مكتبة الخطب : 5-المعاملات : 1-النصيحة و الأمانة

  مكتبة الخطب : 5-المعاملات : 1-النصيحة و الأمانة
الحث على أداء الأمانة بين المدرس والطالب عند الاختبار-التحذير والوعيد الشديد من الغش بجميع أنواعه
  محتوى الشريط   المادة الصوتية

...أيها المسلمون، فقد قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: 58]، يسمع ما تقولون ويُبصر ما تفعلون، فإياكم أن لا تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإياكم أن لا تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس؛ لأن ﴿ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: 58]، وقال جلَّ ذكره: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا أي: خِفْنَ منها ﴿ وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ً [الأحزاب: 72] .فسبحان الله ! ما أظلم الإنسان وما أجهله...

 
استماع المادة
تحميل المادة
المصدر :
حجم الملف : 3.28 MB
تاريخ التحديث : Jun 9, 2011


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمدُ لله أحمده وأشكره، وأتوب إليه سبحانه وأستغفره، يقضي بالحق، وأمَر بالعدل وهو السميع البصير، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله الذي قام بعبادة الله ونصحَ لعباد الله وبلَّغ البلاغ المبين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد:

أيها المسلمون، فقد قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: 58]، يسمع ما تقولون ويُبصر ما تفعلون، فإياكم أن لا تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإياكم أن لا تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس؛ لأن ﴿اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: 58]، وقال جلَّ ذكره: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا أي: خِفْنَ منها ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً [الأحزاب: 72] .

فسبحان الله ! ما أظلم الإنسان وما أجهله، تُعرض الأمانات على السماوات والأرض والجبال وخلْق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس والسماوات والأرض أعظم تحمّلاً من الناس فيمتنعْنَ عن حملها ثم يقوم الإنسان الضعيف فيتحمّلها؛ وذلك بِما وهبه الله - عزَّ وجل - من عقل وما أعطاه من إرادة وتصرّف، فبعقل الإنسان وإرادته كان أهلاً لتحمّل الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال، اسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: 172]، واسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: 30] .

أيها المسلمون، إن الأمانة مسؤولية عظيمة، إنها عبء ثقيل إلا على مَن خفَّفَه الله عليه، إنها التزام الإنسان بالقيام بحق الله وعبادته على الوجه الذي شرعه مخلصًا له الدين متّبعًا لخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت الأمانة كذلك: التزام بالقيام بحقوق الناس من غير تقصير، تعاملهم كما تحب أن يعاملوك به، تقوم بحقوقهم كما تحب أن يقوموا بحقوقك، هذا هو العدل، خذ ما لك وأعطِ ما عليك أما أن تأخذ ما لك وتمنع ما عليك فإن هذا هو الظلم و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين: 1-3] .

أيها الإخوة، إننا تحمّلنا الأمانة وحملناها على عواتقنا والتزمنا بمسؤوليتها وسنُسأل عنها يوم القيامة، فيا ليت شعري ما هو الجواب إذا سئلنا في ذلك اليوم العظيم ! نسأل الله لنا ولكم تثبيتًا وصوابًا .

أيها المسلمون، إن الله تعالى أمرنا أن نؤدي الأمانات إلى أهلها وأمرنا إذا حَكَمْنا بين الناس أن نحكم بالعدل وهذان أمران لا تقوم الأمانة إلا بهما: أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل، وإننا الآن على أبواب اختبارات الطلبة من ذكور وإناث وإن الاختبارات أمانة وحكم؛ إن الاختبارات أمانة حين وضع الأسئلة، أمانة حين المراقبة، وحكم حين التصحيح .

أمانة حين وضع الأسئلة: فيحب على واضع الأسئلة مراعاتها بحيث تكون على مستوى الطلبة المستوى الذي يَبِين به مدى تحصيل الطالب في عام دراسته بحيث لا تكون الأسئلة سهلة لا تكشف عن تحصيل ولا تكون صعبة تؤدي إلى التعجيز .

