مكتبة الخطب : 14-مواعظ عامة و مواضيع متفرقة

  مكتبة الخطب : 14-مواعظ عامة و مواضيع متفرقة
الحث على الخروج لصلاة الاستسقاء والدعاء والاستغفار والتوبة إلى الله - عزَّ وجل - عند القحط والجدب
  محتوى الشريط   المادة الصوتية

... أيها الناس، فقد قال الله تعالى: +إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [الحجرات: 10]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمنُ للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا وشبَّك بين أصابعه» . وإن بعض بلاد إخواننا قد أصابها القحط، ولَم ينزل عليها مطرٌ هذه السنَّة وهم كنحنُ في حاجة بل في ضرورة إلى غيث الله ورحمته .

 
استماع المادة
تحميل المادة
المصدر :
حجم الملف : 2.19 MB
تاريخ التحديث : Jun 17, 2004


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالِك يوم الدين، ثم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلّغ رسالة ربّه، ونصح أمّته، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد:

أيها الناس، فقد قال الله تعالى: +إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [الحجرات: 10]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمنُ للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا وشبَّك بين أصابعه» .

وإن بعض بلاد إخواننا قد أصابها القحط، ولَم ينزل عليها مطرٌ هذه السنَّة وهم كنحنُ في حاجة بل في ضرورة إلى غيث الله ورحمته .

أيها المسلمون، إن الغيثَ الذي أنزله الله على عباده ينقسم إلى قسمين لا ثالث لهما، أحدهما: غيثُ القلوب بالعلم والإيمان وهذا الغيث هو الأهم وهو الذي نزلت من أجله الكتب وأُرسلت من أجله الرسل وكانت من أجله الدنيا والآخرة؛ ذلك ما يحصل للقلب من العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وآياته وأحكامه، ثم الإيمان بذلك وتمثيل ما أمرَ الله به ورسوله امتثالاً فعلاً للمأمور واجتنابًا للمحظور، وإننا جميعًا - أيها المسلمون - في ضرورة إلى هذا الغيث، والقحط من هذه الناحية منتشرٌ في بلادنا وينتشر بسرعة هائلة؛ وذلك لضعف وازعِ الدين في قلوبنا ونفوسنا: أكثر الناس اليوم ليس لهم همٌّ إلا في الدنيا يتكالبون عليها ويهرعون إليها ويتسارعون عليها كما تتسارع السباع على الجِيف، لكنّه في أمر الآخرة في صدود وإعراض وإدبار واستكبار؛ ولهذا كانت المعاصي تنتشر وأُصبنا بهذا المرض العظيم الذي يهدّد وجودنا وحياتنا واستقرارنا وأمننا .

إننا واللهِ لو قمنا بأمر الله - عزَّ وجل - كما ينبغي لنا أن نقوم أيها الإخوة، أقولها لكم بإيمان ودليل: إننا لو قمنا بأمر الله كما ينبغي لنا أن نقوم به لَم نأبه بأي عدوٍّ يكون أمامنا لا بأمريكا ولا بروسيا ولا بانجلترا ولا بفرنسا ولا بغيرهم من دول الكفر؛ لأنهم أهون على الله من البعوض؛ ولأن الله - عزَّ وجل - يقول وهو أصدق القائلين وهو القادر على ما يقول، يقول تعالى: +إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ" [الحج: 38]، ولكننا نخاف الآن خوفًا عظيمًا؛ لأنه ليس عندنا سلاح معنوي وهو: الإيمان بالله، كما أننا من حيث السلاح المادي ضعفاء بالنسبة إلى دول الكفر فنحن نخاف ولو أننا قمنا بما يجب علينا وآمنَّا بالله حق الإيمان وعرفناه حق المعرفة وقمنا بِما يجب له علينا ما عبئنا بأحد من هؤلاء، ولكنّنا نسأل الله تعالى أن يُقيم للأمة الإسلامية يقظة صالحة يَعونَ فيها ما يُراد بهم وما خُلقوا من أجله فيقوموا بِما أمر الله عزَّ وجل .

