلت منها إلى البلاد الأخرى، ومن المفاسد: أنه إذا كانت الأضاحي وصايا فات بذلك مقصود الموصين الذين أوصوا بها؛ لأن الوصايا يذكر بها الأموات من أهليهم وذرياتهم، والظاهر أنه من حال الموصين أنهم يريدون التقرب إلى الله أي: ينفعوا ذويهم  ويمتعوهم بهذه الأضاحي ولم يكن يخطر ببالهم أن تنقل إلى بلاد أخرى قريبه أم بعيدة فيكون في نقلها مخالفة لما يظهر من مقصود الموصين .

 أيها الإخوة، ثم إننا لا ندري من يتولى ذبحها في البلاد الأخرى، هل هو على عمل بأوصاف الأضحية المطلوبة أم سيذبح ما حصل بيده بأي حال كان ؟ ولا ندري هل سيتمكن من ذبح هذه الأضاحي في وقتها أو لا ؟ ولا ندري قد تكون الأضاحي التي دفعت قيمتها كثيرة جدًّا، فيعوز الحصول عليها في أيام الذبح فتأخر إلى ما بعد أيام الذبح؛ لأن أيام الذبح محصورة أربعة فقط يوم العيد وثلاثة أيام بعده، ثم إننا لا ندري هل ستذبح كل أضحية باسم صاحبها أو ستجمع الكمية ؟ فيقال مثلاً: هذه مائة رأس عن مائة شخص بدون أن يعين الشخص الذي ضحيت له، وفي إجراء ذلك نظر .

 أيها الإخوة، لقد أطلنا عليكم ولكن المقام يقتضي ذلك؛ لأن بعض الإخوة الذين يحبون الإحسان ويجتهدون في الخير يظنون أن الدعوة إلى أخذ الأضاحي لتضحى في الخارج إنها أفضل ولكن هذا خطأ لما سمعتم من تفويت للمنافع وحصول المفاسد .

 أيها الإخوة، من هذا المنبر أدعو إخواني المسلمين في كل مكان أن يحرصوا على نفع إخوانهم الفقراء في كل البلاد الإسلامية، ولكني أدعوهم مع ذلك أن يقيموا شعائر الله في البلاد الإسلامية؛ حتى يحققوا ما يحبه الله ورسوله من التعبد لله تعالى بالذبح، وإني أدعوكم وأدعو من يسمع على أن لا يغلب الإنسان العاطفة على الرجوع إلى الشرع فإن الرجوع إلى الشرع هو الخير، والعاطفة تابعة، العاطفة مقوية لما تقتضيه الشريعة وليست هادمة لما تقتضيه الشريعة، فإذا وجدت عاطفة تستلزم أن تهدم ما تقتضيه الشريعة فإنها ليست بعاطفة ولكنها عاطفة لا روية فيها.

 أسأل الله - تعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا وإياكم ممن علم الحق واتبعه وعلم الباطل فاجتنبه، وأن يرزقنا التعقل والمشي على ما ترتضيه شريعة الله، إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وصحبه أجمعين.

 

----------------------------------------

 

 (1)  أخرجه الإمام أحمد في مسنده في باقي مسند الأنصار ( 24158) وابن ماجه في ك المناسك (2892) من حديث عائشة رضي الله تعالى .

(2)   أخرجه مسلم ( 1409) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه .

(3)   أخرجه البخاري في كتاب العلم ( 131) ومسلم في كتاب الحج ( 2013) من حديث بن عمر رضي الله عنهما.

(4)   أخرجه البخاري في كتاب الجنائز ( 1186) ومسلم في كتاب الحج (2092) من حديث بن عباس رضي الله عنهما.

(5)   أخرجه البخاري في كتاب الغسل ( 363) ومسلم في كتاب الحج ( 2054) من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

(6)   أخرجه البخاري في كتاب الجنائز (1186) ومسلم في كتاب الحج ( 2092) من حديث بن عباس رضي الله عنه.

(7)   أخرجه مسلم في كتاب الحج ( 2288) من حديث أم الحصين رضي الله عنها.

(8)   أخرجه البخاري في كتاب العلم ( 131) ومسلم في كتاب الحج ( 2021) من حديث بن عمر رضي الله عنهما.

(9)  أخرجه البخاري في كتاب الجمعة ( 902) وفي كتاب الأضاحي ( 5130) ومسلم في كتاب الأضاحي ( 3624) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com