والاختبارات أمانة حين المراقبة: فعلى المراقب أن يراعي تلك الأمانة التي ائتمنته عليها إدارة المدرسة ومن ورائها وزارة أو رئاسة وفوق ذلك دولة بل ائتمنه على ذلك المجتمع كله، فعلى المراقب: أن يكون مستعينًا بالله، يقظًا في رقابته، مستعملاً حواسه السمعية والبصرية والفكرية، يسمع وينظر ويستنتج من الملامح والإشارات، وعلى المراقب - أعني: مراقب الطلبة - في حال الامتحان أن يكون قويًّا لا تأخذه في الله لومة لائم، عليه أن يمنع أي طالب من الغش أو محاولة غش؛ وذلك لأن تمكين الطالب من الغش خيانة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه قال: «مَن غشَّ فليس منَّا» فتبرّأ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - مِمّن غشَّ، قال: إنه ليس من المسلمين؛ لأن المسلمين كل شأنهم نصح وليس فيه غش، وإن تمكين الطالب من الغش ظلم لزملائه الحريصين على العلم، المجدِّين في طلبه، الذين يرون من العيب أن ينالوا درجة النجاح بالطرق الملتوية .

إن المراقب إذا مكَّن أحدًا من هؤلاء المهملين الفاشلين في دراستهم من الغش فأخذ درجة نجاح يتقدّم بها على الحريصين المجدِّين كان ذلك ظلمًا لهم ولا شك، كان ذلك ظلمًا لهم؛ أي: ظلمًا للمجدِّين الحريصين وكان كذلك ظلمًا للطالب الغاش؛ لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: «انصر أخاك ظالِمًا أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم فكيف نصر الظالم ؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصره» وإن الطالب الغاش هو في الحقيقة مغشوش؛ حيث انخدع بدرجة نجاح وهميَّة لم يحصل بها على ثقافة ولا علم، ليس له من الثقافة والعلم سوى بطاقة يحمل بها شهادة زيف لا حقيقة، وإذا بحثت معه في أدنى مسألة مِمّا تنبئ عنه هذه البطاقة لم تحصل منه على علم .

وإن تمكين الطالب من الغش خيانة لإدارة المدرسة وللوزارة أو الرئاسة التي من ورائها وخيانة للدولة وخيانة للمجتمع كله، وإن تمكين الطالب من الغش أو تلقينه الجواب بتصرح أو تلميح ظلم للمجتمع وهضم لحقه؛ حيث تكون ثقافة المجتمع ثقافة مهلهلة يظهر فشلها عند دخول ميادين السباق ويبقى مجتمعنا دائمًا في تأخّر وفي حاجة إلى غيرنا؛ وذلك لأن من المعلوم المجرّب الواقع أن مَن نجح عن طريق الغش لا يمكن إذا رجع الأمر إلى اختياره أن يدخل مجال التعليم والتثقيف؛ لأنه يعلم أنه فاشل فيه .

وإن تمكين الطالب من الغش كما يكون خيانة وظلمًا من الناحية العلمية والتقديرية كذلك يكون خيانة وظلمًا من الناحية التربوية؛ لأن الطالب إذا مارس الغش صار مستسيغًا له وصار الغش هيّنًا في نفسه فيتربّى عليه ويربّي عليه أجيال المستقبل «ومن سنَّ في الإسلام سنّة سيئة فعليه وزْرها ووزْر مَن عمل بها إلى يوم القيامة» .

إن على المراقب أن لا يراعي شريفًا لشرفه ولا قريبًا لقرابته ولا غنيًّا لماله ولا أديبًا لأدبه، إن عليه أن يراقب الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إن عليه أن يؤدي الأمانة كما تحمّلها؛ لأنه مسؤول عنها يوم القيامة .

ولربما يقول مراقب: إذا أدّيت واجب المراقبة إلى جنب مَن يضيّع ذلك فقد أرى المضايقات ؟

فجوابنا عليه أن نقول: اتَّقِ الله فيما وُلّيت عليه واقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: 2]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]، وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: 49]، حتى وإن فارقك هؤلاء المهملون الغاشّون فلا يهمنّك أمرهم، إنما الذي يهم هو أداء الأمانة .