أيها المسلمون، إننا في ضرورة إلى هذا الغيث: إلى الغيث المعنوي، وإننا إذا نظرنا إلى أنفسنا وإذا نحن مفرّطون، مفرطون في أنفسنا وفي أهلنا وفي جيراننا وفي مجتمعنا، فمَن منكم يرى جارَه على منكر ثم يحاول إصلاحه بنصحه وموعظته مرّة بعد أخرى ؟ فإن أفادَ فيه ذلك وإلا رفعه إلى المسؤولين، وكان المسؤولون هم الذين يتلقّون إثمه إذا لَم  يقوموا بِما يجب عليهم نحوه، مَن منكم يفعل هكذا ؟

إنني أجزم - وحسب ما رأيت - أن الإنسان يرى جاره على منكر: يرى جاره لا يصلي، ويرى جاره عاكفًا على ما لا يحل له أن يعكف عليه ومع ذلك لا ينصحه ولا يعظه ولا يخوّفه بالله عزَّ وجل، ثم لا يرفع أمره إذا عجز عنه إلى مَن فوقه من المسؤولين .

لو أننا عملنا هكذا لوجدنا أننا أَصْلَحُ من هذه الحال التي نحن عليها، ولكن الكلّ منَّا أو الأكثر مشغلون بدنياهم معرضون عن أخراهم فـ+إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" [البقرة: 156] .

إني واللهِ أعتقدُ أن هذه المصيبة أعظمُ من مصيبة المرض الفتاك، أعظمُ من مصيبة الموت: موت الأجساد، أعظمُ من مصيبة القحط وعدم المطر وعدم نبات الأرض؛ لأن هذا الموت - موت القلوب - الذي ليس بعده سعادة إلا متاع في الدنيا كما تتمتَّع البهائم .

أما الغيث الثاني وهو: المطر الذي ينزل من السماء؛ فإن الله - تبارك وتعالى - هو الذي ينزّل الغيث، وهو الذي يكشف السوء، وهو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، وهو الذي يقول للشيء كُن فيكون، وهو الذي يبتلي عباده بالنّقم كما يبتليهم بالنّعم؛ يبتليهم بالنِّقم ليرجعوا إليه؛ كما قال تعالى: +ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [الروم: 41] .

إن الله تعالى لا يمنع نعمته عجزًا عن إعطائها ولا بُخلاً بها، ولكنّه يمنع ذلك حكمة منه؛ ليرجع العباد إلى ربهم؛ ليعرفوا أنه لا يملك دفع الضرر عنهم إلا الله، ولا يجلبُ لهم النفع إلا الله، +قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ" [الأنعام: 63-64] .

عباد الله، «دخل رجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، وضاع العيال، فادعُ الله يغيثنا، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه وقال: اللهم أغِثْنا ثلاث مرّات، وليس في السماء من سحاب ولا قزعة، بل السماء صاحية صافية، فبعث الله تعالى سحابًا عظيمًا رعَدَ وأَبرَقَ ولَم ينزل النبي - صلى الله عليه وسلم - من على المنبر إلا والمطرُ يتحادر على لحيته، وبقيَ المطر هكذا أسبوعًا، ثم دخل رجل آخر أو الرجل الأول فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، وغرق المال، فادعُ الله تعالى يمسكها عنَّا، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، وجعل يُشير بيده إلى السحاب فما يُشير إلى ناحية إلا انفرجت وخرج الناس يمشون في الشمس» .

هكذا تتبيَّن آيات الله تعالى وقدرته، وتتبيَّن آيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقه، وهكذا تكون إجابة الدعوة للمؤمنين القائمين بأمر الله المجاهدين في سبيل الله .