أيها المسلمون، إن الاختبارات حكم حين التصحيح؛ فإن المعلّم الذي يقدّر درجات أجوبة الطلبة ويقدّر درجات سلوكهم هو حاكم بينهم في الواقع؛ لأنه أجوبتهم بين يديه بمنزلة حُجَج الخصوم بين يدي القاضي فإذا أعطى طالبًا درجات أكثر مِمّا يستحق فمعنى ذلك أنه حكَم له بالفضل على غيره مع قصوره وهذا جور في الحكم وإذا كان هذا الأستاذ الذي يعطي مَن شاء ويحرم مَن شاء إذا كان هو بنفسه لو حُرمَ ابنه من درجات لا يستحقها أو قُدم على ابنه أحدٌ دونه أهو يرضى بذلك ؟ إنه لن يرضى بهذا، فكيف يرضى لنفسه أن يقدم على أولاد الناس مَن هو دونهم !

أيها الإخوة، إن من الأساتذة مَن لا يتقي الله في تقدير درجات الطلبة فيُعطي أحدهم ما لا يستحق؛ إما لأنه ابن صديقه أو ابن قريبه أو ابن شخص ذي شرف أو مال أو رئاسة ويمنع بعض الطلاب ما يستحق إما لعداوة بينه وبين الطالب أو بينه وبين أبي الطالب أو لغير ذلك من الأسباب وهذا كله خلاف العدل الذي أمر الله به ورسوله، فإقامة العدل واجبة بكل حال على مَن تحب ومَن لا تحب، فمَن استحق شيئًا وجب إعطاؤه إياه ومَن لا يستحق شيئًا وجبَ حرمانه إياه، واستمعوا إلى هذه القصة الغريبة العجيبة: أرسل النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عبد الله بن رواحة إلى اليهود في خيبر ليخرص عليهم الثمار والزروع ويضمّنهم ما للمسلمين منها وذلك أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لَمّا فتح خيبر طلب اليهود منه أن يقرّهم فيها وأن يكون لهم النصف وللمسلمين النصف فأقرّهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أجلاهم عمر في خلافته لأسباب شرعية حق .

خرج عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - فأراد اليهود أن يعطوه رشوة؛ لأن اليهود متمرّنون على الرشا أكّالون للسحت، فقال عبد الله - رضي الله عنه - منكِرًا عليهم: أتكرموني السحت، واللهِ لقد جئتكم من عند أحب الناس إليَّ - يعني: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأنتم أبغض إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي لكم وحبي إياه أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض .

أيها المسلمون، تأمّلوا هذا الكلام العظيم من هذا الصحابي الجليل، كان يحب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أعظم من محبة أي إنسان ويُبغض اليهود أشد من بغض القردة والخنازير، حبٌّ بالغٌ لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبغضٌ شديدٌ لليهود يصرّح بذلك رضي الله عنه لليهود ثم يقول لهم: لا يحملني بغضي لكم وحبي إياه أن لا أعدل عليكم، فرَضِيَ الله عن عبد الله بن رواحة وعن جميع الصحابة .

إن العدل - أيها الإخوة - لا يجوز أن يضيع بين عاطفة الحب وعاصفة البغض، يقول الله عزَّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أي: لا يحملنّكم بغض قوم ﴿عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: 8]، ويقول جلَّ ذكره: ﴿وَأَقْسِطُوا أي: اعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9]، ويقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: 15]، والقاسطون هم: الجائرون وهم من حطب جهنم، المقسطون هم: العادلون وهم من أحباب الله، وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عزَّ وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا» وقال صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال» أخرج الحديثين مسلم بن الحجاج - رحمه الله - في صحيحه .

فاتَّقوا الله - عباد الله - وكونوا ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء: 135] .

وفَّقني الله وإياكم لأداء الأمانة، والحكم بالعدل والاستقامة، وثبَّتني وإياكم على الهدى، وجنَّبنا أسباب الهلاك الردى؛ إنه جوادٌ كريم .

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الخطبة الثانية

الحمدُ لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لِمَن شكر، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر، الشافع المشفّع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحبٍ ومعشر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدا الصبح وأسفر، وسلَّم تسليمًا كثيرًا .

أما بعد:

أيها الناس، اتَّقوا الله تعالى واعلموا أن أداء الأمانة واجب على المسلم في كل ما ولاه الله عليه في أهله وفي طلبته وفيمَن تحت إمارته في كل شيء، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته والإنسان راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته» .

فاتّقوا الله عباد الله، أدّوا الأمانة، لا تظلموا أحدًا ولا تحابوا أحدًا في دين الله، لقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم، بل أقسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الصادق البار بدون قسم، أقسم أن لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطع يدها، وإن كثيرًا من الأساتذة يسألون يقولون: إذا كُنّا نعرف أن الطالب جيّد في وقت الدراسة وأنه أديب وأنه يحترم أستاذه ويحترم دروسه ولكنّه أخفق في الجواب حين الامتحان إما لنسيان بعض الفقرات أو لفهم سيئ للسؤال أو لغير ذلك من الأسباب فهل لي أن أقدّر درجته على حسب ما أعلمه أم على حسب ما قدّمه لي في الاختبار ؟

والجواب على هذا: أنه يجب أن تقدّر درجاته على حسب ما قدّمه لك في الاختبار فقط؛ لأن هذا هو محل الحكم الذي يكون في آخر السنة أو في وسط السنة .

نعم، إذا كان في أعمال السنة خيار للمدرس أن يزيد الطالب المجتهد والطالب المؤدّب فله أن يزيد وله أن ينقص في ضدِّ ذلك في أعمال السنة التي يكون الخيار فيها للمدرس، أما ما كان مبنيًّا على الحكم بين أجوبة الطلبة فإن الواجب أن يكون الإنسان مرتبًا درجات الطالب على حسب ما قدّمه في الامتحان لقول النبي صلى الله وعلى آله وسلم: «إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» يعني: أقوى حجة وأشد بيانًا «وإنما أقضي بنحو ما أسمع» لا بنحو ما أعلم «إنما أقضي بنحو ما أسمع» بنحو ما يقال في مجلس الحكم، وهكذا نقول: نقضي بِما يقدّم بين أيدينا من أجوبة الطلبة وإن كنا نعلم أنهم حريصون وأنهم مؤدّبون وأنهم جيّدون في أثناء الدراسة، المدار على ما يكون في مجلس الحكم والتصحيح لأجوبة الطلبة في الامتحان هو مجلس حكم، والنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كما سمعتم يقول: «إنما أقضي بنحو ما أسمع» ولم يقل: بنحو ما أعلم؛ لأنه - أي: الحاكم - يقضي بين خصمين جالسين إليه، فمَن كان أقوى منهم حجة فإنه يحكم له ولو كان هذا الذي أدلى بحجته القوية لو كان مبطلاً؛ لأننا لا نكلف إلا ما سمعنا ولا نكلف إلا ما كان في وقت الحكم فقط، أما ما قبل ذلك فإننا لا نكلف به، وقد قال الله عزَّ وجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [البقرة: 286]، ولكن في مسألة القضاء لو كان القاضي يعلم أن هذا الذي سيغلب في حجته مبطل فإنه يجب أن يتخلى عن الحكم وأن يُحيل المسألة إلى قاضٍ آخر ويكون هو شاهدًا فيها وإذا كان شاهدًا فإنه لا لوم عليه ويكون الحكم للقاضي الذي تُحال إليه المسألة، هكذا قال أهل العلم؛ يعني: إذا تقدّم خصمان إلى القاضي وكان يعلم أن أحدهما على حق فأراد الثاني الذي كانت حجته قوية ولكنه مبطل ففي هذه الحال يجب أن يصرف النظر عن القضاء بينهما وأن يُحيل القضية إلى قاضٍ آخر ثم يكون هو شاهدًا .

كذلك بعض الطلاب يسأل يقول: إذا رأيت طالبًا يغش أو يحاول الغش فهل يلزمني أن أخبر به ؟

والجواب: نعم، يلزم أن تخبر به؛ لأنه هذا من النصيحة له والنصيحة للمدرسة والنصيحة للأمة جمعاء كما أشرنا إليه في الخطبة الأولى، يجب أن تخبر به ولكن كثير من الطلبة يقول: لو أخبرت به علنًا صار المكان فوضى وصار كل إنسان يمكنه أن يغش مع هذه الفوضى فماذا أعمل ؟

نقول: من الممكن أن تكتب وُرَيْقة صغيرة وتسلّمها إلى المراقب ويكون المراقب هو المسؤول بعد ذلك؛ لأنك أدّيت ما عليك .