 وإن الله - سبحانه وتعالى - قريبٌ مجيبٌ يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا، وما دعا داعٍ ربه إلا رجع بغنيمة، فإمّا أن يعطى سؤله الذي سأل، وإما أن يُفرج عنه من الشر ما هو أعظم من ذلك، وإما أن يدّخر له أجر دعائه يوم القيامة، فما ربك - سبحانه وتعالى - بغافل عمّا تعملون، وما ربك بمضيع لأجر المصلحين، واجتهدوا - رحمكم الله - لسؤال الله تعالى ما تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم؛ فإنه لا غِنى بكم عن ربكم طرفة عين، وارفعوا في هذا المقام قلوبكم وأيديكم إلى ربكم، واسألوه أن يسقيكم.

اللهم أسْقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أسْقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا عذاب ولا هدم ولا غرق .

اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا مُغيثًا، هنيئًا مريئًا، غدقًا مجلّلاً عامًّا طبقًا دائمًا نافعًا غير ضار .

اللهم أسقنا غيثًا تحيي به البلاد، وترحم به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضر والباد، اللهم إنا نسألك بأنّا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا منَّان، يا بديع السماوات والأرض، نسألك أن تُنزل علينا غيثًا عامًّا ورحمة ولا تجعلنا من القانطين .

اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا .

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميدٌ مجيد .

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل  إبراهيم؛ إنك حميدٌ مجيد .

واقتدوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في قلبِ الرداء لعلَّ الله أن يقلب حالنا من الشدة إلى الرخاء .

توبوا - أيها المسلمون - إلى ربكم، توبوا إليه، وارجعوا إليه، واعلموا أن التوبة لابد لها من شروط، إذا لَم تتم هذه الشروط لم تنفع، لا بد أن يندم الإنسان على ما جرى منه من ذنب، ولابد أن يقلع عنه ويتباعد عنه إن كان متلبّسًا به، ولا بد أن يعزم على ألا يعود في المستقبل .

فأما مَن قال إنه تائب وهو مصرٌّ على الذنب فإن توبته لا تُقبل منه، وأشبه ما يكون حالاً كالمستهزئ بربه؛ لأن رجلاً يقول: اللهم إني أتوب إليك من الربا مثلاً وهو يرابي الناس ولا يزال يرابي، أين التوبة من هذا ؟

ورجل يقول: اللهم إني أتوب إليك من غيبة الناس وهو لا يزال يغتاب الناس ويأكل لحومهم، أين التوبة من هذا ؟

ورجل يقول: اللهم إني أتوب إليك من إضاعة الصلاة وهو مُقيم على إضاعة صلاته لا يصلي مع الجماعة وربما لا يصلي في الوقت، فأين التوبة من هذا ؟

ورجل يقول: اللهم إني أتوب إليك من إضاعة الزكاة وهو لا يزكي ماله أو يزكي ماله زكاة لا تنفعه ولا تبرأ بها ذمته، فأين التوبة من هذا ؟

ورجل يقول: اللهم إني أتوب إليك من زنى العين والأذن وزنى الكلام وهو لا يزال يزني بعينه وأذنه وكلامه: لا يزال ينظر إلى النساء اللاتي لا يحل لهنّ النظر إليه، ينظر إليهنّ بتلذّذ، فأين التوبة من هذا ؟ يسمع إلى كلامهنّ ويتسمَّعه تلذذًا بهذا المنطق، فأين التوبة من هذا ؟ 

أيها المسلمون، إن التوبة لا تنفع إلا بالندم والإقلاع عمّا فعل العبد، رجل يقول: اللهم إني أتوب إليك من أكل أموال الناس بالباطل وهو لا يزال مصرًّا على ذلك، يُدخل في أراضيه ما ليس منها، ويدّعي ما لا ليس له، ويجحدُ ما عليه، فتوبوا إلى الله وحقِّقوا التوبة لعلكم تفلحون .

أسأل الله تعالى أن يَمُنَّ عليّ وعليكم بالتوبة النصوح، وأن يجعلنا هداة مهتدين ودعاة مصلحين، وأن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتّباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأسأله تعالى أن يغفر لنا ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين .

والحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com