ويسأل أيضًا بعض الطلبة: هل يجوز أن نغش في المواد المساعدة غير الأساسية ؟

فنقول: لا يجوز الغش حتى في المواد المساعدة، حتى في المواد الصعبة، حتى في المواد القليلة الفائدة كالجغرافيا مثلاً واللغة الإنجليزية؛ فإنه عند كثير من الناس قليلة الفائدة أو عديمة الفائدة ولكن ما دامت قد قُرّرت فإنه لا يجوز الغش فيها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَن غشّنا فليس منّا» .

إذا كنت - أيها الطالب - تعتقد أن الغش في امتحان اللغة الإنجليزية أنه غش فما الذي يخرجه من هذا الحديث ؟

إذنْ: فإذا غششت في هذه المادة فإنك قد عرّضت نفسك لبراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - منك ولا ريب أن الدارس إذا دخل في هذه المدرسة وفيها مادة اللغة الإنجليزية لا ريب أنه أخذ على نفسه تعهّدًا بأن يكون فاهمًا لها كما يفهم غيرها من الدروس، وإذا كانت الدولة - وفَّقها الله - قد جعلت الشهادة مرتبة على أن يخرج الإنسان من جميع المواد متقنًا لها فإنك إذا خرجت وأنت لم تُتقن اللغة الإنجليزية - وهي في المواد التي دخلت على التزامها - فإنك بهذا لا تستحق هذه الشهادة وإذا لم تستحق هذه الشهادة فإنك لا تستحق المرتبة التي تترتّب عليها ولا الراتب الذي يترتّب على هذه الشهادة .

إذنْ: فالمسألة خطيرة والواجب على الطالب أن يكون نزيهًا في اختباراته ولا يعوّد نفسه مثل هذا العمل الذي يُعتبر مخالفًا للأمانة تمامًا وهو إذا عوّد نفسه الجد والاجتهاد وعدم الغش والخيانة فإنه سيكون - بحول الله - مبرزًا على أبناء جنسه .

فاتَّقوا الله - أيها المؤمنون - واتَّقوا الغش والخيانة؛ فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: 27] .

واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة، ومَن شذَّ شذَّ في النار، واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ به بنفسه فقال جَلّ من قائل عليمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .

يا له من نبأ عظيم وشرف كبير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون الله رب العزة - جلَّ وعلا - يصلي عليه وأن تكون الملائكة الكرام يصلّون عليه ثم يأمرنا ربنا بصفة الإيمان أن نصلي عليه ونسلِّم تسليمًا ! فسمعًا وطاعة لربنا .

اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد الذي بشّر وأنذر، وبلَّغ وأدى الأمانة حق الأداء .

اللهم صلِّ وسلّم عليه، اللهم ارزقنا محبّته واتّباعه ظاهرًا وباطنًا، اللهم توفّنا على ملّته، اللهم احشرنا في زمرته، اللهم أسْقنا من حوضه، اللهم أدخلنا في شفاعته، اللهم اجمعنا به في جنات النّعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين .

اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين وعن أولاده الغر الميامين، وعن زوجاته أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

اللهم ارضَ عنّا معهم وأصْلح أحوالنا كما أصْلحت أحوالهم يا رب العالمين .

اللهم أصْلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصْلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصْلح للمسلمين ولاة أمورهم صغيرهم وكبيرهم يا رب العالمين .

اللهم هيئ لولاة أمور المسلمين بطانة صالحة تدلّهم على الخير وتحثّهم عليه، اللهم أبْعِد عنهم كل بطانة سوء يا رب العالمين، اللهم مَن كان من بطانة ولاة أمورنا غير مستقيم على دينك وغير ناصح لهم ولا لعبادك اللهم فأبعده عن ولاتنا وأبدلهم بخير منه يا رب العالمين .

اللهم أصْلح لولاة أمور المسلمين بطانة صالحة، اللهم أصْلح رعيتنا ورعاتنا، اللهم اهدنا جميعًا صراطك المستقيم، اللهم اجعلنا آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، داعين إليك على بصيرة يا رب العالمين، اللهم اجعلنا أمة صالحة مصلحة، اللهم اجعلنا أمة هادية مهدية.

اللهم وفِّقنا لِمَا وفّقت عبادك الصالحين يا رب العالمين ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10] .

عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:90-91]، واذكروا الله العليم الجليل يذْكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدْكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45] .

-------------




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
info2@binothaimeen.com